Étiquette : الحسن الثاني

  • المخزن تحت مجهر البحث الأكاديمي

    « منطق رجالات المخزن وأوهام الأصوليين » لمحمد العمري

    امبارك امرابط نشر في أخبار اليوم يوم 02 – 03 – 2010

    قال عبد الصمد بلكبير، القيادي اليساري، إن المؤسسة التي تحكم المغرب هي « مديرية الشؤون العامة

    (DAG) بوزارة الداخلية، موضحا أنها المقصودة بمفهوم « الحزب السري ». وأضاف عبد الصمد بلكبير، خلال لقاء نظمه الحزب الاشتراكي الموحد حول كتاب « منطق رجال المخزن وأوهام الأصوليين » لمحمد العمري، أن « لادياجي »، التي أسسها الماريشال ليوطي وقواها المقيم العام « ألفونس جوان »، هي التي « تصنع الأحزاب والنقابات والجمعيات.. وحتى الصحف »، مذكرا بأن إدريس البصري نفسه « خريج هذه المؤسسة ».

    وقال بلكبير، وهو كذلك أستاذ جامعي بكلية الآداب بمراكش، في معرض ملاحظاته حول هذا الإصدار، الذي تناول الوضع السياسي في المغرب، إن الاختلاف بين عهد الحسن الثاني وعهد محمد السادس يكمن أساسا في كون الدولة كانت تتحكم، في العهد السابق، في الساحة السياسية عن طريق « تفكيك الأحزاب » وتشتيتها، ولعب الملك دور ضابط التوازن بين مختلف هذه المكونات. أما في العهد الحالي، فقد دخلت الدولة « عهد التجميع » عبر « البام »، مستلهمة، في نظره، « النموذجين المصري والتونسي ». وتابع بلكبير موضحا فكرته أن النظام يراهن على تجميع الأحزاب الكبرى في « حزب عريض لا هوية له »، مشبها ذلك ب »كتلة تاريخية مقلوبة ». وعبر بلكبير عن اعتقاده بأن السلطة تسعى إلى جعل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية « عمودا فقريا لهذا الحزب العريض ».

    وانتقد بلكبير، الذي كان من قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي اندمج في الاتحاد الاشتراكي، عددا من جوانب الكتاب، وخاصة طريقة تناوله لمسار عبد الهادي بوطالب. وإذا كان المؤلف يعتبره من أعمدة رجالات المخزن، فإن بلكبير يصفه ب »السلفي الحداثي ».
    من جهته، اعتبر محمد الساسي، نائب الأمين العام للاشتراكي الموحد، الكتاب « وثيقة ضد محو الذاكرة » لما يتضمنه من سرد للأحداث، مبرزا أنه يؤكد على أن المخزن « بنية » تقوم على ثلاث ركائز:

    القصر، أي الملك والحاشية؛ ثم « قوة الضغط والجباية »؛ وثالثا: « قوة التبرير والتخدير »، وتتمثل الأولى في الفقهاء، بينما تتجلى الثانية في مثقفي السلطة.

    بالمقابل تساءل الساسي، وهو كذلك أستاذ جامعي في كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس، عن سبب غياب أي إشارة إلى الليبراليين في الكتاب الذي يعني بالحداثة، أساسا، قوى اليسار. كما آخذ المؤلفَ على عدم الإشارة، عند الحديث عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إلى تلك المقترفة بعد 16 ماي 2003، والتي اعتبرها الساسي « أفظع » من تلك التي ارتكبت في الستينيات والسبعينيات والتي تناولها الكتاب.

    أما مراد الزوين، الأستاذ الجامعي بكلية الآداب التابعة لجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، فأشار إلى أن محمد العمري يعتبر أن « كل رجالات » المخزن « مخصيون فكريا »، كما يشدد على أن المخزن لا يتوانى في « استغلال المقدس لتقزيم القوى الديمقراطية ».

    ولكن مراد الزوين انتقد الكتاب ل »غياب رؤية مستقبلية واضحة تكون محركا للحداثة وفكرة الديمقراطية »، كما يؤاخذ المؤلف على انتهاجه نوعا من التفضيل الضمني لعهد محمد السادس على عهد الحسن الثاني، متسائلا: « هل مات المخزن مع موت الحسن الثاني؟ ».

    من ناحيته، قال الطيب بياض، الأستاذ في كلية الآداب عين الشق بالدار البيضاء، إن كتاب « منطق رجال المخزن وأوهام الأصوليين » يعتبر « قراءة بها كثير من الجرأة للواقع المغربي »، مبرزا أن الكاتب وظف تخصصه في البلاغة والخطاب ليمنح المكتبة المغربية تحليلا عميقا للواقع المغربي.

    وأورد بياض العديد من المعطيات حول الأصولية ببلادنا، وركز، بالخصوص، على العدد الكبير للمدارس العتيقة بالمغرب الذي يفوق نظيره بباكستان، رغم كل ما يقال عن مدارس هذه البلاد التي أنتجت طالبان، ومازال يتخرج منها العديد من المتطرفين. فالمغرب يضم، حسب الكتاب، 16 ألف مدرسة عتيقة يصل عدد طلبتها إلى حوالي 300 ألف طالب، بينما يبلغ عددها في باكستان نحو 15 ألف مدرسة.

    المصدر

  • غريب أمر المخزن !!!

    <غريب أمر المخزن !!!

    مولاي عبد السلامنشر في مرايا برس يوم 14 – 04 – 2010

    أنقرهنا لقراءة الموضوع المعلق عليه http://www.marayapress.net/index.php?act=press&id=2076

    السلام عليكم الظاهر أن رجال المخزن في المغرب لا يفقهون لا في القانون و لا في الأعراف الدولية

    المغرب الأن يتجه نحو الإنفتاح و حقوق الإنسان حسب الخطاب الرسمي ، و يريد أن يتصالح مع ضحايا سنوات الرصاص و يجعل تلك الحقبة السواء و راء ظهره ، بينما بعد رجالاته من الجهال يريدون إعادة التجربة ، لكنهم نسوا أننا في زمن الأنترنت و الفضائيات .

    يكفي أن ينشر موضوع واحد في الهوتمايل أو الفيسبوك أو مقطع في اليوتوب لكي يهتز الرأي العام الدولي و ليس الوطني ، لأن الرأي العام الوطني لا وزن له عند السلطة .

    المهم ، أتمنى من السلطات المعنية أن تفتح تحقيق مع هذه العصابة التي حاولة ان تذهب بالمغرب للهواية حفظ الله جميع الموالين من شر المتربصين و الجهلة نشكر مرايا برس على نقل الخبر الحصري ، بارك الله بكم.

    المصدر

  • نظيمة المخزن، تركيبتها ودورها في تكريس التقليدانية

    نظيمة المخزن، تركيبتها ودورها في تكريس التقليدانية

    خديجة صبارنشر في العمق المغربي يوم 29 – 06 – 2018

    كثر الحديث هذه الأيام في المغرب عن ترديد كلمة المخزن؛ عبر وسائل الأعلام وعبر شبكات التواصل الاجتماعي وأثناء الحديث في بعض اللقاءات الفكرية، وبالأخص بعد صدور الحكم على معتقلي حراك الريف، الذي أظهر أن المخزن لا يقبل المنافسة.

    لقد عرف المجتمع المغربي تحولا كبيرا في العقود الأخيرة، دون أن يتمكن المحزن من مواكبة هذا التغيير، باعتماد سياسة جديدة لها علاقة بالدولة الحديثة وبالحداثة السياسية.

    جاء في محاضرة الأستاذ محمد سبيلا بالفضاء الثقافي للكنفدرالية الديمقراطية للشغل بالدار البيضاء يوم 30 مارس الماضي: » إن المدرسة الفلسفية المغربية نشأت من قلب الصراع السياسي بين التيار التقدمي والتيار التقليدي الذي مثله المخزن والقوى المحافظة في الحركة الوطنية. وجاءت في سياق عالمي يتسم بصعود الحركات التحررية والتيارات الاشتراكية، لكن النظام المخزني فطن إلى أن هذه المدرسة تشكل خطرا عليه لأنها تغذي اليسار المغربي والقوى السياسية التقدمية فقام بخنق الفلسفة في الجامعة بأن ألغاها بقرار سياسي، وفي المقابل قام بتشجيع الأصولية من خلال اعتماد تدريس مادة الدراسات الإسلامية حتى يقضي على منابع التفكير الفلسفي العقلاني ». من هذا المنطلق، سأركز في هذه الورقة على معنى »المخزن » كنظام؟ وجذوره ضاربة في عمق الماضي المغربي، وكثابت ومتحكم في المسار التاريخي للمغرب والمغاربة؟ ما هي العوامل الكامنة خلف استمراريته، انطلاقا من مفهومه في المشروع الفكري للأستاذ عبد الله العروي.

    إلى حدود عام 1956، كان يسوس المغرب سلطان، ويحف بحضرته مخزن، وليس ملكا تساعده حكومة. وهو في الواقع نسق في التسيير يعكس طبيعة العلاقة بصانع الكون، على اعتبار أن السلطان خليفة الله في الأرض. وتقوم القاعدة الأصلية المؤسسة للسلطة السياسية على البيعة كصيغة لإضفاء الشرعية على النظام، و تعبر في شكلها ومضمونها على فكرتي اليمين والعقد الواردة في الآية: « إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ».

     » المخزن » في نظر ابن خلدون هو سلطان، قبيلة أو زاوية. في الحالة الأولى تغلب على الدولة خصائص القبيلة في تنظيماتها وسياستها وغاياتها كما كان الأمر أيام المرابطين والمرينيين وغيرهم. وفي الحالة الثانية تغلب صفات الزاوية كما عند الأدارسة والفاطميين والسعديين و بأحرى الدلائيين. وفي الحالتين المخزن تنظيم مضاف، يتلخص في جيش وديوان، ( سيف وقلم). من يحمل هذا أو ذاك، الجندي والكاتب، فهو مخزني، وأسرته مخزنية متى توارث فيها المنصب. المخزني صاحب  » كلمة »، يتلقاها ويبلغها، له مأمورية، يأمر ليطاع لأنه هو مأمور مطيع ».

    المخزن بالتحصيل هو البنية البشرية للدولة: في معناه الضيق، يتعلق الأمر بالمشتغلين في الجهاز الإداري أي الجيش والبيروقراطية. وهما العنصران الأساسيان المكونان له، وكل من يتقاضى أجرا من الخزينة السلطانية، وليس ممن يتم تعويضهم من مال الأحباس كأعضاء الإدارة الحضرية، والهيأة المكلفة بالحفاظ على الأمن في المدن، وإلى حد ما في القرى. أما في معناه الواسع فيشمل جميع الجماعات المشكلة لأعضاء المخزن الضيق؛ الخاصة وقبائل الكيش، الشرفاء والعلماء والأعيان والمرابطون المنتشرون في البوادي. وهم إجمالا من يحضون بالصلاة، أي الهدايا ويملكون ظهائر التوقير والاحترام أو بإمكانهم الحصول عليها، ومن يعتبرون أنفسهم جزءا من المخزن تأسيسا على إقراره لهم بفضائل لا تتوفر في العامة. بهذا التعريف يؤكد المؤرخ عبد الله العروي على الطابع الأساس للمخزن أنه مؤسلم وعربي ومعرب، ويستند إلى القوى المحلية لمقاومة البلاد التي تقاومه ويفرض نفسه بشكل شبه مستديم على المناطق الخارجة عن سلطته بالاعتماد على قوى محلية كالزوايا والزعامات، مفندا مقولة كون المخزن قبيلة حاكمة أو إقطاعية أو نموذجا للاستبداد الشرقي.

