Étiquette : المؤسسة الملكية

  • أسوأ أيام الملك الحسن الثاني

    2008 / 11 / 29

    كلما اتسعت دوائر التقصي أو نطق أحد الصامتين أو تم العثور على وثيقة أو معلومة جديدة كشف فيها عن تصريح، يتبين من جديد أن خبايا تاريخ المغرب المعاصر مازالت خفية، لم تعرف بعد كاملة.

    ففي منتصف صيف 1971، كان المغرب الشعبي في أوج غليانه، وكانت قواه الحية التواقة إلى تغيير جذري توحدها فكرة واحدة: تنحية الملكية من المغرب وتعويضها بنظام آخر!
    آنذاك، وبالضبط يوم 10 يوليوز، بعد إحياء سهرة فنية ضخمة في ليلة التاسع منه، قام بتنشيطها عمالقة الأغنية العربية وقتئذ، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني ضيوفه بقصر الصخيرات في أجواء صيفية رائقة، قوامها المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ.

    احتل المدعوون حدائق القصر، حيث كل شبر من بساطها الأخضر المؤثث بأشجار الميموزا والأوكاليبتوس المستورد من استراليا. أكثر من ألف ضيف، جلهم بزي صيفي خفيف تبعا للتعليمات الواردة في الدعوات التي توصلوا بها، بلسان العرب ولغتي موليير وشكسبير. كل الشخصيات الوازنة، المغربية والأجنبية، المتواجدة آنذاك على التراب الوطني، كانت حاضرة ذلك اليوم بقصر الصخيرات لمشاركة الحسن الثاني احتفالات عيد ميلاده 42. منهم بورقيبة الابن، لوي جوكس، جاك بونوا ميشان، الراقص المشهور وقتئذ جاك جازو، الأستاذان « تورين » و »دوجين »، تاجر المجوهرات ذائع الصيت « شومي »، الدكتور « دوبوا روكبير » وآخرون من رجال السلك الديبلوماسي ورجال الأعمال وغيرهم.

    2008 / 11 / 29

    كلما اتسعت دوائر التقصي أو نطق أحد الصامتين أو تم العثور على وثيقة أو معلومة جديدة كشف فيها عن تصريح، يتبين من جديد أن خبايا تاريخ المغرب المعاصر مازالت خفية، لم تعرف بعد كاملة.

    ففي منتصف صيف 1971، كان المغرب الشعبي في أوج غليانه، وكانت قواه الحية التواقة إلى تغيير جذري توحدها فكرة واحدة: تنحية الملكية من المغرب وتعويضها بنظام آخر!
    آنذاك، وبالضبط يوم 10 يوليوز، بعد إحياء سهرة فنية ضخمة في ليلة التاسع منه، قام بتنشيطها عمالقة الأغنية العربية وقتئذ، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني ضيوفه بقصر الصخيرات في أجواء صيفية رائقة، قوامها المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ.

    احتل المدعوون حدائق القصر، حيث كل شبر من بساطها الأخضر المؤثث بأشجار الميموزا والأوكاليبتوس المستورد من استراليا. أكثر من ألف ضيف، جلهم بزي صيفي خفيف تبعا للتعليمات الواردة في الدعوات التي توصلوا بها، بلسان العرب ولغتي موليير وشكسبير. كل الشخصيات الوازنة، المغربية والأجنبية، المتواجدة آنذاك على التراب الوطني، كانت حاضرة ذلك اليوم بقصر الصخيرات لمشاركة الحسن الثاني احتفالات عيد ميلاده 42. منهم بورقيبة الابن، لوي جوكس، جاك بونوا ميشان، الراقص المشهور وقتئذ جاك جازو، الأستاذان « تورين » و »دوجين »، تاجر المجوهرات ذائع الصيت « شومي »، الدكتور « دوبوا روكبير » وآخرون من رجال السلك الديبلوماسي ورجال الأعمال وغيرهم.

    لحظتئذ، وحده الملك الحسن الثاني كان جالسا إلى مائدة الأكل بصدد تذوق « لانكوست » ضخمة اختيرت بعناية كبيرة من طرف أحد اليهود القائمين على تحضير الأطباق الرفيعة ذلك اليوم.

    كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية و8 دقائق زوالا، حسب أكثر من شاهد عيان.. من قلب أنغام قطعة موسيقية صامتة كانت تعم الأجواء، دوت طلقات الرصاص وانفجارات قنابل يدوية.. توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف.. سقط فرنسي وتهاوى سفير بلجيكا على الأرض جثة هامدة… تناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية لقصر الصخيرات.. جثث « لي كادي » (مساعدو لاعبي الغولف المكلفين بلوازم اللعبة) منتشرة على البساط الأخضر هنا وهناك.. مئات الضيوف هرعوا مذعورين فوق الرمال الذهبية موَلِّين ظهورهم إلى شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هادئا ذلك اليوم…

    أكثر من ثلاث ساعات من الفوضى والهمجية أبطالها جنود أغرار، على رأسهم الليوتنان كولونيل امحمد عبابو، الذي طلب من مرافقه الأمين، العملاق عقا تخليصه مما كان ينتظره بإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد إصابته البليغة بالمقر العام للقوات المسلحة… ليسدل الستار على انقلاب الصخيرات.

    نهاية الانقلاب جاءت بطريقة غريبة، ظل يلفها الكثير من الغموض، حيث أثار ضجيجا كبيرا لكنه لم ينجح في الوصول إلى المستهدف الأول: الملك، وذلك رغم خطة تدبيره في الخفاء من طرف 5 جنرالات، حسب المصادر البريطانية.

    توقف إطلاق النار بحلول الساعة الخامسة زوالا.. سلم الملك الراحل الحسن الثاني كافة السلط العسكرية والمدنية لرجل ثقته وقتئذ، الجنرال محمد أوفقير، ليبدأ مسلسل القمع الدموي وتصفية الحسابات، الظاهر منها والمستتر… كل هذه الأمور وغيرها معروفة، تناولتها جهات وطنية وأجنبية، إلا أن بعض مناطق الظل ظلت في حاجة إلى المزيد من التوضيح، ومنها الدور الذي لعبته وقفة قافلة الانقلابيين ببلدة بوقنادل والكشف على أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري مع علم جهات أخرى بالتخطيط له، وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وغيرها من التساؤلات.

    يحاول ملف هذا الأسبوع الإحاطة بكل القضايا المتعلقة بهذه المسألة، معية الكاتب محمد لومة صاحب مؤلفات اعتنت بأحداث ووقائع وجَّهت تاريخ المغرب الحديث نحو الوجهة التي سار فيها.

    « لحلاسة راها تقلبات.. اجمع حوايجك » ( الحصير قد تنقلب اجمع متاعك)

    من بين النوازل، التي تبين بجلاء أن الجنرال محمد أوفقير كان على علم بحدوث انقلاب الصخيرات قبل وقوعه، ما حدث بسجن بولمهارز بمراكش.
    يوم حصول المحاولة الانقلابية الفاشلة بالصخيرات كان كل من سعيد بونعيلات وأحمد الفرقاني بسجن بولمهارز، ممنوعين من الاتصالات المباشرة فيما بينهما، إلى جانب اليازغي وآخرين. وفي يوم 10 يوليوز 1971، كان الفورقاني يقوم بفسحته اليومية بساحة السجن، وكان كلما اقترب من زنزانة سعيد بونعيلات إلا وحاول التواصل معه خلسة لمعرفة ما لديه من أخبار ومستجدات، فقال له بونعيلات بالأمازيغية : « اليوم لحلاسة راها تقلبات »..

    أكمل الفورقاني جولته قصد الاستفسار عن الأمر، فقال لبونعيلات: « أش من حلاسة تقلبات؟! »، فأجابه: « لحلاسة راها تقلبات اجمع حوايجك »..

    حسب محمد لومة، في ليلة 10 يوليوز 1971، اتصل أحد الذين تربطهم علاقات عائلية قوية بالجنرال أوفقير (يسمى على أوفقير، وكان يعمل بإحدى الأجهزة الأمنية وغالب الظن في « السيمي »)، بأحد سجناء سجن بولمهارز، وقال له: « اجمعوا حوايجكم، غدا راه غادي توقع شي حاجة كبيرة ومهمة إن شاء الله، وراه غادي تلتحقو بديوركم ».

    ويضيف محمد لومة، لم يكن على أوفقير هذا سيقوم بما قام به دون تعليمات صادرة عن الجنرال
    أوفقير.

    لكن في مساء يوم 10 يوليوز، لما اتضح فشل المحاولة الانقلابية، قرر الجنرال تصفية كل سجناء سجن بولمهارز الاتحاديين. آنذاك كان بلغازي، مديرا لهذه المؤسسة السجنية، وهو مقاوم سابق بارز، على علاقة ببعض المقاومين وأعضاء جيش التحرير النزلاء بسجنه، ولاحظ أن هناك فرقة من البوليس، كل عناصرها من عين الشعير (بلدة الجنرال أوفقير) مسلحين بالرشاشات، وكان قد فهم من حديثهم أنهم يخططون ذلك اليوم لكيفية تنفيذ التعليمات الرامية إلى التصفية الجماعية للمعتقلين الاتحاديين (عددهم 172)، فقام المدير المذكور برمي مفاتيح الزنازن داخل زنزانة أحد السجناء واتجه على الفور إلي مكتب وكيل الملك بمراكش فأخبره بقرب وقوع مذبحة بالسجن الذي يديره، وشرح له أن هناك عناصر مسلحة، غرباء عن المؤسسة، أرسلهم الجنرال أوفقير للقيام بقتل السجناء الاتحاديين.

    وحسب محمد لومة، كما خطط الجنرال أوفقير لمسح آثار الجنرالات يوم 13 يوليوز (بتصفيتهم بدون محاكمة)، أراد كذلك أن يمحو ذاكرة 172 معتقلا بسجن بولمهارز بمراكش كشهود على علمه بحدوث الانقلاب قبل وقوعه. ولولا لطف الله ومبادرة مدير السجن، لحصلت مذبحة بهذا السجن، أفظع من مذبحة قصر الصخيرات.

    وهذه الرواية الأخيرة تناقض الرواية القائلة بأن تلك العناصر حضرت إلى السجن لتكون على تأهب من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين وليس لتصفيتهم، كما تم الاعتقاد بذلك.

    عبد الرحيم شجار

    في اتصال بعبد الرحمان شجار أحد المعتقلين ضمن « مجموعة 172″ بسجن بولمهارز، صرح للجريدة بأن خبر اندلاع انقلاب 1971 توصلوا به من طرف المرحوم محمد الحبيب الفرقاني، الذي علم به عن طريق، مدير السجن آنذاك، المقاوم بلغازي.

    وعليه لم يتم تنقيلهم يوم العاشر من يوليوز إلى المحاكمة التي كانت أطوارها تدور بمحكمة باب دكالة.

    وأكد أن التحليل الذي ساد يومها في أوساط المعتقلين إثر تواجد عدد كبير من أفراد الجيش والمخابرات والشرطة داخل السجن، رغم عدم علاقتهم بإدارة السجون، بأنها حركة يراد بها تخليص السجناء تمهيدا للاتصال بقيادتهم في الخارج، وذلك من أجل إضفاء المشروعية السياسية على واقع الانقلاب، علما أن هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى القائلة إن فرقة الأمن التي تتكون عناصرها من منطقة عين الشعير جاءت إلى سجن بولمهارز، بأمر من الجنرال أوفقير لتصفية المعتقلين الاتحاديين، كونهم علموا بأن الجنرال المذكور كان على علم بالإعداد لانقلاب الصخيرات.

    وفي هذا الصدد أكد لنا محمد لومة أن اعبابو وجماعته كانوا يتخوفون من أن يسبقهم الاتحاديون بخصوص تغيير النظام بالمغرب، لذا قال لرجاله : » إن أولئك الناس يفكرون في الهجوم، علينا أن نسبقهم ونمنح للمحكومين منهم العفو بمراكش ».

    لماذا لم يسقط الكثير من اليهود ضحايا بالصخيرات؟

    لازال البعض يتساءلون باستغراب عن عدم سقوط الكثير من الشخصيات اليهودية يوم 10 يوليوز 1971 ضمن ضحايا قصر الصخيرات، فهل كان جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على علم مسبق بالحركة الانقلابية قبل وقوعها؟

    لم يسقط بقصر الصخيرات سوى يهودي واحد، هو ماكس مانيان، مدير شركة « كوزيمار » (معمل السكر بالدار البيضاء)، كما أصيب يهوديان آخران بجروح طفيفة.

    علما أن أكثر من جهة أكدت مرارا أن الموساد كان على علم بكثير من الأسرار بخصوص العملية الانقلابية وغيرها من النوازل والمؤامرات، على الأقل لم يقم بإخبار اليهود المقربين من القصر الملكي والعاملين به، وهم كثر، إضافة إلى الضيوف المدعوين من اليهود، بعدم حضورهم ذلك اليوم أو على الأقل تنبيههم!!؟

    فاليهود هم الذين كانوا وقتئذ يؤطرون الحفلات والمأكل والمشرب بقصر الصخيرات، ومن هؤلاء شقيق شمعون ليفي، وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وهو صاحب مرقص « أمنيزيا » الكائن بشارع علال بن عبد الله بالرباط، والذي كان ولي العهد يقضي به بعض أوقات فراغه رفقة شلته في طور الشباب المبكر.

    ومن المعلوم أن ترقية الأخوين محمد وامحمد اعبابو (الأول أصغر من الثاني بثلاث سنوات)، تمت في يوم واحد (3 مارس 1971) وذلك استعدادا للانقلاب، وهي ترقية مخدومة من طرف الجنرال المذبوح، كما أمر هذا الجنرال بزيادة تسليح مدرسة اهرمومو قبيل الانقلاب.

    لقد تم اعتماد طريقة القيادة من فوق، فالجنرال المذبوح (الذي يعتبر قائد الانقلاب)، لم يجلس إطلاقا مع الكولونيل محمد اعبابو، وكان حواره دائما مع امحمد أخ المعني الأول.

    وكان القبطان الشلاط، الذي وعد بالترقية آنذاك، وتحت إمرة هذا الأخير، حسب الأقدمية، القبطان بلكبير والقبطان غلول، وهما اللذان قادا القافلتين من اهرمومو إلى فاس ثم زكوطة فسيدي قاسم، إلى سيدي سليمان وسيدي يحيى، مرورا بالقنيطرة، وصولا إلى بوقنادل (على بعد بضع كيلومترات من مدينة سلا)، وهناك (ببوقنادل) تغيرت قيادة القافلتين، آنذاك رفعت أغطية الشاحنات ولُقِّمت الأسلحة وتم إخبار الجنود بالاستعداد للدخول إلى منطقة حرب، مما يعني وضع الأصبع على الزناد والاستنفار لإطلاق النار حال صدور الأوامر.

    التصريح الذي ورط كل المتهمين

    من أهم التصريحات التي كبلت المتهمين بقاعة المحكمة العسكرية الدائمة بالقنيطرة، ما أدلى به محمد اعبابو، شقيق امحمد اعبابو، مدير مدرسة اهرمومو، إذ جاء في محضر استنطاقه أن الجنرال المذبوح حدد بمعية شقيقه تفاصيل خطة الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، وعملا معا على ضمان تنسيق تحركات المجموعتين المتدخلتين في هذه العملية، كما توافقا على تعيين الأشخاص اللازم تصفيتهم وأولئك الواجب احتجازهم إلى حين النظر في حالتهم كل واحد على حدة، واتفقا أيضا بخصوص الضباط الغرباء عن مدرسة اهرمومو، الذين سيلتحقون بالعملية وهم:
    – الليوتنان كولونيل القادري
    – الكومندار المالطي
    – الكومندار المنور
    – الكومندار البريكي
    – الكومندار الرياني (صهر المذبوح)
    – الكومندار الحرشي
    الكومندار مليس
    وذلك من أجل أن يبرز للانقلابيين أن مختلف مكونات الجيش مشاركة في العملية.

    وكان هؤلاء الضباط الغرباء ينتظرون القافلة ببلدة بوقنادل بلباس مدني صيفي خفيف، وبعد خلوة قصيرة مع امحمد اعبابو (داخل سيارة مدنية)، ارتدى كل واحد منهم اللباس العسكري وحملوا أسلحتهم، بما فيهم ضابط شرطة كان يرافقهم.

    هذا ما أنكر علمه المرزوقي (صاحب كتاب تازمامارت/ الزنزانة رقم 10) في التحقيق، لكنه لم ينكره بعد نجاته من جحيم تازمامارت.
    وفعلا، قلة جدا، هم الذين أقروا بأن امحمد اعبابو أخبر ضباطه ببوقنادل أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب، ومن هؤلاء، إضافة إلى محمد اعبابو، عبد العزيز بين بين (نجل مؤنس الحسن الثاني) والذي أدلى في التحقيق بما يلي:

    […] تجمعنا حول الليوتنان كولونيل امحمد اعبابو وقال لنا: « أيها الضباط الشباب تعرفون، حق المعرفة، وضعية الضابط بقواتنا المسلحة [..] القيادة العليا قررت القيام بانقلاب.. علينا مهاجمة قصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا.. وفي نفس الساعة ستتدخل وحدات في مدن أخرى.. سنقوم بمحاصرة القصر وعليكم إطلاق النار على كل من سيحاول الفرار… ».

    ويعترف محمد اعبابو منذ البداية أن شقيقه امحمد فاتحه مبكرا في الإعداد لمحاولة انقلاب لتغيير الوضع بالبلاد، إذ تشاور معه بخصوص الكمين الذي كان ينوي نصبه للموكب الملكي بضواحي إفران بمناسبة حضور الملك الحسن الثاني لمناورات الحاجب في غضون شهر أبريل سنة 1971، شهورا معدودة قبل انقلاب الصخيرات، وقد عمل محمد على تني أخيه عن المغامرة لعدم توفر شروط نجاحها. ومما يبين أن امحمد اقتنع بملاحظات شقيقه ما صرح به هذا الأخير، حيث قال:
     » […] حال وصولنا إلى فاس، هاتف أخي مدرسة اهرمومو وقال للقبطان بلكبير بصوت مرتفع: « .. التمرين المقرر قد ألغي نظرا لظروف الطقس السيئة.. لا تغادروا المدرسة لتجنب أخطار الحوادث.. ».

    وجاء في تصريحات محمد اعبابو أيضا أن شقيقه امحمد حاول اقناعه بأنه التقى أكثر من مرة مع الجنرال المذبوح، آخرها بمدينة فاس، إذ نادى على « البلانطو » الذي كان يعمل بمنزله هناك، حيث قال محمد في المحضر:
    « وجدت شقيقي وحده في منزله بفاس.. تناولت معه فنجان قهوة.. ثم نادى على « البلانطو » لحسن فسأله أمامي: « من كان جالسا على هذه الأريكة البارحة؟ ».
    تردد لحسن، فأمره محمد بالإجابة، فنطق لحسن: « كان هناك الجنرال المذبوح… ».

    أما بخصوص النظام الذي كان يرغب الانقلابيون القيام به، يقول محمد اعبابو:
    « من خلال الحوارات التي أجريتها مع شقيقي امحمد فيما بين 7 و10 يوليوز تبين لي أن الجنرال المذبوح كان ينوي إحداث نظام يرتكز على القوات المسلحة.. لذلك فكر في توسيع دائرة اختصاص وزارة الدفاع لتشرف على القوات المسلحة والدرك والقوات المساعدة والأمن [وكانت ستؤول إلى أخيه] […] وكنت أنا مرشحا للاضطلاع بالقيادة العامة للجيش.. أما « مجلس الثورة »، فكان سيضم ضباطا يتم اختيارهم من الذين أثبتوا انخراطهم في قلب النظام.. ».

    ويضيف محمد اعبابو « يبدو أن اجتماعا أقيم بفيلا كان يملكها شقيقي بشاطئ « كابونيكرو » بالشمال، أسبوعا قبل الانقلاب، وربما تقرر كل شيء خلاله… ».

    وهذا ما أشار إليه كذلك، على بوريكارت في مذكراته، حيث كتب: « لقد علمت على لسان « لاجودان شاف » عقا أن أوفقير، أسبوعا قبل الهجوم على قصر الصخيرات، زار الكولونيل اعبابو رفقة الدليمي بفيلاته بـ « كابو نيكرو » شمال البلاد.

    وجاء أيضا في محضر محمد اعبابو: « [..] خلال حوار شقيقي مع الجنرالات بمقر المكتب الثالث بالقيادة العامة وقع نظره على الكولونيل بنعيسى [الحرس الملكي] فالتفت إليه وقال: « موكولونيل ».. مع الأسف أخبركم بموت رئيسنا، الجنرال المذبوح.. » (ثم توجه إلى جميع الحاضرين) « .. نعم، الجنرال المذبوح هو رئيسنا، لكنه مع الأسف الشديد لقي حتفه.. ».

    وجوابا على سؤال القاضي قال محمد اعبابو: « [..] عندما سلم شقيقي « السلطة » للجنرالات بمقر المكتب الثالث اتصل بي بعض الضباط الشباب، أذكر منهم أخليج والفكيكي وآخرين، حيث قالوا: « لقد قام شقيقك باقتراف حماقة كبيرة.. السلطة يجب أن تعود لنا نحن.. ».
    وأضاف: « […] آنذاك فكرت في الهروب وقررت استفسار شقيقي عن المكان الذي يخبئ فيه المال لأخذه وأغادر البلاد.. إلا أن الفرصة لم تتح لي.. ».

    وبالرجوع إلى ما قيل بخصوص المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما تم الكشف عنه من معطيات وإلى تقاطع جملة من التصريحات، ذهب مجموعة من المحللين إلى الاعتقاد بوجود خلاف بين الجنرال المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، إذ كان الأول عاقدا العزم على اقتحام القصر الملكي وتجريد الحرس الملكي من السلاح ووضع اليد على الملك لدفعه إلى التخلي عن العرش وتسليم السلطة إلى « مجلس الثورة » المكون من ضباط شباب، أي القيام بانقلاب « نظيف » دون إراقة دماء. أما امحمد اعبابو فقد عقد العزم على اغتيال الملك وتهجير العائلة الملكية والإعلان عن إقامة نظام عسكري.

    ويظل أحمد رامي الوحيد الذي يقر بأن محمد المذبوح تحدث مع الحسن الثاني بعد الهجوم على القصر وأخبره بأن لا مخرج إلا بالتخلي عن السلطة مع إمكانية اللجوء إلى فرنسا عبر الرباط أو الدار البيضاء.. وافق الملك ووقع كتابا بهذا الخصوص، وِجد بحوزة الجنرال المذبوح وهو جثة هامدة. وهذه النازلة لم تتم الإشارة إليها من قبل.

    كيف تحرك 1400 جندي مدججين بالسلاح دون إثارة الانتباه؟

    سؤال ظل يردده الكثيرون، كيف تمكن 1400 جندي من التحرك على امتداد مئات الكيلومترات دون إثارة انتباه السلطات العسكرية والمدنية ورؤساء المناطق العسكرية وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك (1971)، كان:

    – امحمد باحنيني وزير الدفاع بعد أن عوض الجنرال مزيان في 5 فبراير 1971.
    – الجنرال المذبوح مدير الديوان الملكي.
    – الجنرال محمد بلعالم الكاتب العام بوزارة الداخلية.
    – أحمد الدليمي مدير الأمن الوطني.
    – الكولونيل بولحمص قائد الدرك الملكي.
    – الجنرال مصطفى أمحراش مدير المدارس العسكرية.

    وكان على رأس المناطق العسكرية التي اخترقتها قافلة الانقلابيين كل من:

    – الجنرال بوغرين : رئيس منطقة فاس – تازة.
    – الجنرال عبد الحي بلبصير : رئيس منطقة مكناس.
    – الجنرال حمو أمحزون : رئيس منطقة الرباط – القنيطرة.
    وكان على رأس عمالات الأقاليم التي مرّت عليها القافلة كل من:
    صلاح زمراك : تازة.
    عمر بنشمسي : فاس.
    عبد الله الشرقي : القنيطرة.
    عبد السلام الوزاني : الرباط.
    ضمن كل هؤلاء تأكد، بما فيه الكفاية، تورط كل من الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير والجنرال بوغرين والجنرال حمو أمحزون.

    ضحايا طالهم الإهمال

    بعد انقلاب الصخيرات، مباشرة، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث لجنة للقيام ببحث، بخصوص الأحداث الدامية بقصر الصخيرات، ولجنة لرعاية الضحايا وإحصاء أملاك وأموال المتمردين قصد مصادرتها لتمويل صندوق جديد يضطلع بتعويض الضحايا وذوي الحقوق.

    فعلا تم إحداث هذه اللجنة بعضوية كل من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإدارية ووزارة الشغل والتكوين المهني، غير أن قراراتها ظلت حبرا على ورق. آنذاك كان الجنرال محمد أوفقير عضوا رئيسيا في كل اللجن المحدثة بعد فجيعة الصخيرات.

    يوم السبت 10 يوليوز 1971، ما بين الساعة الثانية والرابعة زوالا سقط الكثير من الضحايا من مختلف الشرائح، عسكريون ومدنيون، جنرالات، أطباء وموظفون سامون وفنانون وخدم وأناس بسطاء، كانوا يعيلون أسرا متعددة الأفراد، أغلب هذه الأسر عانت من ضيق اليد رغم أن أربابها سقطوا وهم في ضيافة الملك أو أنهم كانوا يزاولون مهامهم في القصر الملكي.
    وزادت حسرة هؤلاء بعد تناسل موجات الكشف عن الحقائق بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة واعترافات المشاركين فيها بعد نجاتهم من جحيم تازمامارت، ويجمع ضحايا الصخيرات أن الدولة تناستهم وتخلت عنهم، وتجاهلت الحكومات المتتالية مطالبهم، بل إن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم تحترم مشاعرهم.

    كما ظلت أسر ضحايا الصخيرات تعتبر أن منح تعويضات سخية، للناجين من جحيم تازمامارت، من الأخطاء التاريخية الجسيمة، اعتبارا لكون الأموال الممنوحة، تم اغترافها من الأموال العمومية اقتطع جزء منها من مال أسر ضحايا الصخيرات وذويهم كدافعي الضرائب، علما أنها لم تتوصل سوى بتعويضات هزيلة، بالكاد غطت مصاريف العزاء والدفن، ولا وجه لمقارنتها مع ما أغدقت به الدولة والحكومة على من كانوا سببا في ترميل نساء وتيتيم أطفال، وبذلك شعرت عائلات ضحايا الصخيرات بغبن عظيم نظر تعرضها لحيف وظلم كبيرين.

    فأرملة كولونيل – أحد ضحايا الصخيرات – على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوصل إلا بمعاش لا يتجاوز 1500 درهم، أما أرملة عمر غنام، مدير المركز السينمائي المغربي، فاستفادت من معاش لم يتعد 736 درهما شهريا.

    بسبب الإحساس بالغبن سبق لجمعية ضحايا الصخيرات أن طلبت من دار الافتاء بالديار المصرية فتوى في الموضوع، وفعلا أصدرت الدار فتوى، أكد فحواها أن من له حق العفو عن قاتل النفس المؤمنة بغير حق، هم أولياء المقتول الشرعيين.وقد استندت الجمعية إلى هذه الفتوى لدعم دعواها المدنية والمطالبة بالحق المدني، سيما وأن الفتوى المصرية أقرت بأن الدعوى في جرائم القتل العمد لا تسقط بالتقادم.

    فرحة غالية الثمن

    عندما تلقى صاحب حانة شهيرة بشارع محمد الخامس بالرباط، خبر انقلاب الصخيرات، بادر فورا، على مرأى الحاضرين، إلى تكسير صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة فوق « الكونطوار »، ثم أمر بتقديم كل أنواع الخمور حسب طلب الزبناء الحاضرين في البار لحظتئذ، مجانا، تعبيرا عن فرحته واستبشاره بما وقع، إلا أن فرحته لم تكتمل، إذ اضطر للفرار من قبضة الأمن شهورا بعد ذلك.
    وعند إحداث الهيئة الأولى لتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، قدم هذا الأخير طلبا للتعويض، بخصوص ما لحقه من خسائر وعن المدة التي قال إنه قضاها بإحدى المعتقلات السرية، إلا أن طلبه قد تم رفضه من طرف الهيئة الأولى، وكذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن هذه النازلة لا تدخل في اختصاصاتها. وقد تحول « البار » المذكور حاليا إلى متجر لبيع الحلويات والمشروبات.

    سقوط 60 بالمائة من جنرالات المغرب خلال ثلاثة أيام

    فيما بين 10 و 13 يوليوز 1971 لقي 9 جنرالات من أصل 15 حتفهم، إما عن طريق رصاص المتمردين أو برصاص فرقة الإعدام بمعسكر مولاي إسماعيل بالرباط.

    ومن بين الذين لقوا حتفهم بقصر الصخيرات، هناك الجنرال إدريس النميشي (سلاح الجو)، الذي قتله المتمردون، والجنرال الغرباوي الذي قتله اعبابو، الذي لقي هو الآخر حتفه على يد الجنرال الهواري، أما الجنرال المذبوح، فمقتله شكل حالة خاصة.

    عشية فشل الانقلاب، تم اعتقال، الجنرالات المشكوك بأمر مشاركتهم أو مساندة المتمردين، وخضعوا جميعهم لتحقيق سريع، أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير بعد أن منحه الملك الحسن الثاني جميع الصلاحيات العسكرية والمدنية. في اليوم الثالث، بعد مجزرة قصر الصخيرات، رافق الجنرال أوفقير الجنرالات المعتقلين إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط للإشراف على تنفيذ إعدامهم دون محاكمة.

    وفي ظرف أقل من ثلاثة أيام فقد المغرب 9 جنرالات (منهم من سقط على يد المتمردين ومنهم من أعدم)، أغلبهم من أصول أمازيغية، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدامهم على شاشة التلفزة مباشرة، كما حجت جماهير غفيرة بإيعاز من السلطات المحلية لمعاينة مراسيم إعدام 4 جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي، وأغلب هؤلاء لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالهاجس السياسي، حيث سبق أن ساهموا في قمع التحركات النضالية الجماهيرية بمختلف أرجاء المملكة.

    محمد لومة / أحد قدماء مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية

    محمد لومة أحد قدامى مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رحل إلى الشرق العربي لتلقي تكوين عسكري متقدم، سيما في تخصص « حرب العصابات »، تخرج من الكلية الحربية السورية في شتنبر 1971، ثم التحق بالعمل الفدائي يحمل معه هاجس تغيير النظام السياسي بالمغرب عن طريق القوة المسلحة.

    أجرينا معه هذا الحوار للمزيد من تسليط الضوء على بعض الجوانب المعتمة من عملية الانقلاب الأولى الفاشلة، بوصفه ـ من جهة ـ كاتبا وباحثا تقصى أحداث هذه العملية واتصل بأعضائها المشاركين عن قرب، كما اطلع ـ من جهة أخرى ـ على جملة من الوثائق المتصلة بهذه النازلة.

    – أين كنت يوم حدوث انقلاب 10 يوليوز 1971؟

    + مساء هذا اليوم المشؤوم كنت بأحد مرافق الكلية الحربية السورية في مدينة (حمص) حيث تلقيت دراساتي العسكرية للتخرج منها كمهندس عسكري، ففوجئت باقتحام القاعة من طرف مجموعة من الضباط السوريين الذين اتجهوا نحوي وهم يهتفون ببشاشة.. لقد كان هؤلاء القوم على مدى ثلاث سنوات قضيتها هناك، نموذجا للقسوة والصرامة تجاه كافة الطلبة الضباط، الذين سرعان ما أخرجوني إلى ساحة الكلية محمولا على الأكتاف وهم يرقصون ويغنون عاليا:
    على دا العونا.. وُعَلى دَا العُونَا… إلخ.. مقطعا من الغنوة الشامية الشهيرة..
    ثم أخبروني بعد ذلك بأن الوضع السياسي في المغرب قد تغير.. لم يكن بحوزتي جهاز راديو لمعرفة التفاصيل لكنهم تطوّعوا، فأحضروا الجهاز.. مؤكدين بإلحاح:
    – أُولَكْ يا زلمي.. ضَبّْ أغْرَاضَك.. شُو نَاطِر..؟ (يا رجل.. تحرك.. إجمع أغراضك الشخصية)
    – وُلَكْ بُكرة بعيِّنوك وزير دفاع.. أُولك خلِّصنا بقى!! (إذا سيعينونك وزيرا للدفاع.. تحرك.. تحرك).

    عند الصباح الباكر لليوم الموالي، جاءت العاصفة على لسان قائد الكلية الحربية السورية المقدم ناصر الدين محمد ناصر، الذي سرعان ما أصبح لواء ثم وزيرا للداخلية في سورية.. لقد طلبني باستعجال ليوبِّخني وبعنف شديد قائلا:
    – أُولَيكْ الله لا يعطيكم عافية.. أُولك لِيشْ فَشَلْتُو؟
    شرحت له الأمر في حدود ما أعرف:
    – سيدي.. هادول مُوجَمَاعَتْنَا.. هَادُول مرتزقة حروب في الهند الصينية والكامبودج والجزائر.. إلخ. ومو وطنيين.. ولا قوميين.. وأنا ما إلي علاقة بيهم.

    – صرخ في وجهي:
    أُولّكْ يا أخي بدِّي أفهم.. هَادُول مُوعَسْكَر؟
    أجبت بالتأكيد عسكر.. فعقَّب غاضبا كالإعصار:
    – أُولَكْ.. عَسْكَر بَطَاطَا.. أولك 1400 عسكري وبيطلعوا على الفاضي.. اشرح لي كيف صار ها الشيء؟
    أمرني بالانصراف لعجزي عن تقديم ما يرغب من معلومات إضافية.. ثم عدت إلى رفاقي.. منتظرا حفل التخرج الذي أقيم تحت إشراف رئيس الجمهورية الفريق حافظ الأسد لأتخلص من هذا الكابوس.. لقد كنت المغربي الوحيد آنذاك في الكلية وكان الجميع يتوجهون لي بالأسئلة والاستنكارات والشجب، كما لو أنني كنت المسؤول الأول عن هذه الحماقة…آنذاك كانت السفارة المغربية في دمشق قد أغلقت بسبب إحراقها، بعد جريمة اغتيال الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965… فبقينا نحن هناك ـ مناضلو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتواجدون آنذاك بالديار السورية ـ وحدنا المخاطبون على كل المستويات حتى سنة 1971.

    – ككاتب تقصيت كثيرا بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى واتصلت بالعديد من الأشخاص واطلعت على جملة من الوثائق، كيف كانت الوضعية في قصر الصخيرات قبل الهجوم وبعده؟

    + منذ العاشرة صباحا ليوم السبت 10 يوليوز 1971 وسيارات المدعوين تصل تباعا إلى القصر الملكي بالصخيرات، تحمل ركابا أنيقين، يرتدون حسب التعليمات (البروتوكول) ملابس صيفية خفيفة دون ربطة عنق، أغلبها، عبارة عن قمصان حريرية ذات أكمام قصيرة.

    وبينما كان الكاتب والصحفي المعروف بونوا ميشان (Benoit Méchin)، الذي اعتادت مصالح التشريفات دعوته سنويا لحضور هذه المناسبة، متجها إلى قصر الصخيرات عبر الطريق الشاطئية، حيث لاحظ عددا كبيرا من الشاحنات العسكرية المليئة بالجنود تسير في نفس الاتجاه، ولعل أكثر ما استرعى انتباهه أن أغطية الشاحنات كانت مرفوعة وقد بدا كل جندي على متنها ماسكا سلاحه بحزم وهو في وضعية تأهب!

    وبحكم تجربة الرجل السابقة في العراق حين سقوط النظام الملكي صيف 1958 والتي عاش فصولها أولا بأول.. بدا له أن الأجواء في الرباط خلال ذاك اليوم غير اعتيادية ورأى أن عليه الإسراع بسيارته للوصول إلى القصر ولو ربع ساعة قبل وصول الشاحنات العسكرية لإنذار الملك من مغبة ما سيقع.. وقد استطاع أن يَعُدَّ لوحده ما عَدَدُهُ (63) شاحنة تحمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ممتدة على حوالي كيلومتر تتحرك بسرعة (في حدود 50 كلم/ الساعة).

    – هل تمكَّنَ من إخبار الحسن الثاني بذلك؟

    + رغم أنه استطاع الوصول إلى القصر، لم يتمكن من الوصول إلى الملك، الذي كان يتناول غذاءه حوالي الثانية زوالا رفقة الأمير سلطان بن عبد العزيز والحبيب بورقيبة الابن والأمير مولاي عبد الله وغيرهم من كبار الشخصيات الوطنية والدولية.. كما باءت كافة محاولاته للعثور على الجنرال حفيظ العلوي مدير التشريفات الملكية بالفشل الذريع… فأسلم أمره للقدر.. حيث سيتمكن بعد ذلك في كتاب صدر له بعنوان: (Deux Etés Africains) من رصد كافة أشواط المذبحة الفظيعة التي حدثت هناك.

    ذلك اليوم عبر الانقلابيون بشاحناتهم و »جيباتهم » المسلحة شارع الحسن الثاني مخترقين العاصمة، وكان اليوم يوم سبت مما زاد من درجة اكتظاظ المرور، وصولا حتى الطريق الساحلية المؤدية إلى الصخيرات، وعلى جسر وادي « نفيفيخ » قام رجال الدرك الملكي هناك بتوقيف السيارات المدنية لإفساح الطريق أمام موكب « الانقلابيين »، وهذا ما أخر « بونوا ميشان ».

    كانت الموائد قد مُدَّت وعليها ما طاب من مختلف صنوف الأكل، قبل ذلك استغلت، بعض الشخصيات الفرصة لممارسة السباحة أو الكولف.. والفرق الموسيقية تشنف الأسماع، علما بأن عددا هاما من نجوم الطرب العربي كانوا قد أطّروا الحفل الموسيقي الساهر ليلة قبل ذلك، من بينهم: صباح وفريد الأطرش، محمد عبد الوهاب وعفاف راضي، عبد الحليم حافظ وغيرهم (…).

    كانت السحب قد بدأت في الانقشاع عن سماء الصخيرات عندما كانت أفواج الشاحنات العسكرية المسلحة تشق طريقها من بوقنادل إلى الصخيرات، إذ كانت السماء ذلك اليوم مكسوة بغيوم كثيفة منذ الساعات الصباحية الأولى.

    ولدى سماع أولى العيارات النارية، تهامس البعض ضاحكين: إنها واحدة أخرى من (مقالب) الأمير مولاي عبد الله.. فقد عوّدنا على مثل هذه المفاجآت؟! فردّ أحد السّفراء ناقما: إذا كان الأمر كذلك فهو أسوأ مقلب يمكن تنظيمه..

    وعلى ذكر السفراء، أصيب سفير إحدى دول أمريكا اللاتينية لدى المغرب بالرعب الشديد.. وكان يحمل رتبة جنرال فلم يجد مكانا يختبئ فيه سوى برميل للنفايات (من النوع القديم)، لا يستطيع إيقاف طلقة نارية واحدة من المرور في الاتجاهين معا.. فتأكد فيما بعد لجميع الناس بأنه من نوع جنرالات (الكولف) و(كرة القدم).. وما شاكل!!؟

    أما عميد الشرطة بودريس، الذي كان من المكلفين بالأمن الشخصي لصاحب الجلالة فقد لجأ بدوره إلى برميل آخر للنفايات بعد أن أطلق على إحدى قدميه رصاصة من مسدسه الشخصي.. وحينما حاول الناس إخراجه بعد انتهاء هبوب « العاصفة »، وجدوا عناء كبيرا بسبب ما كان عليه الرجل من بدانة مفرطة!.. وجاء من الخدم من سيشهد طواعية بأنه هو من أطلق النار على نفسه.. وذلك تفاديا للإحراج مادام قد خاف وفضل الاختباء عوض القيام بمهمته، لكن ذلك لم ينفعه، إذ سرعان ما تم استبداله بعميد آخر بعد حوالي سنة في نازلة طائرة البوينغ الملكية (727) مساء يوم 16 غشت 1972.

    شخصيا، لا أريد العودة إلى ما كتبه كثير من الذين عاينوا هذه المجزرة البشعة.. فللقارئ الكريم الراغب في الإطلاع على المزيد من تفاصيلها العودة إلى مؤلفات عبد الهادي بوطالب وعبد اللطيف الفيلالي وبينوا ميشان وغيرهم. لكنني أريد لفت الأنظار إلى الحالة « الهستيرية » التي كان عليها تلاميذ مدرسة اهرمومو، الذين أُصِيبُوا بالذهول والانبهار.. وهي المشاعر التي سرعان ما تحولت إلى سعار دموي بإطلاق النار في كل اتجاه.. جعل هذه المخلوقات تتحول إلى « قطعان » حقيقية بشعة :
    – منهم من انصرف إلى أكل ما لذ وطاب من مأكولات لم يتذوقوها يوما في حياتهم.. للأسف وسط الدم والشظايا والأنين!!

    – منهم من شرع في سلب المدعوين أموالهم وساعاتهم اليدوية وحليهم.. إلخ.
    ومنهم من وقف مبهورا أمام زرقة البحر، وتناسق المعمار في جنبات القصر مما لم يشهد له مثيلا من قبل، سيما هؤلاء أبناء المناطق الجبلية والصحراوية ممن لم يعاينوا بحرا من قبل… لا بل إن المساعد الأول (خرخاش) أسرع إلى تجميع أنبوب بلاستيكي ضخم يستعمل في سقي ملعب الكولف بالقصر الملكي، وهو يعتزم إحضاره إلى مدرسة اهرمومو.. كما كان يفعل دائما تحت إشراف المساعد عقا.. كما لو أنه هذه المرة جاء في نزهة بسيطة ستنتهي كما بدأت وليس بصدد محاولة انقلابية، دموية، لها ما بعدها!!؟

    خلال ذلك اليوم استطاع أحمد رضا كديرة الفِكاك من الفخ، حيث غادر القصر قبل الساعة الثانية زوالا رفقة الملازم الصفريوي، وقد تسبب إطلاق النار عشوائيا في تفكيك مجموعة حلقات المخطط الذي وضعه الجنرال المذبوح، وهكذا بدل أن تنقسم القوات المهاجمة إلى ثلاثة أقسام، أولها لمهاجمة القصر، وثانيها للاستيلاء على هيئة الأركان العامة، وثالثها للسيطرة على مقرات وزارة الداخلية والإذاعة والتلفزة.. بدل ذلك اختلط الحابل بالنابل، فلم يعد ضباط الكوماندوهات يسيطرون على تلامذتهم، ليغدو السعار الدموي هو سيد الموقف.

    – كيف كانت نوعية تسليح « الكوماندوهات » المسلحة؟

    + لقد كان التسليح قويا بل غريبا، في ضوء قواعد التدريب المعمول بها في مدارس مماثلة، ذلك أن عددا كبيرا من التلاميذ –الضباط، كانوا لا يزالون في السنة الأولى من التكوين، يجهلون استعمال السلاح جهلا تاما.. حسب تصريحات أحد قادتهم، الملازم أحمد المرزوقي (قائد الكوماندو 12)..

    وكانت هذه الأسلحة – حسب محضر الإدارة العامة للأمن الوطني المؤرخ في 17 يوليوز 1971، والذي حُرِّر بإشراف عميد الشرطة محمد المعزوزي والكابيتان عبد المومن من هيئة الأركان العامة للجيش – عبارة عن:

    أ- الأسلحة الثقيلة:
    1 مدفع عيار 75 ملم – عديم الارتداء.
    1 مدفع هاون عيار 120 ملم.
    4 مدافع هاون من عيار 81 ملم.
    8 مدافع هاون عيار 60 ملم.
    7 رشاشات ثقيلة عيار (12.7 ملم).
    – عدد كبير من الرشاشات الثقيلة (A. A. 52) و(29/24-F.M).
    ب- الأسلحة الخفيفة (حوالي 1200 بندقية ورشاشة)، منها:
    – بنادق: MAS – 36
    – بنادق: N.L.G
    – رشاشات (MAT -49) و(5-35 D.A)..
    – كمية من قاذفات الصواريخ ضد المصفحات والدبابات.
    – عدد كبير من مسدسات نوع « بريطا ».
    – كمية كبيرة من القنابل الهجومية والدفاعية، كما تم استعمال أكثر من 40 شاحنة وناقلة وأكثر من 20 ألف لتر من الوقود وكميات كافية من الغذاء.

    – هل تم فعلا استخدام هذه الأسلحة؟

    + لو استعملت هذه الأسلحة في قصر الصخيرات لأدى ذلك إلى هلاك حوالي ألف شخص، ولدُمِّّرت مرافق القصر عن آخرها بقذائف المدفعية وشظاياها.. لكن الأخطر من كل ذلك، أن المقدم امحمد عبابو، أعطى لقواته المسلحة منذ خروجها من بلدة (بوقنادل) الأمر القاطع والصارم بـ:

    1- رفع أغطية الشاحنات والسيارات العسكرية استعدادا لخوض المعركة.
    2- تلقيم كافة أنواع الأسلحة، ووضعها في حالة الاستعداد، باعتبار أن القوات ستدخل « منطقة معادية » عبر المرور بمدينتي سلا والرباط!!؟

    فلو حصل اشتباك بين هؤلاء وأية قوة عسكرية أخرى، بين بوقنادل والصخيرات، لكان حجم الخسائر بآلاف الضحايا، سيما وأن بعض تلاميذ مدرسة أهرمومو كانوا لا يزالون « أغرارا »، بمعنى أنهم لم يستوعبوا بعد حمل السلاح والمناورة بالنيران… وهكذا سنجدهم في الصخيرات يطلقون النار على كل ما تقع عليه أعينهم، بل لقد وصلوا إلى حد التراشق بالرصاص في ما بينهم.. كما لو أنها نوع من ألاعيب (عاشوراء)، يا سبحان الله!

    لقد سجل المقدم امحمد عبابو على نفسه صبيحة يوم 10 يوليوز 1971 حماقات خطيرة لا تخطر على بال، عرَّض خلالها آلاف الأرواح للخطر الداهم دون أي ذنب اقترفوه.. لا لشيء.. فقط من أجل رغبته في توسيع مجال نفوذه وسلطته.. وهو لا يزال ابن الـ 32 سنة أتى من مدرسة عسكرية نائية، ما كان ليتصور أحد أن تنتقل بقوتها النارية الكبيرة إلى قلب عاصمة البلاد.. أقول.. كان ينوي ضَمِّ مساحة نفوذه من مدير مدرسة عسكرية إلى مساحة الوطن المغربي بكامله… بكل مؤسساته الدستورية والسياسية والنقابية والتربوية..؟!

    – بعد أن فشلت المحاولة وتم القبض على زمام الأمور بعد هذه المجزرة الدامية، كيف كانت مواقف الملك الحسن الثاني؟

    + لقد حضر صديقه الملك حسين، مهرولا من عمان، مزودا بما في جعبته من نصائح صارمة.. في ضوء ما عاناه على مدى عام كامل.. بعد أحداث سبتمبر 1970 في عمان ثم اشتباكات جرش وعجلون في يوليوز 1971.. وقد حضر كالمعتاد متمنطقا بمسدسه (سميت إندونسن) وبلباسه العسكري.. ليصر أولا على إعدام كل المتورطين في أحداث الصخيرات.. ولكن الجنرال أوفقير هو من قدم الضحايا وقرر مصيرهم دون تقديمهم للمحاكمة قبل ذلك، وقد تميزت هذه المذبحة أيضا بتصفية حسابات شخصية.. فكان يشرف على إعدامهم باكيا.. كما سيفعل لاحقا صدام حسين في حق قادته من حزب البعث العربي الاشتراكي بإعدام شخص من مستوى عبد الخالق السامرائي.. كما يفعل عادة « التمساح » قبل الانقضاض على ضحيته!!؟

    بعد ذلك سيسارع الحسن الثاني إلى إطلاق سراح سعيد بونعيلات وبنموسى الإبرايمي في 15 ماي 1972، ليباشر حوارا مفتوحا مع الكتلة الوطنية التي تشكلت قبل ذلك في يوليوز 1970.

    … بالفعل كان المذبوح يسير في نفس الاتجاه، إذ لا خيار له، وقد سار معه الحسن الثاني مكرها، لكن بخطوات، ثقيلة وحذرة.. ستقوده إلى محاولة انقلابية ثانية، لأنه لم يسرع الخطى كما يجب، فاكتفى بالمناورة من وراء حجاب، وهو الرافض دوما لتقديم أية تنازلات من باب الضغط، فكان أن عرض نظامه السياسي بالكامل لأفدح المخاطر بعد ظهر يوم 16 غشت 1972.

    – ماذا يمكنك أن تقول بخصوص طريقة القيادة المعتمدة في الانقلاب وتجانسها؟

    + أريد أن أسجل – بداية – بأن كلا الرجلين، المذبوح واعبابو، كانا يقفان الواحد منهما بعيدا عن الآخر على مسافة كبيرة ـ فكرا وتربية ونهجا وتجربة ونضجا كذلك ـ بحكم عدد هام من المعطيات التي تتصل بشخصيتيهما.

    فالمذبوح، زاول قبل ذلك مهاما مدنية وعسكرية متنوعة، كان أبرزها توليه عاملا على إقليم ورزازات بعد الاستقلال مباشرة، ثم عمل وزيرا للبريد في حكومة عبد الله إبراهيم المُشكلة في دجنبر 1958.. غير أنه سرعان ما سيقدم استقالته منها، بضغط من الحسن الثاني ولي العهد آنذاك، ضمن محاولة لإسقاط الحكومة.. وكانت الذريعة المقدمة هي الاحتجاج على مضمون البلاغ الصادر عن مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد في أكادير سنة 1959، والذي فهم منه أنه تضمن قذفا في حق مؤسسة الجيش الملكي.. علما بأن المذبوح لم يكن يحمل سوى رتبة قبطان وقتها، ولم يقدم أي من الجنرالات استقالتهم سوى المذبوح! بعد ذلك شغل منصب عامل على الدار البيضاء.. وقد ارتبط اسمه بالمحاولة (الانقلابية) للحركة الاتحادية في 16 يوليوز 1963، ويقال بأنه سارع إلى الإخبار بها بعد أن سبقه إلى ذلك مصطفى العلوي، ابن شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، وقد جرى التعامل معه في ضوء ذلك كشاهد إبان البت في هذه القضية.

    وعلى الرغم من إصدار 14 حكما بالإعدام في حق المتهمين خلال مارس 1964، ظل الفقيه البصري وعمر بنجلون – المحكوم عليهما كذلك بالإعدام في هذه القضية – يذكران المذبوح بكل خير.. وينوهان بنظافته ووطنيته.. وقد أكدا مرارا لرفاقهما في السجن بأن هذا الشخص سيقوم – يوما ما – بعمل وطني كبير!!

    – ما هي الأسباب التي دفعت الجنرال المذبوح إلى التخطيط للانقلاب؟

    + إن عددا هاما من المصادر أجمعت على أن من بين أسباب قيام المذبوح بهذه المحاولة الانقلابية اكتشافه، وهو يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سنة 1971 للتحضير لزيارة الحسن الثاني المقررة آنذاك في شهر أبريل، اكتشف ضمن بعض الوثائق كيف أن أشخاصا نافذين في المحيط الملكي طلبوا رشوة قيمتها (600) مليون سنيتم لتسهيل بناء فندق (شيراطون) بالدار البيضاء، كما اكتشف أن بعضهم يمارس نشاط تهريب المعادن النفيسة.. فعاد من هناك وهو مصمم على فعل شيء لوقف الفساد المستشري في أعلى هرم الدولة.

    وسيكتشف الملك الحسن الثاني بعد وفاة المذبوح كيف أنه لم يكن يتصرف في الإكراميات المالية الضخمة التي كان الملك يقدمها له، إذا كان يحتفظ بها ضمن مغلفاتها الأنيقة دون أن تمتد يده إليها لمجرد معرفة المبالغ التي تتضمنها!!؟ دلالة على أن الرجل كان عصيا على قبول مثل هذه الأساليب التي درج عليها النظام لترويض رجالاته وشراء سكوتهم وتواطئهم.

    وذات مرة، تلقى الملك الحسن الثاني تقريرا سريا، مضمونه أن الجنرال المذبوح يدبر انقلابا ضده.. وكان وقتها يلعب (الكولف) بملعب دار السلام بالرباط.. فما كان منه سوى أن بعث في طلب المذبوح ليقول له علنا: هل صحيح ما ينسبونه لك في هذا التقرير.. يا مذبوح؟ ثم انصرف إلى رياضته بلا مبالاة، ولم يعد إلى الحديث حول هذا الموضوع أو إثارته من جديد.

    أما شخص المقدم امحمد عبابو، والذي لم تمض على ترقيته من كوماندان إلى ليوتنان كولونيل سوى أقل من أربعة أشهر فقد كان رجلا عسكريا بالكامل، لم يعرف له أي نشاط سياسي أو وطني، أو حتى مجرد اتصال بالأحزاب السياسية المغربية طوال حياته، ولكن طموحاته الشخصية كانت لا تعرف أية حدودّ.

    فعدا تفوقه في تخصصه العسكري (المشاة) وذكائه وقوة شخصيته وحرصه الدائم على تطوير برامج التكوين العسكري في مدرسته بأهرمومو، وفي ملحقتها بمدينة صفرو، وهي كلها إيجابيات تسجل لصالحه بدون نزاع، لم يعرف عنه أي اهتمام آخر.

    – كيف ترى الفرق بين الجنرال المذبوح والمقدم اعبابو؟

    + بكل « موضوعية » ما يجعلنا نعتقد حقا بأن الجنرال المذبوح؛ بقوة شخصيته، واتزانه، ونظافته ووطنيته، قد أخطأ اختيار الرفيق، رفيق الدرب، في شخص امحمد عبابو، والذي تميز مساره المهني بالعديد من الخروقات الفظيعة والممارسات اللا أخلاقية، والتي يمكن إيجازها في ما يلي:
    أولا: للتجاوب مع طموحاته العسكرية الواسعة، سعى اعبابو، وهو لا يزال في رتبة رائد (كوماندان) إلى رفع تعداد التلاميذ في مدرسته من 300 إلى 1.000 ثم إلى 1.500 تلميذ، دون موافقة المكتب الثالث لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والذي كان له حق الإشراف على كافة مؤسسات التكوين العسكري في البلاد، بتخصصاتها الجوية والبرية والبحرية.

    وللتغلب على المشاكل المادية الكثيرة المتعلقة برفع طاقة المؤسسة إلى أضعافها من حيث المرافق والتجهيزات والتغذية.. إلخ.. لجأ الرجل إلى تكوين (كوماندوهات)، خاصة من ضباط وضباط صف المؤسسة، تحت إشراف مساعده (عملاق الحرب العالمية الثانية) المساعد الأول أمهروش عقا.. فقد كانت هذه المجموعات تقوم – وهي بكامل أسلحتها وتجهيزاتها وشاحناتها – بالسطو ليلا على ممتلكات المواطنين من: مواد البناء وتجهيزاته ومعداته الغالية الثمن والمواد الغذائية والمواشي والأغنام ومواد التجهيز والسيارات والشاحنات والغلال.. إلخ.

    وبالتأكيد ساعدت أعمال « البَلْطَجَة » هذه في بناء مرافق جديدة بالمدرسة، والتزود بتجهيزات حديثة من مسابح وملاعب (…)، غير أن بعضها « صُبَّ » في حساب المدير، بحيث غدا في ظروف وجيزة مالكا لفيلا فخمة بمكناس ومؤسسة فندقية ومقهى بنفس المدينة، ولضيعة فلاحية مع عدد من القطع الأرضية، ناهيك عن سيارتين… إلخ ولم تمض على ذلك بعد خمسة عشر عاما على التحاقه بالجندية!!؟

    ثانيا: أصبح الرجل عند تكوين « بطانة » من الأتباع الطيعين الذين لا يعصون له أمرا، يستغل الطابع العسكري الصرف لمؤسسته، وذلك في أفق الاستعانة بهم في تنفيذ « مشاريع » مستقبلية على مقاسه الخاص!!

    ثالثا: درج كذلك، رغم أنه متزوج وله أبناء، على استقبال صديقاته داخل المدرسة وعلى تنظيم الولائم الباذخة للضباط الكبار بما لم يكن يتلاءم مطلقا مع مستوى عيش وتغذية تلاميذ المؤسسة آنذاك؟!
    كما أن أساليبه في « البَلْطَجَة » وصلت حد الاعتداء على المقابر، فحسب روايات بعض الضباط، أمر ذات مرة بهدم قبور اليهود في مدينة صفرو، للاستفادة من أخشابها في أعمال البناء بمدرسته!!

    فأية روابط فكرية أو سياسية أو مسلكية يمكن أن تجمع بين كل من الجنرال المذبوح والمقدم امحمد اعبابو؟!

    بالتأكيد، الفروقات كانت فادحة، وقد أدت بالطبع إلى مصرعهما معا في نفس اليوم وبطريقة شاذة، كما لو كانا من لصوص المواشي (كاوبوي).

    أما باقي الضباط الانقلابيين ممن جرى إعدامهم يوم 13 يوليوز 1971، والذين لم يتم « إقناعهم » بالانضمام إلى الحركة الانقلابية الجديدة، سوى بعد الساعة الرابعة ظهرا من يوم 10 يوليوز 1971، فقد كانوا قبل هذه الساعات يتحدثون (بالفَمِ المليان) عن الانقلاب، وضرورة التغيير!! وكانوا يمارسون ذلك في محلات عمومية مفتوحة كبارات (كيوم تيل) و(لاكوميدي) بالرباط، وحانات مماثلة في القنيطرة ووجدة والدار البيضاء.. إلخ.. بمعرفة كافة الأجهزة الأمنية.

    .. هؤلاء الانقلابيون أيضا كانوا على جانب كبير من الفساد والانحلال والتهتك، وما من شيء يجمعهم بالجنرال محمد المذبوح.

    .. شخص واحد أعدم ظلما وعدوانا بسبب انتفاء أية علاقة له بهؤلاء، هو المناضل الكبير الكوماندان إبراهيم المانوزي، أحد قادة هيئة أركان جيش التحرير المغربي إبان الخمسينات، الذي وصلت قواته ذات يوم من سنة 1957 إلى منطقة (أطار) الموريتانية، بعد أن نجحت في دك معاقل الإسبان بكل من طاطا وفم الحسن وكولميم حتى شمال موريتانيا وتندوف… وكثيرا ما كان أخوه المرحوم سعيد المانوزي يطلعني على خرائط حربية تخص تلك المرحلة.

    هذا الضابط الوطني الكبير، كان الجنرال محمد أوفقير يتوعده بالتصفية قبل ذلك، ولم يستطع الزج به في معتقل دار المقري إلى جانب الهاشمي الطود وعمر غاندي والفقيه البصري وبولحية الطاطي (اعتقالات يوليوز 1963)، إذ ظل يترصده حتى قامت أحداث يوليوز 1971، فبعث في طلبه للاعتقال، وكان حينذاك بلباس النوم في بيته وبين أولاده، مع أنه لم يكن له أي اتصال بهؤلاء القوم.. لسبب بسيط هو أن معظم هؤلاء الضباط، كانوا في صفوف اللفيف الأجنبي كمرتزقة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانوا في سلوكهم وأخلاقهم على النقيض من شخصية إبراهيم المانوزي ووطنيته العالية، مما كان يثير أحقاد أوفقير تجاهه، فظل ينتظر الفرصة، لكنها جاءت غير ملائمة هذه المرة لتصفية حساباته الإجرامية.. غير أنه سرعان ما سيقتل هو أيضا (ككلب حقير) بخمس رصاصات غادرة، على حد تعبير ابنه رؤوف أوفقير، والذي وصف الحادث رسميا على أنه انتحار تلقائي، حسب بلاغ وزارة الداخلية آنذاك (17 غشت 1972).

    الجنرال المذبوح إذن وضع بيضه كاملا في سلة (فاسدة) و(متهورة) فكان ما كان.. والأخطر من كل ذلك، لم يباشر اتصالاته برفاقه الاتحاديين القدامى، الذين كانوا ينتظرون منه هذه المبادرة، بل لقد كانوا يبشرون بها بين أنصارهم.
    فهل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد آنذاك كان لا يستحق عناء التنسيق مع اليسار وقتئذ؟
    وهل مجرد إصدار التعليمات بإطلاق سراح (170) مناضلا اتحاديا من سجن بولمهارز بمراكش وتلكؤ العامل عن تنفيذ هذه التعليمات، هل كان ذلك كافيا لحماية وتطوير ودعم الحركة الانقلابية الجديدة؟

    – ماذا تقول عن الموت المبكر للجنرال المذبوح؟

    + لقد أخبرني بعض الضباط الذين شاركوا ضمن هذه التجربة المريرة، وأفلتوا من جحيم (تازمامرت)، بأن تأخر وصول تلامذة (أهرمومو) ومدربيهم إلى قصر الصخيرات في الوقت المحدد، قد وتر أعصاب المذبوح، وجعل الشكوك تراوده بخصوص احتمال قيام اعبابو بالوشاية به إلى الملك، لذلك سارع إلى إرسال شخصين لمقابلة اعبابو (وهو لا يزال في طريقه إلى القصر) لتبليغه أمر التأجيل، وضرورة متابعة طريقه نحو ابن سليمان لتنفيذ المناورة وكأن شيئا لم يكن، مؤكدا له: لقد تجاوزت التوقيت الزمني المتفق بشأنه ومن الأفضل تأجيل العملية إلى وقت آخر.

    غير أن اعبابو بدوره – والذي قضى الأيام الأخيرة بلياليها في التحضير لهذه العملية – فاض به الكأس، إذ لم تمر سوى بضعة أسابيع على تأجيل العملية السابقة ليوم 14 ماي 1971، والتي كان قد حشد لها 15 كوماندو مسلح.. قد شك بدوره في أن يكون المذبوح قد وشى به، فقرر متابعة التنفيذ مهما كلف الأمر.

    – ما هي التعليمات الأصلية التي أوصلها الجنرال المذبوح إلى اعبابو قبل بعث توصيات التخلي عن المحاولة؟

    + كانت تعليمات الجنرال المذبوح إلى اعبابو تنص بدقة على ما يلي:
    – الحرص على الوصول إلى البوابة الغربية لقصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا (أي قبل الشروع في وجبة الغذاء).
    – الحرص على عدم إطلاق النار.
    – الشروع بمجرد تطويق القصر في اعتقال كافة الحاضرين، مع الاستعانة بمكبرات الصوت لدعوة الجميع إلى رفع الأيدي عاليا والاستسلام بدون قيد أو شرط

    – مباشرة عملية فرز الأشخاص المعتقلين ، لتقسيمهم إلى ثلاثة مجموعات:
    أ‌- المجموعة الأولى (والتي ينبغي إعدامها فور الاتفاق في عين المكان بين المذبوح واعبابو) وتتألف من: – الملك الحسن الثاني – ولي العهد – الأمير مولاي عبد الله – الجنرال الغرباوي – الكولونيل أحمد الدليمي – إدريس السلاوي مدير الديوان الملكي – الجنرال البوهالي الماجور العام للقوات المسلحة الملكية.
    ب‌- المجموعة الثانية: وتتألف من جميع أعضاء الحكومة والجنرالات الحاضرين، وهؤلاء يتم سوقهم إلى هيئة الأركان العامة بالرباط لتحديد مصيرهم لاحقا.. واحدا.. واحدا.
    ج – المجموعة الثالثة: وتتألف من باقي المدعوين، مغاربة وأجانب، والذين سيجري الإفراج عنهم بعد تنفيذ ما سبق ذكره.

    .. وهكذا ما كاد أن يتقابل الرجلان – المذبوح واعبابو – حتى بدأ هذا الأخير يصرخ عاليا: وَافَايْن هُوّا (…) وسير خرّجُو لعندي.. وأنا راه غادي نبيع جلدي غالي.. إلخ (علامة على تدهور عنصر الثقة بين الرجلين)!
    وبينما كان المذبوح، يذهب ويجيء بين مكان وجود الملك واعبابو، عسى أن يحل الإشكال بطريقة أو بأخرى، كان عبابو يزداد هياجا، وسط إطلاق الرصاص والرمانات اليدوية لمجموعاته، وكان يصيح:
    – اقتلوا الخونة.. اقتلوا الخونة.. وعاش الملك!!؟

    في هذه الأثناء، رفض الملك الخروج وطالب المذبوح بإحضار عبابو أمامه لاستفساره عما يطلب، كما رفض اعبابو التوجه لمقابلة الملك بدون رجاله وفيهم مساعده العملاق عقا.. وبينما كان الدكتور بنيعيش – الطبيب الخاص للملك – يقوم بإحضار رشاشة حربية للملك من غرف النوم، وكانت قد أهديت له قبل ذلك من طرف إحدى الشخصيات الأجنبية، شك اعبابو في الأمر وطالب بنيعيش بتسليم السلاح فورا، غير أن بنيعيش كان قد دخل في حوار مع الجنرال المذبوح، وهنا جاءت صلية من الرصاص (Rafale) على يد أحد التلاميذ ـ الضباط في اتجاه كل من المذبوح وبنيعيش ليسقطا معا.. أمام أنظار اعبابو والقبطان الشلاط والمساعد الأول عقا، وهنا توجه اعبابو نحو جثة المذبوح معلقا بالفرنسية:

    Oh, Mon oncle, C es dommage pour vous, général Medbouh))، ويضيف المقدم محمد عبابو في محضر استنطاقه بعد اعتقاله: (… ولقد علمت من خلال ضابط الصف الذي هرب معي بأن المذبوح مات أمام أعين الجميع، ذلك أنه لحظة قيام امحمد اعبابو بإعطاء الأمر لأحد تلاميذه بإطلاق النار على الدكتور بنيعيش، كان هذا الأخير وقتها يتناقش مع المذبوح وهو ملتصق به.. فأصيبا معا برصاصات قاتلة).

    وحيث أن القائد العام للعملية الانقلابية الجنرال المذبوح قد قتل منذ الساعة الأولى للانقلاب، اتجه اعبابو باحثا عن الكولونيل الشلواطي لتكليفه بقيادة الحركة الانقلابية من خلال إقناع باقي الجنرالات بالانضمام إليها.. وهو ما سيباشره فعلا لدى التحاقه بالقيادة العامة للجيش.
    غير أن طريقة التراشق بالنيران في القيادة العامة، ما بين الجنرال البوهالي والمقدم اعبابو كانت على شاكلة تراشق سراق المواشي (الكاوبوي) على الطريقة الأمريكية..، حيث أدى ذلك إلى مصرعهما في الحال ثم استسلام حوالي مائتين من تلامذة المدرسة، ليلا بالقرب من الإذاعة، وما أعقبه بعد ذلك من إطلاق النار عليهم بعد تسليم أسلحتهم، مما سيؤدي إلى مقتل حوالي 113 تلميذا فورا.. كل ذلك، أدخل الحركة الانقلابية في عنق الزجاجة كما يقولون وأغرقها في الدماء التي لا مبرر لها، إذ تكد تنتصف ليلة هذا اليوم الأغبر في تاريخ المغرب المعاصر، حتى كان باقي الانقلابيين الأحياء يبحثون عن التخلص من أسلحتهم وملابسهم العسكرية، بحثا عن ملاذ آمن بعد كل الذي شاهدوه من مناظر فظيعة، وما ينتظرهم من مصيرمظلم.

    – في ضوء تجربتك السابقة، واحتكاكك المباشر بعدد من التجارب الانقلابية في المشرق العربي، كيف تنظر لأحداث 10 يوليوز 1971؟

    + في تقديري، ما حدث بالصخيرات ثم الرباط طوال يوم 10 يوليوز 1971 لا يمكن أن يرقى إلى مجرد مناورة عسكرية بسيطة من طرف أحد جيوش البلدان المتخلفة كجمهورية إفريقيا الوسطى أو النيجر على سبيل المثال.. أؤكد لكم أن ما حدث هنا لا يرقى لمجرد مناورة عسكرية بسيطة، نظرا لهمجيته، وبدائيته وتهوره وافتقاده إلى الحد الأدنى من التنظيم، بكلمة واحدة، هو عمل « رعاع » لا أقل ولا أكثر.

    فكما هو معلوم، تميزت الفترة التاريخية من 1965 إلى 1975 بظهور عدد من الانقلابات العسكرية، سيما في أقطار أمريكا اللاتينية وإفريقيا، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر سوءا وتأزما.. كان ذلك هو الإطار العام لهذه الانقلابات.

    لكن يجب التقرير هنا بأن بعض هذه الحركات الانقلابية كان ذا طابع تقدمي، باعتبار ما حصلت عليه من دعم جماهيري عريض آنذاك.. بينما كان بعضها الآخر – وهو الأغلب – ذا طابع (أوليغارشي) عسكري ضيق، لا يروم في الحقيقة سوى الاستيلاء على السلطة بحد ذاتها.. بمنافعها..وامتيازاتها.. ولم تكن السلطة عند (ثوارها) أداة محورية لمباشرة التحولات العامة التي كان يستدعيها بإلحاح تصحيح أوضاع هذه الأقطار.

    فأن تلجأ حفنة من الأشخاص لا تتعدى أصابع اليد الواحدة إلى التآمر، في بلد كالمغرب، حيث النسيج السياسي والنقابي والتربوي أكثر متانة بالقياس مع كل الأقطار الإفريقية والعربية المجاورة، أن تلجأ هذه الحفنة إلى استخدام أكثر من (1400) جندي وضابط دون مصارحتهم مطلقا بطبيعة (المهمة) ولا أن يتم تأطيرهم جيدا لتنفيذها، ولا أن يضبطوا بينهم المهام تفاديا للالتباس والخلط وسوء النية.. إلخ.. أن يجري كل ذلك، بهذه الدرجة من التهور والشراسة والجهل والرعونة، لهو عمل في منتهى الحماقة والوحشية!

    فحتى ساعة وصول القوات المهاجمة إلى بلدة (بوقنادل) كانت المهمة الرئيسية المحددة في أذهان الجميع هي المشاركة في مناورة بالذخيرة الحية في منطقة ابن سليمان، هذه المهمة التي كان من المفروض أن يقوم بها أحد أفضل ألوية القوات المسلحة، ولكن المقدم اعبابو (كما أكد لتلامذته وضباطه في الجمع العام التحضيري ليلة 9/07/ 1971) استطاع أن يقنع القيادة العليا للجيش بأن مدرسته تستطيع أن تقوم بذلك على نفس الدرجة من القوة والاقتدار والنجاح.. كما صرح بذلك وأكد.

    وعندما توقفت القوات المهاجمة في بوقنادل لاستجماع القوى، وتحديد المهام على أيدي من أسماهم المقدم اعبابو بالقيادة الميدانية (المتقدمة)، تأكد في ما بعد بأن هؤلاء الضباط الذين أحضرهم إلى بوقنادل بلباس مدني، إنما أحضرهم لمعاينة ضيعة فلاحية يعتزم شراءها هناك! وأن يطلب نصيحتهم.. على أن يتجهوا بعد ذلك لحضور حفلات القصر الملكي بالصخيرات!!
    خلال هذا اللقاء، سينقل المقدم اعبابو خطابه إلى السرعة القصوى في مخاطبة ضيوفه وضباط مجموعاته المسلحة، إذ لأول مرة سيستعمل عبارات جديدة ذات علاقة بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم تكن لتجري على لسانه قبل ذلك على الاطلاق.

    لقد « تحايل » على الجميع، ليجمعهم هنا في بوقنادل وهو يخطب فيهم خطبة أشبه بخطبة طارق بن زياد، وبين أيديهم قوة نار هائلة مع خواء فكري فظيع وارتباك وفوضى قياسيين.

    – ماذا قال اعبابو في بوقنادل؟

    + قال : (.. لقد جرى اختياركم من طرف القيادة العليا للجيش للمشاركة في مهمة خطيرة، وقد وقع عليكم الاختيار لأنكم بالفعل تستحقونه، إنكم تعلمون جميعا الوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لبلادكم.. يجب إنقاذ هذه البلاد.. لقد آن الوقت لذلك.. يتوجب علينا جميعا الهجوم على قصر الصخيرات هذا اليوم ما بين الساعة 13 و 14 .. وستشارك قوات عسكرية أخرى في تنفيذ هذه المهمة!! وبالتالي نحن لسنا لوحدنا!! ولن نكون كذلك… إن هناك عناصر متمردة تهدد سلامة صاحب الجلالة ويتوجب علينا القضاء عليها بدون تردد…).

    ثم أمسك بقضيب خشبي ليرسم أمام الضباط المتحلقين حوله مخططا عاما للمعركة المقبلة، محددا بدقة بنايتين رئيسيتين داخل القصر، رسم بينهما خطوطا حربية معروفة لدى العسكريين، مؤكدا أن المعركة قد بدأت وعلى الجميع الالتحاق بوحداتهم ورفع أغطية الشاحنات وتلقيم الأسلحة بمختلف عياراتها والتحرك منذ تلك اللحظة على أساس أن القوات أصبحت ضمن وسط معاد يتوجب اتخاذ أقصى الاحتياطات تجاهه، وبالتالي فإن إطلاق النار ستصبح عملية تلقائية منذ تلك اللحظة، لا تحتاج إلى تذكير أو تجديد الأوامر..

    أما بخصوص الضباط (بلباس مدني) الذين أحضرهم عبابو لبوقنادل، فقد فعل ذلك تبعا لتعليمات الجنرال المدبوح، حتى يشجع أكثر تلامذة أهرمومو وضباطهم، فقد كان هؤلاء (الضيوف) يمثلون مختلف قطاعات الجيش، وبالتالي فإن إحضارهم كان بمثابة عملية ذات مغزى كبير. وهؤلاء الضباط هم المقدم القادري والكوماندان المالطي والكوماندان المنور والكوماندان بريكي والكوماندان رياني (صهر المذبوح) والكوماندان حريشي والكوماندان ميلس.

    ومما تقدم، أستطيع التأكيد لكم بأن ما حدث لا يخرج عن نطاق حركة (الرعاع) التي لا يجمعها جامع، غير الرباط الحديدي الذي ربى عليه المقدم امحمد عبابو تلامذته وضباطه على حد سواء، والذي وصل حد الطاعة العمياء، فتحول الأمر خلال ساعات قلائل إلى إعصار مدمر، فتك بأرواح أكثر من مائتين وخمسين شخصا وتسبب في جرح وإصابة المئات وإلحاق أفدح الأضرار بالممتلكات الخصوصية والعمومية.

    فما كنت أظن أن الجنرال محمد المذبوح ستصل به السذاجة السياسية والتهور العسكري إلى هذا الحد، ومهما حصل فقد كان المسؤول الأول والأخير عن كل هذه المأساة، وكان من قبيل المستحيلات أن تمر هذه القوة الكبرى عبر تراب عدة أقاليم، بسلاحها الكامل وذخيرتها ووقودها وتغذيتها دون موافقته الشخصية، باعتباره رئيسا للديوان العسكري لصاحب الجلالة، وسيكتب له أن يكون من أول ضحايا هذا التهور لتبقى جثته ثلاثة أيام في عز الصيف بدون دفن قبل القيام بإحراقها، ثم ليحرم من مجرد قبر كباقي المسلمين.

    – وماذا عن الموقف الليبي الرسمي من هذه الأحداث؟

    + لقد جاءت هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة لتؤكد طبيعة التوجه السياسي العام لنظام العقيد القدافي، والذي كثيرا ما أبلغ قادتنا في التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ انقلابه الشهير في فاتح سبتمبر 1969، بأنه لا يثق مطلقا في قدرة الحركة التقدمية المغربية على إسقاط النظام الملكي وإبداله بنظام جمهوري على الطريقة الناصرية، وكان ينصح قادتنا بالاعتماد على قوات الجيش النظامي المغربي إذا هم أرادوا الحصول على نتائج طيبة.