    العامة هم من يباشرون الأشياء؛ من فلاحين وكسابين وصناع وتجار، أصحاب مهن متميزة، وعلاقتهم بالإنتاج أظهر وأوثق. والخاصة هم من يباشرون البشر من شرفاء وعلماء وشيوخ وقادة. وفوق هؤلاء و أولائك يوجد الحكام أهل الحل والعقد، أصحاب الأمر والكلمة. فهم إما عسكر(السيف) وإما كتاب (القلم) وإما قضاة (الشرع): الشرفاء والعلماء والشيوخ… هيئآت متميزة، لكن تجمعهم ظاهرة، كونهم لا يباشرون الإنتاج. فهل من شريف فلاح أو عالم صانع إلا مضطرا أو زاهدا !! إلى حدود القرن التاسع عشر ظل الجيش يرمز إلى النظام القديم ولم يحدث فيه أي تغيير، بينما شهد الجهاز البيروقراطي تطورا ملموسا دون أن يصل به الأمر إلى درجة حصول قطيعة مع الماضي. لكن هذا القرن شهد تطورا في المراتب المرتبطة بالإدارة المركزية المتمثلة في « البنيقات » بشكل يمكن الحديث عن بيروقراطية وازنة، بسبب اتساع حجم العلاقات بين المغرب وأوربا. و دأب المتعاملون الفرنسيون معها في نهاية القرن إلى الإشارة إليها بعبارة « Administration maure « .

    يشير الأستاذ عبد الله العروي إلى ارتباط ظهور أجهزة المخزن ببذور فكرة الدولة بمفهومها العصري، حيث أضحت الكلمة تطلق على مجموع أرض المغرب على شكل هيأة إدارية وتراتبية اجتماعية وعلى سلوك ومراسيم، بمعنى أن المخزن كان سيفا وقلما، نما وتطور في كل دولة وإمارة تعاقبت في المغرب، حتى في الدولة الزيانية التي كانت أقل اتساعا وغنى، مما يقيم البينة على أنه: » وجد في المغرب خلال القرن التاسع عشر دولة ومجتمع بكل ما يعنيه المفهومان، أي أن البلاد لم تكن كما يعتقد شتات قبائل مستقلة. » المهم أنه  » توجد عندنا ذهنية مخزنية تفوق في تميزها و فرادها ما يماثلها اليوم في مجتمعات أخرى ». وتعد الخدمة المخزنية بابا من أبواب الثروة والترقي وفرصة سانحة للإثراء، بشرط الولاء والتفاني في الخدمة، منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر: »الولاء عند مخزنيينا تام وكذلك الخضوع وكذلك الكتمان. لا شخصية لرجل المخزن سوى المخزنية؛ بانتمائه إلى المخزن باحتمائه به، يكون قد حط الجمل عن كتفه، لا غاية له لا شغل له، سوى انتظار الأوامر وتبليغها. هذه الذهنية لا تنحصر في رجال المخزن، وهم قلة بل تنتشر آليا في سائر المجتمع ».

    والمنصب الحكومي يوفر لصاحبه النفوذ والسلطة كما يتيح له اقتناء أموال منقولة وعقارات يحصلها في غالب الأحيان مما للدولة أو مما للجماعة. وتجار السلطان فئة من المحظوظين يحصلون على امتياز يمنه إياهم السلطان لممارسة التجارة الخارجية مع الأجانب، في إطار سياسي عام كان أساسه التحكم السلطوي في المال. والسلطة عندما كانت تخول أحد المستفيدين نصيبا من الجاه، فقد كانت تعطيه فرصة تحصيل « ثروة غير عادية ». والجاه أساس السلطة، وهو السبيل إلى الاغتناء كما قال ابن خلدون، فإن كان متسعا كان الكسب الناشئ عنه كذلك وإن كان ضيقا قليلا فمثله. فكل من لم يملك جاها أي صلة وطيدة بماسكي الأمور في الدولة، بما يمكنه من ممارسة القهر والعسف والتسلط على مراتب المجتمع الفاقدة للجاه وللتحصيل. والمخزن يغدق على خدامه الأوفياء ويجازيهم خير الجزاء، لكنه يتصرف مع خدامه المثرين وكأنهم مستغرقو الذمة. يفرض الضرائب ويستخلصها دون أية معايير موضوعية، ويترك لأعوانه ضمنيا هامشا لأخذ نصيبهم من تلك الضرائب. وضع لا يختلف عما يجري اليوم في الألفية الثالثة. باختصار، النظام المخزني قائم على ابتزاز فئات واسعة من المجتمع، مقابل تمتيع فئات محظوظة بامتيازات ريعية غليظة. يقوم على هاجس الأمن والتخويف وليس على النجاعة الاقتصادية. وما شهدته أحداث الحسيمة وجرادة شاهد على ذلك.

    وتميزت طائفة من النخبة السياسية بعداء شديد للإصلاح ولأي تغيير في الأوضاع القائمة في البلاد. وقد سعى الاستعمار منذ توقيع اتفاقية الحماية سنة 1912، إلى الحفاظ على ثيوقراطية الحكم السلطاني، للوقوف ضد أي محاولة ترمي إلى الأخذ بأسلوب المؤسسات البرلمانية الفرنسية، بهدف الحفاظ على المظاهر الخاصة بالتقاليد، وفطن إلى منفذي النزوع التقليدي الوراثي عبر الاتكال على ذوي النفوذ المحليين، فأوكل للأعيان مهمة مراقبة العالم القروي التقليدي، وتم تلقيح « المخزن التقليدي » ب « إدارة الحماية »، مع الاحتفاظ بمسألة التداخل بين الديني والزمني، وركبت السياسة انطلاقا من هذه المستويات المتناقضة؛ فلجوء النظام السياسي المغربي بعد الاستقلال إلى تبني مفهوم الدولة الحديثة لم يمنعه من الإبقاء، موازاة مع ذلك، على أنظمة ومفاهيم تقليدانية، يوظفها بالطريقة التي تمكنه من الحفاظ على استراتيجيته المحبوكة في الحكم. وهي إفراز الحماية يقول: » كانت الدولة المغربية مزدوجة (وإن توحدت رمزيا في القمة): لغتان، ثقافتان، اقتصادان، قانونان. كانت هناك « دولة » وافدة، بمعالمها ونظمها، هيئاتها، يرأسها المقيم العام، ودولة أصيلة على رأسها إمام شريف. »

    مخزن الحسن الثاني 1961- 1999

    واصل الامتداد المخزني حضوره في مغرب الحسن الثاني، باعتماد سياسة الريع أسلوبا في الحكم، لدرجة أضحى معها السمة المميزة له، وباعتماد الدولة الحديثة مع الاحتفاظ بالتقليدانية. تم تفكيك بنية « المخزن » كجهاز سلطوي تقليدي، ذي عمق تاريخي وتراتبية خاصة وشبكات امتدادات وهيمنة متجذرة في أعماق المجتمع، وإعادة هيكلته بميكانيزمات العصر الحديث، مع تقوية وتعميق آليات السيطرة والهيمنة القديمة، ليضحى النظام المغربي خاضعا لمنطق المساكنة والمجاورة بين التحديث والتقليد، بمعنى أنه مبني على خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا :
    الأول: خط مخزني مغرق في التقليد المتوارث والتقليدانية. وهو صورة عامة للنظام المغربي التقليدي في مرحلة كان فيها ما يزال في منأى عن مصادر التأثير الأوربي.

    الثاني: خط تحديثي ممثل بالمؤسسات الحديثة الناجمة عن الاتصال بالآخر(الغرب)؛ حيث مر الزمن وتغيرت الظروف ومعها الألفاظ والتعابير( شعب ونخبة وحكومة، جيش وبيروقراطية وقوانين، سيادة وتفويض وتنفيذ: » عاد الجيش وعادت الإدارة في غالبيتها مستحدثة بيد ممثل الدولة الحامية لكون معاهدة الحماية عقد تفويض. كلف الممثل المذكور بإصلاح ما هو قائم، وإنشاء الدوالب الناقصة والضرورية في مفهوم الدولة الحديثة. وهكذا في ظرف نصف قرن شيد على أرض المغرب مجتمع جديد بقاعدته الإنتاجية وتنظيماته الاجتماعية ولغته وثقافته وعقيدته الخاصة، مجاور للمجتمع الأصلي، غير متداخل معه. » وعبر هذه التركيبة تتعايش المؤسستان وتشتركان في عملية التسنين (retraditionalisation) بتعبير الأستاذ العروي، أي الانتماء لنظام اجتماعي معين يتجسد في سلوك محافظ تكراري، بمثابة حاجز وقائي ضد عوامل التغيير والتحول، يقوم على إعادة إنتاج النظام، بثقافته التقليدية الحية، بتربيته الأولية الغالبة، وإعطائه مبررات الاستمرارية والقوة الرمزية والإيديولوجية والتي تتقوى فاعليتها زمن الأزمات، له قاعدة إنتاجية، يبحث فيها الاقتصاديون تتداخل فيها عوامل عتيقة وأخرى مستجدة يقول: » تتعاقب الأجيال، يتتابع الحكام، يتبدل الأشخاص، ويبقى النظام على حاله، ثابتا راسخا، وكذلك الذهنية العامة. »

    والتسنين اختيار تقليدي واعي بذاته وبأهدافه، وليس وصفا موضوعيا لما مضى وانقضى، بل هو تركيب حداثة/تقليد. واختيار يتم وفق مصالح قوى اجتماعية معينة تروم الحفاظ على وضعها وتطلعها للمستقبل، بجعله أداة توظيف سياسي لخدمة مصالحها، حيث تعيد البنية إعادة إنتاج النخبة وثقافة المجتمع المغربي بصفة عامة: الفقه باعتباره ثقافة العلماء، الآداب بما فيها الفلكلور بوصفها ثقافة المخزن، التصوف يشكل ثقافة الشعب، غير أن وراء تنوع الإبداعات الثقافية توجد منهجية وحيدة تؤسس للإيديولوجيا التي هي الضامنة للنزعة التقليدية المغربية.

    مخزن محمد السادس 1999…
    في مغرب محمد السادس تغير النظام لكنه في العمق حافظ على المنطق نفسه، إذ لم يدخل أي تغيير جوهري على المخزن، ذلك أن السمة الغالبة على الأنشطة الرسمية حافظت على تركة الحسن الثاني بكاملها، والهدف هو جر الملك الشاب إلى تتبع إرث والده. ترويضه وإجباره على تقمص الدور التقليدي رضي بذلك أم أبى. و سوف يتركز أكثر عند تنظيم حفل أول بيعة للعامة يوم 20 أغسطس 1999، في زمن حكومة التناوب التي كانت بدورها تناوبية بالاسم سلطانية في الواقع. و الأسلوب العتيق يدل على أن كتاب السلطان لا يزالون في الخدمة. يقول الأستاذ العروي: » كان علال الفاسي لا يقبل يد الملك وقبلها محمد بوستة، كذلك اليوسفي لا يقبل يد الملك الجديد وقبلها مرتين الوزراء الشبان. تنتعش المخزنية بتجدد الأجيال حيث تكثر المنافسة. » ويعلق « حب الولاء هوى كل مغربي. » إذ يتأكد عجز النخب عموما والنخبة المثقفة على الأخص و السياسية على وجه الخصوص وأوهامها عن مقاومة التطويع.

    من المؤكّد أن كتابات العروي، بقدر ما تشخص وتعري معضلات التحديث في المجتمع المغربي والعربي، لا تكف تؤكد على ما يسعف في استنباته وإدماجه في نسيج الدولة والمجتمع والثقافة. ومنذ أن دشّن مشروعه ب « الأيديولوجيا العربية المعاصرة » في الستينيات، مرورًا ب « الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية » ثم « أزمة المثقفين العرب » وسلسلة « المفاهيم »، إلى « الفلسفة والتاريخ »، والأمر عنده يتعلق بضرورة العودة إلى أصل المشكلات لكشف جذور الخلل وقياس اتجاهها من زاوية ما توحي به للفكر وللعمل. وهو مسكون بشروط نهضة المغرب، ومفجوع من تأخره، ومندهش من ضعف نخبه وتقلبها. يقول في « الأيديولوجيا العربية المعاصرة »: »لقد ولدت محاولتنا من تأمل وضع خاص، وضع المغرب اليوم. وما من شخص يتمالك نفسه من إبداء الدهشة إزاء العجز السياسي والعقم الثقافي اللذين تبديهما النخبة المغربية ». استنتاج مازال سائر المفعول وقد يجتهد أي واحد منا للقول إنه لا يزال يمتلك راهنية مثيرة، لأن المتأمل للوضع المغربي الحالي قد تنتابه الدهشة، كذلك، مما يسود العمل السياسي من عجز، وما يسيطر على الحياة الثقافية من رخاوة تسطيح. وتهافت النخبة على اصطياد المصالح بأية طريقة، بل لم تعد تميز بين اليمين واليسار، بين التقدمي والأصولي !!

    ركز محمد السادس منذ توليه العرش، على بعض المشكلات الاجتماعية التي كانت لا تخطر ببال والده، وبعبارات تنم على اهتمام شخصي لدرجة وصفته بعض المجلات الأجنبية ب »أب الفقراء ». وبعد تسعة عشرة سنة من حكمه عاش المغرب ظهور بعض الأوراش الكبرى: بناء الطرقات والجسور ومشاريع تشييد البنيات التحتية لكن ما لم يمسه التغير هو الوضع الاجتماعي للمغاربة، إذ ازداد الفقر وتنامت البطالة و واتسع التهميش، بل تدني مستوى العيش لدى الفئة المعدومة التي تخرج يوميا في تظاهرات عبر تراب المملكة، أما الفئة الوسطي فإمكانياتها لا تسمح لها سوى بالبقاء على قيد الحياة. ولعل هذا ما جعله يتساءل في إحدى خطبه كيف أنه رغم المجهودات المتواصلة وغير المتوقفة، ورغم ما يتوفر عليه المغرب من ثروات فسفاطية وسمكية ومعادن ومقالع، لا ينعكس مردودها على الحياة الاجتماعية للمواطنين؟ لذا أعلن عن فشل التنمية في المغرب، داعيا في الآن ذاته إلى العمل على إعداد نموذج تنموي يستجيب لتطلعات المغاربة، وبطي صفحة الريع والفساد والتعليمات والتحالف مع الأعيان، وتقوية الجهاز الأمني المتحكم في البلاد، يقصد الأثرياء الذين يتهربون من تسديد الضرائب ويستفيدون من امتيازات خاصة، كما يستفيدون من الريع الذي يثقل كاهل ميزانية الدولة، واللوبيات السياسية والاقتصادية، التي تضرب كل الحقوق والقوانين القاضية بالعدالة والإنصاف الاجتماعيين عرض الحائط، لجشعها المفرط.

    نموذج النظام المغربي هجين: فهو عبارة عن إرث مزدوج كما مر بنا تلقيح المخزن التقليدي بإدارة الحماية. لا هو ديمقراطي يتحرك ببطء نحو التقدم دون أن يتراجع كما يحدث في الهند، ولا هو استبدادي كما هو الحال في الصين التي تتبنى نموذجا اقتصاديا استطاع أن يحقق نسبة نمو جد مهمة سنويا، ويمكن ملايين الصينيين من الارتقاء كل عام من الطبقة الفقيرة إلى المتوسطة. البرلمان مقيد بالإمامة والحكومة مقيدة بالملكية. السياسيون واعون باللعبة لكن كل واحد منهم يود أن يشارك في السلطة دون تحمل أية مسؤولية، من هنا تكوين مشيخة…المنصب موجود، وهو منصب ريعي، لذا تدفع الملايين في الانتخابات التي أصبح يتهافت عليها وعلى الأحزاب الأغنياء الذين لم يكن لهم أي حضور في سنوات القمع القاسية، لأن السياسة كما تمارس عندنا تضمن لهم تنمية المزيد من الثروة، وحتى ونحن نعيش اليوم حمى فوضى ديني طقوسي، ونري آثارها الآن في المجتمع وبدلا من اكتساب القيم العقلية وفرضها كقيم أساسية، بدأنا نفرض قيما أخري باهته، ليتواري دور العلم.

    الدولة المغربية التقليدية (المخزن) كما يقول الأستاذ العروي: »جيش ونظام، شرف وشرع وقيادة، الحاصل تطابق بين النوازع النفسانية والهيئات الاجتماعية والتنظيمات السياسية والوظائف التي يقوم بها متولي الأمر، فهو بذلك سلطان وأمير وإمام وشريف وقاض. جمع الحسن الثاني بصفته ملك المغرب كل هذه المعطيات، ولم يتوانى عكس الموقف التقليدي المشار إليه سابقا في إعطاء اللقب مضمونه الحرفي، للتفرد في مسؤولية تسيير الجيش والشؤون الدينية والعدل والأمن الداخلي والعلاقات الخارجية، بمعنى التحكم في وزارات « السيادة، » في انتظار أن يأتي التهذيب من التاريخ، من التطور الموضوعي المستقل عن إرادة الأفراد. وإلى أن يحصل ذلك فالمغربي هو الوحيد الذي يستعمل التكنولوجيا الحديثة في التواصل ويذهب إلى قارئة الحظ أوصاحب الرقية الشرعية. هو الوحيد الذي يركب أرقى أنواع السيارات ويعلق على زجاجها هذا من فضل ربي، أو يعلق الخمسة ظانا أنها ستذهب عنه العين. هو الوحيد الذي يتفرج على « ناسيونال جيوغرافي » وبرامج « علم وحياة » وينكر نظرية داروين. هو الذي يشهد توالي الفديوهات الناقلة لحالات الاغتصابات والاعتداءات الجنسية في الفضاء العمومي، وفي وضح النهار، وأمام الملإ ، من يغتصب ومن يتقن التصوير بواسطة التقنية الحديثة… أمثلة تعكس ازدواجية المجتمع المدعي الحداثة والغارق في التقليدانية. هكذا سيبقى المغاربة شاعرين بالانفصام والتناقض الذي يحيونه يوميا. 

    المصدر

  • صناعة النخب في نظام دولة المخزن التي يسود فيها الملك و يحكم

    إبراهيم بن بريكنشر في شورى بريس يوم 24 – 03 – 2018

    6 طرق أمام الراغبين في وُلوج عالم « المخزن » -النخبة الحاكمة في المغرب-التي تحمل مفاتيح القرار في المملكة العتيدة، تبدأ من الصداقة والزمالة الدراسية الملكية، مروراً بالمال، الأصل النبيل، وأحياناً المعارضة الشرسة، وصولاً إلى مصاهرة النخبة، والدين.

    لا أحد يمكنه وُلوج النادي المخملي ل »المخزن » من دون أن يمر عبر »فلترات » لا تتغير حتى لو تبدل الحاكم. « العربي الجديد » تكشف أسرار صناعة النخبة الملكية المغربية، وتعرض خباياها في التحقيق التالي…

    الصداقة والزمالة الملكية

    المدرسة المولوية » معهد علمي تربوي غير عادي، يقبع داخل القصر الملكي المغربي في » الرباط، أنشئت المدرسة العتيدة في عام 1942 لتقوم بمهمات تعليمية وتربوية لولي العهد وباقي الأمراء والأميرات، تعد المصنع الأول لنخبة المغرب.

     »
    « المدرسة المولوية » معهد علمي تربوي غير عادي يقبع داخل القصر الملكي المغربي في الرباط ومنوط به صناعة نخبة النخبة
     »
    المدرسة وإن كان يدرس فيها ولي العهد والأمراء، فإنها تستقبل أيضا أبناء بعض رجال الدولة النافذين، وأحيانا ثلة قليلة من المتفوقين في المدارس العمومية المغربية بما جعل منها أوسع وسائل الدخول إلى عالم النخبة الملكية والمناصب الادارية العليا في المملكة المغربية.

    بعد وفاة الملك الحسن الثاني، عام 1999، تولى ابنه محمد السادس الحكم، لم ينتظر وارث العرش الجديد طويلاً، إذ وزع زملاءه في « المدرسة المولوية »، على أبرز المناصب الحساسة في الدولة، في حين تبوأ بقية الأصدقاء أكبر المناصب العمومية في الدولة، مثل فؤاد عالي الهمة وزير الداخلية السابق ومحمد رشدي الشرايبي أحد مستشاريه الخاصين وحسن أوريد الناطق باسم القصر سابقاً ووالي منطقة مكناس، ومنير الماجيدي الذي تولى تدبير أموال المملكة.
    المال والأصل النبيل

    في كتابه المثير للجدل « أمير المؤمنين »، شرّح الباحث الأميركي، جون وتربوري، أسرار الحياة السياسية في المغرب وسر الوصول إلى السلطة والتقلبات التي طرأت على الحكم قبل وبعد الاستقلال، واعتبر وتربوري أن « المخزن والمال والأصل النبيل » هي مفاتيح الوصول إلى السلطة في المغرب.

    « اللقب في المغرب هو ثروة ورأسمال يحافظ عليه « الشرفاء » (أحفاد الرسول) فهو موروث ولا يمكن أن يضيع، وطالما ظلت روح دينية تسود المغرب يحظى الشريف بنوع من الاعتباروالتأثير » يقول الباحث الأميركي.

    عبد الرحيم العطري، الخبير السوسيولوجي، قال ل »العربي الجديد »: الانتماء العائلي في المغرب أحد المنافذ الأساسية للوصول إلى النخبة الملكية »، مضيفاً، أن الطبقة المخملية لا تعتمد فقط على الانتماء العائلي وحده من دون الكفاءة، إذ تجمع بين المستوى التعليمي المرتفع والكفاءات التقنية والأصل الاجتماعي اللائق.

     »
    الباحث الجامعي المغربي موحا حجار: ما يزيد عن 90% من كبار المديرين في المغرب هم خريجو مدارس فرنسا »

    يدعم الرأي السابق حقيقة أن طبقة المال والثراء في المغرب والطبقة المحسوبة على الأرستقراطية الحاكمة ترسل أبناءها إلى مدارس البعثات الأجنبية، خاصة الفرنسية لتضمن مستوى تعليمياً مرتفعاً لهم يدعم ولوجهم المربع الملكي « المخزن » بسهولة.