    والغريب أن نظام العقيد القدافي حتى بعد أن صار يدعمنا، بتخصيص برنامج إذاعي دائم، كان عبد الرحمان اليوسفي يكتب افتتاحياته بانتظام، وحتى بعد أن فتح في وجوهنا معسكرات التدريب على السلاح وبعد أن أصبح يقدم لقادتنا الأموال والأسلحة، كان دائما ينصحهم بالتعاون مع الجيش المغربي في الداخل مهما كانت عقليته وتركيبته وميوله، إن هم أرادوا نتائج إيجابية!
    فمنذ الساعات الأولى للمحاولة الانقلابية الفاشلة لـ 10 يوليوز 1971 انطلقت الإذاعة الليبية في بث بلاغات التهنئة والتبريك، بل لقد أجرى العقيد القدافي – حسب ما نشرته وثائق الخارجية الأمريكية والبريطانية مؤخرا، وحسب ما ذكره الملك الحسن الثاني نفسه في كتابه (ذاكرة ملك)، أجرى القدافي اتصالا هاتفيا بالرئيس الجزائري هواري بومدين طالبا السماح لقواته الجوية والبرية باستعمال الأراضي والأجواء الجزائرية للمرور إلى المغرب لدعم الانقلابيين.. وهكذا أرسل ضابط المخابرات الليبية الرائد عوض علي حمزة، إلى الجزائر على جناح السرعة، لمتابعة تنسيق هذه العمليات، غير أن الرفض القاطع للهواري بومدين أفشل مسعى إرسال حوالي (12) ألف جندي ليبي إلى المغرب لدعم الانقلاب.

    ورغم إعلان فشل الانقلاب ظلت الإذاعة الليبية تواصل بث بلاغاتها الداعمة للانقلابين، بينما
    المغرب الرسمي من جهته رد بتطويق مقر السفارة الليبية في الرباط ثم وضع كافة العاملين بها في الإقامة الإجبارية، واضطر في وقت لاحق إلى قطع كل الاتصالات الهاتفية عن السفارة.

    وهذا ما كشفته وثائق الخارجية البريطانية المنشورة حديثا، بعد مرور أمد التقادم القانوني ضمن الملف رقم (FCO 39 – 884)، والذي تضمن الكثير من الوثائق الدامغة في هذا الاتجاه.
    وسيقترح الجنرال محمد أوفقير من موقعه الجديد كوزير للدفاع، بعد إخماد فتنة الصخيرات، على الملك الحسن الثاني في أكادير، فكرة القيام بإسقاط طائرة العقيد القدافي انتقاما من تورطه في دعم الانقلابيين لصيف 1971.. وسيتذكر الملك هذا الاقتراح باستغراب شديد.. مباشرة بعد تورط الجنرال أوفقير في محاولة إسقاط طائرته مساء يوم 16 غشت 1972!!؟

    لحظتئذ، وحده الملك الحسن الثاني كان جالسا إلى مائدة الأكل بصدد تذوق « لانكوست » ضخمة اختيرت بعناية كبيرة من طرف أحد اليهود القائمين على تحضير الأطباق الرفيعة ذلك اليوم.

    كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية و8 دقائق زوالا، حسب أكثر من شاهد عيان.. من قلب أنغام قطعة موسيقية صامتة كانت تعم الأجواء، دوت طلقات الرصاص وانفجارات قنابل يدوية.. توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف.. سقط فرنسي وتهاوى سفير بلجيكا على الأرض جثة هامدة… تناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية لقصر الصخيرات.. جثث « لي كادي » (مساعدو لاعبي الغولف المكلفين بلوازم اللعبة) منتشرة على البساط الأخضر هنا وهناك.. مئات الضيوف هرعوا مذعورين فوق الرمال الذهبية موَلِّين ظهورهم إلى شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هادئا ذلك اليوم…

    أكثر من ثلاث ساعات من الفوضى والهمجية أبطالها جنود أغرار، على رأسهم الليوتنان كولونيل امحمد عبابو، الذي طلب من مرافقه الأمين، العملاق عقا تخليصه مما كان ينتظره بإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد إصابته البليغة بالمقر العام للقوات المسلحة… ليسدل الستار على انقلاب الصخيرات.

    نهاية الانقلاب جاءت بطريقة غريبة، ظل يلفها الكثير من الغموض، حيث أثار ضجيجا كبيرا لكنه لم ينجح في الوصول إلى المستهدف الأول: الملك، وذلك رغم خطة تدبيره في الخفاء من طرف 5 جنرالات، حسب المصادر البريطانية.

    توقف إطلاق النار بحلول الساعة الخامسة زوالا.. سلم الملك الراحل الحسن الثاني كافة السلط العسكرية والمدنية لرجل ثقته وقتئذ، الجنرال محمد أوفقير، ليبدأ مسلسل القمع الدموي وتصفية الحسابات، الظاهر منها والمستتر… كل هذه الأمور وغيرها معروفة، تناولتها جهات وطنية وأجنبية، إلا أن بعض مناطق الظل ظلت في حاجة إلى المزيد من التوضيح، ومنها الدور الذي لعبته وقفة قافلة الانقلابيين ببلدة بوقنادل والكشف على أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري مع علم جهات أخرى بالتخطيط له، وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وغيرها من التساؤلات.

    يحاول ملف هذا الأسبوع الإحاطة بكل القضايا المتعلقة بهذه المسألة، معية الكاتب محمد لومة صاحب مؤلفات اعتنت بأحداث ووقائع وجَّهت تاريخ المغرب الحديث نحو الوجهة التي سار فيها.

    « لحلاسة راها تقلبات.. اجمع حوايجك » ( الحصير قد تنقلب اجمع متاعك)

    من بين النوازل، التي تبين بجلاء أن الجنرال محمد أوفقير كان على علم بحدوث انقلاب الصخيرات قبل وقوعه، ما حدث بسجن بولمهارز بمراكش.
    يوم حصول المحاولة الانقلابية الفاشلة بالصخيرات كان كل من سعيد بونعيلات وأحمد الفرقاني بسجن بولمهارز، ممنوعين من الاتصالات المباشرة فيما بينهما، إلى جانب اليازغي وآخرين. وفي يوم 10 يوليوز 1971، كان الفورقاني يقوم بفسحته اليومية بساحة السجن، وكان كلما اقترب من زنزانة سعيد بونعيلات إلا وحاول التواصل معه خلسة لمعرفة ما لديه من أخبار ومستجدات، فقال له بونعيلات بالأمازيغية : « اليوم لحلاسة راها تقلبات »..

    أكمل الفورقاني جولته قصد الاستفسار عن الأمر، فقال لبونعيلات: « أش من حلاسة تقلبات؟! »، فأجابه: « لحلاسة راها تقلبات اجمع حوايجك »..

    حسب محمد لومة، في ليلة 10 يوليوز 1971، اتصل أحد الذين تربطهم علاقات عائلية قوية بالجنرال أوفقير (يسمى على أوفقير، وكان يعمل بإحدى الأجهزة الأمنية وغالب الظن في « السيمي »)، بأحد سجناء سجن بولمهارز، وقال له: « اجمعوا حوايجكم، غدا راه غادي توقع شي حاجة كبيرة ومهمة إن شاء الله، وراه غادي تلتحقو بديوركم ».

    ويضيف محمد لومة، لم يكن على أوفقير هذا سيقوم بما قام به دون تعليمات صادرة عن الجنرال
    أوفقير.

    لكن في مساء يوم 10 يوليوز، لما اتضح فشل المحاولة الانقلابية، قرر الجنرال تصفية كل سجناء سجن بولمهارز الاتحاديين. آنذاك كان بلغازي، مديرا لهذه المؤسسة السجنية، وهو مقاوم سابق بارز، على علاقة ببعض المقاومين وأعضاء جيش التحرير النزلاء بسجنه، ولاحظ أن هناك فرقة من البوليس، كل عناصرها من عين الشعير (بلدة الجنرال أوفقير) مسلحين بالرشاشات، وكان قد فهم من حديثهم أنهم يخططون ذلك اليوم لكيفية تنفيذ التعليمات الرامية إلى التصفية الجماعية للمعتقلين الاتحاديين (عددهم 172)، فقام المدير المذكور برمي مفاتيح الزنازن داخل زنزانة أحد السجناء واتجه على الفور إلي مكتب وكيل الملك بمراكش فأخبره بقرب وقوع مذبحة بالسجن الذي يديره، وشرح له أن هناك عناصر مسلحة، غرباء عن المؤسسة، أرسلهم الجنرال أوفقير للقيام بقتل السجناء الاتحاديين.

    وحسب محمد لومة، كما خطط الجنرال أوفقير لمسح آثار الجنرالات يوم 13 يوليوز (بتصفيتهم بدون محاكمة)، أراد كذلك أن يمحو ذاكرة 172 معتقلا بسجن بولمهارز بمراكش كشهود على علمه بحدوث الانقلاب قبل وقوعه. ولولا لطف الله ومبادرة مدير السجن، لحصلت مذبحة بهذا السجن، أفظع من مذبحة قصر الصخيرات.

    وهذه الرواية الأخيرة تناقض الرواية القائلة بأن تلك العناصر حضرت إلى السجن لتكون على تأهب من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين وليس لتصفيتهم، كما تم الاعتقاد بذلك.

    عبد الرحيم شجار

    في اتصال بعبد الرحمان شجار أحد المعتقلين ضمن « مجموعة 172 » بسجن بولمهارز، صرح للجريدة بأن خبر اندلاع انقلاب 1971 توصلوا به من طرف المرحوم محمد الحبيب الفرقاني، الذي علم به عن طريق، مدير السجن آنذاك، المقاوم بلغازي.

    وعليه لم يتم تنقيلهم يوم العاشر من يوليوز إلى المحاكمة التي كانت أطوارها تدور بمحكمة باب دكالة.

    وأكد أن التحليل الذي ساد يومها في أوساط المعتقلين إثر تواجد عدد كبير من أفراد الجيش والمخابرات والشرطة داخل السجن، رغم عدم علاقتهم بإدارة السجون، بأنها حركة يراد بها تخليص السجناء تمهيدا للاتصال بقيادتهم في الخارج، وذلك من أجل إضفاء المشروعية السياسية على واقع الانقلاب، علما أن هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى القائلة إن فرقة الأمن التي تتكون عناصرها من منطقة عين الشعير جاءت إلى سجن بولمهارز، بأمر من الجنرال أوفقير لتصفية المعتقلين الاتحاديين، كونهم علموا بأن الجنرال المذكور كان على علم بالإعداد لانقلاب الصخيرات.

    وفي هذا الصدد أكد لنا محمد لومة أن اعبابو وجماعته كانوا يتخوفون من أن يسبقهم الاتحاديون بخصوص تغيير النظام بالمغرب، لذا قال لرجاله : » إن أولئك الناس يفكرون في الهجوم، علينا أن نسبقهم ونمنح للمحكومين منهم العفو بمراكش ».

    لماذا لم يسقط الكثير من اليهود ضحايا بالصخيرات؟

    لازال البعض يتساءلون باستغراب عن عدم سقوط الكثير من الشخصيات اليهودية يوم 10 يوليوز 1971 ضمن ضحايا قصر الصخيرات، فهل كان جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على علم مسبق بالحركة الانقلابية قبل وقوعها؟

    لم يسقط بقصر الصخيرات سوى يهودي واحد، هو ماكس مانيان، مدير شركة « كوزيمار » (معمل السكر بالدار البيضاء)، كما أصيب يهوديان آخران بجروح طفيفة.

    علما أن أكثر من جهة أكدت مرارا أن الموساد كان على علم بكثير من الأسرار بخصوص العملية الانقلابية وغيرها من النوازل والمؤامرات، على الأقل لم يقم بإخبار اليهود المقربين من القصر الملكي والعاملين به، وهم كثر، إضافة إلى الضيوف المدعوين من اليهود، بعدم حضورهم ذلك اليوم أو على الأقل تنبيههم!!؟

    فاليهود هم الذين كانوا وقتئذ يؤطرون الحفلات والمأكل والمشرب بقصر الصخيرات، ومن هؤلاء شقيق شمعون ليفي، وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وهو صاحب مرقص « أمنيزيا » الكائن بشارع علال بن عبد الله بالرباط، والذي كان ولي العهد يقضي به بعض أوقات فراغه رفقة شلته في طور الشباب المبكر.

    ومن المعلوم أن ترقية الأخوين محمد وامحمد اعبابو (الأول أصغر من الثاني بثلاث سنوات)، تمت في يوم واحد (3 مارس 1971) وذلك استعدادا للانقلاب، وهي ترقية مخدومة من طرف الجنرال المذبوح، كما أمر هذا الجنرال بزيادة تسليح مدرسة اهرمومو قبيل الانقلاب.

    لقد تم اعتماد طريقة القيادة من فوق، فالجنرال المذبوح (الذي يعتبر قائد الانقلاب)، لم يجلس إطلاقا مع الكولونيل محمد اعبابو، وكان حواره دائما مع امحمد أخ المعني الأول.

    وكان القبطان الشلاط، الذي وعد بالترقية آنذاك، وتحت إمرة هذا الأخير، حسب الأقدمية، القبطان بلكبير والقبطان غلول، وهما اللذان قادا القافلتين من اهرمومو إلى فاس ثم زكوطة فسيدي قاسم، إلى سيدي سليمان وسيدي يحيى، مرورا بالقنيطرة، وصولا إلى بوقنادل (على بعد بضع كيلومترات من مدينة سلا)، وهناك (ببوقنادل) تغيرت قيادة القافلتين، آنذاك رفعت أغطية الشاحنات ولُقِّمت الأسلحة وتم إخبار الجنود بالاستعداد للدخول إلى منطقة حرب، مما يعني وضع الأصبع على الزناد والاستنفار لإطلاق النار حال صدور الأوامر.

    التصريح الذي ورط كل المتهمين

    من أهم التصريحات التي كبلت المتهمين بقاعة المحكمة العسكرية الدائمة بالقنيطرة، ما أدلى به محمد اعبابو، شقيق امحمد اعبابو، مدير مدرسة اهرمومو، إذ جاء في محضر استنطاقه أن الجنرال المذبوح حدد بمعية شقيقه تفاصيل خطة الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، وعملا معا على ضمان تنسيق تحركات المجموعتين المتدخلتين في هذه العملية، كما توافقا على تعيين الأشخاص اللازم تصفيتهم وأولئك الواجب احتجازهم إلى حين النظر في حالتهم كل واحد على حدة، واتفقا أيضا بخصوص الضباط الغرباء عن مدرسة اهرمومو، الذين سيلتحقون بالعملية وهم:
    – الليوتنان كولونيل القادري
    – الكومندار المالطي
    – الكومندار المنور
    – الكومندار البريكي
    – الكومندار الرياني (صهر المذبوح)
    – الكومندار الحرشي
    الكومندار مليس
    وذلك من أجل أن يبرز للانقلابيين أن مختلف مكونات الجيش مشاركة في العملية.

    وكان هؤلاء الضباط الغرباء ينتظرون القافلة ببلدة بوقنادل بلباس مدني صيفي خفيف، وبعد خلوة قصيرة مع امحمد اعبابو (داخل سيارة مدنية)، ارتدى كل واحد منهم اللباس العسكري وحملوا أسلحتهم، بما فيهم ضابط شرطة كان يرافقهم.

    هذا ما أنكر علمه المرزوقي (صاحب كتاب تازمامارت/ الزنزانة رقم 10) في التحقيق، لكنه لم ينكره بعد نجاته من جحيم تازمامارت.
    وفعلا، قلة جدا، هم الذين أقروا بأن امحمد اعبابو أخبر ضباطه ببوقنادل أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب، ومن هؤلاء، إضافة إلى محمد اعبابو، عبد العزيز بين بين (نجل مؤنس الحسن الثاني) والذي أدلى في التحقيق بما يلي:

    […] تجمعنا حول الليوتنان كولونيل امحمد اعبابو وقال لنا: « أيها الضباط الشباب تعرفون، حق المعرفة، وضعية الضابط بقواتنا المسلحة [..] القيادة العليا قررت القيام بانقلاب.. علينا مهاجمة قصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا.. وفي نفس الساعة ستتدخل وحدات في مدن أخرى.. سنقوم بمحاصرة القصر وعليكم إطلاق النار على كل من سيحاول الفرار… ».

    ويعترف محمد اعبابو منذ البداية أن شقيقه امحمد فاتحه مبكرا في الإعداد لمحاولة انقلاب لتغيير الوضع بالبلاد، إذ تشاور معه بخصوص الكمين الذي كان ينوي نصبه للموكب الملكي بضواحي إفران بمناسبة حضور الملك الحسن الثاني لمناورات الحاجب في غضون شهر أبريل سنة 1971، شهورا معدودة قبل انقلاب الصخيرات، وقد عمل محمد على تني أخيه عن المغامرة لعدم توفر شروط نجاحها. ومما يبين أن امحمد اقتنع بملاحظات شقيقه ما صرح به هذا الأخير، حيث قال:
     » […] حال وصولنا إلى فاس، هاتف أخي مدرسة اهرمومو وقال للقبطان بلكبير بصوت مرتفع: « .. التمرين المقرر قد ألغي نظرا لظروف الطقس السيئة.. لا تغادروا المدرسة لتجنب أخطار الحوادث.. ».

    وجاء في تصريحات محمد اعبابو أيضا أن شقيقه امحمد حاول اقناعه بأنه التقى أكثر من مرة مع الجنرال المذبوح، آخرها بمدينة فاس، إذ نادى على « البلانطو » الذي كان يعمل بمنزله هناك، حيث قال محمد في المحضر:
    « وجدت شقيقي وحده في منزله بفاس.. تناولت معه فنجان قهوة.. ثم نادى على « البلانطو » لحسن فسأله أمامي: « من كان جالسا على هذه الأريكة البارحة؟ ».
    تردد لحسن، فأمره محمد بالإجابة، فنطق لحسن: « كان هناك الجنرال المذبوح… ».

    أما بخصوص النظام الذي كان يرغب الانقلابيون القيام به، يقول محمد اعبابو:
    « من خلال الحوارات التي أجريتها مع شقيقي امحمد فيما بين 7 و10 يوليوز تبين لي أن الجنرال المذبوح كان ينوي إحداث نظام يرتكز على القوات المسلحة.. لذلك فكر في توسيع دائرة اختصاص وزارة الدفاع لتشرف على القوات المسلحة والدرك والقوات المساعدة والأمن [وكانت ستؤول إلى أخيه] […] وكنت أنا مرشحا للاضطلاع بالقيادة العامة للجيش.. أما « مجلس الثورة »، فكان سيضم ضباطا يتم اختيارهم من الذين أثبتوا انخراطهم في قلب النظام.. ».

    ويضيف محمد اعبابو « يبدو أن اجتماعا أقيم بفيلا كان يملكها شقيقي بشاطئ « كابونيكرو » بالشمال، أسبوعا قبل الانقلاب، وربما تقرر كل شيء خلاله… ».

    وهذا ما أشار إليه كذلك، على بوريكارت في مذكراته، حيث كتب: « لقد علمت على لسان « لاجودان شاف » عقا أن أوفقير، أسبوعا قبل الهجوم على قصر الصخيرات، زار الكولونيل اعبابو رفقة الدليمي بفيلاته بـ « كابو نيكرو » شمال البلاد.

    وجاء أيضا في محضر محمد اعبابو: « [..] خلال حوار شقيقي مع الجنرالات بمقر المكتب الثالث بالقيادة العامة وقع نظره على الكولونيل بنعيسى [الحرس الملكي] فالتفت إليه وقال: « موكولونيل ».. مع الأسف أخبركم بموت رئيسنا، الجنرال المذبوح.. » (ثم توجه إلى جميع الحاضرين) « .. نعم، الجنرال المذبوح هو رئيسنا، لكنه مع الأسف الشديد لقي حتفه.. ».

    وجوابا على سؤال القاضي قال محمد اعبابو: « [..] عندما سلم شقيقي « السلطة » للجنرالات بمقر المكتب الثالث اتصل بي بعض الضباط الشباب، أذكر منهم أخليج والفكيكي وآخرين، حيث قالوا: « لقد قام شقيقك باقتراف حماقة كبيرة.. السلطة يجب أن تعود لنا نحن.. ».
    وأضاف: « […] آنذاك فكرت في الهروب وقررت استفسار شقيقي عن المكان الذي يخبئ فيه المال لأخذه وأغادر البلاد.. إلا أن الفرصة لم تتح لي.. ».

    وبالرجوع إلى ما قيل بخصوص المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما تم الكشف عنه من معطيات وإلى تقاطع جملة من التصريحات، ذهب مجموعة من المحللين إلى الاعتقاد بوجود خلاف بين الجنرال المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، إذ كان الأول عاقدا العزم على اقتحام القصر الملكي وتجريد الحرس الملكي من السلاح ووضع اليد على الملك لدفعه إلى التخلي عن العرش وتسليم السلطة إلى « مجلس الثورة » المكون من ضباط شباب، أي القيام بانقلاب « نظيف » دون إراقة دماء. أما امحمد اعبابو فقد عقد العزم على اغتيال الملك وتهجير العائلة الملكية والإعلان عن إقامة نظام عسكري.

    ويظل أحمد رامي الوحيد الذي يقر بأن محمد المذبوح تحدث مع الحسن الثاني بعد الهجوم على القصر وأخبره بأن لا مخرج إلا بالتخلي عن السلطة مع إمكانية اللجوء إلى فرنسا عبر الرباط أو الدار البيضاء.. وافق الملك ووقع كتابا بهذا الخصوص، وِجد بحوزة الجنرال المذبوح وهو جثة هامدة. وهذه النازلة لم تتم الإشارة إليها من قبل.

    كيف تحرك 1400 جندي مدججين بالسلاح دون إثارة الانتباه؟

    سؤال ظل يردده الكثيرون، كيف تمكن 1400 جندي من التحرك على امتداد مئات الكيلومترات دون إثارة انتباه السلطات العسكرية والمدنية ورؤساء المناطق العسكرية وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك (1971)، كان:

    – امحمد باحنيني وزير الدفاع بعد أن عوض الجنرال مزيان في 5 فبراير 1971.
    – الجنرال المذبوح مدير الديوان الملكي.
    – الجنرال محمد بلعالم الكاتب العام بوزارة الداخلية.
    – أحمد الدليمي مدير الأمن الوطني.
    – الكولونيل بولحمص قائد الدرك الملكي.
    – الجنرال مصطفى أمحراش مدير المدارس العسكرية.

    وكان على رأس المناطق العسكرية التي اخترقتها قافلة الانقلابيين كل من:

    – الجنرال بوغرين : رئيس منطقة فاس – تازة.
    – الجنرال عبد الحي بلبصير : رئيس منطقة مكناس.
    – الجنرال حمو أمحزون : رئيس منطقة الرباط – القنيطرة.
    وكان على رأس عمالات الأقاليم التي مرّت عليها القافلة كل من:
    صلاح زمراك : تازة.
    عمر بنشمسي : فاس.
    عبد الله الشرقي : القنيطرة.
    عبد السلام الوزاني : الرباط.
    ضمن كل هؤلاء تأكد، بما فيه الكفاية، تورط كل من الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير والجنرال بوغرين والجنرال حمو أمحزون.

    ضحايا طالهم الإهمال

    بعد انقلاب الصخيرات، مباشرة، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث لجنة للقيام ببحث، بخصوص الأحداث الدامية بقصر الصخيرات، ولجنة لرعاية الضحايا وإحصاء أملاك وأموال المتمردين قصد مصادرتها لتمويل صندوق جديد يضطلع بتعويض الضحايا وذوي الحقوق.

    فعلا تم إحداث هذه اللجنة بعضوية كل من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإدارية ووزارة الشغل والتكوين المهني، غير أن قراراتها ظلت حبرا على ورق. آنذاك كان الجنرال محمد أوفقير عضوا رئيسيا في كل اللجن المحدثة بعد فجيعة الصخيرات.

    يوم السبت 10 يوليوز 1971، ما بين الساعة الثانية والرابعة زوالا سقط الكثير من الضحايا من مختلف الشرائح، عسكريون ومدنيون، جنرالات، أطباء وموظفون سامون وفنانون وخدم وأناس بسطاء، كانوا يعيلون أسرا متعددة الأفراد، أغلب هذه الأسر عانت من ضيق اليد رغم أن أربابها سقطوا وهم في ضيافة الملك أو أنهم كانوا يزاولون مهامهم في القصر الملكي.
    وزادت حسرة هؤلاء بعد تناسل موجات الكشف عن الحقائق بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة واعترافات المشاركين فيها بعد نجاتهم من جحيم تازمامارت، ويجمع ضحايا الصخيرات أن الدولة تناستهم وتخلت عنهم، وتجاهلت الحكومات المتتالية مطالبهم، بل إن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم تحترم مشاعرهم.

    كما ظلت أسر ضحايا الصخيرات تعتبر أن منح تعويضات سخية، للناجين من جحيم تازمامارت، من الأخطاء التاريخية الجسيمة، اعتبارا لكون الأموال الممنوحة، تم اغترافها من الأموال العمومية اقتطع جزء منها من مال أسر ضحايا الصخيرات وذويهم كدافعي الضرائب، علما أنها لم تتوصل سوى بتعويضات هزيلة، بالكاد غطت مصاريف العزاء والدفن، ولا وجه لمقارنتها مع ما أغدقت به الدولة والحكومة على من كانوا سببا في ترميل نساء وتيتيم أطفال، وبذلك شعرت عائلات ضحايا الصخيرات بغبن عظيم نظر تعرضها لحيف وظلم كبيرين.

    فأرملة كولونيل – أحد ضحايا الصخيرات – على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوصل إلا بمعاش لا يتجاوز 1500 درهم، أما أرملة عمر غنام، مدير المركز السينمائي المغربي، فاستفادت من معاش لم يتعد 736 درهما شهريا.

    بسبب الإحساس بالغبن سبق لجمعية ضحايا الصخيرات أن طلبت من دار الافتاء بالديار المصرية فتوى في الموضوع، وفعلا أصدرت الدار فتوى، أكد فحواها أن من له حق العفو عن قاتل النفس المؤمنة بغير حق، هم أولياء المقتول الشرعيين.وقد استندت الجمعية إلى هذه الفتوى لدعم دعواها المدنية والمطالبة بالحق المدني، سيما وأن الفتوى المصرية أقرت بأن الدعوى في جرائم القتل العمد لا تسقط بالتقادم.

    فرحة غالية الثمن

    عندما تلقى صاحب حانة شهيرة بشارع محمد الخامس بالرباط، خبر انقلاب الصخيرات، بادر فورا، على مرأى الحاضرين، إلى تكسير صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة فوق « الكونطوار »، ثم أمر بتقديم كل أنواع الخمور حسب طلب الزبناء الحاضرين في البار لحظتئذ، مجانا، تعبيرا عن فرحته واستبشاره بما وقع، إلا أن فرحته لم تكتمل، إذ اضطر للفرار من قبضة الأمن شهورا بعد ذلك.
    وعند إحداث الهيئة الأولى لتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، قدم هذا الأخير طلبا للتعويض، بخصوص ما لحقه من خسائر وعن المدة التي قال إنه قضاها بإحدى المعتقلات السرية، إلا أن طلبه قد تم رفضه من طرف الهيئة الأولى، وكذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن هذه النازلة لا تدخل في اختصاصاتها. وقد تحول « البار » المذكور حاليا إلى متجر لبيع الحلويات والمشروبات.

    سقوط 60 بالمائة من جنرالات المغرب خلال ثلاثة أيام

    فيما بين 10 و 13 يوليوز 1971 لقي 9 جنرالات من أصل 15 حتفهم، إما عن طريق رصاص المتمردين أو برصاص فرقة الإعدام بمعسكر مولاي إسماعيل بالرباط.

    ومن بين الذين لقوا حتفهم بقصر الصخيرات، هناك الجنرال إدريس النميشي (سلاح الجو)، الذي قتله المتمردون، والجنرال الغرباوي الذي قتله اعبابو، الذي لقي هو الآخر حتفه على يد الجنرال الهواري، أما الجنرال المذبوح، فمقتله شكل حالة خاصة.

    عشية فشل الانقلاب، تم اعتقال، الجنرالات المشكوك بأمر مشاركتهم أو مساندة المتمردين، وخضعوا جميعهم لتحقيق سريع، أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير بعد أن منحه الملك الحسن الثاني جميع الصلاحيات العسكرية والمدنية. في اليوم الثالث، بعد مجزرة قصر الصخيرات، رافق الجنرال أوفقير الجنرالات المعتقلين إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط للإشراف على تنفيذ إعدامهم دون محاكمة.

    وفي ظرف أقل من ثلاثة أيام فقد المغرب 9 جنرالات (منهم من سقط على يد المتمردين ومنهم من أعدم)، أغلبهم من أصول أمازيغية، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدامهم على شاشة التلفزة مباشرة، كما حجت جماهير غفيرة بإيعاز من السلطات المحلية لمعاينة مراسيم إعدام 4 جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي، وأغلب هؤلاء لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالهاجس السياسي، حيث سبق أن ساهموا في قمع التحركات النضالية الجماهيرية بمختلف أرجاء المملكة.

    محمد لومة / أحد قدماء مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية

    محمد لومة أحد قدامى مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رحل إلى الشرق العربي لتلقي تكوين عسكري متقدم، سيما في تخصص « حرب العصابات »، تخرج من الكلية الحربية السورية في شتنبر 1971، ثم التحق بالعمل الفدائي يحمل معه هاجس تغيير النظام السياسي بالمغرب عن طريق القوة المسلحة.

    أجرينا معه هذا الحوار للمزيد من تسليط الضوء على بعض الجوانب المعتمة من عملية الانقلاب الأولى الفاشلة، بوصفه ـ من جهة ـ كاتبا وباحثا تقصى أحداث هذه العملية واتصل بأعضائها المشاركين عن قرب، كما اطلع ـ من جهة أخرى ـ على جملة من الوثائق المتصلة بهذه النازلة.

    – أين كنت يوم حدوث انقلاب 10 يوليوز 1971؟

    + مساء هذا اليوم المشؤوم كنت بأحد مرافق الكلية الحربية السورية في مدينة (حمص) حيث تلقيت دراساتي العسكرية للتخرج منها كمهندس عسكري، ففوجئت باقتحام القاعة من طرف مجموعة من الضباط السوريين الذين اتجهوا نحوي وهم يهتفون ببشاشة.. لقد كان هؤلاء القوم على مدى ثلاث سنوات قضيتها هناك، نموذجا للقسوة والصرامة تجاه كافة الطلبة الضباط، الذين سرعان ما أخرجوني إلى ساحة الكلية محمولا على الأكتاف وهم يرقصون ويغنون عاليا:
    على دا العونا.. وُعَلى دَا العُونَا… إلخ.. مقطعا من الغنوة الشامية الشهيرة..
    ثم أخبروني بعد ذلك بأن الوضع السياسي في المغرب قد تغير.. لم يكن بحوزتي جهاز راديو لمعرفة التفاصيل لكنهم تطوّعوا، فأحضروا الجهاز.. مؤكدين بإلحاح:
    – أُولَكْ يا زلمي.. ضَبّْ أغْرَاضَك.. شُو نَاطِر..؟ (يا رجل.. تحرك.. إجمع أغراضك الشخصية)
    – وُلَكْ بُكرة بعيِّنوك وزير دفاع.. أُولك خلِّصنا بقى!! (إذا سيعينونك وزيرا للدفاع.. تحرك.. تحرك).

    عند الصباح الباكر لليوم الموالي، جاءت العاصفة على لسان قائد الكلية الحربية السورية المقدم ناصر الدين محمد ناصر، الذي سرعان ما أصبح لواء ثم وزيرا للداخلية في سورية.. لقد طلبني باستعجال ليوبِّخني وبعنف شديد قائلا:
    – أُولَيكْ الله لا يعطيكم عافية.. أُولك لِيشْ فَشَلْتُو؟
    شرحت له الأمر في حدود ما أعرف:
    – سيدي.. هادول مُوجَمَاعَتْنَا.. هَادُول مرتزقة حروب في الهند الصينية والكامبودج والجزائر.. إلخ. ومو وطنيين.. ولا قوميين.. وأنا ما إلي علاقة بيهم.

    – صرخ في وجهي:
    أُولّكْ يا أخي بدِّي أفهم.. هَادُول مُوعَسْكَر؟
    أجبت بالتأكيد عسكر.. فعقَّب غاضبا كالإعصار:
    – أُولَكْ.. عَسْكَر بَطَاطَا.. أولك 1400 عسكري وبيطلعوا على الفاضي.. اشرح لي كيف صار ها الشيء؟
    أمرني بالانصراف لعجزي عن تقديم ما يرغب من معلومات إضافية.. ثم عدت إلى رفاقي.. منتظرا حفل التخرج الذي أقيم تحت إشراف رئيس الجمهورية الفريق حافظ الأسد لأتخلص من هذا الكابوس.. لقد كنت المغربي الوحيد آنذاك في الكلية وكان الجميع يتوجهون لي بالأسئلة والاستنكارات والشجب، كما لو أنني كنت المسؤول الأول عن هذه الحماقة…آنذاك كانت السفارة المغربية في دمشق قد أغلقت بسبب إحراقها، بعد جريمة اغتيال الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965… فبقينا نحن هناك ـ مناضلو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتواجدون آنذاك بالديار السورية ـ وحدنا المخاطبون على كل المستويات حتى سنة 1971.

    – ككاتب تقصيت كثيرا بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى واتصلت بالعديد من الأشخاص واطلعت على جملة من الوثائق، كيف كانت الوضعية في قصر الصخيرات قبل الهجوم وبعده؟

    + منذ العاشرة صباحا ليوم السبت 10 يوليوز 1971 وسيارات المدعوين تصل تباعا إلى القصر الملكي بالصخيرات، تحمل ركابا أنيقين، يرتدون حسب التعليمات (البروتوكول) ملابس صيفية خفيفة دون ربطة عنق، أغلبها، عبارة عن قمصان حريرية ذات أكمام قصيرة.

    وبينما كان الكاتب والصحفي المعروف بونوا ميشان (Benoit Méchin)، الذي اعتادت مصالح التشريفات دعوته سنويا لحضور هذه المناسبة، متجها إلى قصر الصخيرات عبر الطريق الشاطئية، حيث لاحظ عددا كبيرا من الشاحنات العسكرية المليئة بالجنود تسير في نفس الاتجاه، ولعل أكثر ما استرعى انتباهه أن أغطية الشاحنات كانت مرفوعة وقد بدا كل جندي على متنها ماسكا سلاحه بحزم وهو في وضعية تأهب!

    وبحكم تجربة الرجل السابقة في العراق حين سقوط النظام الملكي صيف 1958 والتي عاش فصولها أولا بأول.. بدا له أن الأجواء في الرباط خلال ذاك اليوم غير اعتيادية ورأى أن عليه الإسراع بسيارته للوصول إلى القصر ولو ربع ساعة قبل وصول الشاحنات العسكرية لإنذار الملك من مغبة ما سيقع.. وقد استطاع أن يَعُدَّ لوحده ما عَدَدُهُ (63) شاحنة تحمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ممتدة على حوالي كيلومتر تتحرك بسرعة (في حدود 50 كلم/ الساعة).

    – هل تمكَّنَ من إخبار الحسن الثاني بذلك؟

    + رغم أنه استطاع الوصول إلى القصر، لم يتمكن من الوصول إلى الملك، الذي كان يتناول غذاءه حوالي الثانية زوالا رفقة الأمير سلطان بن عبد العزيز والحبيب بورقيبة الابن والأمير مولاي عبد الله وغيرهم من كبار الشخصيات الوطنية والدولية.. كما باءت كافة محاولاته للعثور على الجنرال حفيظ العلوي مدير التشريفات الملكية بالفشل الذريع… فأسلم أمره للقدر.. حيث سيتمكن بعد ذلك في كتاب صدر له بعنوان: (Deux Etés Africains) من رصد كافة أشواط المذبحة الفظيعة التي حدثت هناك.

    ذلك اليوم عبر الانقلابيون بشاحناتهم و »جيباتهم » المسلحة شارع الحسن الثاني مخترقين العاصمة، وكان اليوم يوم سبت مما زاد من درجة اكتظاظ المرور، وصولا حتى الطريق الساحلية المؤدية إلى الصخيرات، وعلى جسر وادي « نفيفيخ » قام رجال الدرك الملكي هناك بتوقيف السيارات المدنية لإفساح الطريق أمام موكب « الانقلابيين »، وهذا ما أخر « بونوا ميشان ».

    كانت الموائد قد مُدَّت وعليها ما طاب من مختلف صنوف الأكل، قبل ذلك استغلت، بعض الشخصيات الفرصة لممارسة السباحة أو الكولف.. والفرق الموسيقية تشنف الأسماع، علما بأن عددا هاما من نجوم الطرب العربي كانوا قد أطّروا الحفل الموسيقي الساهر ليلة قبل ذلك، من بينهم: صباح وفريد الأطرش، محمد عبد الوهاب وعفاف راضي، عبد الحليم حافظ وغيرهم (…).

    كانت السحب قد بدأت في الانقشاع عن سماء الصخيرات عندما كانت أفواج الشاحنات العسكرية المسلحة تشق طريقها من بوقنادل إلى الصخيرات، إذ كانت السماء ذلك اليوم مكسوة بغيوم كثيفة منذ الساعات الصباحية الأولى.

    ولدى سماع أولى العيارات النارية، تهامس البعض ضاحكين: إنها واحدة أخرى من (مقالب) الأمير مولاي عبد الله.. فقد عوّدنا على مثل هذه المفاجآت؟! فردّ أحد السّفراء ناقما: إذا كان الأمر كذلك فهو أسوأ مقلب يمكن تنظيمه..

    وعلى ذكر السفراء، أصيب سفير إحدى دول أمريكا اللاتينية لدى المغرب بالرعب الشديد.. وكان يحمل رتبة جنرال فلم يجد مكانا يختبئ فيه سوى برميل للنفايات (من النوع القديم)، لا يستطيع إيقاف طلقة نارية واحدة من المرور في الاتجاهين معا.. فتأكد فيما بعد لجميع الناس بأنه من نوع جنرالات (الكولف) و(كرة القدم).. وما شاكل!!؟

    أما عميد الشرطة بودريس، الذي كان من المكلفين بالأمن الشخصي لصاحب الجلالة فقد لجأ بدوره إلى برميل آخر للنفايات بعد أن أطلق على إحدى قدميه رصاصة من مسدسه الشخصي.. وحينما حاول الناس إخراجه بعد انتهاء هبوب « العاصفة »، وجدوا عناء كبيرا بسبب ما كان عليه الرجل من بدانة مفرطة!.. وجاء من الخدم من سيشهد طواعية بأنه هو من أطلق النار على نفسه.. وذلك تفاديا للإحراج مادام قد خاف وفضل الاختباء عوض القيام بمهمته، لكن ذلك لم ينفعه، إذ سرعان ما تم استبداله بعميد آخر بعد حوالي سنة في نازلة طائرة البوينغ الملكية (727) مساء يوم 16 غشت 1972.

    شخصيا، لا أريد العودة إلى ما كتبه كثير من الذين عاينوا هذه المجزرة البشعة.. فللقارئ الكريم الراغب في الإطلاع على المزيد من تفاصيلها العودة إلى مؤلفات عبد الهادي بوطالب وعبد اللطيف الفيلالي وبينوا ميشان وغيرهم. لكنني أريد لفت الأنظار إلى الحالة « الهستيرية » التي كان عليها تلاميذ مدرسة اهرمومو، الذين أُصِيبُوا بالذهول والانبهار.. وهي المشاعر التي سرعان ما تحولت إلى سعار دموي بإطلاق النار في كل اتجاه.. جعل هذه المخلوقات تتحول إلى « قطعان » حقيقية بشعة :
    – منهم من انصرف إلى أكل ما لذ وطاب من مأكولات لم يتذوقوها يوما في حياتهم.. للأسف وسط الدم والشظايا والأنين!!

    – منهم من شرع في سلب المدعوين أموالهم وساعاتهم اليدوية وحليهم.. إلخ.
    ومنهم من وقف مبهورا أمام زرقة البحر، وتناسق المعمار في جنبات القصر مما لم يشهد له مثيلا من قبل، سيما هؤلاء أبناء المناطق الجبلية والصحراوية ممن لم يعاينوا بحرا من قبل… لا بل إن المساعد الأول (خرخاش) أسرع إلى تجميع أنبوب بلاستيكي ضخم يستعمل في سقي ملعب الكولف بالقصر الملكي، وهو يعتزم إحضاره إلى مدرسة اهرمومو.. كما كان يفعل دائما تحت إشراف المساعد عقا.. كما لو أنه هذه المرة جاء في نزهة بسيطة ستنتهي كما بدأت وليس بصدد محاولة انقلابية، دموية، لها ما بعدها!!؟

    خلال ذلك اليوم استطاع أحمد رضا كديرة الفِكاك من الفخ، حيث غادر القصر قبل الساعة الثانية زوالا رفقة الملازم الصفريوي، وقد تسبب إطلاق النار عشوائيا في تفكيك مجموعة حلقات المخطط الذي وضعه الجنرال المذبوح، وهكذا بدل أن تنقسم القوات المهاجمة إلى ثلاثة أقسام، أولها لمهاجمة القصر، وثانيها للاستيلاء على هيئة الأركان العامة، وثالثها للسيطرة على مقرات وزارة الداخلية والإذاعة والتلفزة.. بدل ذلك اختلط الحابل بالنابل، فلم يعد ضباط الكوماندوهات يسيطرون على تلامذتهم، ليغدو السعار الدموي هو سيد الموقف.

    – كيف كانت نوعية تسليح « الكوماندوهات » المسلحة؟

    + لقد كان التسليح قويا بل غريبا، في ضوء قواعد التدريب المعمول بها في مدارس مماثلة، ذلك أن عددا كبيرا من التلاميذ –الضباط، كانوا لا يزالون في السنة الأولى من التكوين، يجهلون استعمال السلاح جهلا تاما.. حسب تصريحات أحد قادتهم، الملازم أحمد المرزوقي (قائد الكوماندو 12)..

    وكانت هذه الأسلحة – حسب محضر الإدارة العامة للأمن الوطني المؤرخ في 17 يوليوز 1971، والذي حُرِّر بإشراف عميد الشرطة محمد المعزوزي والكابيتان عبد المومن من هيئة الأركان العامة للجيش – عبارة عن:

    أ- الأسلحة الثقيلة:
    1 مدفع عيار 75 ملم – عديم الارتداء.
    1 مدفع هاون عيار 120 ملم.
    4 مدافع هاون من عيار 81 ملم.
    8 مدافع هاون عيار 60 ملم.
    7 رشاشات ثقيلة عيار (12.7 ملم).
    – عدد كبير من الرشاشات الثقيلة (A. A. 52) و(29/24-F.M).
    ب- الأسلحة الخفيفة (حوالي 1200 بندقية ورشاشة)، منها:
    – بنادق: MAS – 36
    – بنادق: N.L.G
    – رشاشات (MAT -49) و(5-35 D.A)..
    – كمية من قاذفات الصواريخ ضد المصفحات والدبابات.
    – عدد كبير من مسدسات نوع « بريطا ».
    – كمية كبيرة من القنابل الهجومية والدفاعية، كما تم استعمال أكثر من 40 شاحنة وناقلة وأكثر من 20 ألف لتر من الوقود وكميات كافية من الغذاء.

    – هل تم فعلا استخدام هذه الأسلحة؟

    + لو استعملت هذه الأسلحة في قصر الصخيرات لأدى ذلك إلى هلاك حوالي ألف شخص، ولدُمِّّرت مرافق القصر عن آخرها بقذائف المدفعية وشظاياها.. لكن الأخطر من كل ذلك، أن المقدم امحمد عبابو، أعطى لقواته المسلحة منذ خروجها من بلدة (بوقنادل) الأمر القاطع والصارم بـ:

    1- رفع أغطية الشاحنات والسيارات العسكرية استعدادا لخوض المعركة.
    2- تلقيم كافة أنواع الأسلحة، ووضعها في حالة الاستعداد، باعتبار أن القوات ستدخل « منطقة معادية » عبر المرور بمدينتي سلا والرباط!!؟

    فلو حصل اشتباك بين هؤلاء وأية قوة عسكرية أخرى، بين بوقنادل والصخيرات، لكان حجم الخسائر بآلاف الضحايا، سيما وأن بعض تلاميذ مدرسة أهرمومو كانوا لا يزالون « أغرارا »، بمعنى أنهم لم يستوعبوا بعد حمل السلاح والمناورة بالنيران… وهكذا سنجدهم في الصخيرات يطلقون النار على كل ما تقع عليه أعينهم، بل لقد وصلوا إلى حد التراشق بالرصاص في ما بينهم.. كما لو أنها نوع من ألاعيب (عاشوراء)، يا سبحان الله!

    لقد سجل المقدم امحمد عبابو على نفسه صبيحة يوم 10 يوليوز 1971 حماقات خطيرة لا تخطر على بال، عرَّض خلالها آلاف الأرواح للخطر الداهم دون أي ذنب اقترفوه.. لا لشيء.. فقط من أجل رغبته في توسيع مجال نفوذه وسلطته.. وهو لا يزال ابن الـ 32 سنة أتى من مدرسة عسكرية نائية، ما كان ليتصور أحد أن تنتقل بقوتها النارية الكبيرة إلى قلب عاصمة البلاد.. أقول.. كان ينوي ضَمِّ مساحة نفوذه من مدير مدرسة عسكرية إلى مساحة الوطن المغربي بكامله… بكل مؤسساته الدستورية والسياسية والنقابية والتربوية..؟!

    – بعد أن فشلت المحاولة وتم القبض على زمام الأمور بعد هذه المجزرة الدامية، كيف كانت مواقف الملك الحسن الثاني؟

    + لقد حضر صديقه الملك حسين، مهرولا من عمان، مزودا بما في جعبته من نصائح صارمة.. في ضوء ما عاناه على مدى عام كامل.. بعد أحداث سبتمبر 1970 في عمان ثم اشتباكات جرش وعجلون في يوليوز 1971.. وقد حضر كالمعتاد متمنطقا بمسدسه (سميت إندونسن) وبلباسه العسكري.. ليصر أولا على إعدام كل المتورطين في أحداث الصخيرات.. ولكن الجنرال أوفقير هو من قدم الضحايا وقرر مصيرهم دون تقديمهم للمحاكمة قبل ذلك، وقد تميزت هذه المذبحة أيضا بتصفية حسابات شخصية.. فكان يشرف على إعدامهم باكيا.. كما سيفعل لاحقا صدام حسين في حق قادته من حزب البعث العربي الاشتراكي بإعدام شخص من مستوى عبد الخالق السامرائي.. كما يفعل عادة « التمساح » قبل الانقضاض على ضحيته!!؟

    بعد ذلك سيسارع الحسن الثاني إلى إطلاق سراح سعيد بونعيلات وبنموسى الإبرايمي في 15 ماي 1972، ليباشر حوارا مفتوحا مع الكتلة الوطنية التي تشكلت قبل ذلك في يوليوز 1970.

    … بالفعل كان المذبوح يسير في نفس الاتجاه، إذ لا خيار له، وقد سار معه الحسن الثاني مكرها، لكن بخطوات، ثقيلة وحذرة.. ستقوده إلى محاولة انقلابية ثانية، لأنه لم يسرع الخطى كما يجب، فاكتفى بالمناورة من وراء حجاب، وهو الرافض دوما لتقديم أية تنازلات من باب الضغط، فكان أن عرض نظامه السياسي بالكامل لأفدح المخاطر بعد ظهر يوم 16 غشت 1972.

    – ماذا يمكنك أن تقول بخصوص طريقة القيادة المعتمدة في الانقلاب وتجانسها؟

    + أريد أن أسجل – بداية – بأن كلا الرجلين، المذبوح واعبابو، كانا يقفان الواحد منهما بعيدا عن الآخر على مسافة كبيرة ـ فكرا وتربية ونهجا وتجربة ونضجا كذلك ـ بحكم عدد هام من المعطيات التي تتصل بشخصيتيهما.

    فالمذبوح، زاول قبل ذلك مهاما مدنية وعسكرية متنوعة، كان أبرزها توليه عاملا على إقليم ورزازات بعد الاستقلال مباشرة، ثم عمل وزيرا للبريد في حكومة عبد الله إبراهيم المُشكلة في دجنبر 1958.. غير أنه سرعان ما سيقدم استقالته منها، بضغط من الحسن الثاني ولي العهد آنذاك، ضمن محاولة لإسقاط الحكومة.. وكانت الذريعة المقدمة هي الاحتجاج على مضمون البلاغ الصادر عن مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد في أكادير سنة 1959، والذي فهم منه أنه تضمن قذفا في حق مؤسسة الجيش الملكي.. علما بأن المذبوح لم يكن يحمل سوى رتبة قبطان وقتها، ولم يقدم أي من الجنرالات استقالتهم سوى المذبوح! بعد ذلك شغل منصب عامل على الدار البيضاء.. وقد ارتبط اسمه بالمحاولة (الانقلابية) للحركة الاتحادية في 16 يوليوز 1963، ويقال بأنه سارع إلى الإخبار بها بعد أن سبقه إلى ذلك مصطفى العلوي، ابن شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، وقد جرى التعامل معه في ضوء ذلك كشاهد إبان البت في هذه القضية.

    وعلى الرغم من إصدار 14 حكما بالإعدام في حق المتهمين خلال مارس 1964، ظل الفقيه البصري وعمر بنجلون – المحكوم عليهما كذلك بالإعدام في هذه القضية – يذكران المذبوح بكل خير.. وينوهان بنظافته ووطنيته.. وقد أكدا مرارا لرفاقهما في السجن بأن هذا الشخص سيقوم – يوما ما – بعمل وطني كبير!!

    – ما هي الأسباب التي دفعت الجنرال المذبوح إلى التخطيط للانقلاب؟

    + إن عددا هاما من المصادر أجمعت على أن من بين أسباب قيام المذبوح بهذه المحاولة الانقلابية اكتشافه، وهو يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سنة 1971 للتحضير لزيارة الحسن الثاني المقررة آنذاك في شهر أبريل، اكتشف ضمن بعض الوثائق كيف أن أشخاصا نافذين في المحيط الملكي طلبوا رشوة قيمتها (600) مليون سنيتم لتسهيل بناء فندق (شيراطون) بالدار البيضاء، كما اكتشف أن بعضهم يمارس نشاط تهريب المعادن النفيسة.. فعاد من هناك وهو مصمم على فعل شيء لوقف الفساد المستشري في أعلى هرم الدولة.

    وسيكتشف الملك الحسن الثاني بعد وفاة المذبوح كيف أنه لم يكن يتصرف في الإكراميات المالية الضخمة التي كان الملك يقدمها له، إذا كان يحتفظ بها ضمن مغلفاتها الأنيقة دون أن تمتد يده إليها لمجرد معرفة المبالغ التي تتضمنها!!؟ دلالة على أن الرجل كان عصيا على قبول مثل هذه الأساليب التي درج عليها النظام لترويض رجالاته وشراء سكوتهم وتواطئهم.

    وذات مرة، تلقى الملك الحسن الثاني تقريرا سريا، مضمونه أن الجنرال المذبوح يدبر انقلابا ضده.. وكان وقتها يلعب (الكولف) بملعب دار السلام بالرباط.. فما كان منه سوى أن بعث في طلب المذبوح ليقول له علنا: هل صحيح ما ينسبونه لك في هذا التقرير.. يا مذبوح؟ ثم انصرف إلى رياضته بلا مبالاة، ولم يعد إلى الحديث حول هذا الموضوع أو إثارته من جديد.

    أما شخص المقدم امحمد عبابو، والذي لم تمض على ترقيته من كوماندان إلى ليوتنان كولونيل سوى أقل من أربعة أشهر فقد كان رجلا عسكريا بالكامل، لم يعرف له أي نشاط سياسي أو وطني، أو حتى مجرد اتصال بالأحزاب السياسية المغربية طوال حياته، ولكن طموحاته الشخصية كانت لا تعرف أية حدودّ.

    فعدا تفوقه في تخصصه العسكري (المشاة) وذكائه وقوة شخصيته وحرصه الدائم على تطوير برامج التكوين العسكري في مدرسته بأهرمومو، وفي ملحقتها بمدينة صفرو، وهي كلها إيجابيات تسجل لصالحه بدون نزاع، لم يعرف عنه أي اهتمام آخر.

    – كيف ترى الفرق بين الجنرال المذبوح والمقدم اعبابو؟

    + بكل « موضوعية » ما يجعلنا نعتقد حقا بأن الجنرال المذبوح؛ بقوة شخصيته، واتزانه، ونظافته ووطنيته، قد أخطأ اختيار الرفيق، رفيق الدرب، في شخص امحمد عبابو، والذي تميز مساره المهني بالعديد من الخروقات الفظيعة والممارسات اللا أخلاقية، والتي يمكن إيجازها في ما يلي:
    أولا: للتجاوب مع طموحاته العسكرية الواسعة، سعى اعبابو، وهو لا يزال في رتبة رائد (كوماندان) إلى رفع تعداد التلاميذ في مدرسته من 300 إلى 1.000 ثم إلى 1.500 تلميذ، دون موافقة المكتب الثالث لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والذي كان له حق الإشراف على كافة مؤسسات التكوين العسكري في البلاد، بتخصصاتها الجوية والبرية والبحرية.

    وللتغلب على المشاكل المادية الكثيرة المتعلقة برفع طاقة المؤسسة إلى أضعافها من حيث المرافق والتجهيزات والتغذية.. إلخ.. لجأ الرجل إلى تكوين (كوماندوهات)، خاصة من ضباط وضباط صف المؤسسة، تحت إشراف مساعده (عملاق الحرب العالمية الثانية) المساعد الأول أمهروش عقا.. فقد كانت هذه المجموعات تقوم – وهي بكامل أسلحتها وتجهيزاتها وشاحناتها – بالسطو ليلا على ممتلكات المواطنين من: مواد البناء وتجهيزاته ومعداته الغالية الثمن والمواد الغذائية والمواشي والأغنام ومواد التجهيز والسيارات والشاحنات والغلال.. إلخ.

    وبالتأكيد ساعدت أعمال « البَلْطَجَة » هذه في بناء مرافق جديدة بالمدرسة، والتزود بتجهيزات حديثة من مسابح وملاعب (…)، غير أن بعضها « صُبَّ » في حساب المدير، بحيث غدا في ظروف وجيزة مالكا لفيلا فخمة بمكناس ومؤسسة فندقية ومقهى بنفس المدينة، ولضيعة فلاحية مع عدد من القطع الأرضية، ناهيك عن سيارتين… إلخ ولم تمض على ذلك بعد خمسة عشر عاما على التحاقه بالجندية!!؟

    ثانيا: أصبح الرجل عند تكوين « بطانة » من الأتباع الطيعين الذين لا يعصون له أمرا، يستغل الطابع العسكري الصرف لمؤسسته، وذلك في أفق الاستعانة بهم في تنفيذ « مشاريع » مستقبلية على مقاسه الخاص!!

    ثالثا: درج كذلك، رغم أنه متزوج وله أبناء، على استقبال صديقاته داخل المدرسة وعلى تنظيم الولائم الباذخة للضباط الكبار بما لم يكن يتلاءم مطلقا مع مستوى عيش وتغذية تلاميذ المؤسسة آنذاك؟!
    كما أن أساليبه في « البَلْطَجَة » وصلت حد الاعتداء على المقابر، فحسب روايات بعض الضباط، أمر ذات مرة بهدم قبور اليهود في مدينة صفرو، للاستفادة من أخشابها في أعمال البناء بمدرسته!!

    فأية روابط فكرية أو سياسية أو مسلكية يمكن أن تجمع بين كل من الجنرال المذبوح والمقدم امحمد اعبابو؟!

    بالتأكيد، الفروقات كانت فادحة، وقد أدت بالطبع إلى مصرعهما معا في نفس اليوم وبطريقة شاذة، كما لو كانا من لصوص المواشي (كاوبوي).

    أما باقي الضباط الانقلابيين ممن جرى إعدامهم يوم 13 يوليوز 1971، والذين لم يتم « إقناعهم » بالانضمام إلى الحركة الانقلابية الجديدة، سوى بعد الساعة الرابعة ظهرا من يوم 10 يوليوز 1971، فقد كانوا قبل هذه الساعات يتحدثون (بالفَمِ المليان) عن الانقلاب، وضرورة التغيير!! وكانوا يمارسون ذلك في محلات عمومية مفتوحة كبارات (كيوم تيل) و(لاكوميدي) بالرباط، وحانات مماثلة في القنيطرة ووجدة والدار البيضاء.. إلخ.. بمعرفة كافة الأجهزة الأمنية.

    .. هؤلاء الانقلابيون أيضا كانوا على جانب كبير من الفساد والانحلال والتهتك، وما من شيء يجمعهم بالجنرال محمد المذبوح.

    .. شخص واحد أعدم ظلما وعدوانا بسبب انتفاء أية علاقة له بهؤلاء، هو المناضل الكبير الكوماندان إبراهيم المانوزي، أحد قادة هيئة أركان جيش التحرير المغربي إبان الخمسينات، الذي وصلت قواته ذات يوم من سنة 1957 إلى منطقة (أطار) الموريتانية، بعد أن نجحت في دك معاقل الإسبان بكل من طاطا وفم الحسن وكولميم حتى شمال موريتانيا وتندوف… وكثيرا ما كان أخوه المرحوم سعيد المانوزي يطلعني على خرائط حربية تخص تلك المرحلة.

    هذا الضابط الوطني الكبير، كان الجنرال محمد أوفقير يتوعده بالتصفية قبل ذلك، ولم يستطع الزج به في معتقل دار المقري إلى جانب الهاشمي الطود وعمر غاندي والفقيه البصري وبولحية الطاطي (اعتقالات يوليوز 1963)، إذ ظل يترصده حتى قامت أحداث يوليوز 1971، فبعث في طلبه للاعتقال، وكان حينذاك بلباس النوم في بيته وبين أولاده، مع أنه لم يكن له أي اتصال بهؤلاء القوم.. لسبب بسيط هو أن معظم هؤلاء الضباط، كانوا في صفوف اللفيف الأجنبي كمرتزقة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانوا في سلوكهم وأخلاقهم على النقيض من شخصية إبراهيم المانوزي ووطنيته العالية، مما كان يثير أحقاد أوفقير تجاهه، فظل ينتظر الفرصة، لكنها جاءت غير ملائمة هذه المرة لتصفية حساباته الإجرامية.. غير أنه سرعان ما سيقتل هو أيضا (ككلب حقير) بخمس رصاصات غادرة، على حد تعبير ابنه رؤوف أوفقير، والذي وصف الحادث رسميا على أنه انتحار تلقائي، حسب بلاغ وزارة الداخلية آنذاك (17 غشت 1972).

    الجنرال المذبوح إذن وضع بيضه كاملا في سلة (فاسدة) و(متهورة) فكان ما كان.. والأخطر من كل ذلك، لم يباشر اتصالاته برفاقه الاتحاديين القدامى، الذين كانوا ينتظرون منه هذه المبادرة، بل لقد كانوا يبشرون بها بين أنصارهم.
    فهل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد آنذاك كان لا يستحق عناء التنسيق مع اليسار وقتئذ؟
    وهل مجرد إصدار التعليمات بإطلاق سراح (170) مناضلا اتحاديا من سجن بولمهارز بمراكش وتلكؤ العامل عن تنفيذ هذه التعليمات، هل كان ذلك كافيا لحماية وتطوير ودعم الحركة الانقلابية الجديدة؟

    – ماذا تقول عن الموت المبكر للجنرال المذبوح؟

    + لقد أخبرني بعض الضباط الذين شاركوا ضمن هذه التجربة المريرة، وأفلتوا من جحيم (تازمامرت)، بأن تأخر وصول تلامذة (أهرمومو) ومدربيهم إلى قصر الصخيرات في الوقت المحدد، قد وتر أعصاب المذبوح، وجعل الشكوك تراوده بخصوص احتمال قيام اعبابو بالوشاية به إلى الملك، لذلك سارع إلى إرسال شخصين لمقابلة اعبابو (وهو لا يزال في طريقه إلى القصر) لتبليغه أمر التأجيل، وضرورة متابعة طريقه نحو ابن سليمان لتنفيذ المناورة وكأن شيئا لم يكن، مؤكدا له: لقد تجاوزت التوقيت الزمني المتفق بشأنه ومن الأفضل تأجيل العملية إلى وقت آخر.

    غير أن اعبابو بدوره – والذي قضى الأيام الأخيرة بلياليها في التحضير لهذه العملية – فاض به الكأس، إذ لم تمر سوى بضعة أسابيع على تأجيل العملية السابقة ليوم 14 ماي 1971، والتي كان قد حشد لها 15 كوماندو مسلح.. قد شك بدوره في أن يكون المذبوح قد وشى به، فقرر متابعة التنفيذ مهما كلف الأمر.

    – ما هي التعليمات الأصلية التي أوصلها الجنرال المذبوح إلى اعبابو قبل بعث توصيات التخلي عن المحاولة؟

    + كانت تعليمات الجنرال المذبوح إلى اعبابو تنص بدقة على ما يلي:
    – الحرص على الوصول إلى البوابة الغربية لقصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا (أي قبل الشروع في وجبة الغذاء).
    – الحرص على عدم إطلاق النار.
    – الشروع بمجرد تطويق القصر في اعتقال كافة الحاضرين، مع الاستعانة بمكبرات الصوت لدعوة الجميع إلى رفع الأيدي عاليا والاستسلام بدون قيد أو شرط

    – مباشرة عملية فرز الأشخاص المعتقلين ، لتقسيمهم إلى ثلاثة مجموعات:
    أ‌- المجموعة الأولى (والتي ينبغي إعدامها فور الاتفاق في عين المكان بين المذبوح واعبابو) وتتألف من: – الملك الحسن الثاني – ولي العهد – الأمير مولاي عبد الله – الجنرال الغرباوي – الكولونيل أحمد الدليمي – إدريس السلاوي مدير الديوان الملكي – الجنرال البوهالي الماجور العام للقوات المسلحة الملكية.
    ب‌- المجموعة الثانية: وتتألف من جميع أعضاء الحكومة والجنرالات الحاضرين، وهؤلاء يتم سوقهم إلى هيئة الأركان العامة بالرباط لتحديد مصيرهم لاحقا.. واحدا.. واحدا.
    ج – المجموعة الثالثة: وتتألف من باقي المدعوين، مغاربة وأجانب، والذين سيجري الإفراج عنهم بعد تنفيذ ما سبق ذكره.

    .. وهكذا ما كاد أن يتقابل الرجلان – المذبوح واعبابو – حتى بدأ هذا الأخير يصرخ عاليا: وَافَايْن هُوّا (…) وسير خرّجُو لعندي.. وأنا راه غادي نبيع جلدي غالي.. إلخ (علامة على تدهور عنصر الثقة بين الرجلين)!
    وبينما كان المذبوح، يذهب ويجيء بين مكان وجود الملك واعبابو، عسى أن يحل الإشكال بطريقة أو بأخرى، كان عبابو يزداد هياجا، وسط إطلاق الرصاص والرمانات اليدوية لمجموعاته، وكان يصيح:
    – اقتلوا الخونة.. اقتلوا الخونة.. وعاش الملك!!؟

    في هذه الأثناء، رفض الملك الخروج وطالب المذبوح بإحضار عبابو أمامه لاستفساره عما يطلب، كما رفض اعبابو التوجه لمقابلة الملك بدون رجاله وفيهم مساعده العملاق عقا.. وبينما كان الدكتور بنيعيش – الطبيب الخاص للملك – يقوم بإحضار رشاشة حربية للملك من غرف النوم، وكانت قد أهديت له قبل ذلك من طرف إحدى الشخصيات الأجنبية، شك اعبابو في الأمر وطالب بنيعيش بتسليم السلاح فورا، غير أن بنيعيش كان قد دخل في حوار مع الجنرال المذبوح، وهنا جاءت صلية من الرصاص (Rafale) على يد أحد التلاميذ ـ الضباط في اتجاه كل من المذبوح وبنيعيش ليسقطا معا.. أمام أنظار اعبابو والقبطان الشلاط والمساعد الأول عقا، وهنا توجه اعبابو نحو جثة المذبوح معلقا بالفرنسية:

    Oh, Mon oncle, C es dommage pour vous, général Medbouh))، ويضيف المقدم محمد عبابو في محضر استنطاقه بعد اعتقاله: (… ولقد علمت من خلال ضابط الصف الذي هرب معي بأن المذبوح مات أمام أعين الجميع، ذلك أنه لحظة قيام امحمد اعبابو بإعطاء الأمر لأحد تلاميذه بإطلاق النار على الدكتور بنيعيش، كان هذا الأخير وقتها يتناقش مع المذبوح وهو ملتصق به.. فأصيبا معا برصاصات قاتلة).

    وحيث أن القائد العام للعملية الانقلابية الجنرال المذبوح قد قتل منذ الساعة الأولى للانقلاب، اتجه اعبابو باحثا عن الكولونيل الشلواطي لتكليفه بقيادة الحركة الانقلابية من خلال إقناع باقي الجنرالات بالانضمام إليها.. وهو ما سيباشره فعلا لدى التحاقه بالقيادة العامة للجيش.
    غير أن طريقة التراشق بالنيران في القيادة العامة، ما بين الجنرال البوهالي والمقدم اعبابو كانت على شاكلة تراشق سراق المواشي (الكاوبوي) على الطريقة الأمريكية..، حيث أدى ذلك إلى مصرعهما في الحال ثم استسلام حوالي مائتين من تلامذة المدرسة، ليلا بالقرب من الإذاعة، وما أعقبه بعد ذلك من إطلاق النار عليهم بعد تسليم أسلحتهم، مما سيؤدي إلى مقتل حوالي 113 تلميذا فورا.. كل ذلك، أدخل الحركة الانقلابية في عنق الزجاجة كما يقولون وأغرقها في الدماء التي لا مبرر لها، إذ تكد تنتصف ليلة هذا اليوم الأغبر في تاريخ المغرب المعاصر، حتى كان باقي الانقلابيين الأحياء يبحثون عن التخلص من أسلحتهم وملابسهم العسكرية، بحثا عن ملاذ آمن بعد كل الذي شاهدوه من مناظر فظيعة، وما ينتظرهم من مصيرمظلم.

    – في ضوء تجربتك السابقة، واحتكاكك المباشر بعدد من التجارب الانقلابية في المشرق العربي، كيف تنظر لأحداث 10 يوليوز 1971؟

    + في تقديري، ما حدث بالصخيرات ثم الرباط طوال يوم 10 يوليوز 1971 لا يمكن أن يرقى إلى مجرد مناورة عسكرية بسيطة من طرف أحد جيوش البلدان المتخلفة كجمهورية إفريقيا الوسطى أو النيجر على سبيل المثال.. أؤكد لكم أن ما حدث هنا لا يرقى لمجرد مناورة عسكرية بسيطة، نظرا لهمجيته، وبدائيته وتهوره وافتقاده إلى الحد الأدنى من التنظيم، بكلمة واحدة، هو عمل « رعاع » لا أقل ولا أكثر.

    فكما هو معلوم، تميزت الفترة التاريخية من 1965 إلى 1975 بظهور عدد من الانقلابات العسكرية، سيما في أقطار أمريكا اللاتينية وإفريقيا، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر سوءا وتأزما.. كان ذلك هو الإطار العام لهذه الانقلابات.

    لكن يجب التقرير هنا بأن بعض هذه الحركات الانقلابية كان ذا طابع تقدمي، باعتبار ما حصلت عليه من دعم جماهيري عريض آنذاك.. بينما كان بعضها الآخر – وهو الأغلب – ذا طابع (أوليغارشي) عسكري ضيق، لا يروم في الحقيقة سوى الاستيلاء على السلطة بحد ذاتها.. بمنافعها..وامتيازاتها.. ولم تكن السلطة عند (ثوارها) أداة محورية لمباشرة التحولات العامة التي كان يستدعيها بإلحاح تصحيح أوضاع هذه الأقطار.

    فأن تلجأ حفنة من الأشخاص لا تتعدى أصابع اليد الواحدة إلى التآمر، في بلد كالمغرب، حيث النسيج السياسي والنقابي والتربوي أكثر متانة بالقياس مع كل الأقطار الإفريقية والعربية المجاورة، أن تلجأ هذه الحفنة إلى استخدام أكثر من (1400) جندي وضابط دون مصارحتهم مطلقا بطبيعة (المهمة) ولا أن يتم تأطيرهم جيدا لتنفيذها، ولا أن يضبطوا بينهم المهام تفاديا للالتباس والخلط وسوء النية.. إلخ.. أن يجري كل ذلك، بهذه الدرجة من التهور والشراسة والجهل والرعونة، لهو عمل في منتهى الحماقة والوحشية!

    فحتى ساعة وصول القوات المهاجمة إلى بلدة (بوقنادل) كانت المهمة الرئيسية المحددة في أذهان الجميع هي المشاركة في مناورة بالذخيرة الحية في منطقة ابن سليمان، هذه المهمة التي كان من المفروض أن يقوم بها أحد أفضل ألوية القوات المسلحة، ولكن المقدم اعبابو (كما أكد لتلامذته وضباطه في الجمع العام التحضيري ليلة 9/07/ 1971) استطاع أن يقنع القيادة العليا للجيش بأن مدرسته تستطيع أن تقوم بذلك على نفس الدرجة من القوة والاقتدار والنجاح.. كما صرح بذلك وأكد.

    وعندما توقفت القوات المهاجمة في بوقنادل لاستجماع القوى، وتحديد المهام على أيدي من أسماهم المقدم اعبابو بالقيادة الميدانية (المتقدمة)، تأكد في ما بعد بأن هؤلاء الضباط الذين أحضرهم إلى بوقنادل بلباس مدني، إنما أحضرهم لمعاينة ضيعة فلاحية يعتزم شراءها هناك! وأن يطلب نصيحتهم.. على أن يتجهوا بعد ذلك لحضور حفلات القصر الملكي بالصخيرات!!
    خلال هذا اللقاء، سينقل المقدم اعبابو خطابه إلى السرعة القصوى في مخاطبة ضيوفه وضباط مجموعاته المسلحة، إذ لأول مرة سيستعمل عبارات جديدة ذات علاقة بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم تكن لتجري على لسانه قبل ذلك على الاطلاق.

    لقد « تحايل » على الجميع، ليجمعهم هنا في بوقنادل وهو يخطب فيهم خطبة أشبه بخطبة طارق بن زياد، وبين أيديهم قوة نار هائلة مع خواء فكري فظيع وارتباك وفوضى قياسيين.

    – ماذا قال اعبابو في بوقنادل؟

    + قال : (.. لقد جرى اختياركم من طرف القيادة العليا للجيش للمشاركة في مهمة خطيرة، وقد وقع عليكم الاختيار لأنكم بالفعل تستحقونه، إنكم تعلمون جميعا الوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لبلادكم.. يجب إنقاذ هذه البلاد.. لقد آن الوقت لذلك.. يتوجب علينا جميعا الهجوم على قصر الصخيرات هذا اليوم ما بين الساعة 13 و 14 .. وستشارك قوات عسكرية أخرى في تنفيذ هذه المهمة!! وبالتالي نحن لسنا لوحدنا!! ولن نكون كذلك… إن هناك عناصر متمردة تهدد سلامة صاحب الجلالة ويتوجب علينا القضاء عليها بدون تردد…).

    ثم أمسك بقضيب خشبي ليرسم أمام الضباط المتحلقين حوله مخططا عاما للمعركة المقبلة، محددا بدقة بنايتين رئيسيتين داخل القصر، رسم بينهما خطوطا حربية معروفة لدى العسكريين، مؤكدا أن المعركة قد بدأت وعلى الجميع الالتحاق بوحداتهم ورفع أغطية الشاحنات وتلقيم الأسلحة بمختلف عياراتها والتحرك منذ تلك اللحظة على أساس أن القوات أصبحت ضمن وسط معاد يتوجب اتخاذ أقصى الاحتياطات تجاهه، وبالتالي فإن إطلاق النار ستصبح عملية تلقائية منذ تلك اللحظة، لا تحتاج إلى تذكير أو تجديد الأوامر..

    أما بخصوص الضباط (بلباس مدني) الذين أحضرهم عبابو لبوقنادل، فقد فعل ذلك تبعا لتعليمات الجنرال المدبوح، حتى يشجع أكثر تلامذة أهرمومو وضباطهم، فقد كان هؤلاء (الضيوف) يمثلون مختلف قطاعات الجيش، وبالتالي فإن إحضارهم كان بمثابة عملية ذات مغزى كبير. وهؤلاء الضباط هم المقدم القادري والكوماندان المالطي والكوماندان المنور والكوماندان بريكي والكوماندان رياني (صهر المذبوح) والكوماندان حريشي والكوماندان ميلس.

    ومما تقدم، أستطيع التأكيد لكم بأن ما حدث لا يخرج عن نطاق حركة (الرعاع) التي لا يجمعها جامع، غير الرباط الحديدي الذي ربى عليه المقدم امحمد عبابو تلامذته وضباطه على حد سواء، والذي وصل حد الطاعة العمياء، فتحول الأمر خلال ساعات قلائل إلى إعصار مدمر، فتك بأرواح أكثر من مائتين وخمسين شخصا وتسبب في جرح وإصابة المئات وإلحاق أفدح الأضرار بالممتلكات الخصوصية والعمومية.

    فما كنت أظن أن الجنرال محمد المذبوح ستصل به السذاجة السياسية والتهور العسكري إلى هذا الحد، ومهما حصل فقد كان المسؤول الأول والأخير عن كل هذه المأساة، وكان من قبيل المستحيلات أن تمر هذه القوة الكبرى عبر تراب عدة أقاليم، بسلاحها الكامل وذخيرتها ووقودها وتغذيتها دون موافقته الشخصية، باعتباره رئيسا للديوان العسكري لصاحب الجلالة، وسيكتب له أن يكون من أول ضحايا هذا التهور لتبقى جثته ثلاثة أيام في عز الصيف بدون دفن قبل القيام بإحراقها، ثم ليحرم من مجرد قبر كباقي المسلمين.

    – وماذا عن الموقف الليبي الرسمي من هذه الأحداث؟

    + لقد جاءت هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة لتؤكد طبيعة التوجه السياسي العام لنظام العقيد القدافي، والذي كثيرا ما أبلغ قادتنا في التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ انقلابه الشهير في فاتح سبتمبر 1969، بأنه لا يثق مطلقا في قدرة الحركة التقدمية المغربية على إسقاط النظام الملكي وإبداله بنظام جمهوري على الطريقة الناصرية، وكان ينصح قادتنا بالاعتماد على قوات الجيش النظامي المغربي إذا هم أرادوا الحصول على نتائج طيبة.