    الباحث الجامعي المغربي، موحا حجار، أنجز دراسة علمية مرقمة للسياسة التعليمية لمدارس البعثة الفرنسية في المغرب منذ عام 1956إلى 2004، خلصت دراسته الى أن ما يزيد عن 90% من كبار المديرين في المغرب هم خريجو مدارس فرنسا.

    يقول حجار ل »العربي الجديد » إن « 200 عائلة بالضبط تحتكر تعليم أبنائها في مدارس البعثة الفرنسية منذ استقلال المغرب إلى اليوم، وكلها عائلات برجوازية من مدن فاس والرباط وسلا »، مردفاً: نعم هناك عائلات شعبية اخترقت هذا الفضاء، لكن عددها يبقى ضعيفاً.

    وتبقى العائلات، التي تحتكر مدارس البعثات الأجنبية في المغرب، هي التي تحتكر أيضا مراكز القرار السياسي والمالي في البلاد ، فجل الأسماء المترددة في المجالس الإدارية للمؤسسات الاقتصادية والمالية والأحزاب السياسية التاريخية تنتمي إلى هذه الشبكة.

    مصاهرة النخبة

    « أهم الأدوات الاجتماعية التي تعتمد عليها النخب المغربية في الوصول إلى مراكز القرار في المملكة، هي مصاهرة الأسرة الحاكمة أو الأسر ذات الصلة بالمخزن » يقول الباحث والخبير السوسيولوجي، عبد الرحيم العطري.

    ويثبت العطري حديثه بالقول: إن من بين 339 رجل سلطة مخزنياً تتراوح أعمارهم بين 30 و 70 عاماً في المغرب، يتحدرون من 50 عائلة فاحشة الثراء، فقط 15 % هم الذين تزوجوا من خارج الاتحادات العائلية والعرقية النخبوية. »

    200 عائلة تحتكر تعليم أبنائها في مدارس البعثة الفرنسية منذ استقلال المغرب من مدن فاس والرباط وسلا »

    من جهته يؤكد الباحث الأميركي، ووتربوري، بأن المصاهرات تكتيك نخبوي قديم لا يزال رائجاً في المغرب للمحافظة على ثروة الأسرة ونقاوة دم السلالة، كما أنه طريقة معتمدة داخل البرجوازية التجارية لتدعيم الثروة، أما الأوليغارشية الحاكمة فتوظف الأمر لتوطيد وراثة الوظائف الكبيرة داخل الدولة.

    ويتابع ووتربوري في كتابه « أمير المؤمنين » إن العائلات الشريفة في المغرب تتجنب الزواج المختلط، « إنهم يرفضون نسب غير الشرفاء » يستدرك ووتربوري في حديثه « لكن لا يتردد بعضهم (الشرفاء) سعياً وراء استرجاع أمجادهم في بيع لقبهم ومصاهرة عائلات غير شريفة ».

    المعارضة الشرسة

    أهم وسيلة تعتمد عليها الطبقات الشعبية للوصول إلى النخبة، ومراكز القرار في المغرب هي النضال داخل الأحزاب السياسية والنقابات، فالطريقة الوحيدة لجلوس أبناء هذه الطبقات مع أبناء النخب، الذين توارثوا السلطة والمال في المغرب هي « المعارضة الشرسة » يقول المحلل السياسي المغربي، إدريس لكريني، إن « المنافذ التقليدية للتنخيب في المغرب تغيرت قبل موجة الربيع العربي وبعدها »، مضيفاً ل »العربي الجديد »أن « النخب السياسية في العديد من المجتمعات التي تعاني من ويلات التسلط تضع شروطاً تعجيزية للالتحاق بصفوفها ».

    ويشير إلى وجود تيارات نضالية جديدة تعتمد على المعارضة الشرسة، إما داخل الأحزاب أو المجتمع المدني للوصول إلى السلطة ومصدر القرار.

    339 رجل سلطة مخزنياً من 50 عائلة فاحشة الثراء، فقط 15 % منهم تزوجوا من خارج الاتحادات العائلية والنخبوية
     »
    ويجمل لكريني أدوات الوصول إلى القمة في المغرب في « الأصل النبيل » والإمكانيات المالية » والحصول على « الرضا المخزني »، في حين يظل عامل الكفاءة ثانوياً.

    ويضيف « أن يكون المرء وزيراً في النسق المغربي، فذلك يعني مروراً مفترضاً عبر عدد من القنوات، ويعني كذلك حيازة أكيدة لعدد من الرساميل المفتوحة على الجاه والأصل النبيل والمصاهرة، بالإضافة إلى آلية الانتخابات المزورة أحياناً ».

    بيد أن مؤلف كتاب « أمير المؤمنين » يرى أن السياسي في المغرب يعتبر الأحزاب السياسية بمثابة بدلة يرتديها المرء أو يخلعها حسب الظروف والمناسبات، »تغدو الأحزاب والنقابات للمغربي المنخرط فيها تجمعات مصلحية ولا ترتبط بأي برنامج سياسي، إنها موجودة لتقربه من الحكومة المركزية وإذا عجزت عن ذلك ينبذها تماماً » يقول وتربوري .

    المدخل الديني

    يُعتبر الملك قطب الرحى داخل النخبة السياسية المغربية، فهو رئيس الدولة، وسليل ذرية الرسول، وهو رأس الهرم الديني في المغرب، إنه  » أمير المؤمنين وحامي حمى الوطن والدين »، وفق الدستور المغربي.

    أحاط الملك نفسه بنخبة دينية من الأتباع المخلصين إذ قيّد الإفتاء وأسس مجلساً للعلماء وقرب الزوايا الصوفية، فيما تقوم الزوايا الصوفية بإضفاء الشرعية الدينية على الملك كل عام خلال مراسيم البيعة، ومن هنا يعد المدخل الديني للنخبة من أهم طرق الولوج الى عالم المربع الملكي المخزني.

    « يرتكز سلوك الملك أيضاً على قاعدة شرعنة الإسلام الشعبي وضمان استمراره ويندرج في الأمر الشرفاء والصالحون والزهاد وشيوخ الزوايا والقيّمون على الأضرحة الكبرى » يقول العطري في كتابه « صناعة النخبة » لكن الانضباط التام للإملاءات الرسمية والبعد عن الانشغالات السياسية يعدان أبرز شرطين للقبول داخل النخبة الدينية المحيطة بالملك الذي يعد أعلى هرم السلطة الدينية.

    المصدر

  • الإعدامات في عهد الحسن الثاني

    إن الإنسان ابن بيئته وظروفه ونتاج أوضاع تدور وتجري حوله، إنه محصلة كل ما يحيط به وينتمي إليه ويؤمن به؛ فكل الذين ساهموا بشكل أو بآخر، في الإعدامات والتصفيات من جهة، والذين فقدوا حياتهم من أجل التغيير، في هذا الاتجاه أو ذاك، كلهم كانوا نتاج ظرفية تاريخية وصفها البعض بـ « دكتاتورية مقدسة » والبعض الآخر بـ « سنفونية الاستبداد »، فكيف كانت تتم الإعدامات في عهد الملك الراحل الحسن الثاني؟ وهل كل الإعدامات نفذت آنذاك تحت مظلة القانون أم أن هناك حالات طالت مغاربة وأجانب على هامش القانون وبفعل دوافع مزاجية على امتداد العهد السابق؟


    ونحن نعد هذا الملف استحضرنا كل شهداء الشعب المغربي الأبرار، وباستحضارهم بدت لنا صورة الجلادين، لاسيما أولئك الذين لازالوا يظهرون في الصورة في هذا المجال أو ذاك أو ينعمون بحظوة في هذا الميدان أو ذاك.


    استحضرنا الشهداء بدءا بحرب الريف ووصولا « إلى شهداء » معتقل تازمامارت هؤلاء الذين قضوا رغما عنهم، وأولئك الذين أعدموا في المعتقلات السرية المعروفة منها والتي لم تعرف بعد حتى الآن، وفي مخافر الشرطة والدرك الملكي، وكل الذين اغتيلوا أو أعدموا في ظلمة الليل أو داخل ثكنة وراء الشمس.


    على سبيل التقديم


    خلال مسار تاريخ المغرب الحديث تجلت بعض المحطات: 1959، 1963، مارس1965، 1971، 1972، 1973، عاين فيها المغاربة لحظات عصيبة لازالت شاخصة في الذاكرة الجمعية، تألق فيها رجال، سلبا أو إيجابا، كانوا أوفياء لفكرة آمنوا بها، خاطروا أو ضحوا في سبيلها إلى حد أنهم فقدوا حياتهم من أجلها، في ظل القانون الجاري به العمل أو على هامشه في غياهب سجون ومعتقلات سرية، والقاسم المشترك لديهم، سواء اتفقنا معهم أم لم نتفق، اعتقادهم أن البلاد خلال تلك الفترات لم تكن تحتاج سوى شرارة لانفجار الأوضاع، وبالتالي بلوغ المراد، وهو تغيير واقع الحال، في هذا الاتجاه أو ذاك.

    مئات المغاربة أعدموا على امتداد العهد السابق، منهم من لقي حتفه بعلم المغاربة، ومنهم من تمت تصفيته في الخفاء في ظروف لا يعلم تفاصيلها وحيثياتها إلا الجلادون والآمرون بتنفيذ الإعدام في إطار القانون.


    وقد حان الوقت ليعرف جيل اليوم حصيلة أكثر من أربعة عقود في هذا المجال، حتى يكونوا حريصين على ألا تتكرر المأساة، لاسيما وأنه بدأت تبرز بشائر شعور كأن التاريخ بصدد إعادة نفسه في المغرب، وهذا اعتبارا لجملة من الانزلاقات قد لا تكون معالمها اتضحت بعد بما فيه الكفاية، لكنها لازالت تتوالى.


    واعتبارا على أن بلدنا اجتاز أكثر من أربعة عقود، أغلب سنواتها كانت رهيبة، بفعل الكروالفر بين النظام وحلفائه من جهة وبين دعاة التغيير من جهة أخرى، فمن الواجب المزيد من الحرص واليقظة حتى لا يتكرر ما حدث بأشكال أخرى، خصوصا وأن الأوضاع الاجتماعية شبيهة بأوضاع الأمس، كلاها مر المعاش، إذ استفحل الفقر اليوم أكثر من الأمس وزادت الأوضاع ترديا، وهي ذات الأوضاع التي أدت إلى بروز تازمامارت ودرب مولاي الشريف وغيرهما من الأماكن السيئة الذكر.


    لازال هناك الكثير من الأشخاص الذين أعدموا خارج القانون وعلى هامشه غير معروفين إلى حد الآن، أغلبهم أعدموا على يد الجنرال محمد أوفقير وبعده على يد الجنرال أحمد الدليمي، وألقي بجثثهم على شاطئ الدار البيضاء، وكان هذا في 1964 و1967، وتلت هذه المرحلة فترة السبعينيات التي كثرت فيها الإعدامات المنفذة في ظل القانون وعلى هامشه، ومن المعلوم أن تنفيذ هذه العقوبة لا يتم إلا بإذن مباشر من الملك، وكل الإعدامات خضعت لهذا الإجراء في عهد الملك الحسن الثاني، فكيف تمت أشهر الإعدامات في العهد السابق؟


    « 
    إعدامات » النقطة الثابتة رقم 3


    النقطة الثابتة رقم 3، هو الاسم الرائج بين عناصر الأجهزة الأمنية بخصوص « دار المقري »، وهو الفضاء الذي أرادت الفعاليات الحقوقية تنظيم وقفة أمامه فكان المنع هو المآل.