    والغريب أن نظام العقيد القدافي حتى بعد أن صار يدعمنا، بتخصيص برنامج إذاعي دائم، كان عبد الرحمان اليوسفي يكتب افتتاحياته بانتظام، وحتى بعد أن فتح في وجوهنا معسكرات التدريب على السلاح وبعد أن أصبح يقدم لقادتنا الأموال والأسلحة، كان دائما ينصحهم بالتعاون مع الجيش المغربي في الداخل مهما كانت عقليته وتركيبته وميوله، إن هم أرادوا نتائج إيجابية!
    فمنذ الساعات الأولى للمحاولة الانقلابية الفاشلة لـ 10 يوليوز 1971 انطلقت الإذاعة الليبية في بث بلاغات التهنئة والتبريك، بل لقد أجرى العقيد القدافي – حسب ما نشرته وثائق الخارجية الأمريكية والبريطانية مؤخرا، وحسب ما ذكره الملك الحسن الثاني نفسه في كتابه (ذاكرة ملك)، أجرى القدافي اتصالا هاتفيا بالرئيس الجزائري هواري بومدين طالبا السماح لقواته الجوية والبرية باستعمال الأراضي والأجواء الجزائرية للمرور إلى المغرب لدعم الانقلابيين.. وهكذا أرسل ضابط المخابرات الليبية الرائد عوض علي حمزة، إلى الجزائر على جناح السرعة، لمتابعة تنسيق هذه العمليات، غير أن الرفض القاطع للهواري بومدين أفشل مسعى إرسال حوالي (12) ألف جندي ليبي إلى المغرب لدعم الانقلاب.

    ورغم إعلان فشل الانقلاب ظلت الإذاعة الليبية تواصل بث بلاغاتها الداعمة للانقلابين، بينما
    المغرب الرسمي من جهته رد بتطويق مقر السفارة الليبية في الرباط ثم وضع كافة العاملين بها في الإقامة الإجبارية، واضطر في وقت لاحق إلى قطع كل الاتصالات الهاتفية عن السفارة.

    وهذا ما كشفته وثائق الخارجية البريطانية المنشورة حديثا، بعد مرور أمد التقادم القانوني ضمن الملف رقم (FCO 39 – 884)، والذي تضمن الكثير من الوثائق الدامغة في هذا الاتجاه.
    وسيقترح الجنرال محمد أوفقير من موقعه الجديد كوزير للدفاع، بعد إخماد فتنة الصخيرات، على الملك الحسن الثاني في أكادير، فكرة القيام بإسقاط طائرة العقيد القدافي انتقاما من تورطه في دعم الانقلابيين لصيف 1971.. وسيتذكر الملك هذا الاقتراح باستغراب شديد.. مباشرة بعد تورط الجنرال أوفقير في محاولة إسقاط طائرته مساء يوم 16 غشت 1972!!؟

  • كيف وظف القصر الإرهاب لإفشال حراك الريف؟..

    خاصبانوراما الرأي والتحليل ياسين شرف 

    محمد السادس على خطى الحسن الثاني..

    هناك حملة إعلامية دولية ضد النظام المغربي برزت بشكل لافت بعد الهجمات الإرهابية الأخيرة التي ضربت أوروبا، وهي تركز في مجملها تلميحا أو تصريحا على مسؤولية القصر عن هذه الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، بهدف الضغط على الحكومات الأوروبية لالتزام الصمت أمام ما يحدث من قمع وحشي وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في منطقة الريف.

    هذه هي الخلاصة العامة التي تشير إليها التقارير الإعلامية بناءا على معطيات استقتها من المخابرات الأوروبية، والتي تفيد في محصلتها، أن العاهل المغربي محمد السادس لم يرث العرش عن والده الحسن الثاني فحسب، بل وورث عنه ثوابت سياساته المخزنية أيضا، مع بعض التعديلات من حيث الظاهر من باب التعمية والتضليل.

    ملك الحشيش..

    لأنه في الوقت الذي كان المغاربة يتوجون عاهلهم الجديد ملكا للقلوب، كانت المخابرات في الضفة الأخرى تصفه بـملك الحشيش، وتقول أن الحسن الثاني نجح في ابتزاز أوروبا عندما طالبته باستبدال زراعة الحشيش في منطقة الريف بمشاريع منتجة تعود على الساكنة بالخير العميم، لكن الديكتاتور المغربي وضع أوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما إما الحشيش أو الكوكايين، لأن منع الناس من زراعة الحشيش سيحول منطقة الريف إلى كولومبيا بالنسبة لأوروبا وفق قوله..فخسرت أوروبا الرهان وأذعنت لتهديد الحسن الثانيومنذئذ و 80 %من المخدرات التي تروج في الأسواق الأوروبية مصدرها المغرب، لكن من يستفيد منها بالدرجة الأولى هو القصر بما يتراوح ما بين 13 و 15مليار دولار سنويا، هذا في ما لم يطرأ تحسن يذكر على أحوال ساكنة منطقة الريف، ولا زالت تعيش على المساعدات التي ترسلهاالدياسبورا بانتظام لعوائلها في الريفكما وأن النظام يرفض تقنين هذه الزراعة لتستفيد منها خزينة الدولة بطريقة مشروعة، ويعتبر موضوع الحشيش من الأسباب الرئيسة التي أدت لحراك الريف بسبب الفقر والتهميش واليأس الذي تعيشه ساكنة المنطقة.

    ويذكر المغاربة الفضيحة التي انفجرت في عهد المدعو عبد العزيز إيزو الذي كان يدير عمليات تهريب كبرى للمخدرات انطلاقا من طنجة عندما كان مديرا إقليميا للأمن بها، واستمراره في تنظيم عمليات التهريب على المستوى الوطني حين عينه الملك مديرا لأمن القصور الملكية بتزكية من الجنرال العنيكري، وفي هذا الصدد، تؤكد المخابرات الأوروبية أن القصر ضالع في تجارة المخدرات على الصعيد الولي، وأن الأمر يتعلق بعصابات منظمة تعمل تحت غطاء السلطات الأمنية والمخابراتية المغربية.

    كما وأن الفضيحة التي برزت على السطح أواخر الشهر الماضي في باريس بمناسبة استدعاء القضاء الفرنسي لرئيس جهاز مكافحة المخدرات السابق فرنسوا تياري‘ واتهامه بالتورط في تهريب المخدرات من المغرب إلى فرنسا من خلال جهازه وفي إطار عصابات منظمة، يمثل رأس جبل الجليد العائم ويؤكد تورط النظام المغربي في تهريب الحشيش على الصعيد الدوليهذا في ما كان برلمانيون إسبان قد أشاروا قبل مدة إلى وجود نوع من التواطؤ بين عناصر من الأمن والمخابرات الإسبانية ونظيرتها المغربية لتسهيل تهريب المخدرات من المغرب إلى إسبانيا، لكن القضاء في هذا البلد لا يطال الرؤوس الكبيرة لحساسية الموضوع.

    ملك الإرهاب..

    تورط النظام المغربي في تفريخ وتجييش ودعم الإرهاب لم يعد خافيا على أحد، فعديدة هي التقارير التي تحدثت عن الموضوع مشيرة إلى أن الأمر بدأ مع حرب أفغانستان مرورا بحرب العراق وسورية وليبيا، ولا يزال مستمرا إلى الآن، حيث كان الإرهاب يوظف من قبل واشنطن وإسرائيل” ومخابرات الحلف الأطلسي ومشيخات الخليج وعلى رأسها السعودية من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية وجيوستراتيجية.

    والنظام في عهد العاهل محمد السادس لم يتغير عن النظام في عهد والده، حيث استمر في استغلال التعاون الدولي مع قوى الهيمنة الغربية في محاربة الإرهاب” ليستعمله من حين لآخر من أجل تحقيق أهدافه الخاصة كورقة لابتزاز أوروبا بمعية ورقة الهجرة السرية.

    ولعل ما كشفه موقع “لي موتون روبيل” أو “الخراف المتمردة” منتصف شهر غشت الماضي استنادا لمعلومات مسربة من العميل السابق للمخابرات الأمريكية إدوارد سنودن، من أن المغرب، وفي إطار استراتيجية ما يسمى بـعش الدبابير” والتي تقضي بتجميع الإرهابيين في دول من بينها المغرب لتدريبها وإعادة إرسالها لبؤر الصراع، واستقبال الرباط لـأبو بكر البغدادي‘ الذي تلقى تدريباً عسكريا من الموساد الإسرائيلي في الأردن، وتدريبا دينيا في المغرب شمل طرق التواصل ومخاطبة التكفيريين بدروس تطبيقية تمت على معتقلي أمير المؤمنين من الإسلاميين الذين يقبعون في السجون المغربية برعاية المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك تورط النظام في دعم الإرهاب لا في محاربتهوهو ما جعل الحكومات الغربية تطرح أكثر من سؤال حول قرار الملك العفو عنالإسلامويين الذين خضعوا لدروس الخليفة” أبو بكر البغدادي بعد عمليات برشلونة مباشرة.

    وتذكر صحيفة الوقائع” (La Cronica) الإسبانية في عددها الصادر يوم الأحد الماضي، أن رعاية المغرب للإرهاب ليس بالأمر الجديد أو المفاجئ، فقد سبق للعاهل الراحل الحسن الثاني أن استخدم الدين كسلاح لـ السيطرة المزدوجة“: السيطرة على المواطنين والسيطرة على أوروباوطرح الحسن الثاني على الطاولة عام 1994 موضوع الإرهاب صراحة، عندما أراد من الاتحاد الأوروبي أن يأذن له بدخول الطماطم المغربية إلى الأسواق الأوروبية بدون رسوم جمركية، هذا علما أن القصر هو المستفيد من تصدير المواد الفلاحية إلى أوروبا والتي لا خضع في المغرب للضرائب.. ففي اجتماع مع رئيس المفوضية الأوروبية، جاك ديلور، أخبر الأخير الحسن الثاني بأن المعسكر الإسباني ومجموعات الضغط الإيطالية والفرنسية يعارضون ذلكفرد السلطان قائلا: “حسنا، أنا أفهم هذه الصعوبات، ولكن إذا لم يتمكن المغرب من تصدير الطماطم فإنه سيضطر لتصدير الإهابيين “.

    وتقول الصحيفة، هنا نرى اللعبة الضارة بين الملك الأب الذي يخير أوروبا بين تصدير الطماطم أو تصدير الإرهابيين، وبين ابنه العاهل الحالي الذي يخيرها بين الصمت الودي” على ما يحدث في منطقة الريف وعموم المملكة من قمع واعتقالات وتعذيب وفساد ينخر كل مفاصل الدولة أو تصدير الإرهابيينومن وجهة نظر صحيفة الوقائع، هذه هي المعادلة” التي تحكم العلاقة بين المغرب وأوروبا من زمن الحسن الثاني إلى زمن وريث عرشه وسياساته.

    القصر ولعبة الدين و السياسة..

    معضلة النظام المغربي تكمن في أنه لن يكون بمقدوره الاستمرار طويلا في لعبة الابتزاز هذه، فقد بدأت عديد الأصوات ترتفع في أوروبا وأمريكا لمراجعة العلاقة مع المملكة الإرهابية ووضع حد لابتزازها بسبب فسادها وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان في الصحراء والريف والداخل أيضا.

    والنظام لا يستطيع الادعاء بعد اليوم أنه يعتمد إسلاما معتدلا، باعتبار أن الدولة المغربية دولة إسلامية، وأن الملك هو أمير المؤمنين، ورئيس المجلس العلمي، ويهيمن على الحقل الديني من خلال وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تفرض رقابة صارمة على المساجد وتروج لخطاب موحد تمجد فيه أمير المؤمنين وتشيد بمناقبه وتعتبر كل من يعارض سياساته عميل وانفصالي يسعى لإشعال الفتنة وسط شعب آمن.

    ولعل الخطأ الذي ارتكبته أوروبا عموما وإسبانيا بشكل خاص، هو أنها سمحت للنظام المغربي بالهيمنة على المساجد من خلال توظيف وتدريب وتمويل الأئمة، بزعم أن المغرب يحرس على الأمن الروحي لرعاياه في المهجر، هذه الاستراتيجية سمحت للنظام بتفريخ الإرهاب في أوروبا والقول بعد ذلك أن لا علاقة له بما يحدث فيها من تفجيرات لأن من قاموا بها هو مواطنون أوروبيون فشلت أوروبا في إدماجهم، كما حدث في تفجيرات برشلونة الأخيرة التي خرج المخزن المغربي يعلن براءته منها والقول أن لا علم له بها، هذا في حين أن من أشرف عليها هو إمام مغربي أكدت المعلومات أنه قام بالتخطيط لها في المغرب.

    وبالتالي، فالحقيقة هي بعكس ما يروجه الخطاب الرسمي، فمحمد السادس ليس ذاك الملك الحديث كما يحاول أن يوهم من خلال خطابه وتصرفاته، بل هو أبشع من والده، لأن في عهده تحديدا، وبرغم الإصلاحات الدينية التي يقول أنه أجراها، يشكل المغاربة جيشا ضخما من الإرهابيين الذين يقاتلون في العراق وسورية، وهؤلاء لم يسافروا إلى هناك بالصدفةكما أن 70 % من العمليات الإرهابية التي ضربت أوروبا خلال الخمسة عشر سنة الماضية قام بها مغاربة.. فهل الأمر محض صدفة؟..

    وتتساءل صحيفة الوقائع” بناء على هذا المعطى الذي كانت قد أشارت إليه المخابرات الأوروبية، عن السر في أن الإرهاب المغربي لا يستهدف إلا دولا أوروبية كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا وفنلندا ولا يضرب في المغرب (؟)..

    وهنا تقول الصحيفة، إن الأمر لا يتعلق بفعالية أجهزة المخابرات في حماية الداخل المغربي من الإرهاب، بل على العكس، لأن تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية وفقا للبيانات التي قدمها المدير العام لمديرية الدراسات والتوثيق، ياسين المنصوري، وعلى وجه التحديد، من 2002إلى 2014، تم تفكيك 126 هيكلا جهاديا (41 منها تتعلق بسورية والعراق والساحلوتم اعتقال 2667 من المتطرفينوبالإضافة إلى ذلك، تعطلت 276 محاولة، منها 119 هجمة بالقنابل ضد أهداف متعددة، مثل المباني الرسمية والمواقع السياحية والتمثيل الدبلوماسي ومراكز العبادة المسيحية واليهودية، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول مسألة الفعالية المزعومةوهو ما تشير إليه الصحيفة ضمنا من أن الأمر يتعلق بعمليات مدبرة لإعطاء الانطباع أن أجهزة المخابرات المغربية أكثر فعالية من نظيرتها الغربية في محاربة الإرهاب، وبالتالي ضرورة التعاون معها في هذا المجال.. هذه هي اللعبة.

    وحول الهجومين على الأراضي المغربية – الدار البيضاء في عام 2003ومراكش في عام 2011 – قال وزير الداخلية السابق إدريس البصري، من باريس، إن تفجيرات 16 مايو أيار 2003 والتي ضربت كاسا دي إسبانا، مطعم إيطالي، وفندق فرح، ومعبد إسرائيلي، ومقبرة يهودية قديمة، وتسببت في مقتل خمسة وأربعين شخصا، بينهم خمسة إسبان..قال الوزير السابق لمراسل قناة الجزيرة مباشرة بعد الأحداث: “إن الهجوم ليس من عمل جماعات إسلامية في الداخل أو أية جهة خارجية، بل عمل داخلي قام به النظام“.

    وثمة حالة أخرى مشابهة هي الهجوم على مقهى أريانا في مراكش في28 نيسان أبريل 2011. وعزت السلطات المغربية الهجوم إلى حركة السلفيين الجهادية، وهي عبارة عامة فضفاضة تشمل جماعات متطرفة مختلفة في المدار الأيديولوجي لتنظيم القاعدةومع ذلك، فإن نتائج التحقيق في مكافحة الإرهاب من قبل المخابرات الأوروبية لم تسلط الضوء على هذا التنظيم الهلامي لعدم توفر معلومات تؤكد وجوده.

    لكن اللافت تقول الصحيفة، هو أن تفجيرات الدار البيضاء عام 2003ساعدت النظام على السيطرة على الإسلاميين بسبب الاعتقالات الواسعة التي قامت بها، وفي نفس الوقت كبح لسان وسائل الإعلام، ما أدى إلى انتكاسة على مستوى الحريات.. وخلال هذه المرحلة أصبح محمد السادس من بين أغنى الملوك في العالم (؟؟؟)..

    ومن الواضح أن المغرب يستفيد من الهجمات على أرضه وكذلك في أوروباوتقول الصحيفة، إن الوزير السابق ادريس البصري أكد أن هدف تفجيرات ماي 2003 قد تحقق، سواء لجهة كبح الحريات والسيطرة على الإسلاميين (اعتال أكثر من ألف شخص)، وفي نفس الوقت ربح الملك الوقت الكافي لينمي ثروته بعيدا عن أعين الرقابة، فأصبح سابع أغنى ملوك العالم، هذا فيما زادت معدلات الفقر والقمع للشعب المغربي بشكل مهول.

    وتلاحظ الصحيفة، أن تفجيرات أركانا (مراكشساعدت النظام بشكل كبير على كبح جماح حراك 20 فبراير الذي كان يرفع شعار محاربة الاستبداد والفساد.

    المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية (CNI)، وفي تقرير سري مقدم شهر مايو 2011 من قبل مديرها العام فيليكس سانز رولدان‘ إلى وزراء الداخلية والخارجية والدفاع في مجلس أوروبا، أكد أن المغرب حققاستراتيجية من حجم كبير” في إسبانيا، صممها وطورها النظام العلوي، وهدفها هو توسيع نفوذه وزيادة سيطرته على ما أسماه التقرير بـالمستعمرات المغربية” باستخدام الدين كسلاح.

    وفي التقرير المتعلق بتمويل الإسلام في إسبانيا، يقدم المعهد الوطني للإحصاء مثالا آخر على استخدام الإسلام لأغراض سياسيةففي تشرين الثاني نوفمبر 2008، أشار إلى أن وزارة الشؤون الإسلامية المغربية عقدت اجتماعا جامعا في مراكش حضره عدد كبير من الأئمة ورؤساء الطوائف الإسلامية في إسبانيا“.. وخلال هذا الاجتماع الضخم، وعد الأئمةبتمويل جمعياتهم ومساجدهم مقابل التمسك بارتباطهم بإمارة المؤمنين ومفاهيمها الخاصة للإسلاموالسؤال الذي طرحته المخابرات الإسبانية في حينه هوما علاقة مدير المخابرات الخارجية ياسين المنصوري بالدين ليؤطر مؤتمرا لأئمة المساجد في إسبانيا؟..

    إن اللعبة تكمن في استعمال المخابرات المغربية لورقة الإسلام الجهادي لابتزاز أوروبا عموما وإسبانيا على وجه الخصوص، وقد نجح النظام بالفعل في الضغط على أوروبا كي تتخلى عن دعم الصحراويين الذي يطالبون باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب، والضغط أيضا لعدم دعم حراك الريف الذي يرعب النظام مخافة أن يتحول إلى حركة تمرد، والتزام الصمت الودي” أمام فساد النظام وما يقوم به من انهاكات خطيرة في حق شعبه.

    إن الدين تحول في عهد إمارة المؤمنين إلى سلاح يحمي الفساد ويشرعن الظلم والاستبداد.. والمشكلة هي أن من يدعم الإرهاب ويستخدمه كسلاح ضد شعبه وضد شعوب أوروبا يقول أن لا علاقة للإسلامه المعتدل” بالإرهاب، وأن لا علاقة للمغرب بالإرهاب..

    فمن يصدق؟..

  • الحسن الثاني والشعوذة

    هناك جانب من شخصية الراحل الحسن الثاني استعصى فهمه على الغربيين، وهو المرتبط بتشبثه ببعض المعتقدات المطبوعة بالشعوذة.
    كانت حياة الملك الراحل الحسن الثاني اليومية رفقة المقربين منه والمحيطين به وحاشيته وحريمه لا تخلو من ممارسات وتصرفات تطبعها الشعوذة بحدة. وبعيدا عن صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد والملك العصري المتشبع بالثقافة الغربية عموما، والفرنكفونية على وجه الخصوص، تتراءى بعض معالم الحسن الثاني الإنسان المهتم أحيانا بما يرتبط بالسحر والشعوذة وبعض الاعتقادات الخرافية.

    لقد أفادنا التاريخ أن السلطة كانت دوما تستعين بالخرافة والشعوذة والسحر بموازاة مع استعمال القوة والمكر السياسي والتخطيط لدوام التمسك بزمام الحكم.
    ورغم أن الراحل الحسن الثاني كان عقلانيا و »كارتيزيا » في تعامله مع الغرب وتعاطيه مع قضايا العصر والاقتصاد، فإنه في أكثر من تصرف، وعلى فترات متباعدة، أبدى أنه لا يقتصر على الاعتراف بسلطة العقل فقط، بل ثبت أكثر من مرة، أنه لجأ إلى سلطان الشعوذة والسحر، سيما بخصوص الأمور التي يعجز العقل والدهاء والتخطيط عن رسم معالم مستقبلها.

    وهناك روايات كثيرة حفظتها الذاكرة الجماعية، وردت على أكثر من لسان ممن عاشوا داخل القصر أو كانوا مقربين من الملك ومطلعين على ما يجري ويدور خلف أسوار البلاط.
    وقد احتار الكثير من الغربيين، خصوصا الفرنسيون منهم في تصنيف شخصية الملك الراحل الحسن الثاني بالشخصية المزدوجة إلى حد الانفصام، إذ بدا لهم أنه يفوق أي مغربي في تجسيد العصرنة والحداثة، إذ لم يكن يظهر أحد بالمغرب عصريا أكثر منه، كان يتكلم فرنسية راقية لا يتكلمها الكثير من الفرنسيين أنفسهم، كما كان مستوعبا لثقافة عصره ومعارفه، لكنه في نفس الوقت كان يبدو أحيانا محافظا أكثر من أعتى المحافظين، ومتشبثا بالتقاليد والأعراف الغارقة في القدم، التي لا يستسيغها العقل، من قبيل الإيمان بجملة من الخرافات والاعتداد بالشعوذة أو اللجوء إلى السحر.

    أكثر من جهة أكدت اهتمام الملك الراحل الحسن الثاني بعوالم السحر والشعوذة الغامضة وبحثه وتنقيبه عن الفقهاء والعرافين والمنجمين والمشعوذين، الذين كان بعضهم يجتهدون في عرض خدماتهم ومهاراتهم على البلاط ورجال السلطة وأكبر المسؤولين.

    إن رجال السياسة والاقتصاد والمسؤولين الكبار، يلجأون إلى خدمات السحرة في اللحظات التي يشتد فيها التنافس والصراع أو يبرز خلالها غضب الحاكم. علما أن السحر والشعوذة، ليست ظاهرة مقتصرة على المغرب والقيمين عليه، وإنما هي ظاهرة عالمية، فحتى أقوى الحكام والزعماء، عبر التاريخ، لجأوا إليه، فنابليون وهتلر على سبيل المثال لا الحصر، ذاع صيتهما في مجال الاستنجاد بالسحر والشعوذة، كما أن العين المرسومة على الدولار الأمريكي كان الغرض الأصلي منها هو درء حسد الحساد في بلد يعتبر برغماتيا وعقلانيا أكثر من غيره.

    الملوك العلويون لا يعبرون واد ماسة

    من المعتقدات الغريبة التي حرص الملك الراحل الحسن الثاني على احترامها عدم عبور واد ماسة، إذ ساد أن عبوره قد يكون سببا في إلحاق ضرر ما بالملك أو أحد أفراد العائلة الملكية.

    حسب هذا الاعتقاد لو قام ملك علوي بعبور هذا النهر، في أي وقت من السنة، من شأن هذا الفعل أن يؤدي إلى تحريك آلية الشرور التي يمكن أن تلحق بالملك أو أسرته أو محيطه المقرب بأضرار، خلال ما تبقى من السنة التي خالف فيها الملك هذا العرف.
    ومن المعلوم أن الملك الراحل الحسن الثاني لم يسبق أن عرف عنه أنه عبر واد ماسة، وفي زياراته لجنوب المغرب، حينما كان يصل الموكب الملكي إلى قنطرة واد ماسة الكائنة بالطريق الرابطة بين آيت ملول وتزنيت، يغادر الملك موكبه ليمتطي طائرة مروحية تتجه صوب البحر ومبتعدة مسافة كبيرة عن مصب النهر ثم تعود إلى اليابسة لتحط بالضفة الأخرى لواد ماسة وذلك تلافيا لعبوره، سواء كان الملك آتيا من الشمال في اتجاه الجنوب أو العكس.

    « التبارود »

    في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني ساد اعتقاد يفيد أن جسده محمي بقوة خارقة تمنع عنه الضرر ولو باستعمال السلاح، أبيض كان أو ناريا، وذلك بفعل ما ينعت بـ « التبارود ».
    و »التبارود » سحر مكون من أحجبة وخليط خاص، وصفته سرية، ملك سرها القليل جدا من الفقهاء وتوارثوها فيما بينهم حرصا على عدم تداولها.
    ويخضع تهييئها لمجموعة من الطقوس لا يعلم مكوناتها ومقاديرها وطريقة إعدادها إلا بعض الخاصة من الفقهاء، وينعتها الكثيرون من العلماء بنوع من أنواع السحر الأسود، علمه بحوزة أدهى السحرة.
    وقد شاع في بعض الأوساط الخاصة أن « خلطة التبارود » تهيأ في إحدى ليالي شهر رمضان وفي لحظة معينة لا يعلمها إلا الراسخون في « علم الدمياطي » و »فنون » السحر الأسود. وقد قيل، من يستفيد من هذه الوصفة لا يصيبه أذى أي سلاح أبيض أو ناري (سيف، خنجر، ساطور، رصاص، قاذفة…).

    وحسب العالمين بأمور السحر الأسود، إن جدوى « التبارود » ليست مرتبطة فقط بالخلطة المذكورة ووصفتها وظروف وطقوس وتوقيت إعدادها، وإنما تستوجب كذلك أحجبة وتمائم يتم إعدادها من طرف جهابدة السحر الأسود، يحملها معه المستفيد من الخلطة والمدهون بها. في حين رأى البعض الآخر، أن « التبارود » مجرد إشاعة تم بثها بين الرعية لتكريس قدسية السلطان وتقديمه كخليفة الله في أرضه، يحظى برعايته وحمايته وحفظه، وبالتالي لا داعي للتفكير في محاولة إلحاق أي أذى به أو المساس بشخصه، لأنه محصن إلاهيا روحا وبـ « التبارود » جسدا.
    إلى حدود انقلابي 1971 (الصخيرات) و1972 (الهجوم على الطائرة الملكية) كان المواطن البسيط يرى في الملك شخصية فوق البشر، إلا أن هذه الصورة تغيرت بفعل ما تسرب من أحداث ونوازل كان قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971 مسرحها، إذ أقر بعض الحاضرين أنهم عاينوا الملك الراحل الحسن الثاني رافعا يديه تحت التهديد وفواهة رشاش مصوبة نحوه من طرف جندي بسيط قبل أن يتعرف عليه ليمكنه من الإفلات من الذين كانوا يبحثون عنه لتصفيته.

    آنذاك فهم العديد من المغاربة البسطاء ما كان لا يخطر على بالهم من قبل، وعلم أنه يمكن اقتحام القصور الملكية وتهديد الملك، وأن هذا الأخير ليس عن منأى الأخطار المحدقة بكل بشر، سواء كان ملكا أم مجرد مواطن بسيط.
    علما أن البلاط اعتمد على ثقافة شرعية تقليدية، روج لها آنذاك، تمزج بين الدين والتاريخ وتجعل الملك كائنا مقدسا، وعلى هذه النظرة تأسست كل حركات المغاربة وسكناتهم.

    « البركة » والجن في خدمة الحسن الثاني

    من المعتقدات التي راجت بين مغاربة الخمسينات والستينات والسبعينات، أن الملك الراحل الحسن الثاني يتوفر على نوع خاص من « البركة » تحفظه من كل سوء، وتأكد هذا الاعتقاد بعد نجاته من محاولة انقلاب الصخيرات والهجوم على الطائرة الملكية.
    ارتبط هذا الاعتقاد باعتقاد آخر راج ببعض الأوساط الشعبية، مفاده أن بعض الجن كانوا في خدمة الملك الراحل الحسن الثاني، وشاع حينئذ أنه (الملك) تمكن من التحكم فيهم بفضل فطاحلة الفقهاء السوسيين المتبحرين في « الدمياطي » وتسخير الجن وبعض السحرة اليهود. وفي فترة معينة من عهد الملك الراحل ارتبط هذا الاعتقاد بالخاتم الذي يملكه والذي وصف بخاتم الحكمة.
    وقد أكد أكثر من مصدر مطلع أن بعض الفقهاء كانوا يزورون القصر في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وهم نفس الفقهاء الذين كان يقصدهم علية القوم من مسؤولين ووزراء وموظفين سامين، وكان قلة من هؤلاء الفقهاء من المقربين للبلاط، وكانت لهم حظوة خاصة سيما وأن الملك يستأنس برأيهم ونصائحهم.

    المسيرة الخضراء والشعوذة

    قبل إعطاء انطلاقة المسيرة الخضراء في نونبر 1975، طلب الملك الراحل الحسن الثاني إحضار الفقيه الحاج محمد الحبيب إلى القصر الملكي من مقر إقامته بزاوية سيدي الزوين بضواحي مراكش، غير أن الفقيه لم يرضخ للرغبة الملكية ورفض الامتثال للأمر الملكي بدعوى أنه يفقد بركته إن هو غادر سيدي الزوين، لذلك طلب أن يأتي الملك إليه إن رغب في الاستفادة من بركته، مع التأكيد أن عليه أن يزوره دون بهرجة ولا بروتوكول.
    وعلى غير عادته، قبل الملك الأمر بروح رياضية وشد الرحيل إليه دون بهرجة. وحسب أكثر من مصدر، اختلى الراحل الحسن الثاني بالفقيه الحبيب، رأسا لرأس، ولم يحضر لقائهما أحد، وخرج الملك يمسك سبحة قيل إنها تحمل بركة الفقيه، وهي ذات السبحة التي لم يفارقها الحسن الثاني إلى أن لقي ربه.

    وحسب ما تسرب عن لقاء الملك الراحل بالفقيه الحاج محمد الحبيب، أن هذا الأخير قال له: « ستربح قضية الصحراء لكنها ستتسبب لك في عدة متاعب »، وحسب أهل الدين، فقد كذب الحبيب حتى ولو صادف بعضا من الصواب فيما تنبأ به.
    ليست هذه المرة الوحيدة التي زار فيها الملك الراحل الحسن الثاني الفقيه الحبيب بسيدي الزوين، إذ قصده مرة أخرى قبل لقاء الرئيس الجزائري الشادلي بن جديد بحضور ملك السعودية، فهد ابن عبد العزيز، سنة 1983 بالحدود المغربية الجزائرية في أوج حرب الصحراء قبل أن يتمكن الجيش من بناء الجدار العازل.

    لقد فوجئ الجميع لسفر الملك الراحل إلى مراكش قبيل توجهه إلى وجدة لمقابلة الرئيس الجزائري، وذلك للاختلاء بالفقيه الحاج محمد الحبيب بإحدى قاعات زاوية سيدي الزوين، ولم يتسرب أي خبر عن هذا اللقاء.

    يقول مصطفى الغضبان، الباحث في الروحانيات، إن الحاج محمد الحبيب، المتوفى منذ سنوات، يعتبر من الشيوخ الأجلاء في المغرب، وقد ذاع صيته شرقا وغربا، لما زاره الملك الراحل الحسن الثاني لأول مرة حيث طلب منه الدعاء له لأنه رجل صالح، ومما جاء في بعض الروايات أنه قال للملك إن عليه بتلاوة الفاتحة بأعداد معينة بعد كل صلاة، حتى يستكمل العدد المحدد، إلا أن البعض ظنوا أن الرجل قد منح الملك الراحل شيئا يتحرز به أو يمكنه من القيام بخوارق، وادعوا أن السبحة التي كانت دائما بيده قد أعطاه إياها الفقيه.
    والحاج محمد الحبيب – حسب مصطفى الغضبان – عالم وتقي، يدعو للناس بالخير وقد تخرج على يديه شيوخ كبار، وقبل وفاته قصده الكثير من الشخصيات المرموقة طمعا في أشياء أخرى، من قبيل أن يكون معهم خادم من الجن يلبي طلباتهم.

    يعتبر الكثيرون أن مدرسة سيدي الزوين، التابعة للضريح الذي يحمل نفس الاسم (يقع الضريح ضواحي مدينة مراكش)، من بين المدارس التي يزخر بها الموروث الديني والحضاري بالمغرب، اعتبارا للدور الريادي الذي لعبته في نشر العلم والمعرفة مند تأسيسها من طرف الشيخ محمد الزيداني بن علي الزيراري النخلي العمري الملقب ب »الزوين »، في عهد السلطان الحسن الأول .
    حظي الضريح بعناية فائقة من طرف جميع ملوك الدولة العلوية، ابتداء من السلطان مولاي الحسن الأول، الذي تأسست في عهده المدرسة، كما نالت عناية خاصة من طرف الحسن الثاني، التي زارها يوم 22 ماي 1991.
    يقول بعض المطلعين على أسرار الضريح أن الملك الراحل أمر خلال هذه الزيارة بأن يتلى القرآن الكريم في المدرسة طيلة الأربع والعشرين ساعة بدون انقطاع، لكن الحسن الثاني وحده من يملك الجواب عن سر هذا القرار.

    أما أغلب المترددين على مدرسة سيدي الزوين من الطلبة فينحدرون من سوس، وأكثر من ذلك يضيف مصدر مطلع، فقد تخرج منها عدد كبير من حفظة القرآن الكريم، إلى جانب فقهاء سوسيين، بينهم من احترف مهنة كتابة التمائم والدجل.

    مصادفة العيد الديني ليوم الجمعة

    ظل القصر الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني يتشاءم من تزامن أي عيد ديني (سيما عيد الفطر) مع يوم الجمعة، إذ ساد اعتقاد مفاده، كلما صادف عيد الفطر وعيد الأضحى يوم الجمعة (عيد المؤمنين) يعتبر ذلك علامة على أن البلاط أو العائلة الملكية سيصاب بمكروه ما، من قبيل وفاة أحد أفراده مثلا أو أن يلحقه ضرر ما.
    وفي هذا الصدد تناسلت بعض الإشاعات والحكايات، منها أن المراقبين للهلال كانوا أحيانا يأخذون بعين الاعتبار هذا الاعتقاد ويحرصون على عدم السقوط في شركه، وبذلك يجتهدون اجتهادا لتجنب تكليفهم برؤية الهلال حين يكون من المتوقع مصادفته ليوم الجمعة مع حلول عيد ديني.

    وقد حدث أن شاعت بعض الانتقادات في إحدى السنوات بخصوص تلاعب بعض المتلاعبين في الإقرار برؤية هلال عيد الفطر.

    أماكن مسحورة

    تناسلت، في عهد الحسن الثاني، حكايات وأساطير بخصوص بعض الأماكن والبنايات، سيما القصور والمساجد والأضرحة، فقيل إن بعض القصور مسكونة من طرف الجن وأخرى مغضوب عليها، وبعض الأركان والقاعات داخل بعض القصور الملكية يتطلب تنظيفها يوميا بماء الورد وتعطيرها بالمسك الحر وإلا تبعثر أثاثها بفعل قوة خفية، كما قيل إن هناك أماكن لا يلجها أحد غير الملك، وإذا دخلها غيره مسه مكروه لأن حراسها ليسوا من الإنس.

    وقد تكون نقطة الانطلاق في نسج مثل هذه الحكايات، حسب أحد علماء النفس، الهالة التي تعطى لتلك البنايات أو أحداث وقعت بها يتم فصلها عن سياقها وإطارها العام.
    وفي هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، هناك بعض الحكايات المنسوجة بخصوص مسجد وصومعة الكتبية التي تطلبت خلط أكثر من 900 كيلو غرام من المسك الحر مع مواد البناء لتظل رائحتها الزكية فواحة، وكان هذا منطلقا للكثير من الأساطير، وكذلك الأمر بالنسبة لجامع المنصور بمراكش الذي نعت بمسجد « التفاحات الذهبية » نظرا لأن مصابيحه الأصلية صنعت من الحلي الذهبية لزوجة يعقوب المنصور.

    أما بخصوص قصر أكادير، كانت الانطلاقة لنسج إشاعات بخصوصه قد تزامنت مع بعض الأحداث عندما كان ورشا في طور التشييد، ومنها نازلة غرق بعض العمال في مسبحه وحوادث شغل أخرى غريبة أودت بحياة بعض العاملين في النقش.

    الاستنجاد بالفقهاء لإبعاد خطر محدق

    في غضون سنة 1988 اتجه فريق من الفقهاء والمقرئين و »المداحين » إلى شاطئ مدينة الجديدة واعتكفوا هناك صباح مساء يتلون القرآن الكريم ويقرأون الأذكار ويتضرعون إلى الله بالدعوات، طالبين اللطف والنجاة من كرب عظيم محدق بالبلاد والعباد لحظتئذ.

    آنذاك كانت الرياح وأمواج المحيط الأطلسي تتلاعب بآلاف الأطنان من النفط العائمة والتي كانت قد تدفقت من حاملة البترول الإيرانية « خراج » التي غرقت في عرض المحيط الأطلسي وهي في طريقها إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية، مسببة إحدى أكبر الكوارث البيئية البحرية في التاريخ.

    في البداية كان النفط العائم يسير في اتجاه الشواطئ المغربية، وبدأت وقتئذ المساعدات الأجنبية تتقاطر على الرباط، وخصصت المملكة السعودية 50 مليون دولار (500 مليون درهم) لدعم المغرب في مواجهته لهذه الكارثة المحدقة التي ولدت الهلع العظيمم في نفوس القيمين على الأمور، سيما وأن بلادنا لم يسبق لها أن واجهت مثل هذه الكارثة ولا تتوفر على أي خبرة أو استعداد لمثل هذه الأمور.