    في واقع الأمر إن التعاطي مع إشكالية النقطة الثابتة رقم 3ـ أكد بما فيه الكفاية وزيادة أن النظام لا يرغب في الذهاب إلى حد مواجهة جرائم عهد « الدكتاتورية المقدسة » وجها لوجه والإقرار بحدوثها، هي كحقيقة بسيطة لم تعد تخفى على المغاربة قاطبة، إذ أن هذه المواجهة ستكشف ضلوع شخصيات وازنة مازالت تصول وتجول في المناصب السامية ودوائر صناعة القرار.


    إن وجود النقطة الثابتة رقم 3 وفضائها التحت أرضي الرهيب مازال إلى حد الآن يشير إلى أنه لا مخرج إلا بالتعرف على الجلادين حتى يعرفهم الخاص والعام، ما دام أن المغرب لم يختر بَعْدُ سبيل المساءلة والمحاسبة.


    ويتأكد هذا المطلب في نظر البعض، باعتبار أن هناك جملة من الممارسات وطرق التعاطي مع العديد من الإشكاليات، تفيد أن لا شيء تغير في أكثر من مجال رغم حلول العهد الجديد، وحسب هؤلاء يبدو أن بلادنا مازالت لم تستعد بعد لاعتماد الديمقراطية الحقة وقبول تحمل انعكاساتها السلبية على النظام القائم، وهذا ما يساهم بشكل كبير في النيل من الثقة التي تأسست مع حلول العهد الجديد، وذلك جراء الشعور بأن التاريخ يعيد نفسه، ومن تم الإحساس بأن الغد سيكون أسوأ من اليوم كما كان سائدا في العهد السابق.


    وتظل النقطة الثابتة رقم 3 من الأماكن التي شكلت فضاءا للإعدامات خارج القانون وعلى هامشه ناهيك عن التصفيات الجسدية حسب المزاج، ولازال القائمون على الأمور، إلى حد الآن، لاسيما رجال العهد السابق، حريصين على إبعاد هذا الفضاء الرهيب من المشهد العام وعن اهتمام كل من سولت له نفسه النبش فيما جرى من إعدامات وتصفيات هناك، إذ أنه المكان الذي تحتضن أقبيته جملة من المختفين بعد مقابر شهداء « الكوميرة » وتازمامارت، وأقل ما يمكن قوله بهذا الخصوص، وحسب شهادات كل الفعاليات الحقوقية ذات مصداقية، أن النقطة الثابتة رقم 3 كانت فضاءا لإعدامات على هامش القانون في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
    لازال التعتيم قائما حول هذا المكان الرهيب رغم أن الملك محمد السادس صرح في غضون شهر يناير 2006 أن المغرب على درب تصفية تركة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بحكمة وبصفة عادلة، والآن وبعد أن أقر الجميع بحدوث تجاوزات فظيعة، مازال هذا الفضاء يحتفظ بأسراره الرهيبة، ولازال الشعب المغربي لم يعرف بالضبط من أعدم هناك؟ وكم عدد الجثث التي تحتضنها أرضه؟


    وفي هذا الصدد قال قائل، إن التعاطي مع إشكالية هذا الفضاء الرهيب من طرف الدولة، هو بمثابة إقبار جذور الشر، ومن المعلوم أنه كلما أقبرت جذور من التراب، عوض اجتثاثها، نمت من جديد وبقوة أكثر هذه المرة.


    إن النقطة الثابتة رقم 3 فضاء استضاف الكثير من المختطفين، وهو ذات المكان الذي شوهد فيه، حسب الناجين من نيرانه، جملة من المختطفين الواردة أسماؤهم في لائحة مجهولي المصير إلى حد الآن، فهل أعدم هؤلاء هناك، بالنقطة الثابتة رقم 3. حسب أكثر من شهادة لشهود عيان تسير في هذا الاتجاه، لاسيما الإخوان بوريكات والطبيب الخاص للملك الراحل محمد الخامس، الدكتور فرانسوا كليري.


    ويبدو أن مختلف المعطيات المتوفرة إلى حد الآن، بخصوص محمد عبابو وحروش عقا ومحمد شلاط وأحمد مزيرك، يفيد تقاطعها أن هؤلاء أعدموا بفضاء النقطة الثابتة رقم 3 بعد اختطافهم من السجن المركزي ثم نقلهم مع العسكريين إلى تازمامارت وعودتهم صحبة حميدو العنيكري والكولونيل فضول من هناك. وغالب الظن أنهم أعدموا مباشرة بعد أن تمكنوا من الفرار وألقي القبض عليهم في 1975.


    علما أن الكولونيل محمد عبابو هو أخ اليوتنان كولونيل امحمد عبابو مدير المدرسة العسكرية لأهرمومو والعقل المدبر لانقلاب الصخيرات سنة 1971، والذي اعتقل في 14 يوليوز 1971 وأدين بعشرين سنة سجنا نافذا من طرف المحكمة العسكرية بالقنيطرة ثم بعد ذلك بالمؤبد ولا سبيران أحمد مريزك المحكوم بعشر سنوات.


    فهل تم كذلك إعدام المناضل النقابي وعضو حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الحسين المانوزي؟ إنه سؤال مازال قائما ولم تفك الدولة رموزه إلى حد الآن.


    وتصب الشهادات في نفس الاتجاه بالنسبة للفرنسيين الذين ساهموا في اختطاف واغتيال المهدي بن بركة بمدينة باريس الفرنسية المحكومين بالمؤبد بفرنسا سنة 1967، والذين استضافهم المغرب في العهد السابق وأكرمهم وسمح لهم بالقيام بأنشطة مشبوهة كانت تذر عليهم وعلى الأجهزة الأمنية والمخابراتية أموالا وسخة، إذ تقر تلك الشهادات بأن بيير دوباي وجوليان لوني وجورج بوسشيش اعتقلوا بعد تصفية الجنرال محمد أوفقير؛ في البداية احتجزوا بضيعة في ملك الجنرال أحمد الدليمي كائنة بالفوارات بضواحي القنيطرة ثم نقلوا إلى النقطة الثابتة رقم 3 وهناك لقوا حتفهم.


    ويبدو أن الجنرالين عبد الحق القادري وحسني بنسليمان يعلمان الكثير بهذا الخصوص، فهل سيتكلم أحدهما قبل لقاء الرفيق الأعلى أم أن السر سيذهب معهما؟
    موت الجنرال أوفقير « إعدام » أخذ شكل انتحار
    الجنرال محمد أوفقير الذي كان يلج القصر الملكي كما يدخل إحدى غرف منزله، غادره جثة هامدة في أحد أيام غشت 1972 محمولا، بعد أن تلقى جسمه 5 رصاصات قاتلة.
    لقد قيل إن الجنرال محمد أوفقير انتحر مساء يوم فشل الانقلاب الثاني (الهجوم على الطائرة الملكية).. لكنه انتحر بخمس رصاصات أطلقت من الخلف. وبعد مرور أربعة أشهر عن هذا « الانتحار » الغريب، اختفت عائلة أوفقير ولم يعد يظهر لها أثر.


    رغم ترديد رواية الانتحار بكثرة من طرف القائمين على الأمور، لم يصدقها أحد. وبعد الحادثة بمدة قصيرة، نشرت إحدى الجرائد البلجيكية خبرا مفاده أن فاطمة شنا، أرملة الجنرال، تعتزم تقديم دعوة ضد الملك الحسن الثاني بخصوص موت بعلها، كما أشارت نفس الجريدة في مقال لها أن الجنرال تلقى رصاصة اخترقت رأسه وخرجت من إحدى عينيه فكسرت زجاجة النظارات السوداء التي دأب على ارتدائها باستمرار، وأضاف المقال أن زوجته ستقدم بدلته وبقايا نظاراتيه المكسورة لتفنيد أطروحة الانتحار.


    إعدام العسكريين


    اتضح نهج الملك الراحل الحسن الثاني في الحكم مبكرا، وتجلى ذلك منذ سنة 1963، ثم في 1965 مع القمع الشرس الذي ووجه به التلاميذ والطلبة وأولياء أمورهم، بالإضافة إلى عملية اختطاف المهدي بن بركة. وقد شكلت سنة 1971 المفترق الذي كشف عن سخط وغضب بعض العسكريين الذين خططوا للانقلاب بسرعة عفوية غير معهودة لدى القادة العسكريين، وبالرغم من إعدام جنرالات ومحاكمة المتهمين بالمشاركة في انقلاب الصخيرات، تلاه انقلاب آخر في صيف 1972 (الهجوم على الطائرة الملكية) يوم 16 غشت 1972.


    عشية فشل الانقلاب الأول تم اعتقال الجنرالات المشكوك في أمر مشاركتهم فيه، إذ كلهم خضعوا لاستنطاق أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير شخصيا، هو الذي لم يدق طعم النوم ليلتين متتاليتين، وفي اليوم الثالث رافق الجنرالات إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط لإعداد تنفيذ إعدامهم بدون محاكمة.

    وهناك من إحدى المكاتب تابع الملك الحسن الثاني وضيفه الملك حسين مشهد الإعدام بالمنظار.
    تابعا معا المشهد من أوله إلى آخره.. إذ تم تجريد الضباط السامين من النياشين وربطهم بالأعمدة واستعداد فرقة الرماة لإطلاق النار.. ظلا معا يتابعان المشهد بالمنظار إلى حين سقوط المعدومين الذين هتف بعضهم إما بحياة الملك أو بحياة الوطن. كما عاين الملكان جثث المعدومين على الأرض والجنود الحاضرون يقتربون منها للبصق عليها.

    وفي لحظة فقد المغرب 9 جنرالات من أصل 14 أغلبهم من الأمازيغ، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدام الجنرالات على شاشة التلفزة مباشرة، كما حضرت جماهير غفيرة إلى ثكنة مولاي إسماعيل لمعاينة هذا الحدث، وكانت الحصيلة إعدام 4 جنرالات، بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المانوزي، وكل هؤلاء لم تكن تربطهم أية علاقة بالسياسة، ولم يكن لديهم أي وازع ديمقراطي، بل أغلبهم ساهم في قمع المقاومة بجبال الريف منذ 1925 وقمع التحركات النضالية في مختلف أرجاء المملكة.

    أما الانقلاب الثاني (16 غشت 1972)، فكانت حصيلته إعدام 11 ضابطا في يناير 1973 رميا بالرصاص و 30 ضابطا وضابط صف بواسطة « الإعدام بالموت البطيء بجحيم تازمامارت« .
    وعن القرائن التي تشير بجلاء أن إعدامات الانقلابين ظلت موصومة بأنها إعدامات خارج القانون وعلى هامشه، كون الملك الحسن الثاني قام بإعفاء الضباط الثلاث المستشارين في هيئة المحكمة العسكرية بالقنيطرة التي حاكمت الانقلابيين باعتبار أن الأحكام التي نطقت بها لم ترق الملك، ولم تكن قاسية بالقدر الذي كان ينتظره، لقد أحيلوا على التقاعد دون سابق إنذار، وتلافيا لتكرار هذه الحالة، تم تعيين الجنرال أحمد الدليمي ضمن هيئة القضاة التي نظرت في قضية الهجوم على الطائرة الملكية في صيف 1972، وبذلك كان خصما وحكما في ذات الوقت، إذ اقتصر دوره فقط على الضغط على زناد السلاح الذي سيصوب في اتجاه صدر المتهمين، وهذا ما كان.