    لكن بعد أيام قليلة غير النفط العائم اتجاهه وبدأ يبتعد عن مياهنا الإقليمية، آنذاك تناسلت عدة إشاعات مفادها أن بلادنا نجت من الكارثة المحققة بفعل السحر أو الجن الذي يتحكم فيه بعض الفقهاء السوسيين، في حين قال أحد المثقفين المرموقين المحسوبين على اليسار، وقتئذ، « إن ما وقع بشاطئ مدينة الجديدة من تجميع الفقهاء وجمهرتهم والضجة المرافقة والصخب الذي أحيط بهذا الحادث، كان من صنع دهاء الملك الحسن الثاني حينما علم، عن طريق الأرصاد الجوية، أن رياحا قوية ستهب بالمنطقة في اتجاه يبعد النفط العائم عن المياه الإقليمية المغربية، فاستبق الأحداث وأمر على وجه السرعة بجمع الفقهاء بشواطئ مدينة الجديدة لترسيخ « بركته » في عقول المغاربة، علما أن الكثير منهم يقرون أن قوى خارقة تحفظ الحسن الثاني وتقف بجانبه.

    وقد تكرر نفس السيناريو، حسب أحد المصادر، في سنة ابتلي خلالها المغرب بجفاف حاد، وأمر الملك الراحل بإقامة صلاة الاستسقاء في مختلف أنحاء المملكة وعلى نطاق واسع لطلب الغيث، آنذاك كانت مصالح الأرصاد الجوية قد رصدت قدوم سحب كثيفة في اتجاه المغرب.

    الشعوذة والأسطورة والسلطة

    كاد المؤرخون أن يجمعوا على أن الشعوذة والأسطورة والإشاعة تعتبر إحدى أسلحة الصراع من أجل السلطة بمعناها العام، وبالأحرى السلطة السياسية.
    وفي هذا الصدد يعتبر المؤرخ مصطفى بوعزيز أن الإشاعة أو الأسطورة أو الحكايات المتناسلة بفعل الشعوذة، تعتبر سلاحا لكونها جزء من العلاقات الاجتماعية،، وكل علاقة اجتماعية هي شكل من أشكال علاقات السلطة، ومن هذا الجانب، تعد نوعا من أنواع أسلحة الصراع من أجل الحصول على السلطة أو استمرار التمسك بها. وذلك فضلا عن كونها أداة من أدوات التواصل الذي يشكل عنصرا من عناصر خلق وتكريس الجانب الكاريزمي للماسك بزمام السلطة، وبالتالي سبيل من سبل تدعيم النفوذ أو سلطة أو وسيلة لتحطيمها وتشويهها.

    فالملك يعيش واقعا سوسيولوجيا وثقافيا وظرفيات معينة وقد يصادف عهد ملك تناسل حكايات منطلقها شعوذة ومجرد اختلاق، وقد تكون لصالحه أو ضده، إذ ليس من الضروري أن يكون المنطلق من السلطان لخدمة السلطان، فقد يكون من خارج دائرة البلاط بنية الإساءة، وقد يكون المنطلق من الدوائر المقربة من الملك لتحقيق هدف ما.

    وانطلاقا من علاقة الملك الراحل الحسن الثاني ببعض الفقهاء وتعاطيه لبعض الممارسات المرتبطة بالفكر الغيبي والشعوذة تناسلت حكايات وإشاعات، تفاوت التعاطي معها حسب المتلقي، والكثير من تلك الحكايات ساهمت في تقوية هيبة الملك، غير أنه منذ أواخر سبعينات القرن الماضي تغيرت صورة المؤسسة الملكية، سيما بعد الانقلابين واحتداد الحركات الاجتماعية.

    وقد عرف عن الملك الراحل الحسن الثاني ولعه بكتاب « الأمير » لماكيافيل الذي يعطي نصائح تتمحور حول تمكين الحاكم من أساليب تمنحه النفوذ على رعيته، ومن ضمن النصائح الواردة في هذا المؤلف العزيز على الملك الراحل، حسب أكثر من مصدر مطلع، نصائح التوهيم ونصائح الاستدراج، وفي هذا المضمار يقر المؤرخ مصطفى بوعزيز أنه ثبت في مراحل ما قبل الحداثة، أن كانت الإشاعة والحكايات المنسوجة استنادا إلى الشعوذة أداة من أدوات إدارة وتدبير الشأن العام

  • الملك الحسن الثاني عاش مخدوعا

    لم يسلم مشوار الملك الراحل الحسن الثاني، من خدع وعمليات نصب واحتيال.. قد يبدو الأمر غريبا اعتبارا لسيطرة وسيادة صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد على امتداد 38 سنة من الحكم المطلق.
    القليلون من المغاربة يعرفون أنه خلف مظهر الملك الداهية، المتحكم في الشادة والفادة، شخصية تعرضت هي الأخرى للنصب والاحتيال والخدعة، كما قد يقع لأي إنسان.

    لقد أجمع المحللون من كل أطراف العالم، أن الملك الراحل الحسن الثاني ذو شخصية مركبة حد التعقيد ومزدوجة حد التناقض، حيث لم يكن قول أو أمر فوق قوله وأمره، وأن صفة العناد صاحبته دوما، وتصاعد اقتناعه عبر مر السنين، بموهبته ودهائه السياسيين الخارقين وإعجابه بعبقريته النادرة في ترويض السلطة، هذا في جو لم يعوّده المحيطون به على الإدلاء بالحقيقة واعتماد الصراحة إلا نادرا جدا، علما أن عهده ظل مطبوعا، في غالبيته، بهاجس حماية نفسه وملكه من الدسائس التي لم تتوقف أكثر من جهة عن نسج خيوطها في الخفاء.

    رآه الصحفي الفرنسي « إنياس دال » ملكا قويا، ذكيا جدا وفطنا، لدرجة لا يمكن أن يتصور المرء إمكانية خداعه أو النصب عليه، ولم يكن يخدعه تملق ووضاعة المحيطين به رغم استحسانه مختلف تلاوين الخضوع ومظاهره البارزة. كيف لشخصية ظلت مثار جدل كبير، ولرجل ذكي وداهية وذو سلطة مطلقة، مثل الملك الراحل الحسن الثاني، أن يكون ضحية خدعة أو نصب أو احتيال أكثر من مرة؟

    خدعة الكنيسة « العلمولوجية »

    بدأت الحكاية منذ سنة 1967، عندما قررت الكنيسة العلمولوجية، إحداث بحرية تابعة لها، والتي أطلقت عليها اسم « سي أورك » والقيام برحلة بحرية على متن بواخر كانت أهمها تدعى « أبولو » على طول الشواطئ الأطلسية والمتوسطية المغربية، تحت رئاسة « رون هوبارد » مؤسس هذه الكنيسة، ودامت هذه الرحلة بين مختلف الموانئ المغربية، من أكادير إلى طنجة شهورا، حدث ذلك بين 1969 و1971.

    تعتبر « العلمولوجية » (أو « السيونتولوجيا »)، طائفة غريبة من الفرنسيسكان، اهتمت بالمغرب منذ فجر سبعينات القرن الماضي، وكادت أن تخدع الملك الراحل الحسن الثاني بمحاولة ضلوعها في قلب نظامه.
    وهذا ما كشفت عنه مجموعة من الوثائق السرية الصادرة عن أجهزة المخابرات بأوروبا وأمريكا، منذ سعى « هوبارد » إلى إيواء كنيسة « العلمولوجية » بإحدى البلدان المتوسطية، وتمنى أن يكون ذلك البلد هو المغرب. آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني يعيش فترة قلقة جدا اعتبارا للأوضاع التي كانت تعيشها البلاد بُعيد انقلاب الصخيرات (1971) وقبله، الشيء الذي قاد رئيس الكنيسة « هوبارد » إلى التفكير في « تخريجة شيطانية »، مفادها أن تعمل كنيسته على كشف خونة النظام وأعدائه لنيل رضا الراحل الحسن الثاني، سيما أولئك الذين كانوا يكنون له العداء من المحسوبين ضمن أقرب المقربين إليه.

    سعيا وراء تحقيق هذه الغاية، استقر « هوبارد » وبعض معاونيه بإحدى العمارات على مقربة من مدينة طنجة، في الطريق المؤدية إلى المطار، تحت مظلة إحداث شركة للنقل الدولي. علق « هوبارد » على واجهة المبنى لافتة تحمل العبارات التالية : « OPERTION AND TRANSPORT CORPORATION, LTD »، (OTC) بوصفها شركة بانامية تنشط في مجال النقل البحري، حدث ذلك في نهاية خريف 1972.
    حاولت الكنيسة « العلمولوجية » اختراق الإدارة المغربية، تحت مظلة هذه الشركة، عبر استغلال علاقة صداقة ربطت بين أحد معاوني « هوبارد » وباشا مدينة آسفي آنذاك، واستخدامها وسيلة لنيل شرف مقابلة الملك الراحل الحسن الثاني.
    كلف رئيس الكنيسة كل من « ريكلي » و »ليز كابلهاوس » بهذه المهمة، ولبلوغ هذا الهدف وضع رهن إشارتهما غلافا ماليا ضخما.

    تمكن هذا الثنائي من اختراق الإدارة المغربية بعد أن فازت شركة (OTC) بصفقة تكوين موظفي البريد، غير أن المشروع فشل بعد شهر، بفعل الرعب الذي تملك الموظفين المتمرنين اعتبارا لنظام التكوين وصرامة قواعده، إذ فضل أغلبهم التخلي خوفا من أن يصنفوا ضمن الذين يكنون العداء للنظام أو الملك، خاصة وأن الكنيسة « السيونتولوجيا » استخدمت آليات لتقدير نسبة الولاء أو العداء للنظام السياسي.
    آنذاك كانت « ليز كابلهاوس » قد تعرفت على المدعوة « بديعة » التي قدمتها لرئيس الكنيسة، « هوبارد »، كإحدى المقربات من العائلة الملكية.
    بواسطة « بديعة » تعرف « هوبارد » على الكولونيل عبد القادر العلام، الذي أُبهر بنتائج آلة « الاليكتروميتر » المستخدمة من طرف أعضاء الكنيسة لتحليل شخصية مريديها.
    بعد التقاء الكولونيل، اقترح عليه « هوبارد » إخضاع أطر القوات المسلحة لـ « الاليكتروميتر » لتحديد درجة ولائهم وصدقيتهم في الخدمة. اقتنع الكولونيل العلام بالفكرة، ووعد رئيس الكنيسة بعرضها على الجنرال أوفقير. هذا ما كان، حيث أعدت جلسة ساهرة استدعي إليها « أموس جيسوب » و »ليز كابلهاوس » (معاونا هوبارد)، وحضر محمد أوفقير رفقة إحدى موظفات القنصلية المغربية بنيويورك. خلال هذه السهرة تمكن بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية »، بواسطة أحد مرافقي الجنرال محمد أوفقير، من الاطلاع على أن هذا الأخير عاد مؤخرا من زيارة سرية لمركز تدريب تابع للمخابرات المركزية الأمريكية بـ « بورت هولبير » لمقابلة بعض قادة « سي. إي . يا » دون علم الملك الراحل الحسن الثاني.

    بعد هذه السهرة تلقت « ليز كابلهاوس » وبعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » دعوات لحضور استعراض بهلواني جوي بالقاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وذلك قصد تمكينهما من التقاء بعض الجنرالات والحديث معهم، علما أن بعض هؤلاء سبق أن اتهموا بالمشاركة في انقلاب الصخيرات خلال يوليوز 1971.
    بعد فشل الانقلاب تجدد اللقاء بين القيمين على الكنيسة والجنرال محمد أوفقير واقترحوا عليه استخدام آلة « الاليكتروميتر » لكشف الخونة في صفوف ضباط الجيش.
    حينئذ، كانت شركة (OTC)، قد تمكنت من الفوز بصفقة تدريب عناصر « الكاب 1 » على كشف العناصر المشاغبة، غير أن هذا المشروع فشل بفعل الصراع بين عناصر هذا الجهاز الذين تخوفوا كثيرا من الخضوع لآلة « الاليكتروميتر »، سيما وأن شبح انقلاب الصخيرات كان ما يزال مخيما على الظرف والشكوك مازالت في أوجها. رغم ذلك استمر القيمون على الكنيسة، محاولين التقرب من الملك، لكن غياب الجنرال محمد أوفقير بعد مهاجمة الطائرة الملكية خصوصا، حال دون ذلك، إذ تلقى « هوبارد » أمرا من البلاط بإقفال مقر شركته ومغادرة المغرب فورا.

    بدأ أمر الكنيسة « العلمولوجية » يفتضح بانتحار أحد أعضائها، عندما أطلقت إحداهما على نفسها رصاصة من مسدس بعد أن أوصدت باب غرفتها بالباخرة التي رست بميناء آسفي، وقد تم طي ملف النازلة بسرعة دون بحث ولا تقصٍّ، بحجة أن المتوفية كانت من المدمنات على المخدرات وفي جعبتها أكثر من محاولة انتحار، وقد شكلت هذه الحادثة بداية نهاية الكنيسة.

    وفي غضون سنة 1996 كشف أحد تقارير المخابرات المركزية الأمريكية أن « سي . إي .يا » أبرمت عقودا مع بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » لتكليفهم، فيما بين 1971 و 1972، بربط علاقات سرية مع الانقلابيين المغاربة، كما كشفت تلك التقارير أيضا أن عملاء المخابرات الأمريكية، العاملين تحت غطاء الكنيسة قد نجحوا في نسج علاقات وطيدة ببعض الانقلابيين، كما أشرفوا على تحويل مليوني دولار من بنك سويسري إلى المغرب لتمويلهم.
    إن « السيونتولوجيا » أو « العلمولوجية » حركة دينية تستند إلى تعاليم الكاتب الأمريكي « رون هوبارد » (1911 -1986) الذي أسس كنيسة في سنة 1951، ضمت ما يناهز 8 ملايين عضو في أكثر من 70 بلدا.
    تسعى فلسفلة ـ أو بالأحرى إيديولوجية ـ هذه الحركة الدينية إلى تخليص المرء من تجارب الماضي المؤلمة، وتنقيته من شوائبها ليكون عضوا مخلصا للجماعة التي يعيش ضمنها.
    تستعمل هذه الكنيسة جهاز « الاليكتروميتر » لتوجيه الأفراد نحو خير الجماعة والمجتمع. عموما تشكل « السينوتولوجيا » مجموعة من التعاليم الدينية والمعتقدات مستندة إلى فلسفة علمانية أعاد صياغتها « رون هوبارد » لإبداع فلسفة « دينية تطبيقية »، حيث يتلخص فكر الكنيسة « العلمولوجية » في مكننة الإنسان والعلاقات الإنسانية على جميع المستويات بدءا من الفرد وانتهاءا بالدول، ذلك لأنها تعتبر أن الخاصيات الإنسانية متغيرة وغير قابلة للحسابات أو التنبؤ، مما يؤدي إلى أخطاء فادحة عند اتخاذ القرارات.

    من أجل ذلك سعت هذه الكنيسة ـ عبر إيديولوجيتها ـ إلى تفريغ الإنسان من خصائصه الإنسانية، والتي ترى فيها مواطن ضعفه، التي تعرقل مساره نحو الرقي إلى درجة من الإتقان على غرار عمل « الماكينات »، مستخدمة مجموعة من القواعد والتمارين تستهدف محو الإرادة الشخصية وتطويع الفرد لخدمة المؤسسة كضرب من ضروب الهندسة الاجتماعية، منها واجب الطاعة العمياء لمن يحتل المرتبة الأعلى دون الحق في انتقاده!
    اعتبر الكثير من المحللين أن الفكر « العلمولوجي »، هو امتداد للتيار الذي أراد إخضاع علم الاجتماع وعلم النفس لمقاييس العلوم الهندسية، وقد رأت جملة من الدول الغربية أن الكنيسة « العلمولوجية » تشكل خطرا لأن من شانها الدفاع على قيام نظام ديكتاتوري، وهذا ما أدى إلى محاربتها، حتى أضحت مجرد طائفة دينية سرية غير قانونية في الدول الغربية بعد أن افتضح أمرها.

    خدعة طائرة « بوينغ 727 »

    لم يسلم مشوار الملك الراحل الحسن الثاني، من خدع وعمليات نصب واحتيال.. قد يبدو الأمر غريبا اعتبارا لسيطرة وسيادة صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد على امتداد 38 سنة من الحكم المطلق.
    القليلون من المغاربة يعرفون أنه خلف مظهر الملك الداهية، المتحكم في الشادة والفادة، شخصية تعرضت هي الأخرى للنصب والاحتيال والخدعة، كما قد يقع لأي إنسان.
    لقد أجمع المحللون من كل أطراف العالم، أن الملك الراحل الحسن الثاني ذو شخصية مركبة حد التعقيد ومزدوجة حد التناقض، حيث لم يكن قول أو أمر فوق قوله وأمره، وأن صفة العناد صاحبته دوما، وتصاعد اقتناعه عبر مر السنين، بموهبته ودهائه السياسيين الخارقين وإعجابه بعبقريته النادرة في ترويض السلطة، هذا في جو لم يعوّده المحيطون به على الإدلاء بالحقيقة واعتماد الصراحة إلا نادرا جدا، علما أن عهده ظل مطبوعا، في غالبيته، بهاجس حماية نفسه وملكه من الدسائس التي لم تتوقف أكثر من جهة عن نسج خيوطها في الخفاء.

    رآه الصحفي الفرنسي « إنياس دال » ملكا قويا، ذكيا جدا وفطنا، لدرجة لا يمكن أن يتصور المرء إمكانية خداعه أو النصب عليه، ولم يكن يخدعه تملق ووضاعة المحيطين به رغم استحسانه مختلف تلاوين الخضوع ومظاهره البارزة. كيف لشخصية ظلت مثار جدل كبير، ولرجل ذكي وداهية وذو سلطة مطلقة، مثل الملك الراحل الحسن الثاني، أن يكون ضحية خدعة أو نصب أو احتيال أكثر من مرة؟

    خدعة الكنيسة « العلمولوجية »

    بدأت الحكاية منذ سنة 1967، عندما قررت الكنيسة العلمولوجية، إحداث بحرية تابعة لها، والتي أطلقت عليها اسم « سي أورك » والقيام برحلة بحرية على متن بواخر كانت أهمها تدعى « أبولو » على طول الشواطئ الأطلسية والمتوسطية المغربية، تحت رئاسة « رون هوبارد » مؤسس هذه الكنيسة، ودامت هذه الرحلة بين مختلف الموانئ المغربية، من أكادير إلى طنجة شهورا، حدث ذلك بين 1969 و1971.
    تعتبر « العلمولوجية » (أو « السيونتولوجيا »)، طائفة غريبة من الفرنسيسكان، اهتمت بالمغرب منذ فجر سبعينات القرن الماضي، وكادت أن تخدع الملك الراحل الحسن الثاني بمحاولة ضلوعها في قلب نظامه.
    وهذا ما كشفت عنه مجموعة من الوثائق السرية الصادرة عن أجهزة المخابرات بأوروبا وأمريكا، منذ سعى « هوبارد » إلى إيواء كنيسة « العلمولوجية » بإحدى البلدان المتوسطية، وتمنى أن يكون ذلك البلد هو المغرب. آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني يعيش فترة قلقة جدا اعتبارا للأوضاع التي كانت تعيشها البلاد بُعيد انقلاب الصخيرات (1971) وقبله، الشيء الذي قاد رئيس الكنيسة « هوبارد » إلى التفكير في « تخريجة شيطانية »، مفادها أن تعمل كنيسته على كشف خونة النظام وأعدائه لنيل رضا الراحل الحسن الثاني، سيما أولئك الذين كانوا يكنون له العداء من المحسوبين ضمن أقرب المقربين إليه.

    سعيا وراء تحقيق هذه الغاية، استقر « هوبارد » وبعض معاونيه بإحدى العمارات على مقربة من مدينة طنجة، في الطريق المؤدية إلى المطار، تحت مظلة إحداث شركة للنقل الدولي. علق « هوبارد » على واجهة المبنى لافتة تحمل العبارات التالية : « OPERTION AND TRANSPORT CORPORATION, LTD »، (OTC) بوصفها شركة بانامية تنشط في مجال النقل البحري، حدث ذلك في نهاية خريف 1972.
    حاولت الكنيسة « العلمولوجية » اختراق الإدارة المغربية، تحت مظلة هذه الشركة، عبر استغلال علاقة صداقة ربطت بين أحد معاوني « هوبارد » وباشا مدينة آسفي آنذاك، واستخدامها وسيلة لنيل شرف مقابلة الملك الراحل الحسن الثاني.
    كلف رئيس الكنيسة كل من « ريكلي » و »ليز كابلهاوس » بهذه المهمة، ولبلوغ هذا الهدف وضع رهن إشارتهما غلافا ماليا ضخما.

    تمكن هذا الثنائي من اختراق الإدارة المغربية بعد أن فازت شركة (OTC) بصفقة تكوين موظفي البريد، غير أن المشروع فشل بعد شهر، بفعل الرعب الذي تملك الموظفين المتمرنين اعتبارا لنظام التكوين وصرامة قواعده، إذ فضل أغلبهم التخلي خوفا من أن يصنفوا ضمن الذين يكنون العداء للنظام أو الملك، خاصة وأن الكنيسة « السيونتولوجيا » استخدمت آليات لتقدير نسبة الولاء أو العداء للنظام السياسي.
    آنذاك كانت « ليز كابلهاوس » قد تعرفت على المدعوة « بديعة » التي قدمتها لرئيس الكنيسة، « هوبارد »، كإحدى المقربات من العائلة الملكية.
    بواسطة « بديعة » تعرف « هوبارد » على الكولونيل عبد القادر العلام، الذي أُبهر بنتائج آلة « الاليكتروميتر » المستخدمة من طرف أعضاء الكنيسة لتحليل شخصية مريديها.

    بعد التقاء الكولونيل، اقترح عليه « هوبارد » إخضاع أطر القوات المسلحة لـ « الاليكتروميتر » لتحديد درجة ولائهم وصدقيتهم في الخدمة. اقتنع الكولونيل العلام بالفكرة، ووعد رئيس الكنيسة بعرضها على الجنرال أوفقير. هذا ما كان، حيث أعدت جلسة ساهرة استدعي إليها « أموس جيسوب » و »ليز كابلهاوس » (معاونا هوبارد)، وحضر محمد أوفقير رفقة إحدى موظفات القنصلية المغربية بنيويورك. خلال هذه السهرة تمكن بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية »، بواسطة أحد مرافقي الجنرال محمد أوفقير، من الاطلاع على أن هذا الأخير عاد مؤخرا من زيارة سرية لمركز تدريب تابع للمخابرات المركزية الأمريكية بـ « بورت هولبير » لمقابلة بعض قادة « سي. إي . يا » دون علم الملك الراحل الحسن الثاني.

    بعد هذه السهرة تلقت « ليز كابلهاوس » وبعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » دعوات لحضور استعراض بهلواني جوي بالقاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وذلك قصد تمكينهما من التقاء بعض الجنرالات والحديث معهم، علما أن بعض هؤلاء سبق أن اتهموا بالمشاركة في انقلاب الصخيرات خلال يوليوز 1971.
    بعد فشل الانقلاب تجدد اللقاء بين القيمين على الكنيسة والجنرال محمد أوفقير واقترحوا عليه استخدام آلة « الاليكتروميتر » لكشف الخونة في صفوف ضباط الجيش.
    حينئذ، كانت شركة (OTC)، قد تمكنت من الفوز بصفقة تدريب عناصر « الكاب 1 » على كشف العناصر المشاغبة، غير أن هذا المشروع فشل بفعل الصراع بين عناصر هذا الجهاز الذين تخوفوا كثيرا من الخضوع لآلة « الاليكتروميتر »، سيما وأن شبح انقلاب الصخيرات كان ما يزال مخيما على الظرف والشكوك مازالت في أوجها. رغم ذلك استمر القيمون على الكنيسة، محاولين التقرب من الملك، لكن غياب الجنرال محمد أوفقير بعد مهاجمة الطائرة الملكية خصوصا، حال دون ذلك، إذ تلقى « هوبارد » أمرا من البلاط بإقفال مقر شركته ومغادرة المغرب فورا.

    بدأ أمر الكنيسة « العلمولوجية » يفتضح بانتحار أحد أعضائها، عندما أطلقت إحداهما على نفسها رصاصة من مسدس بعد أن أوصدت باب غرفتها بالباخرة التي رست بميناء آسفي، وقد تم طي ملف النازلة بسرعة دون بحث ولا تقصٍّ، بحجة أن المتوفية كانت من المدمنات على المخدرات وفي جعبتها أكثر من محاولة انتحار، وقد شكلت هذه الحادثة بداية نهاية الكنيسة.
    وفي غضون سنة 1996 كشف أحد تقارير المخابرات المركزية الأمريكية أن « سي . إي .يا » أبرمت عقودا مع بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » لتكليفهم، فيما بين 1971 و 1972، بربط علاقات سرية مع الانقلابيين المغاربة، كما كشفت تلك التقارير أيضا أن عملاء المخابرات الأمريكية، العاملين تحت غطاء الكنيسة قد نجحوا في نسج علاقات وطيدة ببعض الانقلابيين، كما أشرفوا على تحويل مليوني دولار من بنك سويسري إلى المغرب لتمويلهم.
    إن « السيونتولوجيا » أو « العلمولوجية » حركة دينية تستند إلى تعاليم الكاتب الأمريكي « رون هوبارد » (1911 -1986) الذي أسس كنيسة في سنة 1951، ضمت ما يناهز 8 ملايين عضو في أكثر من 70 بلدا.
    تسعى فلسفلة ـ أو بالأحرى إيديولوجية ـ هذه الحركة الدينية إلى تخليص المرء من تجارب الماضي المؤلمة، وتنقيته من شوائبها ليكون عضوا مخلصا للجماعة التي يعيش ضمنها.
    تستعمل هذه الكنيسة جهاز « الاليكتروميتر » لتوجيه الأفراد نحو خير الجماعة والمجتمع. عموما تشكل « السينوتولوجيا » مجموعة من التعاليم الدينية والمعتقدات مستندة إلى فلسفة علمانية أعاد صياغتها « رون هوبارد » لإبداع فلسفة « دينية تطبيقية »، حيث يتلخص فكر الكنيسة « العلمولوجية » في مكننة الإنسان والعلاقات الإنسانية على جميع المستويات بدءا من الفرد وانتهاءا بالدول، ذلك لأنها تعتبر أن الخاصيات الإنسانية متغيرة وغير قابلة للحسابات أو التنبؤ، مما يؤدي إلى أخطاء فادحة عند اتخاذ القرارات.

    من أجل ذلك سعت هذه الكنيسة ـ عبر إيديولوجيتها ـ إلى تفريغ الإنسان من خصائصه الإنسانية، والتي ترى فيها مواطن ضعفه، التي تعرقل مساره نحو الرقي إلى درجة من الإتقان على غرار عمل « الماكينات »، مستخدمة مجموعة من القواعد والتمارين تستهدف محو الإرادة الشخصية وتطويع الفرد لخدمة المؤسسة كضرب من ضروب الهندسة الاجتماعية، منها واجب الطاعة العمياء لمن يحتل المرتبة الأعلى دون الحق في انتقاده!
    اعتبر الكثير من المحللين أن الفكر « العلمولوجي »، هو امتداد للتيار الذي أراد إخضاع علم الاجتماع وعلم النفس لمقاييس العلوم الهندسية، وقد رأت جملة من الدول الغربية أن الكنيسة « العلمولوجية » تشكل خطرا لأن من شانها الدفاع على قيام نظام ديكتاتوري، وهذا ما أدى إلى محاربتها، حتى أضحت مجرد طائفة دينية سرية غير قانونية في الدول الغربية بعد أن افتضح أمرها.

    خدعة طائرة « بوينغ 727 »

    في منتصف سبعينات القرن الماضي، بعد نجاح المسيرة الخضراء، كلف الملك الراحل الحسن الثاني، وزيره الأول وصهره أحمد عصمان، بمعية أحمد العسكي، باقتناء طائرة من نوع « بوينغ 727 » آخر موديل، لجعلها طائرته الخاصة تعويضا عن الطائرة « بوينغ 727 » التي تعرضت للقصف سنة 1972، في الانقلاب العسكري الثاني، الفاشل.

    ففي غشت 1972، كان الراحل الحسن الثاني، قد توجه إلى فرنسا لقضاء بضعة أسابيع في قصر « بيتز » على بعد ستين كيلومتر من باريس، الذي كان في ملكيته. وفي طريق عودته على متن طائرة « بوينغ 727″، فوجئ ربانها، العقيد القباج وهو على مشارف أجواء جبل طارق بسرب من طائرات « إف5 » تطارد الطائرة الملكية، وبينما الربان يحاول، دون جدوى الاتصال ببرج المراقبة، كانت إحدى طائرات « إف5″، قد شرعت في قصف مكثف للطائرة الملكية بين تطوان ومولاي بوسلهام، مما أسفر عن مقتل شخصين، ولم يكن أمام العقيد القباج سوى الحفاظ على توازن الطائرة كي تهبط في الأخير بأعجوبة بمطار الرباط سلا. نزل الملك متسترا من الطائرة المعطوبة التي قبع بداخلها في انتظار سيارة نقلته إلى جهة معينة بالرباط، حيث التحق به شقيقه الأمير الراحل مولاي عبد الله، رفقة الجنرال عبد الحفيظ العلوي والعقيد أحمد الدليمي آنذاك. وبعد تهدئة الأجواء واعتقال المتهمين، تم عرض طائرة « بوينغ 727″، بعد أسابيع، في متحف لمعدات طائرة « بوينغ »، إذ ذهل الخبراء والتقنيون الذين لم يصدقوا أن تكون الطائرة نجحت في مواصلة التحليق ثم الهبوط، سالمة تحت وابل من الرصاص والقصف المكثف.
    بعد الامتنان بالربان العقيد القباج، أعجب الملك الراحل الحسن الثاني بهذه الطائرة، فأمر باقتناء طائرة أخرى « بوينغ 727″، مجهزة بطريقة أفضل وبأحدث المعدات الالكترونية والوقائية، مع إعادة تصميمها من الداخل لتكون جاهزة للاستعمال خصيصا لرحلاته، تضمن كافة أجواء الراحة الكاملة (مقاعد من الجلد الفاخر، مقابض أحزمة الأمان مصممة بشكل فريد، لوحات لكبار الرسامين تغطي بعض أركانها..).
    في هذه الفترة (منتصف السبعينات) كان الملوك ورؤساء الدول وكبار أثرياء العالم، يفضلون طائرات « بوينغ » عن غيرها لاستخدامها كطائرات خاصة.

    أبرمت الصفقة، لكن تبين أن الطائرة لم تكن جديدة وإنما سبق استعمالها، حيث أعيد طلاؤها وتغيير أثاثها وديكورها، وتقديمها في الأخير للملك على أنها جديدة ومبتكرة!
    وحسب مصدرنا، اتصلت جهات أجنبية مقربة من مصانع « بوينغ » الأمريكية، إضافة إلى جهة أخرى تابعة للوكالة الوطنية للأبحاث (NASA)، بشخصية مقربة من الملك الراحل الحسن الثاني وبشخصيات تعمل في سفارة المغرب بواشنطن وأخرى بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، لكشف حقيقة الطائرة الملكية الجديدة، التي أبرم صفقتها أحمد العسكي باعتباره وزير الأشغال العمومية وقتئذ.
    كشفت كل هذه الجهات أن الطائرة المقتناة بدت كأنها جديدة وبالسعر المحدد من طرف الشركة، غير أنها طائرة مستعملة أعيد ترميمها. وأكد مصدرنا رغم أن صفقة الطائرة الملكية المغشوشة سارت على كل الألسنة وشغلت الرأي العام، ومع ذلك تم طمس ملفها بل وإقباره. مقابل ذلك سطع نجم الشخصين الذين ارتبط اسمهما بالصفقة، أحمد عصمان وأحمد العسكي: ترأس الأول حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد خلقه على طريقة « الكوكوت مينوت » للفوز بغالبية المقاعد في انتخابات بداية الثمانيات، في حين انتخب أحمد العسكي، تحت لواء نفس الحزب، بالعاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، وقد سبق لهذا الأخير، أن ترأس ودادية مهندسي القناطر والطرق، بين 1962 و 1963، كما عين وزيرا للفلاحة فيما بين 11 غشت 1970 و 23 أبريل 1971، وكان في منتصف السبعينات أحد التقنوقراطيين البارزين، بعد تخرجه من إحدى أكبر المدارس التقنية الفرنسية، مدرسة القناطر والطرق، وفور تخرجه ورجوعه إلى أرض الوطن، تحمل مسؤولية تسيير ميناء الدار البيضاء، (بين 1963 و 1965)، وقد توفي وهو يبلغ 74 سنة، في 28 نونبر 2004.

    ومن المعلوم أنه توجد شركات ووسائط أوروبية وأمريكية تنشط في بيع الطائرات المستعملة من مختلف الأنواع والموديلات، وأن أسعارها تختلف حسب الموديل والحجم والنوع وعدد المحركات، وسعر طائرة « بوينغ 727 » موديل 1977 يناهز 12 مليون دولار (ما يقارب 120 مليون درهم).

    نازلة كديرة صديق الملك

    من النوازل التي تفوح منها رائحة الخدعة توهيم أحمد رضا كديرة قبل مرضه، الملك الراحل الحسن الثاني، بضمان استقراره في المغرب، دون نية مغادرته، في حين أن هذا الأخير كان بصدد تهريب كل ثرواته إلى الديار الفرنسية!
    انكشف الأمر عندما علم الملك أن صديقه ومستشاره السابق، طريح الفراش، فعزم على زيارته. وفي طريقه إلى إقامة أحمد رضا كديرة، لاحظ الراحل الحسن الثاني أن سائقه الخاص يقوده خارج العاصمة الرباط، معتقدا أن صديقه يقطن بالقصر الذي شيده على أرض منحها إياه، تقع بالقرب من إقامات الأمراء والأميرات بالرباط وليس خارجها.
    استفسر سائقه، فأكد له أن تلك الأرض لم تعد في ملكية أحمد رضا كديرة، لأن هذا الأخير باعها قديما للمعطي بوعبيد!

    زاد امتعاض الملك الراحل الحسن الثاني عندما عاين إقامة صديقه ببيت متواضع بتمارة لا يتوفر سوى على أثاث قليل جدا، وجده مستلقيا على سرير إلى جانبه كرسيان في غرفة متواضعة خاوية على عروشها، وقيل له، بعد سيل من الأسئلة، إن استقرار أحمد رضا كديرة بذلك البيت المتواضع مؤقت، في انتظار رحيله إلى الديار الفرنسية للإقامة هناك، بعد أن باع كل أملاكه وصفى كل مصالحه بالمغرب، وهرَّب أمواله إلى الخارج. لم يستسغ الملك الراحل الحسن الثاني أن يقدم أقرب أصدقائه على تهريب كل ممتلكاته إلى فرنسا للاستقرار بها دون إخباره بالأمر، هو الذي كان يثق به ويشاركه جميع أسراره، علما أن الظرف تزامن مع فكرة الملك عن خطر السكتة القلبية للمغرب آنذاك.

    الصحفي « الحر » لا يكشف عن مصدره؟!

    فصول هذه القصة تعود إلى مطلع السبعينات، وتحديدا عام 1972، حيث استقبل الراحل الحسن الثاني وقتها زعماء الكتلة الوطنية (عبد الله ابراهيم، المحجوب بن الصديق، عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي)، حيث دخل معهم في مفاوضات سرية انتهت بأدائهم القسم على المصحف الكريم، بعدم إفشاء ما راج بينهم أثناء المقابلة إياها.

    في اليوم الموالي استدعى عبد القادر الصحراوي (وزير الإعلام ساعتها) الصحفي مصطفى العلوي فأخبره بأن الملك الحسن الثاني سيرسل له مبعوثا ملكيا خاصا، وكذلك كان، حيث فاجأه عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة رفقة أربعة (مخازنية)، ليعلمه بأن الملك الحسن الثاني كان سيستقبله شخصيا لولا إصابته بنزلة زكام حالت دون ذلك، وأنه جاء مبعوثا بالنيابة عنه. طلب منه بن منصور، باسم الملك أن يشرح له سر الخبر الذي نشره في صحيفته حول المقابلة التي أقسم فيها هؤلاء الزعماء على المصحف بألا يُسربوا الخبر خارج أسوار القصر، وأن يقدم له بيانات حول المصدر الذي أسر له بالخبر، أو بالأحرى الشخص الذي أفشى سر الملك. وكان الملك الراحل قد أرسل مع عبد الوهاب بن منصور ظرفا مفتوحا، سلمه إياه أحد « المخازنية » ليكتب فيه اسم هذا المصدر، ثم ناوله لـ « مخزني » آخر حفاظا على السرية التامة، للعملية التي دارت أطوارها في منزل وزير الإعلام. فعلا كتب مصطفى العلوي على ورقة أخرجها من الظرف (يا سيدي إنك قابلتني في مراكش بتاريخ كذا، وقلت لي إن الصحافي الحر لا يكشف عن مصدره) ثم سلمها بعد ذلك لـ »المخزني » بعد أن وضعها في الظرف.
    بعد ذلك تدخل البوليس وطرد صحافيا من أصول جزائرية كان يشتغل لحساب وكالة « يونايتد بريس »، على اعتبار أنه الشخص الذي كان وراء توصل مصطفى العلوي بالخبر إياه.
    اغتيال مشروع ملك « كاريان سانطرال »

    مشروع بلوره الراحل محمد الخامس، وحرص الراحل الحسن الثاني على أن ينجزه على أرض الواقع، إلا أن شلة عبد العزيز العفورة، المسنودة من طرف إدريس البصري وصهره، نصبت على الملك وحولت المشروع عن مرماه الأصلي. تعثر هذا الأخير أكثر من مرة وتبددت أمواله في منتصف الطريق. إنه مشروع الحسن الثاني العقاري الرامي إلى إيواء سكان « كاريان سنطرال » بالدار البيضاء، الذي اغتالته الطغمة « البصروية »، في مهده. ولا زال ضحايا نصبها واحتيالها محرومين من السكن اللائق الذي وعدهم به الملك الراحل محمد الخامس، الملقب من طرف الاستعمار بـ « سلطان الكاريان »، وحرص بعده، ابنه الراحل الحسن الثاني على تحقيقه، وفاء لرغبة والده.