    إعدامات 1973


    حطمت سنة 1973 الرقم القياسي بخصوص الحكم بعقوبة الإعدام وتنفيذها.
    يوم فاتح نوفمبر تم إعدام 15 شخصا رميا بالرصاص، وجميعهم أدينوا في محاكمة مراكش على إثر أحداث مولاي بوعزة، بتهمة تهديد أمن الدولة، وتم تنفيذ الإعدام يومين بعد عيد الأضحى.
    تم إعدام عمر دهكون ورفاقه، وإضافة إلى هؤلاء نفذ حكم الإعدام يوم 27 غشت 1974 في حق 7 آخرين

    وفي هذه الفترة بالذات خططت الأجهزة الأمنية لاختطاف كل من حسين المانوزي والنقابي عبد الحق الرويسي ولم يظهر لهما أثر إلى حد الآن، وتعتبر حالتهما من حالات الإعدام خارج القانون رغم عدم الاعتراف بذلك من طرف القائمين على الأمور حتى الآن.
    إعدام امقران والكويرة
    يوم السبت 13 يناير 1973، أعدم 11 طيارا بشاطئ الشليحات هم أمقران، الكويرة، زياد، بوخالف، المهدي، بلقاسم، بينوا، بحراوي، كمون، العربي واليزيد، رميا بالرصاص.
    بعد نهاية المحاكمة ظل أمقران والكويرة داخل السجن العسكري بالقنيطرة يقضيان نهارهما في الحديث والمطالعة ولعب كرة السلة في ساحة السجن.

    آنذاك راجت إشاعة عن إمكانية استفادتهما من عطف الملك وعفوه، كما راجت أخبار مفادها أن المقربين من الملك نصحوه بتهدئة الأجواء لاسيما وأن البلاد عرفت محاولتين انقلابيتين متتاليتين خلال سنة (صيف 1971 – صيف 1972)، لكن ما حدث كذب هذه الإشاعة، إذ تم نقلهما من السجن العسكري إلى دار المقري (النقطة الثابتة رقم 3)، حيث تعرضا للاستنطاق بخصوص علاقة عمر الخطابي بالانقلاب ومورست عليهما جميع أنواع التعذيب، وفجر اليوم الموالي نفذ في حقهما ومن معهما حكم الإعدام.

    وخلافا لما جرى به العمل أعدموا بعد الفجر، تحت دفء أشعة الشمس الصيفية، على شاطئ المحيط الأطلسي بالشليحات على الضفة الشمالية لمصب واد سبو.
    وحسب شهود عيان فإنهم واجهوا الموت بشجاعة ورباطة جأش، وعندما قيدوا على العمود قرأوا ما تيسر من القرآن.


    « 
    إعدام » عمر بنجلون


    تصفية عمر بنجلون وصفها الكثيرون بمثابة إعدام خارج القانون، خططت له الأجهزة الأمنية ونفذته أيادي غادرة يوم 18 دجنبر 1975، وكان منفذو الإعدام أناس عاديين شحنوا من أجل القيام بهذه الجريمة يوم 18 دجنبر 1975 على الساعة الثالثة والنصف زوالا أمام منزله.
    نزل عمر من سيارته.. اقترب منه شخص، مد له عمر يده مصافحا.. لكن شخصا آخر انهال عليه من الخلف بقضيب حديدي ثقيل على رأسه.. ثم يباغته مصافحه بطعنة خنجر غادرة في اتجاه القلب.. سقط الشهيد عمر والدم ينزف من صدره.

    أيدي ملطخة بدماء أبناء هذا الوطن عبأت وجهزت عاطلا وإسكافيا وخياطا للنيل من الشهيد عمر بنجلون، وتنفيذ حكم إعدامه أصدره القائمون على الأمور بدون محاكمة، رغم أنه سبق أن حوكم بالإعدام ولم ينفذ في حقه.. كان المنفذون مجرد أداة تنفيذ، وتأكد هذا الأمر بعد العثور على لائحة تضم عشرات الأسماء المرشحة لنفس المصير الذي لقيه عمر، أي « محكوم عليهم بالإعدام خارج القانون وفي الكواليس »، وضمت 70 إطارا سياسيا.

    وخلال الحصص الأولى من التحقيق وردت أسماء جملة من الشخصيات الوازنة التي أثير ضلوعها في جريمة الاغتيال، إلا أن هذه المحاضر اختفت جميعا بفعل فاعل ودفعة واحدة من ملف المحكمة.

    وكانت المحاكمة سريعة، ولم تعرف إلا ثلاث جلسات، على امتدادها قوبلت كل طلبات الدفاع المدني بالرفض من طرف هيئة المحكمة، الشيء الذي أدى به إلى إصدار بيان وضح فيه الخروقات التي لازمت المسطرة القانونية ثم انسحب من القاعة.
    وكانت الخلاصة التي أجمع عليها الرأي العام ولازال، أن الشهيد عمر بنجلون اغتيل على يد من لم تتم محاكمتهم بعد، وبالتالي لازالت قضيتهم قائمة حتى إشعار آخر.


    إعدام البهائيين


    من المعدومين في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني بعض المغاربة الذين اعتنقوا البهائية وحاولوا الترويج لها في المغرب، في فجر الستينيات بشمال المملكة.

    بمناسبة اهتمام الصحافة المستقلة بإشكالية التنصير وحرية الاعتقاد، تطرقت بعض الجرائد الصادرة بالعربية والفرنسية إلى وجود مغاربة يعتنقون البهائية (البهائيون المغاربة).
    كما أن التقرير الأمريكي السنوي أشار إلى وجود ما بين 400 و800 من المغاربة يعتنقون البهائية، من ضمنهم أطر بنكية ورجال تعليم ومهنيون تمركز أغلبهم بين مدينتي الرباط والدار البيضاء.


    لكن هل ظاهرة البهائيين بالمغرب ظاهرة جديدة أم قديمة؟
    بدءا يمكن القول إنها ظاهرة ليست بالجديدة بالمغرب، إذ سبق أن عرفتها بلادنا منذ السنة الأولى لاعتلاء الملك الراحل الحسن الثاني عرش البلاد خلفا لوالده الراحل الملك محمد الخامس في فجر الستينيات، وقد سبق لمدينة الناظور أن عرفت محاكمة مجموعة من البهائيين المغاربة حوكم بعضهم بالإعدام، إذن سمع المغاربة الحديث لأول مرة عن وجود بهائيين بين ظهرانيهم سنة 1962، وكان ذلك بالشمال، لاسيما بمدينة الناظور وضواحيها، آنذاك وردت البهائية من إيران.

    في تلك السنة احتضنت مدينة الناظور محاكمة 13 شابا مغربيا من المدينة ومن الشمال وسوريا كان يشغل منصب مدير تعاونية الصناعة التقليدية بمدينة فاس، وقد اتهموا بإثارة القلاقل والمس بالنظام العام، وفي نهاية المطاف حكمت المحكمة على 3 منهم بالإعدام و5 بالمؤبد مع الأشغال الشاقة ومنهم من حوكم 15 سنة سجنا نافذا.

    خلال المحاكمة نشر علال الفاسي، وزير الشؤون الإسلامية آنذاك، مقالا بجريدة « الاستقلال » ذهب فيه إلى القول أن البهائيين المغاربة ربطوا علاقة مع إسرائيل بهدف تقويض أسس الدولة المغربية. في حين تساءلت جريدة « المنار »، التي أسسها أحمد رضا كديرة وزير الداخلية آنذاك، عن المرتكزات القانونية لمتابعة البهائيين، باعتبار أنه لا وجود لنص قانوني يقر بعقوبة الإعدام بخصوص المس بالدين الإسلامي، كما أبرزت أن البند السادس من الدستور المغربي كان يقر آنذاك بحرية الاعتقاد، وبعد يومين من صدور مقال جريدة « المنار »، كان رد الملك الراحل الحسن الثاني خلال حديث صحفي أجراه يوم 12 دجنبر 1962، أقر فيه أن مضمون البند السادس من الدستور لا يسمح، بأي حال من الأحوال، التبشير بمذاهب وديانات مخالفة للإسلام، كما أنه لا يفيد بقبول البهائية التي تعتبر زندقة في نظر الإسلام.


    « 
    إعدام » الحريزي


    من « الإعدامات » خارج القانون التي ظل يلفها الغموض إلى حد الآن، « إعدام » محمد الحريزي، أحد أبناء مدينة سيدي قاسم، تكفلت به الحركة الوطنية بعد فقدان والديه وأشرفت على تعليمه، وارتبط بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية وكان قريبا من المهدي بن بركة وأحد رفاق دربه.
    تم اختطاف محمد الحريزي في فجر الستينيات، بعد مرور أقل من سنة على اعتلاء الملك الحسن الثاني عرش البلاد، واحتجز بإحدى الفيلات الكائنة بشارع مولاي إدريس بالعاصمة الإدارية، رفقة زوجته السويسرية « أيريكا » وطفلتهما الصغيرة.

    وترجع أسباب « إعدام » الحريزي إلى سنة 1959، عندما أقدم أعضاء « الكاب 1 » على اختطاف الحريزي، رفيق بن بركة، إذ كان يبيت لفكرة خبيثة مفادها أن الحريزي هذا عليه أن يلعب دورا أساسيا فيما أصطلح عليه بالمؤامرة ضد ولي العهد، آنذاك كان الدليمي قد اقترح على أوفقير التكلف بإقناع الحريزي (بحكم أنهما ينحدران معا من مدينة سيدي قاسم) باتهام بن بركة بالتخطيط لهذه المؤامرة.

    في البداية، اختطف الحريزي وأودع بثكنة مولاي إسماعيل بالرباط، وهناك مورست عليه جميع أنواع التعذيب والتنكيل لأنه رفض المساهمة في اللعبة الدنيئة لأوفقير والدليمي، وبعد عامين من الاختفاء العسكري أطلق سراح الحريزي، لاسيما وأن زوجته السويسرية أقامت ضجة كبيرة في الأوساط الديبلوماسية بالرباط، الشيء الذي فرض على سويسرا التدخل في النازلة.

    للتخلص من الفضيحةـ فكر الجلادون في سناريو تهريب الحريزي رفقة زوجته وطفلتهما الصغيرة خارج المغرب، وفي شتاء 1960 اقتيد الحريزي رفقة زوجته وابنته إلى إحدى الفيلات بحي السويسي بالرباط، وقد تمكن من لقاء بعض أصدقائه هناك، وبعد أيام منحه الدليمي جوازات سفر مزورة قصد التمكن من مغادرة المغرب، بطنجة سمع له اتصال هاتفي ببعض أصدقائه بفرنسا لإخبارهم بأنه على أهبة مغادرة المغرب، آنذاك اعتقد الكثيرون أنه فعلا غادر البلاد بمعية عائلته الصغيرة، لكن واقع الأمر أنه تم اختطاف العائلة من جديد من طرف رجال الدليمي وأعيدت إلى الرباط، من بين هؤلاء المدعو التدلاوي والشتوكي (المشهور في قضية بن بركة)، وهناك بالرباط بإحدى الفيلات السرية تم « إعدام » الحريزي وزوجته وطفلتهما طيلة مدة ظلوا خلالها محتجزين، بعد أن اعتقد الكثيرون أنهم خارج المغرب.