    بدأت حكاية هذا المشروع في السنوات الأولى من الاستقلال، حيث أصدر الراحل محمد الخامس بنفسه تعليمات واضحة ترمي إلى بناء مساكن لائقة لكل قاطني « الكاريان » الكائن بالحي المحمدي ـ عين السبع. ومنذ اعتلائه عرش البلاد سنة 1961، تابع الملك الراحل الحسن الثاني هذا « الحلم الملكي »، حيث جدد تعليمات والده وكلف إدريس البصري، وزيره في الداخلية، في بداية الثمانيات بإنجازه.
    ضم هذا المشروع تشييد 10 آلاف مسكن على مساحة 44 هكتارا، وبدأت الأشغال، لكن سرعان ما توقفت بفعل تبديد وتحويل واختلاس أجزاء هامة من الأموال العمومية المرصودة له.
    ففي التسعينات أعطيت انطلاقة ثانية لمشروع تشييد 10 آلاف مسكن اقتصادي لفائدة سكان « الكاريان »، وتم الاتفاق مع شركة « كوجيبا »، من أجل انجازه، وبعد انطلاق الأشغال انكشف أمر النصب والاحتيال، حيث تم اعتماد خدعة، مفادها إنجاز 6 آلاف مسكن اقتصادي (عوض 10 آلاف) و 4 آلاف شقة غير مرصودة لقاطني « الكاريان » خلاف ما أقرت به رغبة الملكين؟! تم تحديد ثمن 6 آلاف مسكن اقتصادي في 100 ألف درهم، في حين تحدد ثمن 4 آلاف شقة المتبقية في 200 ألف درهم، بعد حرمان قاطني « الكاريان » منها. هكذا تم التخطيط للخدعة، ورغم ذلك لم يتم انجاز ـ حتى ـ ما تم تسطيره نصبا واحتيالا!
    وفي نهاية المطاف، لم يتمكن النصابون سوى من تشييد 2121 مسكن من أصل 10 آلاف، ولم تتحقق رغبة الملكين، محمد الخامس والحسن الثاني، بفعل احتيال وفساد « طغمة البصري »، ولا زال عدد كبير من قاطني « الكاريان » يعانون لحد الآن، مات الأجداد والآباء وبقي الأولاد، والأحفاد محرومين من حق أقر به الملكان منذ منتصف الخمسينات!

    يهود نصبوا على المغرب والمغاربة؟!

    أشار أكثر من مصدر أن شكوكا كثيرة ظلت تحوم حول « دافيد عمار » بخصوص النصب على البلاط ومجموعة من الموظفين السامين، بشأن مبالغ مالية « طيطانيكية »، تكلف بتوظيفها أو تهريبها للخارج، وبذلك تسبب هروبه من المغرب، في نهاية 1971، في ضياع مبالغ مالية هائلة من أموال الملك الراحل الحسن الثاني ومجموعة من الوزراء والضباط السامين وكبار رجال الأعمال المغاربة الذين كانوا يثقون به، لتهريب أجزاء مهمة من ثرواتهم إلى الخارج أو توظيفها هناك.
    لم يكن دافيد عمار شخصا غريبا عن البلاط ومجال الأعمال، فحول مائدته كانت تعقد الصفقات المريبة!

    آنذاك، في فجر سبعينات القرن الماضي، كان دافيد أول محتكر للحبوب ببلادنا وأول مستورد لها. وسّع نشاطه السياسي بعد الاستقلال، حيث أسس جمعية الوفاق التي ضمت حينئذ جميع رجال الأعمال، اليهود المغاربة.
    وبعد أن بدأت عملية تهريب اليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني، وحدوث كارثة الباخرة « بسيس » التي غرقت في عرض البحر، إذ لقي عشرات اليهود العجزة والأطفال حتفهم، توقف نشاط هذه الجمعية فحول دافيد اهتمامه، حيث لجأ إلى النخبة السياسية الموالية للبلاط فقوَّى صدقاته بالأعضاء المؤسسين لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) وبالمقربين من الملك، ضمنهم صهره أحمد عصمان. وبفضل هذه العلاقات تمكن دافيد من الفوز بمقعد بمجلس المستشارين، ففتح مكتبا للمعاملات التجارية بباريس كغطاء للقيام بتهريب الأموال وتوظيفها بالخارج لفائدة البلاط وكبار الأثرياء مقابل عملات ضخمة. ورغم ذلك اعتمد حيلا للسطو على كميات كبيرة منها، مما ساعده على توسيع نشاطه وبناء شبكة مهمة من العلاقات اخترقت دواليب الدولة حتى أضحى عدد كبير من الموظفين السامين والشخصيات الوازنة بالمغرب في خدمته!.
    حينما ورد اسمه بلائحة المتهمين في محاكمة الوزراء سنة 1971 (التي أحدثت من أجلها محكمة العدل الخاصة)، لم يصادف أدنى صعوبة في مغادرة المغرب بكل اطمئنان. ففي غضون شهر نونبر من سنة 1971 أشاع المشيعون في العاصمة، الرباط، أن دافيد عمار تمكن من مغادرة البلاد، رغم صدور أمر اعتقاله، وذلك برغبة من جميع أصدقائه وشركائه، وحتى ضحاياه، كي لا يفضح أمرهم. آنذاك كانت النيابة العامة لدى محكمة العدل الخاصة قد وجهت إليه تهمة منح رشوة لأحد الوزراء السابقين المعتقلين، قدرها سبعون مليون فرنك دفعة واحة!

    فور طلوع اسمه في لائحة المتابعين فر دافيد، تم ذلك يوم صدور الأمر باعتقاله، حيث أخبرته جهة وازنة بالأمر، فتوجه إلى مطار « طيط مليل » المدني وامتطى طائرة مدنية صغيرة في ملكية أحد أصدقائه، بعد أن طلب رخصة التوجه إلى مطار فاس. لكن عندما حلقت طائرته فوق العاصمة العلمية حولت مسارها إلى الناظور ثم المضيق لتحط بمطار « مالقا » الإسبانية بدعوى حدوث عطب طارئ.
    كان كل من « باروك دهان » و »سوسان » و »مانتو » وهم يهود مغاربة، قد اختفى أثرهم بعد هروب (دافيد). في البداية توجهوا إلى كندا، ثم استقروا بالكيان الصهيوني (إسرائيل) بعد أن خلفوا وراءهم عددا لا يستهان به من الأغبياء، الذين أصبحوا أثرياء بفضل مواقعهم ونفوذهم، وضعوا فيهم ثقتهم وكلفوهم بأموالهم التي طارت بمغادرتهم البلاد.

    ومن اليهود المغاربة الذين نصبوا على المغرب والمغاربة، الإخوان « أوحنا »، « بول » و »هنري »، خريجا المعاهد العليا بفرنسا.
    اضطلع الأول بمسؤولية إبرام شراكة مع المجموعة الإيطالية « إي. ني » (ENI) لإحداث أول مجموعة مغربية لتكرير النفط « لاسامير »، إذ كان قائما على صفقات اقتناء البترول الخام من الخارج، وموازاة مع ذلك ائتمنه البلاط والقيمون على أمورنا أموال عمومية طائلة ففر بجزء كبير منها، لكن الدوائر العليا تسترت عليه إلى حين تمكينه من حط الرحال بالكيان الصهيوني، حيث أنشأ هناك مختبرا للأبحاث في مجال البترول والبيئة بتل أبيب.
    أما الثاني، « هنري أوحنا »، فقد تمكن من ولوج سلك الإدارة العمومية، إذ قام بتسيير مجموعة من الدواوين الوزارية، منها الفلاحة والتجارة والمالية، إذ تألق في مشواره حتى تمكن من الاستحواذ على منصب ممثل المكتب الشريف للتصدير بالديار الأوروبية، وتزامنت مرحلته مع اختفاء مبالغ مالية هائلة من عوائد المكتب دون أن يظهر لها أثر، إضافة إلى أموال أخرى كان يقوم بتهريبها لفائدة شخصيات وازنة في البلاد، مستغلا منصبه. كما كان « هنري » هذا أول من روج، منذ 1968، لبيع المصانع الجاهزة (CLEF EN MAINS) بالمغرب الذي غادره مباشرة بعد انقلاب يوليوز 1971 متوجها إلى إسرائيل.

    وقد عمل الإخوان أوحنا (« هنري » و »بول »)، « روبير أسراف »، « مانتو » وشريكه « باروخ دهان » و »سويسا »، وهؤلاء جميعهم يهود مغاربة، على استثمار الأموال المهربة من المغرب (أموالهم والأموال المحصل عليها بالنصب والاحتيال) بالكيان الصهيوني.
    وقد كشفت محاكمة الوزارة سنة 1971 أن « باروخ دهان » وشركاءه تلاعبوا بأموال صندوق الإيداع والتدبير بتواطؤ مع القيمين عليه، وأغلب هذه الأموال عرفت طريقها إلى إسرائيل.

    ترشيح مشبوهين لنيل أوسمة ملكية

    لقد تعرض الملك الراحل الحسن الثاني أكثر من مرّة لخدع بخصوص التقارير المرتبطة بالمرشحين لنيل أوسمة ملكية.
    كما دأب بعض المقربين من الملك على ترشيح أشخاص للأوسمة رغم تورطهم البيّن في ترويج المخدرات والاغتناء السريع عن طريقها. ضمن هؤلاء رشيد التمسماني الذي تمكّن من رئاسة الفريق التطواني لكرة القدم والوصول إلى الجامعة الملكية سنة 1995، ومنها فُتحت له أبواب البلاط ليوشحه الملك الراحل الحسن الثاني بوسام ملكي.
    لم يخبر إدريس البصري الملك بحقيقة التمسماني، رغم علمه بأنه أحد كبار « بارونات » المخدرات بالشمال، ورغم إدراج اسمه في لائحة الحملة التطهيرية التي أعدها للتخفيف من الحرج الذي أحدثه تقرير المرصد الجيو استراتيجي للمخدرات بالنسبة للمغرب وملكه أيضا.

    « نصابة » حاولوا تسميم علاقة الحسن الثاني بأخيه

    لم يكن الأمير الراحل مولاي عبد الله، أخ الملك الراحل الحسن الثاني، ضحية مؤامرات من ذيول الخيانة، مستهدفا من طرف تدبير مخابراتي فقط، وإنما كان كذلك ضحية لأكثر من حالة نصب واحتيال، الكثير منها استهدفت تأليب أخيه الملك عليه، وتسميم علاقتهما. ولم يكن الراحل الحسن الثاني على علم بالعديد من جوانب هذه المؤامرات، كما أن أخاه الأمير الراحل مولاي عبد الله اختار، عن طيب خاطر، التعالي عليها نظرا لطيبوبته وعدم اهتمامه بدواليب الحكم واللهث وراء السلطة، ولكونه سعى إلى العيش مهتما بأسرته ونفسه، غير مبال بما يخرج عن النمط الحياتي الذي اختاره.
    وتظل أكبر عملية احتيال تعرض لها الأمير الراحل، خطة وضعها مجموعة من الخونة وبعض أقطاب سلطة الاحتلال الفرنسي، الرامية إلى وقف موجة الغضب الشعبي بعد تنحية الملك محمد الخامس عن العرش، مفادها الإعلان عن تعيين الأمير مولاي عبد الله ملكا بدل والده وإبعاد الملك محمد الخامس آنذاك وولي عهده الحسن الثاني عن المغرب، وقد علق الملك في خطاب العرش على ذلك يوم 18 نونبر 1952 بالقول : « .. الحماية الفرنسية بالمغرب مثل قميص أعد لطفل صغير، كَبُر الطفل ونما وترعرع وبقي القميص على حاله ».

    ومن القضايا التي كانت سببا في خلافات الأمير مع أخيه الملك، أن جماعة من المقربين كانوا يستغلون هذا القرب للتفاوض باسمه ولتنمية مصالحهم والنصب على آخرين.
    وقد اكتشف الملك الراحل الحسن الثاني عدة حالات من هذا القبيل، لذلك ما فتئ يلوم أخاه، وبشدّة أحيانا ، بخصوص علاقته بأشخاص دأبوا على الإساءة له.
    لقد كان معروفا عن الأمير الراحل مولاي عبد الله تعلقه بأصدقاء طفولته وشبابه، سيما الذين درسوا معه في المعهد المولوي، بينهم عبد الحق القادري وجنان، وقد كان هذا الأخير قائما على مجموعة من مصالحه ومشاريعه.
    ظل الأمير الراحل متسامحا يغفر للمخطئين في حقه بكل سماحة وسهولة. الشيء الذي دفع بعض المقربين منه للنصب على الغير باسمه، قصد السطو على عقارات وأراضي زراعية أو الاستيلاء على شركات، غير أن أمرهم سيفضح فيما بعد.

    ومن النوازل التي أقلقت الملك آنذاك، محاولة بعض ا لمقربين من الأمير السطو على أراضي لإقامة تجزئات أو ضيعات باسمه وتوهيم أصحابها والقائمين عليها بأن ذلك يدخل في إطار تحقيق رغبات الأمير؛ ومن الحالات التي انكشف أمرها، أرض بالفوارات وأراضي أولاد خليفة بالغرب التي أثارت ضجة اجتماعية كبيرة في فجر السبعينات، وقد سقط على إثرها فلاحون بفعل القمع الدموي الذي أشرف عليه شخصيا الجنرال محمد أوفقير، وقد ارتبطت هذه القضية بوسيط يدعى « لوموان ».
    وانكشف أيضا أمر سطو آخر باسم الأمير ودون علمه، تورط فيه الكولونيل بوبكر. وكان جل المقربين منه والمحيطين به يتاجرون باسمه، ورغم علمه بتصرفاتهم المشينة وانكشاف بعضهم لم يسبق للأمير الراحل أن كان سببا في إيذاء أحد منهم.
    وبعد وفاته، سطا الكثير من هؤلاء على جملة من أمواله وأملاكه، ضمنهم شخصيات وازنة في الدولة. ورغم تدخل الملك الراحل بهذا الخصوص، تمكن جلهم من الاستحواذ على جزء من تركة المرحوم الذي كان يثق بهم كثيرا، وقد أضحى بعضهم، بين عشية وضحاها من أكبر الأثرياء.

    ما دفع الملك الراحل الحسن الثاني، بعد وفاة أخيه، إلى البحث عن الذين كانوا يتصرفون في أموال وعقارات وشركات أخيه، عندما اكتشف، بالحجة والدليل أنهم نصبوا عليه فعلا.

    القنبلة النووية المغربية مجرد نصب واحتيال

    في نهاية سبعينات القرن الماضي كانت بلادنا ضحية عملية نصب واحتيال، يمكن عنونتها بوهم القنبلة النووية المغربية.
    آنذاك حدث لقاء مع الباحث الفرنسي « آلان بيكر »، وبالضبط يوم 25 أكتوبر 1981، حيث أوهم ضباط سامين مغاربة أنه من ا لممكن التفكير في إنتاج قنبلة نووية باستعمال اليورانيوم المستخرج من فوسفاط بوكراع، وهو من النوع u 235 الصالح لهذا الغرض.
    بعد اللقاء الأول مع الباحث الفرنسي، رئيس المعهد الدولي للإبداع والاختراع، الذي تم في سرية تامة، تلافيا لإخبار الجارة الجزائر والبلدان الأوروبية بالأمر، تم منح كل الصلاحيات لعناصر المديرية العامة للدراسات والتوثيق (لادجيد) تحت إمرة الجنرال أحمد الدليمي قصد تمكينهم من تجاوز كل العراقيل البيروقراطية والتغلب عليها.
    كما أن كل الموارد البشرية والوسائل التقنية وكافة المستندات والكفاءات التي بحوزة وزارة الطاقة- كانت تحت إشراف موسى السعدي آنذاك – وُضعت رهن إشارة الباحث الفرنسي لإنجاح مشروع « القنبلة النووية المغربية » والذي أطلق عليه اسم « كازوجين ».

    وقد جرى اللقاء مع الباحث الفرنسي « ألان بيكر » بالعاصمة البلجيكية (بروكسيل) عبر وساطة أحد مستشاري السفارة المغربية هناك، يٌُدعى بنموسى، هذا الأخير رتب لقاء يوم 25 أكتوبر 1981 بينه وبين ضباط سامين مغاربة، طلب خلاله الباحث الفرنسي ما يناهز 300 مليون درهم وجملة من المعدات الواجب اقتناؤها من إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، تحت غطاء استيراد تجهيزات خاصة بقطاع النسيج. تمت الموافقة على دفع نصف المبلغ المالي المتفق عليه لحظة التوقيع على العقد وإرجاء النصف الثاني إلى حين إجراء أول تجربة مقنعة.
    غير أن هذا المشروع لم ير النور، إذ لم يتم حتى الشروع في إنجازه. وقد قيل إنه تم التنصت على مكالمة هاتفية بين الباحث الفرنسي « آلان بيكر » وأحد معاونيه عندما كان مقيما بأحد الفنادق الراقية بمدينة أكادير، حيث تلفظ بما معناه .. » سنضحك على هؤلاء الأغبياء .. فهل يعتقدون أننا سنمكنهم من قنبلة نووية بهذه السهولة؟! »
    علما أن الكثيرين لم يستسيغوا هذه الرواية، باعتبار أن الباحث الفرنسي زار المغرب أكثر من مرة بعد إقامته بالفندق بمدينة أكادير.

    حين نصب هشام المندري على الملك

    في المرحلة الأخيرة من حياته، تعرض الملك الراحل الحسن الثاني لأكثر من عملية نصب وسرقة همت أحيانا أشياء خاصة به، كما حدث بخصوص الخاتم الملكي الذي اختفى من مكانه إضافة إلى مجموعة من الوثائق المهمة التي تم السطو عليها من مكتب أحد مستشاريه، وساعات ثمينة ناهيك عن أشياء أخرى غالية الثمن، سرقت من غرف الملك الخاصة، كما تبخرت كميات هائلة من الأموال (دراهم، دولارات وأوروات…) ومستندات من خزائن غرف الملك الحديدية.

    غير أن أكبر عملية نصب وسرقة تعرض لها الملك الراحل الحسن الثاني، حدثت في صيف سنة 1998، عندما عاد من زيارة رسمية إلى مصر، حيث لوحظ اختفاء دفتر شيكات خاص بالملك، وحقيبة مملوءة عن آخرها بالدولارات الأمريكية، من عقر غرفته الخاصة، التي لا يلجها إلا قليلون معلومون، على رأسهم فريدة الشرقاوي، امرأة ثقة الملك الأولى، إذ كانت القيّمة على مختلف تفاصيل ودقائق الغرف الخاصة للملك، الماسكة بمفاتيح خزائنه وأرقامها السرية ومستودعات أمواله (بالدرهم والدولار والأورو).
    وقد تناسلت بهذا الخصوص أكثر من رواية منها احتمال تواطؤ فريدة الشرقاوي مع هشام المندري على تهريب أموال وشيكات ووثائق سرية خارج البلاد، منها كذلك احتمال رغبة فريدة الشرقاوي في تأمين أيامها القادمة بعد رحيل الملك الذي كان قد هدّه المرض وبدت عليه علامات اقتراب موعد التحاقه بالرفيق الأعلى، ومنها أيضا أن هشام المندري خدع الملك وامرأة ثقته الأولى، في ظرف غفلة واستغلاله لفلتان مراقبة شؤون القصر ودواليبه من يد الملك الذي أنهكه المرض وأغرقه في وجوم شديد.

    الإخوان بوريكات

    ظل الملك الراحل الحسن الثاني يعتبر أنه خدع من طرف الأجهزة الأمنية والقضاء بخصوص الإخوان بوريكات، إلى حد النصب عليه بتوهيمه أنهم متورطون في انقلاب كان يهيئه الجنرال أحمد الدليمي، وفي نوازل الاستيلاء على أموال طائلة بعد إنجاز صفقات مشبوهة بمال الملك واستغلال اسمه ونفوذه دون علمه.

    وبهذا الخصوص سبق للمؤلف الفرنسي « ايريك لوران »، صاحب كتاب « الحسن الثاني، ذاكرة ملك »، أن سأل الراحل الحسن الثاني عما إذا كان يظن أن فضيحة « نازلة الإخوان بوريكات » ناجمة عن خطأ فادح ارتكبته الأجهزة الأمنية والقضاء، فكان جوابه بالإيجاب، لكنه أضاف – حسب « لوران » ـ « إن تركهم يخرجون من السجن كان خطأ فادحا كذلك… »

    ومن المعلوم أن علي بوريكات تمكن من الحصول على اللجوء السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية مقابل كشفه عن جملة من الأسرار خاصة بالبلاط وبفرنسا، سيما تلك المتعلقة بشبكات الاتجار في المخدرات بمباركة مسؤولين مغاربة وفرنسيين وازنين مقربين جدا من دوائر صناعة القرارات الكبرى والحاسمة، وهم الذين ساهموا بشكل كبير في حماية كبار مهربي كورسيكا ومارسيليا وباريس، مما قوّى نفوذهم ونشاطهم تحت غطاء بعض الشركات المستقرة بالمغرب، أهمها شركة « بيرنو وريكار » التي كانت تتوفر على مختبرات لصنع الكوكايين على تراب بلادنا حسب ما أدلت به زوجة مالك الشركة المذكورة بالديار الأمريكية، حيث تقضى بقية عمرها بعد تمتيعها باللجوء السياسي.

    للإشارة أطلق سراح علي بوريكات رفقة شقيقه سنة 1991 من سجن تازمامارت، حيث تم اعتقالهم جميعا في صيف 1973 ولم تعرض قضيتهم على أنظار العدالة.

    هل أوفقير خدع الأسرة الملكية أكثر من مرّة؟

    إن المتتبع لمسار الجنرال محمد أوفقير، يتوصل بسهولة إلى صحة الفكرة القائلة بأن الجنرال فرضه الاستعمار الفرنسي فرضا على البلاط، قبل مغادرته بلادنا، ليحتل الموقع الذي ظل يحتله في دواليب صناعة القرار ودوائره، واستمر في احتلاله بفضل دعم الأمريكيين والموساد.

    حاليا، بعد تسليط الأضواء الكاشفة على عدّة زوايا من تاريخ المغرب كانت مغيبة أو مسكوت عنها، يطرح السؤال هل محمد أوفقير خدع الملكين محمد الخامس والحسن الثاني ونصب عليهما على امتداد مشواره؟
    لقد ظل محمد أوفقير يسعى إلى السلطة منذ أضحى محسوبا على الضباط. فمع بداية الإستقلال أخذ يبحث عن تثبيت قدميه في دواليب الحكم، وشرع بتأسيس مؤسسات عسكرية لتكوين رجال موالين له، عيّن على رأسها رجال ثقته. فقد عمل على أن يكون الكولونيل الفرنسي « كوردان » على رأس مدرسة الاتصالات بالقنيطرة ثم تلاه إدريس الزرهوني، والثانوية العسكرية بالقاعدة الجوية بالقنيطرة التي ترأسها الكولونيل الفرنسي « لا نجري » قبل أن يخلفه « لوباريز ».

    كما حرص محمد أوفقير على تعيين من يكّن له الولاء، من الذين عملوا بجانبه في الهند الصينية والفيتنام، في مناصب عسكرية ومدنية عليا.
    ومن المعلوم أن السلطات الفرنسية كانت قد اعتمدت على محمد أوفقير، بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس وتنصيب محمد بن عرفة، لعزل كل القواد ورجال السلطة الوطنيين وتعويضهم بمن شاركوه في الحرب العالمية الثانية تحت لواء الراية الفرنسية، وأغلب هؤلاء نعتوا بالخونة، غير أنه لم تصادر أملاكهم كما حدث للبعض، ضمن هؤلاء القائد اعبابو بالغرب والقائد بنسليمان… كل المحيطين بمحمد أوفقير، إما تربطهم به علاقة قرابة أو سبق لهم أن عملوا إلى جانبه في الجيش الفرنسي أو تخرجوا من مدارس الأعيان الموالين للاستعمار أو من أبناء الخونة.
    ونظرا لأن القنيطرة احتضنت أهم قاعدة جوية ذات أهمية استراتيجية « حلف أطلسية »، وأيضا لأن محمد أوفقير بدأ تقعيد نفوذه اعتمادا على المؤسسات التي أنشأنها بها، فإن هذه المدينة ظلت منطلقا لمجموعة من المؤامرات هندس لها الجنرال الدموي، بما في ذلك محاولة تسميم الملك الراحل الحسن الثاني بواسطة طباخ يدعى « صلاح » وانقلاب الصخيرات (أحد الأخوين اعبابو كان يقطن بالقنيطرة) والهجوم على الطائرة الملكية.. ولا يخفى على أحد أن الجنرال محمد أوفقير كان يقضي جل أوقات فراغه بالقنيطرة أو بضواحيها (الفوارات).

    كما أن محمد أوفقير وقف بقوّة ضد رغبة الملك الراحل محمد الخامس لما تبين بروز تيار « فرنسا الحرّة » تحت الاحتلال النازي. آنذاك كان الراحل محمد الخامس قد نادى على قائد منطقة الغرب وطلب منه أن ينشر رسالة دعم ومساندة تيار « فرنسا الحرة » وسط الضباط، غير أن محمد أوفقير والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي » النازية دبّروا جميعا مكيدة لقائد المنطقة وتخلصوا منه بعد علمهم بأمر الرسالة، حيث وضعوا مكانه القائد بوشعيب الحريزي الموالي لهم ولأوفقير حتى لا تصل رسالة الملك إلى أصحابها، وهذا ما أدى إلى وقوع معارك ضارية بين الأمريكيين والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي »، عند الإنزال بشواطئ المهدية.
    وكان محمد أوفقير أيضا ضمن المجموعة التي وقّعت على إبعاد الملك الراحل محمد الخامس عن العرش، إذ زكّى اختيار الإقامة العامة الفرنسية لمحمد بن عرفة كسلطان مفبرك. وفعلا اضطلع الضابط محمد أوفقير بمهمة الحراسة الخاصة لمحمد بن عرفة بعد تنصيبه، وكان القيم على أمنه الشخصي. ولم يقف محمد أوفقير عند هذا الحد، بل ظل يعمل في الخفاء، بجدية ونشاط، ضد عودة الملك الراحل محمد الخامس إلى عرشه حتى آخر لحظة.

    ومن المعلوم أن محمد أوفقير هو الذي تكلّف بمرافقة محمد بن عرفة إلى مدينة « نيس » الفرنسية للاستقرار بها بعد عودة الملك الشرعي إلى عرشه.
    فكيف خدع الملكين الراحلين، محمد الخامس والحسن الثاني في محمد أوفقير، رغم أن تاريخه كله ينضح خيانة؟

    خدعة القضاء على « الثورة » الريفية في « رمشة عين »

    على إثر خدعة إخماد ثورة الريف دون إراقة دماء، بعد كشف أمر المتاجرة والمؤامرة في اتفاقية « ايكس ليبان » المعلنة عن الاستقلال المبتور للبلاد، اندلعت أحداث دموية بالريف بلغت ذروتها خلال سنتي 1958 و 1959، تدخلت خلالها القوات المسلحة، حديثة التأسيس حينئذ بقيادة الراحل الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك، الذي كان قد وعد أباه محمد الخامس أنه سيعمل على حل المشكل بالتي هي أحسن دون إراقة دماء، غير أن الأمر كان خلاف ذلك.

    لقد اعتبرت جماعة من مقاومي وأعضاء جيش التحرير أن الاستقلال المعلن عنه، استقلال مبتور وبمواصفات خاصة لا تخدم آمال الشعب وانتظارات قواه الحية، لذلك قرروا عدم التخلي عن السلاح والاستمرار في حرب التحرير، فاتجه الجيش تحت قيادة محمد أوفقير لإبادة انتفاضة القبائل الريفية، احتجاجا على التلاعب بمفاوضات « ايكس ليبان » في حق المغرب والمغاربة.
    لقد أصرت جماعة من جيش التحرير على الاستمرار في المقاومة، حيث رفضوا طرح السلاح إلى حين تحرير سبتة ومليلية والصحراء والجزائر وكافة بلدان شمال افريقيا لتحقيق الاستقلال الكامل غير المنقوص. لذلك حظي هؤلاء بدعم الريفيين الذين سبق وأن عاينوا كفاح محمد بن عبد الكريم الخطابي. ومما أجج انتفاضة الريفيين، تعيين عامل بمنطقتهم أساء معاملتهم، فرفضوا بقاءه بين ظهرانيهم.
    لقد اعتبر أهل الريف اتفاقية « ايكس ليبان » اتفاقية الخزي والعار، وبين عشية وضحاها أصبح مقاومو الريف متمردين وفوضويين في نظر الرباط.
    في البداية، أرسل الملك الراحل محمد الخامس، المحجوبي أحرضان، الضابط السابق في الجيش الفرنسي، إلى أهل الريف قصد الوساطة بين البلاط وأعضاء جيش التحرير الرافضين للاستقلال الأعرج، غير أنه لم يُوفّق في مهمته، نظرا لسمعته السيئة بين صفوف أغلب أعضاء جيش التحرير بالشمال.

    كما أن التاريخ سجل أن المهدي بنبركة، وصف انتفاضة الريف بالانتفاضة « الإقطاعية »، وهي نغمة نشاز تنضاف إلى نغمة أخرى سبقتها، وهي مشاركته في مفاوضات « ايكس ليبان » وتزكيتها رغم علمه، هو القائد السياسي الواعي والمحنك، بعدم خدمتها لقضية المغاربة.
    لقد اندلعت المواجهات بين أبناء الريف في مقبرة الشهداء بأجدير، حيث سقط خلالها الكثير من القتلى. انتشر الغضب المستطير وسط السكان وتمترسوا في جبل « كوين »، وبذلك كانت انطلاقة العصيان الذي سرعان ما شمل المناطق المجاورة. وبدأ الحديث عن تشكيل حركة التحرير والإصلاح الريفية، وصدر ميثاق في 7 أكتوبر 1958، ركز على المطالبة بتسيير الريف من طرف الريفيين، وتم الإعلان عن تأسيس « جبهة النهضة الريفية » دفاعا عن « الكرامة الريفية ».
    وفي بداية يناير 1959 بدأ قمع الانتفاضة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم، حيث انتقل الراحل الحسن الثاني (ولي العهد آنذاك) رفقة محمد أوفقير إلى الريف، على رأس ما يناهز 20 ألف جندي، فتعرضت قرى الريف للقصف الجوي المكثف لمدة أسبوع ليل نهار.
    وأكد أكثر من مصدر أن طائرة الحسن الثاني أصيبت بعيارات نارية بسماء الحسيمة. وللتذكير بهذه النازلة سبق للراحل الحسن الثاني أن قال في إحدى خطبه سنة 1974: « [..] أما سكان الريف فهم يعرفونني جيدا ».
    كانت مواجهة الريفيين عنيفة ووحشية باستعمال الدبابات والطائرات والمدافع الرشاشة التي أُطلق عنانها عشوائيا.. هدمت البيوت ودهمت المنازل وحرقت المزروعات وبُقرت بطون بعض الحوامل واغتصبت نساء وفتيات… وحسب مصادر متعددة خلف الهجوم ما يناهز 8000 قتيل دفنوا في مقابر جماعية ناهيك عن آلاف الجرحى.
    تلك كانت خدعة « إخماد انتفاضة الريف بالتي هي أحسن دون إراقة دماء ».

    إن نظرة الملك الراحل الحسن الثاني للريف كانت خاصة ومطبوعة بحكم قيمة، له دوافعه تاريخيا، والذي شكل أرضية الانطلاق في التعامل مع هذه المنطقة على امتداد العهد االحسني. وقد تكرست اللبنات الأولى لهذا المنطلق منذ أحداث 1958 والفظاعات التي رافقتها.
    تلك كانت نقطة البداية، حيث تكرس هذا المنحى الذي، دفع سكان المنطقة – بشهادة أغلب المحللين – إلى التوجه نحو الخارج مبكرا، والذي كان بالنسبة لأغلب الريفيين المنفذ الوحيد للتمكن من تحسين واقع حالهم والتوق إلى غد أفضل من يومهم.

    ثلاث مخابرات خدعت الملك الحسن الثاني

    ظلت جهات خارجية، غير بعيدة عن الملك الراحل الحسن الثاني، أحيانا، عبر علاقات مباشرة وفي غالب الأحيان عبر عملاء أو علاقات وطيدة مع أقرب المحيطين بالملك والمقربين من البلاط ودوائر صناعة القرار، تحاول خداعه.
    إنها الموساد الإسرائيلية والمخابرات المركزية الأمريكية (سي- إي- يا) ومديرية التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس التابعة للمخابرات الفرنسية.
    وظلت هذه الجهات قريبة من القصر الملكي لدواعي مرتبطة بأمن الأسرة الملكية والقصور، كما أنها لم تكن غائبة كليا عن ركح الصراع حول السلطة، إما بدعم المعارضة أو دعم النظام، للتخلص من هذه الأخيرة أو بالإشراف على تكوين عناصر الأجهزة الأمنية والمخابراتية المغربية وإعادة هيكلتها من فترة لأخرى، وبفضل عناصر هذه الجهات تمكنت المخابرات والأجهزة الأمنية المغربية من اختراق الأحزاب السياسية واستدراج بعض قاداتها للتعامل معها.
    وفي فترات معينة عملت بعض عناصر هذه الجهات الأجنبية، إما بتنسيق فيما بينها أو كل واحدة على حدة، على التخطيط بهدف التخلص من الملك الراحل الحسن الثاني

    في منتصف سبعينات القرن الماضي، بعد نجاح المسيرة الخضراء، كلف الملك الراحل الحسن الثاني، وزيره الأول وصهره أحمد عصمان، بمعية أحمد العسكي، باقتناء طائرة من نوع « بوينغ 727 » آخر موديل، لجعلها طائرته الخاصة تعويضا عن الطائرة « بوينغ 727 » التي تعرضت للقصف سنة 1972، في الانقلاب العسكري الثاني، الفاشل.

    ففي غشت 1972، كان الراحل الحسن الثاني، قد توجه إلى فرنسا لقضاء بضعة أسابيع في قصر « بيتز » على بعد ستين كيلومتر من باريس، الذي كان في ملكيته. وفي طريق عودته على متن طائرة « بوينغ 727″، فوجئ ربانها، العقيد القباج وهو على مشارف أجواء جبل طارق بسرب من طائرات « إف5 » تطارد الطائرة الملكية، وبينما الربان يحاول، دون جدوى الاتصال ببرج المراقبة، كانت إحدى طائرات « إف5″، قد شرعت في قصف مكثف للطائرة الملكية بين تطوان ومولاي بوسلهام، مما أسفر عن مقتل شخصين، ولم يكن أمام العقيد القباج سوى الحفاظ على توازن الطائرة كي تهبط في الأخير بأعجوبة بمطار الرباط سلا. نزل الملك متسترا من الطائرة المعطوبة التي قبع بداخلها في انتظار سيارة نقلته إلى جهة معينة بالرباط، حيث التحق به شقيقه الأمير الراحل مولاي عبد الله، رفقة الجنرال عبد الحفيظ العلوي والعقيد أحمد الدليمي آنذاك. وبعد تهدئة الأجواء واعتقال المتهمين، تم عرض طائرة « بوينغ 727″، بعد أسابيع، في متحف لمعدات طائرة « بوينغ »، إذ ذهل الخبراء والتقنيون الذين لم يصدقوا أن تكون الطائرة نجحت في مواصلة التحليق ثم الهبوط، سالمة تحت وابل من الرصاص والقصف المكثف.
    بعد الامتنان بالربان العقيد القباج، أعجب الملك الراحل الحسن الثاني بهذه الطائرة، فأمر باقتناء طائرة أخرى « بوينغ 727″، مجهزة بطريقة أفضل وبأحدث المعدات الالكترونية والوقائية، مع إعادة تصميمها من الداخل لتكون جاهزة للاستعمال خصيصا لرحلاته، تضمن كافة أجواء الراحة الكاملة (مقاعد من الجلد الفاخر، مقابض أحزمة الأمان مصممة بشكل فريد، لوحات لكبار الرسامين تغطي بعض أركانها..).
    في هذه الفترة (منتصف السبعينات) كان الملوك ورؤساء الدول وكبار أثرياء العالم، يفضلون طائرات « بوينغ » عن غيرها لاستخدامها كطائرات خاصة.

    أبرمت الصفقة، لكن تبين أن الطائرة لم تكن جديدة وإنما سبق استعمالها، حيث أعيد طلاؤها وتغيير أثاثها وديكورها، وتقديمها في الأخير للملك على أنها جديدة ومبتكرة!
    وحسب مصدرنا، اتصلت جهات أجنبية مقربة من مصانع « بوينغ » الأمريكية، إضافة إلى جهة أخرى تابعة للوكالة الوطنية للأبحاث (NASA)، بشخصية مقربة من الملك الراحل الحسن الثاني وبشخصيات تعمل في سفارة المغرب بواشنطن وأخرى بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، لكشف حقيقة الطائرة الملكية الجديدة، التي أبرم صفقتها أحمد العسكي باعتباره وزير الأشغال العمومية وقتئذ.