    إعدام عبد الرحيم إينوس


    من الإعدامات الأولى المنفذة في الستينيات إعدام عبد الرحيم إينوس، الذي لم يكن سنه يتجاوز 14 ربيعا، عندما أطلق النار على الضابط لحسن الغول الذي صفى عددا من المقاومين.
    صرح عبد الرحيم إينوس أمام هيئة المحكمة العسكرية في منتصف الستينيات أنه قضى على حياة مجرم اغتال الكثير من أبناء الشعب المغربي البررة، واعتبر ما قام به واجبا وطنيا لأنه تربى على رفض الظلم والاستغلال والخيانة في ظل الاستعمار الفرنسي، فكيف يقبله في عهد الاستقلال وهو صادر عن مغاربة ضد مغاربة؟
    وكان حكم المحكمة العسكرية هو الإعدام رميا بالرصاص في حق عبد الرحيم إينوس ورفيقه في درب النضال والكفاح محمد باشوش.


    « 
    إعدام » بالموت البطيء


    لما وقع انقلاب 16 غشت 1972، اعتقل رجال وقدموا للمحاكمة في نفس السنة وصدرت في حقهم أحكام خلال نوفمبر 1972، كانت محاكمة عسكرية بمقر المحكمة الابتدائية للقنيطرة في شهر رمضان، وكانت الأحكام قاسية جدا، 11 إعداما، وكان ضمن المحكومين شباب أدينوا على الرغم من أنهم لم يقوموا إلا بعملهم اليومي المعتاد تنفيذا للتعليمات والأوامر الواردة من رؤسائهم، وهؤلاء لم يفهموا قط لماذا قدموا للمحاكمة ولماذا هم رهن الاعتقال ولماذا تمت إدانتهم؟
    نفذ الإعدام في حق المحكومين بالرصاص بشاطئ الشليحات بمهدية، واقتيد الباقون إلى جحيم تازمامارت لإعدامهم بطريقة أخرى لم يسبق أن عرفها المغرب، الإعدام بالموت البطيء الممنهج.
    فتازمامارت فضاء يتكرر فيه فعل الموت إلى مالا نهاية، إنه فضاء مصصم بحيث يموت نزلاؤه ببطء جزءا جزءا وبعد معاناة طويلة، إنه « إعدام بالموت البطيء »، وفعلا لقد تم إعدام 30 شخصا بالموت البطيء في صمت رهيب.
    والآن في جحيم تازمامارت مقبرة، لكنها ليست ككل المقابر، إذ ابتداءا من 1974 بدأت آلية « الإعدام بالموت البطيء » تفعل فعلها حتى أجهزت على 30 من ضيوف آكل البشر: تازمامارت، وكان 28 من الباقين ينتظرون نفس المصير لولا انفضاح أمر تازمامارت.


    موت الدليمي إعدام غير مبشار


    اعتبر الكثيرون أن موت الجنرال أحمد الدليمي بمثابة « إعدام » غير مباشر، لتفادي إمكانية حدوث ما حدث في صيفي 1971 و1972، لاسيما أن قوته وسطوته في صفوف الجيش أضحت بادية للعيان.
    توفى الجنرال أحمد الدليمي في حادثة سير بمراكش، هذه هي الرواية الرسمية التي لم يصدقها الكثيرون منذ الوهلة الأولى، كما كان الأمر بالنسبة لمقتل الجنرال محمد أوفقير قبله.
    فعلا لقي أحمد الدليمي حتفه في حادثة سير غريبة، لكن ما هي الأيادي الخفية التي كان وراء ذلك الحادث؟ هذا هو السؤال الذي شغل بال الكثيرين آنذاك؟
    ففي 23 يناير 1983 بثت التلفزة المغربية بلاغا رسميا بنعي الجنرال أحمد الدليمي الذي وافته المنية على إثر حادثة سير مؤلمة، ذلك هو فحوى البلاغ.
    لكن سرعان ما طفت إلى السطح جملة من القرائن تداولها المغاربة فيما بينهم في السر، تؤكد أن الحادثة كانت بفعل فاعل وخططت لها أيادي خفية بطريقة محكمة، لقد كانت في واقع الأمر « إعداما » مقنعا.
    وحسب أكثر من شاهد عيان، تم استنفار قوات الأمن والقوات المساعدة والدرك الملكي ورجال المطافئ بعد وقوع الحادثة توا، لتنظيف المكان وطمس كل معالم الحادثة، ودامت هذه المناورة طوال الليل وجزءا من صباح يوم الغد، وهذا بحضور العامل مصطفى طارق شخصيا الذي تمت كل العمليات تحت إمرته، وبذلك لم يكن من الممكن القيام بالتحريات المعتادة كما يجري به العمل في مثل حوادث سير من هذا القبيل.
    وفي ليلة يوم 25 يناير 1983 حضر الملك الراحل الحسن الثاني إلى فيلا الجنرال أحمد الدليمي بالرباط لتقديم العزاء لعائلته، وكانت هذه المرة الأولى التي يقوم بها الملك بمثل هذا العمل. وعلى عكس مآل عائلة الجنرال محمد أوفقير، رعى الملك أرملة الجنرال أحمد الدليمي وأبناءه ولم تحجز أملاكهم. وقد علق أحد المحللين بأن هذا الإجراء كان ضروريا لتأكيد أطروحة حادثة السير التي لم يصدقها الكثيرون حينها.


    لحظة إعدام الفواخري ورفاقه


    من الإعدامات الأولى التي ارتبطت بشخص الملك الراحل، إعدام مجموعة محمد بن حمو العياشي (الفواخري) والتي اتهمت بالتخطيط لاغتيال الملك الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك، شهورا معدودة قبل اعتلائه عرش البلاد. وتوبع الفواخري بمعية 10 من رفاقه بتهم حيازة السلاح والإخلال بأمن الدولة والقتل العمد.
    وجاءت الأحكام التي نطق بها أحمد الزغاري، رئيس المحكمة العسكرية، مقرة حكم الإعدام في حق الفواخري وعبد الله بن لحسن الزناكي والمولات إدريس والجابوني وعمر بناصر، والمؤبد في حق الآخرين. ونفذ الحكم سنة 1961 داخل السجن المركزي بالقنيطرة، وقد رفض الفواخري وضع العصابة على عينيه، وكان آخر ما نطق به الكلمة التي سبق أن قالها المقاوم أحمد الراشدي قبل إعدامه من طرف السلطات الاستعمارية، « اتركوني أرى لآخر مرة سماء وطني الذي ضحيت في سبيله »، في حين كان آخر ما نطق به رفيق الفواخري، عبد الله بن لحسن الزناكي « يحيا الوطن » وقال رفيقهما المولات إدريس « هذا ما يجازينا به الإقطاع« .


    إعدام الكوميسير ثابت


    إعدام الكوميسير ثابت كان آخر إعدام تم تنفيذه بالمغرب وكان ذلك في غضون شهر شتنبر 1993.
    في الخامسة صباحا يوم 5 شتنبر 1993، لوحظت حركة غير عادية بحي الإعدام بالسجن المركزي بالقنيطرة، كان الكومسير ثابت منهمكا في أداء صلاة الصبح، آخر صلاة قبل مواجهة الموت، ذلك اليوم حضر جملة من الشخصيات لمعاينة عملية تنفيذ الإعدام، وكان من بين الحضور الجنرال حسني بنسليمان، أحمد الميداوي (الذي أصبح مديرا عاما للأمن الوطني بعد هذه المعاينة) ومحمد لديدي (ميدر إدارة السجون)، ومدير السجن المركزي، والقضاة ومحامي الدفاع.
    أمام فرقة الرماة، رفض الكوميسير وضع العصابة السوداء على عينيه، وبعد آخر ارتجافة صرخ قائلا: « حوكمت من أجل ما يقوم به جميع الناس، لكن الأشخاص الذين أدينوا معي لا دخل لهم في هذه القضية… »
    أعدم الكوميسير ثابت بتهمة هتك عرض عدة نساء مع استعمال العنف والوحشية والقيام بتصويرهن على أشرطة فيديو خاصة، لكن الشريط 32 ظل لغزا محيرا ولطالما نادى ثابت بمشاهدته، لكن القاضي رفض طلبه مرارا.
    لم يكن الكوميسير ثابت يظن أن حكم الإعدام سينفذ، وظل يعتقد أنه سيتم إعادة النظر في الحكم الذي لن يتجاوز 5 سنوات على أبعد تقدير، إذ تلقى وعودا كثيرة بهذا الخصوص من شخصيات وازنة.
    يوم إعدامه كانت عائلته تهيئ « القفة » لزيارته في السجن فسقط عليها خبر تنفيذ الإعدام كالصاعقة.
    ومن آخر مطالبه أنه التمس من الملك إعادة التحقيق في القضية ليعرف أبناؤه الحقيقة كاملة، كما طلب أن تمنح ساعته ونظاراته لابنه عماد، لكن لم تتم الاستجابة لطلبه، وسلمت جثثه للعائلة في صندوق مغلق.


    محكوم بالإعدام في الثمانينيات يصرح


    أتذكر يوم صدر حكم الإعدام في حقي.. بعد النطق بالحكم ساد صمت رهيب داخل قاعة المحكمة المكتظة بالجماهير، كسره شهيق إحدى النساء التي تعرفت على صوتها… إنها أمي العجوز.. كنت أود أن أصرخ.. حاولت جاهدا لكن صوتي لم يطاوعني رغم إصراري.. امتلكني شلل غريب لم أعهده سابقا.. كنت في كامل وعيي أرى وأسمع وأفهم كل ما يجري ويدور حولي، أحرك كل أعضائي وأتنفس بشكل عادي ولم تصبني أية غيبوبة.. ومع ذلك كنت مشلولا شللا غريبا.. بقيت متسمرا بمكاني كالصنم بين شرطيين، شعرت أن جسم أحدهما يهتز مرتجفا بمجرد ما نطق القاضي كلمة « الإعدام« ..
    وما أن ختم هذا الأخير عبارة « حكمت المحكمة حضوريا » حتى التحق بنا شرطيان إضافيان، وقف أحدهما على يميني والآخر شمالي فأصبحوا أربعة.. قيدوني واقتادوني إلى سيارة الشرطة ببهو المحكمة خلافا للأيام السابقة، إذ كان ينتظر إنهاء الإجراءات بخصوص جميع المتهمين لإرجاعهم دفعة واحدة إلى السجن.. لكن خلال ذلك اليوم لم تنتظر السيارة أحدا وأعادتني إلى السجن بمفردي حال مغادرتي قاعة المحكمة.. داخل السيارة ظل رجال الأمن صامتين على غير عادتهم، لم ينبس أحدهم ببنت شفة.. أما أنا فلازلت حبيس ذلك الشلل الرهيب، غريبا عن هذا العالم الذي أعاين فيه دقائق ما يجري حولي، يرتادني شعور بعدم الانتماء إليه..
    في ليلة صدور الحكم تركوني داخل نفس الزنزانة رفقة المعتقلين الذين عاشرتهم منذ التحاقي بالسجن الذي في أجوائه نسيت المحاكمة، غير أنني لم أعد ذلك الإنسان الذي كنته من قبل، أتكلم كثيرا ولا أنام إلا نادرا.. في ساحة السجن أنزوي في ركن، بعيدا عن باقي نزلاء الحي.. من قبل عندما كنت أخلد إلى الصمت كان بعض النزلاء يحاولون إخراجي منه ومحادثتي، لاسيما وأنني لم أكن وحدي متهما بـ « بطانة » كما ينعت السجناء جريمة القتل في « غوصهم ».. لكن بعد صدور الحكم لم يعد أحد يتجرأ على محادثتي قبل أن أبادره بالكلام.
    بعد فترة لم أذكر مدتها نقلوني إلى السجن المركزي بمدينة القنيطرة، وهو السجن الذي يستضيف أغلب المحكومين بالإعدام بالمغرب.. بعد الإجراءات المعتادة قادنا الحراس إلى « حي الإعدام »، وبمجرد ولوجي ذلك الفضاء بدأ جسمي يرتعش رغما عني ولم أقو على التحكم في أي عضو منه، من أعلى رأسي حتى أخمص قدماي، إلى حد أنني صرت أتعثر في سيري فاضطر الحارسان لمساعدتي على استكمال مشواري نحو الزنزانة الفردية التي خصصتها لي إدارة السجن.. يكاد يكون المكان مظلما لولا ضوء خافت ينبعث من مصباح غشاه غبار السنين المتراكم..نور ضعيف لا يضيء إلا جزءا ضئيلا من الحي.. بعد استقراري بالزنزانة الانفرادية امتلكني إحساس لم يتملكني من قبل.. أحسست بالموت قريبا مني، يحوم حولي من كل الجوانب.. ازداد قربه وبدأت أشم رائحته.. رائحة لم يسبق أن شممت مثلها.. رأيت ضيوف « حي الموت » وسمعت حديثهم الذي يوحي بأنهم وضعوا حياتهم وراء ظهورهم من طول معايشتهم خوف حلول ساعة تنفيذ الإعدام في فجر أحد الأيام.. ليس في أحاديثهم وأقوالهم ما يوحي بارتباطهم بالحياة أو حتى بالغد القريب، لا يتكلمون إلا عن الماضي واللحظة، ما عدا ذلك لا قيمة له.. فنادرا جدا ما يستعملون أفعال المستقبل كأن لا غد لهم مهما كان قريبا.. وجوههم يائسة لا لون لها.. نظراتهم ذابلة وباردة لا حرارة حياة فيها.. عيون مثقلة من قلة النوم بالنهار والاستيقاظ بالليل.. استفسرت عن الأمر وقيل لي بالليل كانوا يأتون لأخذ المحكومين بالإعدام عندما تحين ساعتهم.. لهذا لم يعد أحد من نزلاء حي الموت يقوى على النوم ليلا حتى لا يفاجأ بموعد حلول الموت وهو نائم.. كل دقائق الحياة اليومية لنزلاء حي الإعدام تدور حول الموت.. وقد تكيف حراس هذا الحي وموظفو الإدارة مع هذا الواقع.. التزموا « ببروتوكول » خاص لا مثيل له في أحياء السجن الأخرى.. مثلا كلهم يرتدون أحذية رياضية ليلا خشية إحداث صوت عند تحركهم، لأن صوت الأقدام ليلا يفهم منه أنهم آتون لاقتياد أحد النزلاء إلى عمود الإعدام، كما أنهم يتجنبون فتح أو إقفال الأبواب الحديدية بقوة، لأن صوت المفاتيح في الأقفال ليلا، يوحي هو كذلك بنفس الشيء.. هكذا تكيف نزلاء حي الإعدام بالسجن المركزي مع الموت وصاحبوه في كل شبر من هذا الفضاء.. لا أمل لهم إلا واحد لا ثاني له، انتظار عفو ملكي يحول عقوبة الإعدام إلى المؤبد لاسترجاع حقهم في الحياة التي سلبوا منها بمجرد أن نطق القاضي الحكم في آخر جلسة.


    حكم الإعدام بالمغرب


    أصدرت المحاكم المغربية منذ حصول المغرب على استقلاله ما يناهز 200 حكما بالإعدام، وهي إعدامات ارتكزت على تفعيل القانون، وهذا الرقم لا يأخذ بعين الاعتبار حالات الإعدام المنفذة خارج القانون وعلى هامشه، دون علم القضاء ولا الشعب، باعتبارها نفذت داخل فضاءات لم يكن يعلم بها القضاء ولا المغاربة.
    عموما لم يتم تنفيذ هذه العقوبة السالبة للحياة منذ 1982، باستثناء حالة واحدة في غشت 1993، ويتعلق الأمر هنا بإعدام الكومسير الحاج ثابت، ويبدو أن هناك ما يناهز 150 شخصا لازالوا قابعين في « ممرات وأحياء الإعدام » داخل بعض السجون المغربية.
    حاليا، في سنة 2007 هناك 129 محكوما بالإعدام من ضمنهم 7 نساء حسب الإحصائيات الرسمية، في حين أن هناك، حسب جمعيات حقوقية، 150 حالة من بينها 9 نساء 110 منهم يوجدون بحي الإعدام (« حي ب ») في السجن المركزي بالقنيطرة؛ ومن المعلوم أن الملك الراحل الحسن الثاني أمر سنة 1994 بتحويل جميع حالات عقوبات الإعدام إلى السجن المؤبد ما عدا بعض الحالات التي بلغ عددها 13. وبالرغم من إيقاف تنفيذ هذه العقوبة، فإنها لازالت قائمة في القوانين الجاري بها العمل، وجاء قانون الإرهاب للمزيد من تقعيدها وتكريسها. إذ لاحظ الجميع أنه بعد أحداث 16 مايو 2003 الدامية بالدار البيضاء، عمدت العدالة المغربية إلى تفعيل هذه العقوبة أكثر من السابق، فلازال القانون الجنائي المغربي يقر بحكومة الإعدام بخصوص العديد من الأفعال الجرمية يفوق عددها 560، هذا بالإضافة للأفعال الجرمية المنصوص عليها في القانون الجنائي العسكري؛ وما تضمنه قانون الإرهاب يعتبر آخر عنقود المنظومة الجنائية المغربية، وبذلك يصبح عدد الأفعال الجرمية المعاقب عليها حاليا بالإعدام في المغرب يناهز 1180 فعلا جرما، وهذا يتناقض ويتنافى مع فحوى المعاهدات الدولية التي تنص على تقليص عدد الأفعال الجرمية المستوجبة لهذه العقوبة في أفق إلغائها نهائيا.

    مناهضة عقوبة الإعدام بالمغرب


    يبدو أن حركة مناهضة عقوبة الإعدام بالمغرب لازالت في بدايتها، إن الائتلاف المغربي من أجل مناهضتها لا يتكون حاليا إلا من فعاليات قليلة، بعض الجمعيات (6 أو 8) وبعض الهيئات الحقوقية وجمعية هيئات المحامين.
    يظل هدف هذا الائتلاف الأساسي حاليا هو حمل الدولة المغربية للمصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني، المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، باعتبارها عقوبة « لا إنسانية » وحذفها من كل القوانين الجاري بها العمل.
    ومن المعلوم أن المغرب احتضن في يونيو 2006 الجمعية العامة الثانية للائتلاف العالمي من أجل مناهضة عقوبة الإعدام، كما سبق أن استضاف مناظرة بهذا الخصوص في غضون شهر أكتوبر سنة 2003، إلا أن الجدال حول إلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب لازال لم ينضج بعد سياسيا بما فيه الكفاية، وهذا مع العلم أن مناظرة مكناس الخاصة بالسياسة الجنائية أقرت بشجاعة ضرورة السير نحو الإلغاء النهائي لعقوبة الإعدام.
    عموما لازال المجتمع المدني بالمغرب لم ينخرط بعد في هذا الجدال وفي التحرك من أجل مناهضة عقوبة الإعدام، فهو إلى حد الآن غير معني بهذه الحركة التي لازالت منحصرة على فئة داخل النخبة في جزء، لاسيما الفعاليات الحقوقية، فلازال البعض يرى أن هناك تداعيات عويصة، خصوصا ما يتعلق بارتباط هذه الإشكالية بمبدأ القصاص والحدود الإسلامي والمنصوص عليه في القرآن الكريم والمكرس انطلاقا من المنظور الإسلامي، هذا في وقت ترتكز فيه المنظومة القانونية المغربية على الفلسفة الوضعية والفقه الوضعي لكنها استثنت عمليا في جملة من جوانب مرجعيتها مبدأ الحدود والقصاص. ولعل هذا هو السبب الرئيس في تفضيل القائمين على الأمور عدم تفعيل الجدال والحوار المتعلقين بإلغاء عقوبة الإعدام والاكتفاء بالحفاظ عليها سارية المفعول في القانون المغربي لكن مع تعليق تنفيذها بحثا عن إرضاء الطرفين، المناديين بإلغائها والرافضين لذلك.
    لكن ما هو الموقف الرسمي من إلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب؟
    إن الموقف الرسمي بهذا الخصوص لم يتضح بعد بشكل شفاف، هذا بالرغم من أن هناك جملة من الوزراء والمسؤولين الكبار يساندون مطلب الإلغاء، من ضمنهم وزير العدل الحالي الذي سبق له أن صرح بذلك أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، كما أصبحنا نلاحظ حضور رسميين وازنين في النقاشات وفي مختلف الأنشطة بهذا الخصوص. إلا أنه لحد الآن ليس هناك أي جهة رسمية تعارض بوضوح إلغاء هذه العقوبة.
    أما فيما يتعلق بالبرلمان، فقد سبق لبعض النواب أن قدموا، في غضون سنة 2006، مشروع قانون يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب لكنهم ووجهوا برفض متستر اتخذ شكلا من أشكال إهمال المشروع وعدم إيلائه أية أهمية، واكتفى آخرون بالتعليل قائلين إن هذه العقوبة واردة في القرآن الكريم لكونها ضرورية حفاظا على الأمن والاستقرار والسلم والنظام، ويبدو أن الإسلاميين هم الأكثر معارضة، لإلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب الآن، ويعضضهم في هذا الموقف رموز سنوات الجمر والرصاص الذين مازالوا يحتلون مواقع نافذة في دوائر صناعة القرار، لاسيما أولئك الذين تأكد تورطهم في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وكل هؤلاء يعتمدون على حيتيات مرتبطة بالإسلام.
    ويبدو أن موقف الملك محمد السادس، بخصوص إلغاء عقوبة الإعدام، يسير في اتجاه الإلغاء أكثر من المناهضة، ومن مؤشرات هذا الموقف، مباركته احتضان المغرب للجمع العام للائتلاف العالمي ضد عقوبة الإعدام، كما أنه أولى هذا الأمر أهمية خاصة. ومن المعلوم أن تنفيذ أحكام الإعدام لا يتم إلا بإذن مباشر من الملك، ولم يتم تنفيذ أي عقوبة من هذا القبيل منذ أن اعتلى الملك عرش البلاد. ألا تكفي هذه المؤشرات لاستشفاف موقف الملك محمد السادس بهذا الخصوص؟


    خلاصة القول


    يبدو أنه حتى ولو حاولنا جرد حصيلة الأشخاص المعدومين في العهد السابق، لن نفلح في ذلك باعتبار أن الإعدامات التي اقترفت ونفذت خارج القانون أو على هامشه مازالت تنتظر الكشف عنها، وبالتالي لازال مشروعا إلى حد الآن التساؤل عن هذه الحصيلة، علما أنه من باب المستحيل التعرف عليهم جميعا باعتبار سيادة الخوفقراطية آنذاك والتي كانت مكونا من مكونات المنظومة الاجتماعية