    كشفت كل هذه الجهات أن الطائرة المقتناة بدت كأنها جديدة وبالسعر المحدد من طرف الشركة، غير أنها طائرة مستعملة أعيد ترميمها. وأكد مصدرنا رغم أن صفقة الطائرة الملكية المغشوشة سارت على كل الألسنة وشغلت الرأي العام، ومع ذلك تم طمس ملفها بل وإقباره. مقابل ذلك سطع نجم الشخصين الذين ارتبط اسمهما بالصفقة، أحمد عصمان وأحمد العسكي: ترأس الأول حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد خلقه على طريقة « الكوكوت مينوت » للفوز بغالبية المقاعد في انتخابات بداية الثمانيات، في حين انتخب أحمد العسكي، تحت لواء نفس الحزب، بالعاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، وقد سبق لهذا الأخير، أن ترأس ودادية مهندسي القناطر والطرق، بين 1962 و 1963، كما عين وزيرا للفلاحة فيما بين 11 غشت 1970 و 23 أبريل 1971، وكان في منتصف السبعينات أحد التقنوقراطيين البارزين، بعد تخرجه من إحدى أكبر المدارس التقنية الفرنسية، مدرسة القناطر والطرق، وفور تخرجه ورجوعه إلى أرض الوطن، تحمل مسؤولية تسيير ميناء الدار البيضاء، (بين 1963 و 1965)، وقد توفي وهو يبلغ 74 سنة، في 28 نونبر 2004.

    ومن المعلوم أنه توجد شركات ووسائط أوروبية وأمريكية تنشط في بيع الطائرات المستعملة من مختلف الأنواع والموديلات، وأن أسعارها تختلف حسب الموديل والحجم والنوع وعدد المحركات، وسعر طائرة « بوينغ 727 » موديل 1977 يناهز 12 مليون دولار (ما يقارب 120 مليون درهم).

    نازلة كديرة صديق الملك

    من النوازل التي تفوح منها رائحة الخدعة توهيم أحمد رضا كديرة قبل مرضه، الملك الراحل الحسن الثاني، بضمان استقراره في المغرب، دون نية مغادرته، في حين أن هذا الأخير كان بصدد تهريب كل ثرواته إلى الديار الفرنسية!
    انكشف الأمر عندما علم الملك أن صديقه ومستشاره السابق، طريح الفراش، فعزم على زيارته. وفي طريقه إلى إقامة أحمد رضا كديرة، لاحظ الراحل الحسن الثاني أن سائقه الخاص يقوده خارج العاصمة الرباط، معتقدا أن صديقه يقطن بالقصر الذي شيده على أرض منحها إياه، تقع بالقرب من إقامات الأمراء والأميرات بالرباط وليس خارجها.
    استفسر سائقه، فأكد له أن تلك الأرض لم تعد في ملكية أحمد رضا كديرة، لأن هذا الأخير باعها قديما للمعطي بوعبيد!

    زاد امتعاض الملك الراحل الحسن الثاني عندما عاين إقامة صديقه ببيت متواضع بتمارة لا يتوفر سوى على أثاث قليل جدا، وجده مستلقيا على سرير إلى جانبه كرسيان في غرفة متواضعة خاوية على عروشها، وقيل له، بعد سيل من الأسئلة، إن استقرار أحمد رضا كديرة بذلك البيت المتواضع مؤقت، في انتظار رحيله إلى الديار الفرنسية للإقامة هناك، بعد أن باع كل أملاكه وصفى كل مصالحه بالمغرب، وهرَّب أمواله إلى الخارج. لم يستسغ الملك الراحل الحسن الثاني أن يقدم أقرب أصدقائه على تهريب كل ممتلكاته إلى فرنسا للاستقرار بها دون إخباره بالأمر، هو الذي كان يثق به ويشاركه جميع أسراره، علما أن الظرف تزامن مع فكرة الملك عن خطر السكتة القلبية للمغرب آنذاك.

    الصحفي « الحر » لا يكشف عن مصدره؟!

    فصول هذه القصة تعود إلى مطلع السبعينات، وتحديدا عام 1972، حيث استقبل الراحل الحسن الثاني وقتها زعماء الكتلة الوطنية (عبد الله ابراهيم، المحجوب بن الصديق، عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي)، حيث دخل معهم في مفاوضات سرية انتهت بأدائهم القسم على المصحف الكريم، بعدم إفشاء ما راج بينهم أثناء المقابلة إياها.

    في اليوم الموالي استدعى عبد القادر الصحراوي (وزير الإعلام ساعتها) الصحفي مصطفى العلوي فأخبره بأن الملك الحسن الثاني سيرسل له مبعوثا ملكيا خاصا، وكذلك كان، حيث فاجأه عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة رفقة أربعة (مخازنية)، ليعلمه بأن الملك الحسن الثاني كان سيستقبله شخصيا لولا إصابته بنزلة زكام حالت دون ذلك، وأنه جاء مبعوثا بالنيابة عنه. طلب منه بن منصور، باسم الملك أن يشرح له سر الخبر الذي نشره في صحيفته حول المقابلة التي أقسم فيها هؤلاء الزعماء على المصحف بألا يُسربوا الخبر خارج أسوار القصر، وأن يقدم له بيانات حول المصدر الذي أسر له بالخبر، أو بالأحرى الشخص الذي أفشى سر الملك. وكان الملك الراحل قد أرسل مع عبد الوهاب بن منصور ظرفا مفتوحا، سلمه إياه أحد « المخازنية » ليكتب فيه اسم هذا المصدر، ثم ناوله لـ « مخزني » آخر حفاظا على السرية التامة، للعملية التي دارت أطوارها في منزل وزير الإعلام. فعلا كتب مصطفى العلوي على ورقة أخرجها من الظرف (يا سيدي إنك قابلتني في مراكش بتاريخ كذا، وقلت لي إن الصحافي الحر لا يكشف عن مصدره) ثم سلمها بعد ذلك لـ »المخزني » بعد أن وضعها في الظرف.
    بعد ذلك تدخل البوليس وطرد صحافيا من أصول جزائرية كان يشتغل لحساب وكالة « يونايتد بريس »، على اعتبار أنه الشخص الذي كان وراء توصل مصطفى العلوي بالخبر إياه.

    اغتيال مشروع ملك « كاريان سانطرال »

    مشروع بلوره الراحل محمد الخامس، وحرص الراحل الحسن الثاني على أن ينجزه على أرض الواقع، إلا أن شلة عبد العزيز العفورة، المسنودة من طرف إدريس البصري وصهره، نصبت على الملك وحولت المشروع عن مرماه الأصلي. تعثر هذا الأخير أكثر من مرة وتبددت أمواله في منتصف الطريق. إنه مشروع الحسن الثاني العقاري الرامي إلى إيواء سكان « كاريان سنطرال » بالدار البيضاء، الذي اغتالته الطغمة « البصروية »، في مهده. ولا زال ضحايا نصبها واحتيالها محرومين من السكن اللائق الذي وعدهم به الملك الراحل محمد الخامس، الملقب من طرف الاستعمار بـ « سلطان الكاريان »، وحرص بعده، ابنه الراحل الحسن الثاني على تحقيقه، وفاء لرغبة والده.

    بدأت حكاية هذا المشروع في السنوات الأولى من الاستقلال، حيث أصدر الراحل محمد الخامس بنفسه تعليمات واضحة ترمي إلى بناء مساكن لائقة لكل قاطني « الكاريان » الكائن بالحي المحمدي ـ عين السبع. ومنذ اعتلائه عرش البلاد سنة 1961، تابع الملك الراحل الحسن الثاني هذا « الحلم الملكي »، حيث جدد تعليمات والده وكلف إدريس البصري، وزيره في الداخلية، في بداية الثمانيات بإنجازه.
    ضم هذا المشروع تشييد 10 آلاف مسكن على مساحة 44 هكتارا، وبدأت الأشغال، لكن سرعان ما توقفت بفعل تبديد وتحويل واختلاس أجزاء هامة من الأموال العمومية المرصودة له.
    ففي التسعينات أعطيت انطلاقة ثانية لمشروع تشييد 10 آلاف مسكن اقتصادي لفائدة سكان « الكاريان »، وتم الاتفاق مع شركة « كوجيبا »، من أجل انجازه، وبعد انطلاق الأشغال انكشف أمر النصب والاحتيال، حيث تم اعتماد خدعة، مفادها إنجاز 6 آلاف مسكن اقتصادي (عوض 10 آلاف) و 4 آلاف شقة غير مرصودة لقاطني « الكاريان » خلاف ما أقرت به رغبة الملكين؟! تم تحديد ثمن 6 آلاف مسكن اقتصادي في 100 ألف درهم، في حين تحدد ثمن 4 آلاف شقة المتبقية في 200 ألف درهم، بعد حرمان قاطني « الكاريان » منها. هكذا تم التخطيط للخدعة، ورغم ذلك لم يتم انجاز ـ حتى ـ ما تم تسطيره نصبا واحتيالا!
    وفي نهاية المطاف، لم يتمكن النصابون سوى من تشييد 2121 مسكن من أصل 10 آلاف، ولم تتحقق رغبة الملكين، محمد الخامس والحسن الثاني، بفعل احتيال وفساد « طغمة البصري »، ولا زال عدد كبير من قاطني « الكاريان » يعانون لحد الآن، مات الأجداد والآباء وبقي الأولاد، والأحفاد محرومين من حق أقر به الملكان منذ منتصف الخمسينات!

    يهود نصبوا على المغرب والمغاربة؟!

    أشار أكثر من مصدر أن شكوكا كثيرة ظلت تحوم حول « دافيد عمار » بخصوص النصب على البلاط ومجموعة من الموظفين السامين، بشأن مبالغ مالية « طيطانيكية »، تكلف بتوظيفها أو تهريبها للخارج، وبذلك تسبب هروبه من المغرب، في نهاية 1971، في ضياع مبالغ مالية هائلة من أموال الملك الراحل الحسن الثاني ومجموعة من الوزراء والضباط السامين وكبار رجال الأعمال المغاربة الذين كانوا يثقون به، لتهريب أجزاء مهمة من ثرواتهم إلى الخارج أو توظيفها هناك.

    لم يكن دافيد عمار شخصا غريبا عن البلاط ومجال الأعمال، فحول مائدته كانت تعقد الصفقات المريبة!
    آنذاك، في فجر سبعينات القرن الماضي، كان دافيد أول محتكر للحبوب ببلادنا وأول مستورد لها. وسّع نشاطه السياسي بعد الاستقلال، حيث أسس جمعية الوفاق التي ضمت حينئذ جميع رجال الأعمال، اليهود المغاربة.
    وبعد أن بدأت عملية تهريب اليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني، وحدوث كارثة الباخرة « بسيس » التي غرقت في عرض البحر، إذ لقي عشرات اليهود العجزة والأطفال حتفهم، توقف نشاط هذه الجمعية فحول دافيد اهتمامه، حيث لجأ إلى النخبة السياسية الموالية للبلاط فقوَّى صدقاته بالأعضاء المؤسسين لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) وبالمقربين من الملك، ضمنهم صهره أحمد عصمان. وبفضل هذه العلاقات تمكن دافيد من الفوز بمقعد بمجلس المستشارين، ففتح مكتبا للمعاملات التجارية بباريس كغطاء للقيام بتهريب الأموال وتوظيفها بالخارج لفائدة البلاط وكبار الأثرياء مقابل عملات ضخمة. ورغم ذلك اعتمد حيلا للسطو على كميات كبيرة منها، مما ساعده على توسيع نشاطه وبناء شبكة مهمة من العلاقات اخترقت دواليب الدولة حتى أضحى عدد كبير من الموظفين السامين والشخصيات الوازنة بالمغرب في خدمته!.

    حينما ورد اسمه بلائحة المتهمين في محاكمة الوزراء سنة 1971 (التي أحدثت من أجلها محكمة العدل الخاصة)، لم يصادف أدنى صعوبة في مغادرة المغرب بكل اطمئنان. ففي غضون شهر نونبر من سنة 1971 أشاع المشيعون في العاصمة، الرباط، أن دافيد عمار تمكن من مغادرة البلاد، رغم صدور أمر اعتقاله، وذلك برغبة من جميع أصدقائه وشركائه، وحتى ضحاياه، كي لا يفضح أمرهم. آنذاك كانت النيابة العامة لدى محكمة العدل الخاصة قد وجهت إليه تهمة منح رشوة لأحد الوزراء السابقين المعتقلين، قدرها سبعون مليون فرنك دفعة واحة!
    فور طلوع اسمه في لائحة المتابعين فر دافيد، تم ذلك يوم صدور الأمر باعتقاله، حيث أخبرته جهة وازنة بالأمر، فتوجه إلى مطار « طيط مليل » المدني وامتطى طائرة مدنية صغيرة في ملكية أحد أصدقائه، بعد أن طلب رخصة التوجه إلى مطار فاس. لكن عندما حلقت طائرته فوق العاصمة العلمية حولت مسارها إلى الناظور ثم المضيق لتحط بمطار « مالقا » الإسبانية بدعوى حدوث عطب طارئ.
    كان كل من « باروك دهان » و »سوسان » و »مانتو » وهم يهود مغاربة، قد اختفى أثرهم بعد هروب (دافيد). في البداية توجهوا إلى كندا، ثم استقروا بالكيان الصهيوني (إسرائيل) بعد أن خلفوا وراءهم عددا لا يستهان به من الأغبياء، الذين أصبحوا أثرياء بفضل مواقعهم ونفوذهم، وضعوا فيهم ثقتهم وكلفوهم بأموالهم التي طارت بمغادرتهم البلاد.

    ومن اليهود المغاربة الذين نصبوا على المغرب والمغاربة، الإخوان « أوحنا »، « بول » و »هنري »، خريجا المعاهد العليا بفرنسا.

    اضطلع الأول بمسؤولية إبرام شراكة مع المجموعة الإيطالية « إي. ني » (ENI) لإحداث أول مجموعة مغربية لتكرير النفط « لاسامير »، إذ كان قائما على صفقات اقتناء البترول الخام من الخارج، وموازاة مع ذلك ائتمنه البلاط والقيمون على أمورنا أموال عمومية طائلة ففر بجزء كبير منها، لكن الدوائر العليا تسترت عليه إلى حين تمكينه من حط الرحال بالكيان الصهيوني، حيث أنشأ هناك مختبرا للأبحاث في مجال البترول والبيئة بتل أبيب.
    أما الثاني، « هنري أوحنا »، فقد تمكن من ولوج سلك الإدارة العمومية، إذ قام بتسيير مجموعة من الدواوين الوزارية، منها الفلاحة والتجارة والمالية، إذ تألق في مشواره حتى تمكن من الاستحواذ على منصب ممثل المكتب الشريف للتصدير بالديار الأوروبية، وتزامنت مرحلته مع اختفاء مبالغ مالية هائلة من عوائد المكتب دون أن يظهر لها أثر، إضافة إلى أموال أخرى كان يقوم بتهريبها لفائدة شخصيات وازنة في البلاد، مستغلا منصبه. كما كان « هنري » هذا أول من روج، منذ 1968، لبيع المصانع الجاهزة (CLEF EN MAINS) بالمغرب الذي غادره مباشرة بعد انقلاب يوليوز 1971 متوجها إلى إسرائيل.

    وقد عمل الإخوان أوحنا (« هنري » و »بول »)، « روبير أسراف »، « مانتو » وشريكه « باروخ دهان » و »سويسا »، وهؤلاء جميعهم يهود مغاربة، على استثمار الأموال المهربة من المغرب (أموالهم والأموال المحصل عليها بالنصب والاحتيال) بالكيان الصهيوني.
    وقد كشفت محاكمة الوزارة سنة 1971 أن « باروخ دهان » وشركاءه تلاعبوا بأموال صندوق الإيداع والتدبير بتواطؤ مع القيمين عليه، وأغلب هذه الأموال عرفت طريقها إلى إسرائيل.

    ترشيح مشبوهين لنيل أوسمة ملكية

    لقد تعرض الملك الراحل الحسن الثاني أكثر من مرّة لخدع بخصوص التقارير المرتبطة بالمرشحين لنيل أوسمة ملكية.
    كما دأب بعض المقربين من الملك على ترشيح أشخاص للأوسمة رغم تورطهم البيّن في ترويج المخدرات والاغتناء السريع عن طريقها. ضمن هؤلاء رشيد التمسماني الذي تمكّن من رئاسة الفريق التطواني لكرة القدم والوصول إلى الجامعة الملكية سنة 1995، ومنها فُتحت له أبواب البلاط ليوشحه الملك الراحل الحسن الثاني بوسام ملكي.
    لم يخبر إدريس البصري الملك بحقيقة التمسماني، رغم علمه بأنه أحد كبار « بارونات » المخدرات بالشمال، ورغم إدراج اسمه في لائحة الحملة التطهيرية التي أعدها للتخفيف من الحرج الذي أحدثه تقرير المرصد الجيو استراتيجي للمخدرات بالنسبة للمغرب وملكه أيضا.
    « نصابة » حاولوا تسميم علاقة الحسن الثاني بأخيه

    لم يكن الأمير الراحل مولاي عبد الله، أخ الملك الراحل الحسن الثاني، ضحية مؤامرات من ذيول الخيانة، مستهدفا من طرف تدبير مخابراتي فقط، وإنما كان كذلك ضحية لأكثر من حالة نصب واحتيال، الكثير منها استهدفت تأليب أخيه الملك عليه، وتسميم علاقتهما. ولم يكن الراحل الحسن الثاني على علم بالعديد من جوانب هذه المؤامرات، كما أن أخاه الأمير الراحل مولاي عبد الله اختار، عن طيب خاطر، التعالي عليها نظرا لطيبوبته وعدم اهتمامه بدواليب الحكم واللهث وراء السلطة، ولكونه سعى إلى العيش مهتما بأسرته ونفسه، غير مبال بما يخرج عن النمط الحياتي الذي اختاره.

    وتظل أكبر عملية احتيال تعرض لها الأمير الراحل، خطة وضعها مجموعة من الخونة وبعض أقطاب سلطة الاحتلال الفرنسي، الرامية إلى وقف موجة الغضب الشعبي بعد تنحية الملك محمد الخامس عن العرش، مفادها الإعلان عن تعيين الأمير مولاي عبد الله ملكا بدل والده وإبعاد الملك محمد الخامس آنذاك وولي عهده الحسن الثاني عن المغرب، وقد علق الملك في خطاب العرش على ذلك يوم 18 نونبر 1952 بالقول : « .. الحماية الفرنسية بالمغرب مثل قميص أعد لطفل صغير، كَبُر الطفل ونما وترعرع وبقي القميص على حاله ».
    ومن القضايا التي كانت سببا في خلافات الأمير مع أخيه الملك، أن جماعة من المقربين كانوا يستغلون هذا القرب للتفاوض باسمه ولتنمية مصالحهم والنصب على آخرين.
    وقد اكتشف الملك الراحل الحسن الثاني عدة حالات من هذا القبيل، لذلك ما فتئ يلوم أخاه، وبشدّة أحيانا ، بخصوص علاقته بأشخاص دأبوا على الإساءة له.
    لقد كان معروفا عن الأمير الراحل مولاي عبد الله تعلقه بأصدقاء طفولته وشبابه، سيما الذين درسوا معه في المعهد المولوي، بينهم عبد الحق القادري وجنان، وقد كان هذا الأخير قائما على مجموعة من مصالحه ومشاريعه.
    ظل الأمير الراحل متسامحا يغفر للمخطئين في حقه بكل سماحة وسهولة. الشيء الذي دفع بعض المقربين منه للنصب على الغير باسمه، قصد السطو على عقارات وأراضي زراعية أو الاستيلاء على شركات، غير أن أمرهم سيفضح فيما بعد.
    ومن النوازل التي أقلقت الملك آنذاك، محاولة بعض ا لمقربين من الأمير السطو على أراضي لإقامة تجزئات أو ضيعات باسمه وتوهيم أصحابها والقائمين عليها بأن ذلك يدخل في إطار تحقيق رغبات الأمير؛ ومن الحالات التي انكشف أمرها، أرض بالفوارات وأراضي أولاد خليفة بالغرب التي أثارت ضجة اجتماعية كبيرة في فجر السبعينات، وقد سقط على إثرها فلاحون بفعل القمع الدموي الذي أشرف عليه شخصيا الجنرال محمد أوفقير، وقد ارتبطت هذه القضية بوسيط يدعى « لوموان ».
    وانكشف أيضا أمر سطو آخر باسم الأمير ودون علمه، تورط فيه الكولونيل بوبكر. وكان جل المقربين منه والمحيطين به يتاجرون باسمه، ورغم علمه بتصرفاتهم المشينة وانكشاف بعضهم لم يسبق للأمير الراحل أن كان سببا في إيذاء أحد منهم.
    وبعد وفاته، سطا الكثير من هؤلاء على جملة من أمواله وأملاكه، ضمنهم شخصيات وازنة في الدولة. ورغم تدخل الملك الراحل بهذا الخصوص، تمكن جلهم من الاستحواذ على جزء من تركة المرحوم الذي كان يثق بهم كثيرا، وقد أضحى بعضهم، بين عشية وضحاها من أكبر الأثرياء.
    ما دفع الملك الراحل الحسن الثاني، بعد وفاة أخيه، إلى البحث عن الذين كانوا يتصرفون في أموال وعقارات وشركات أخيه، عندما اكتشف، بالحجة والدليل أنهم نصبوا عليه فعلا.

    القنبلة النووية المغربية مجرد نصب واحتيال

    في نهاية سبعينات القرن الماضي كانت بلادنا ضحية عملية نصب واحتيال، يمكن عنونتها بوهم القنبلة النووية المغربية.
    آنذاك حدث لقاء مع الباحث الفرنسي « آلان بيكر »، وبالضبط يوم 25 أكتوبر 1981، حيث أوهم ضباط سامين مغاربة أنه من ا لممكن التفكير في إنتاج قنبلة نووية باستعمال اليورانيوم المستخرج من فوسفاط بوكراع، وهو من النوع u 235 الصالح لهذا الغرض.

    بعد اللقاء الأول مع الباحث الفرنسي، رئيس المعهد الدولي للإبداع والاختراع، الذي تم في سرية تامة، تلافيا لإخبار الجارة الجزائر والبلدان الأوروبية بالأمر، تم منح كل الصلاحيات لعناصر المديرية العامة للدراسات والتوثيق (لادجيد) تحت إمرة الجنرال أحمد الدليمي قصد تمكينهم من تجاوز كل العراقيل البيروقراطية والتغلب عليها.
    كما أن كل الموارد البشرية والوسائل التقنية وكافة المستندات والكفاءات التي بحوزة وزارة الطاقة- كانت تحت إشراف موسى السعدي آنذاك – وُضعت رهن إشارة الباحث الفرنسي لإنجاح مشروع « القنبلة النووية المغربية » والذي أطلق عليه اسم « كازوجين ».
    وقد جرى اللقاء مع الباحث الفرنسي « ألان بيكر » بالعاصمة البلجيكية (بروكسيل) عبر وساطة أحد مستشاري السفارة المغربية هناك، يٌُدعى بنموسى، هذا الأخير رتب لقاء يوم 25 أكتوبر 1981 بينه وبين ضباط سامين مغاربة، طلب خلاله الباحث الفرنسي ما يناهز 300 مليون درهم وجملة من المعدات الواجب اقتناؤها من إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، تحت غطاء استيراد تجهيزات خاصة بقطاع النسيج. تمت الموافقة على دفع نصف المبلغ المالي المتفق عليه لحظة التوقيع على العقد وإرجاء النصف الثاني إلى حين إجراء أول تجربة مقنعة.

    غير أن هذا المشروع لم ير النور، إذ لم يتم حتى الشروع في إنجازه. وقد قيل إنه تم التنصت على مكالمة هاتفية بين الباحث الفرنسي « آلان بيكر » وأحد معاونيه عندما كان مقيما بأحد الفنادق الراقية بمدينة أكادير، حيث تلفظ بما معناه .. » سنضحك على هؤلاء الأغبياء .. فهل يعتقدون أننا سنمكنهم من قنبلة نووية بهذه السهولة؟! »
    علما أن الكثيرين لم يستسيغوا هذه الرواية، باعتبار أن الباحث الفرنسي زار المغرب أكثر من مرة بعد إقامته بالفندق بمدينة أكادير.

    حين نصب هشام المندري على الملك

    في المرحلة الأخيرة من حياته، تعرض الملك الراحل الحسن الثاني لأكثر من عملية نصب وسرقة همت أحيانا أشياء خاصة به، كما حدث بخصوص الخاتم الملكي الذي اختفى من مكانه إضافة إلى مجموعة من الوثائق المهمة التي تم السطو عليها من مكتب أحد مستشاريه، وساعات ثمينة ناهيك عن أشياء أخرى غالية الثمن، سرقت من غرف الملك الخاصة، كما تبخرت كميات هائلة من الأموال (دراهم، دولارات وأوروات…) ومستندات من خزائن غرف الملك الحديدية.
    غير أن أكبر عملية نصب وسرقة تعرض لها الملك الراحل الحسن الثاني، حدثت في صيف سنة 1998، عندما عاد من زيارة رسمية إلى مصر، حيث لوحظ اختفاء دفتر شيكات خاص بالملك، وحقيبة مملوءة عن آخرها بالدولارات الأمريكية، من عقر غرفته الخاصة، التي لا يلجها إلا قليلون معلومون، على رأسهم فريدة الشرقاوي، امرأة ثقة الملك الأولى، إذ كانت القيّمة على مختلف تفاصيل ودقائق الغرف الخاصة للملك، الماسكة بمفاتيح خزائنه وأرقامها السرية ومستودعات أمواله (بالدرهم والدولار والأورو).
    وقد تناسلت بهذا الخصوص أكثر من رواية منها احتمال تواطؤ فريدة الشرقاوي مع هشام المندري على تهريب أموال وشيكات ووثائق سرية خارج البلاد، منها كذلك احتمال رغبة فريدة الشرقاوي في تأمين أيامها القادمة بعد رحيل الملك الذي كان قد هدّه المرض وبدت عليه علامات اقتراب موعد التحاقه بالرفيق الأعلى، ومنها أيضا أن هشام المندري خدع الملك وامرأة ثقته الأولى، في ظرف غفلة واستغلاله لفلتان مراقبة شؤون القصر ودواليبه من يد الملك الذي أنهكه المرض وأغرقه في وجوم شديد.

    الإخوان بوريكات

    ظل الملك الراحل الحسن الثاني يعتبر أنه خدع من طرف الأجهزة الأمنية والقضاء بخصوص الإخوان بوريكات، إلى حد النصب عليه بتوهيمه أنهم متورطون في انقلاب كان يهيئه الجنرال أحمد الدليمي، وفي نوازل الاستيلاء على أموال طائلة بعد إنجاز صفقات مشبوهة بمال الملك واستغلال اسمه ونفوذه دون علمه.

    وبهذا الخصوص سبق للمؤلف الفرنسي « ايريك لوران »، صاحب كتاب « الحسن الثاني، ذاكرة ملك »، أن سأل الراحل الحسن الثاني عما إذا كان يظن أن فضيحة « نازلة الإخوان بوريكات » ناجمة عن خطأ فادح ارتكبته الأجهزة الأمنية والقضاء، فكان جوابه بالإيجاب، لكنه أضاف – حسب « لوران » ـ « إن تركهم يخرجون من السجن كان خطأ فادحا كذلك… »
    ومن المعلوم أن علي بوريكات تمكن من الحصول على اللجوء السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية مقابل كشفه عن جملة من الأسرار خاصة بالبلاط وبفرنسا، سيما تلك المتعلقة بشبكات الاتجار في المخدرات بمباركة مسؤولين مغاربة وفرنسيين وازنين مقربين جدا من دوائر صناعة القرارات الكبرى والحاسمة، وهم الذين ساهموا بشكل كبير في حماية كبار مهربي كورسيكا ومارسيليا وباريس، مما قوّى نفوذهم ونشاطهم تحت غطاء بعض الشركات المستقرة بالمغرب، أهمها شركة « بيرنو وريكار » التي كانت تتوفر على مختبرات لصنع الكوكايين على تراب بلادنا حسب ما أدلت به زوجة مالك الشركة المذكورة بالديار الأمريكية، حيث تقضى بقية عمرها بعد تمتيعها باللجوء السياسي.

    للإشارة أطلق سراح علي بوريكات رفقة شقيقه سنة 1991 من سجن تازمامارت، حيث تم اعتقالهم جميعا في صيف 1973 ولم تعرض قضيتهم على أنظار العدالة.

    هل أوفقير خدع الأسرة الملكية أكثر من مرّة؟

    إن المتتبع لمسار الجنرال محمد أوفقير، يتوصل بسهولة إلى صحة الفكرة القائلة بأن الجنرال فرضه الاستعمار الفرنسي فرضا على البلاط، قبل مغادرته بلادنا، ليحتل الموقع الذي ظل يحتله في دواليب صناعة القرار ودوائره، واستمر في احتلاله بفضل دعم الأمريكيين والموساد.
    حاليا، بعد تسليط الأضواء الكاشفة على عدّة زوايا من تاريخ المغرب كانت مغيبة أو مسكوت عنها، يطرح السؤال هل محمد أوفقير خدع الملكين محمد الخامس والحسن الثاني ونصب عليهما على امتداد مشواره؟
    لقد ظل محمد أوفقير يسعى إلى السلطة منذ أضحى محسوبا على الضباط. فمع بداية الإستقلال أخذ يبحث عن تثبيت قدميه في دواليب الحكم، وشرع بتأسيس مؤسسات عسكرية لتكوين رجال موالين له، عيّن على رأسها رجال ثقته. فقد عمل على أن يكون الكولونيل الفرنسي « كوردان » على رأس مدرسة الاتصالات بالقنيطرة ثم تلاه إدريس الزرهوني، والثانوية العسكرية بالقاعدة الجوية بالقنيطرة التي ترأسها الكولونيل الفرنسي « لا نجري » قبل أن يخلفه « لوباريز »..

    كما حرص محمد أوفقير على تعيين من يكّن له الولاء، من الذين عملوا بجانبه في الهند الصينية والفيتنام، في مناصب عسكرية ومدنية عليا.
    ومن المعلوم أن السلطات الفرنسية كانت قد اعتمدت على محمد أوفقير، بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس وتنصيب محمد بن عرفة، لعزل كل القواد ورجال السلطة الوطنيين وتعويضهم بمن شاركوه في الحرب العالمية الثانية تحت لواء الراية الفرنسية، وأغلب هؤلاء نعتوا بالخونة، غير أنه لم تصادر أملاكهم كما حدث للبعض، ضمن هؤلاء القائد اعبابو بالغرب والقائد بنسليمان… كل المحيطين بمحمد أوفقير، إما تربطهم به علاقة قرابة أو سبق لهم أن عملوا إلى جانبه في الجيش الفرنسي أو تخرجوا من مدارس الأعيان الموالين للاستعمار أو من أبناء الخونة.

    ونظرا لأن القنيطرة احتضنت أهم قاعدة جوية ذات أهمية استراتيجية « حلف أطلسية »، وأيضا لأن محمد أوفقير بدأ تقعيد نفوذه اعتمادا على المؤسسات التي أنشأنها بها، فإن هذه المدينة ظلت منطلقا لمجموعة من المؤامرات هندس لها الجنرال الدموي، بما في ذلك محاولة تسميم الملك الراحل الحسن الثاني بواسطة طباخ يدعى « صلاح » وانقلاب الصخيرات (أحد الأخوين اعبابو كان يقطن بالقنيطرة) والهجوم على الطائرة الملكية.. ولا يخفى على أحد أن الجنرال محمد أوفقير كان يقضي جل أوقات فراغه بالقنيطرة أو بضواحيها (الفوارات).
    كما أن محمد أوفقير وقف بقوّة ضد رغبة الملك الراحل محمد الخامس لما تبين بروز تيار « فرنسا الحرّة » تحت الاحتلال النازي. آنذاك كان الراحل محمد الخامس قد نادى على قائد منطقة الغرب وطلب منه أن ينشر رسالة دعم ومساندة تيار « فرنسا الحرة » وسط الضباط، غير أن محمد أوفقير والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي » النازية دبّروا جميعا مكيدة لقائد المنطقة وتخلصوا منه بعد علمهم بأمر الرسالة، حيث وضعوا مكانه القائد بوشعيب الحريزي الموالي لهم ولأوفقير حتى لا تصل رسالة الملك إلى أصحابها، وهذا ما أدى إلى وقوع معارك ضارية بين الأمريكيين والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي »، عند الإنزال بشواطئ المهدية.
    وكان محمد أوفقير أيضا ضمن المجموعة التي وقّعت على إبعاد الملك الراحل محمد الخامس عن العرش، إذ زكّى اختيار الإقامة العامة الفرنسية لمحمد بن عرفة كسلطان مفبرك. وفعلا اضطلع الضابط محمد أوفقير بمهمة الحراسة الخاصة لمحمد بن عرفة بعد تنصيبه، وكان القيم على أمنه الشخصي. ولم يقف محمد أوفقير عند هذا الحد، بل ظل يعمل في الخفاء، بجدية ونشاط، ضد عودة الملك الراحل محمد الخامس إلى عرشه حتى آخر لحظة.

    ومن المعلوم أن محمد أوفقير هو الذي تكلّف بمرافقة محمد بن عرفة إلى مدينة « نيس » الفرنسية للاستقرار بها بعد عودة الملك الشرعي إلى عرشه.
    فكيف خدع الملكين الراحلين، محمد الخامس والحسن الثاني في محمد أوفقير، رغم أن تاريخه كله ينضح خيانة؟

    خدعة القضاء على « الثورة » الريفية في « رمشة عين »

    على إثر خدعة إخماد ثورة الريف دون إراقة دماء، بعد كشف أمر المتاجرة والمؤامرة في اتفاقية « ايكس ليبان » المعلنة عن الاستقلال المبتور للبلاد، اندلعت أحداث دموية بالريف بلغت ذروتها خلال سنتي 1958 و 1959، تدخلت خلالها القوات المسلحة، حديثة التأسيس حينئذ بقيادة الراحل الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك، الذي كان قد وعد أباه محمد الخامس أنه سيعمل على حل المشكل بالتي هي أحسن دون إراقة دماء، غير أن الأمر كان خلاف ذلك.

    لقد اعتبرت جماعة من مقاومي وأعضاء جيش التحرير أن الاستقلال المعلن عنه، استقلال مبتور وبمواصفات خاصة لا تخدم آمال الشعب وانتظارات قواه الحية، لذلك قرروا عدم التخلي عن السلاح والاستمرار في حرب التحرير، فاتجه الجيش تحت قيادة محمد أوفقير لإبادة انتفاضة القبائل الريفية، احتجاجا على التلاعب بمفاوضات « ايكس ليبان » في حق المغرب والمغاربة.
    لقد أصرت جماعة من جيش التحرير على الاستمرار في المقاومة، حيث رفضوا طرح السلاح إلى حين تحرير سبتة ومليلية والصحراء والجزائر وكافة بلدان شمال افريقيا لتحقيق الاستقلال الكامل غير المنقوص. لذلك حظي هؤلاء بدعم الريفيين الذين سبق وأن عاينوا كفاح محمد بن عبد الكريم الخطابي. ومما أجج انتفاضة الريفيين، تعيين عامل بمنطقتهم أساء معاملتهم، فرفضوا بقاءه بين ظهرانيهم.
    لقد اعتبر أهل الريف اتفاقية « ايكس ليبان » اتفاقية الخزي والعار، وبين عشية وضحاها أصبح مقاومو الريف متمردين وفوضويين في نظر الرباط.
    في البداية، أرسل الملك الراحل محمد الخامس، المحجوبي أحرضان، الضابط السابق في الجيش الفرنسي، إلى أهل الريف قصد الوساطة بين البلاط وأعضاء جيش التحرير الرافضين للاستقلال الأعرج، غير أنه لم يُوفّق في مهمته، نظرا لسمعته السيئة بين صفوف أغلب أعضاء جيش التحرير بالشمال.

    كما أن التاريخ سجل أن المهدي بنبركة، وصف انتفاضة الريف بالانتفاضة « الإقطاعية »، وهي نغمة نشاز تنضاف إلى نغمة أخرى سبقتها، وهي مشاركته في مفاوضات « ايكس ليبان » وتزكيتها رغم علمه، هو القائد السياسي الواعي والمحنك، بعدم خدمتها لقضية المغاربة.
    لقد اندلعت المواجهات بين أبناء الريف في مقبرة الشهداء بأجدير، حيث سقط خلالها الكثير من القتلى. انتشر الغضب المستطير وسط السكان وتمترسوا في جبل « كوين »، وبذلك كانت انطلاقة العصيان الذي سرعان ما شمل المناطق المجاورة. وبدأ الحديث عن تشكيل حركة التحرير والإصلاح الريفية، وصدر ميثاق في 7 أكتوبر 1958، ركز على المطالبة بتسيير الريف من طرف الريفيين، وتم الإعلان عن تأسيس « جبهة النهضة الريفية » دفاعا عن « الكرامة الريفية ».
    وفي بداية يناير 1959 بدأ قمع الانتفاضة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم، حيث انتقل الراحل الحسن الثاني (ولي العهد آنذاك) رفقة محمد أوفقير إلى الريف، على رأس ما يناهز 20 ألف جندي، فتعرضت قرى الريف للقصف الجوي المكثف لمدة أسبوع ليل نهار.

    وأكد أكثر من مصدر أن طائرة الحسن الثاني أصيبت بعيارات نارية بسماء الحسيمة. وللتذكير بهذه النازلة سبق للراحل الحسن الثاني أن قال في إحدى خطبه سنة 1974: « [..] أما سكان الريف فهم يعرفونني جيدا ».
    كانت مواجهة الريفيين عنيفة ووحشية باستعمال الدبابات والطائرات والمدافع الرشاشة التي أُطلق عنانها عشوائيا.. هدمت البيوت ودهمت المنازل وحرقت المزروعات وبُقرت بطون بعض الحوامل واغتصبت نساء وفتيات… وحسب مصادر متعددة خلف الهجوم ما يناهز 8000 قتيل دفنوا في مقابر جماعية ناهيك عن آلاف الجرحى.
    تلك كانت خدعة « إخماد انتفاضة الريف بالتي هي أحسن دون إراقة دماء ».

    إن نظرة الملك الراحل الحسن الثاني للريف كانت خاصة ومطبوعة بحكم قيمة، له دوافعه تاريخيا، والذي شكل أرضية الانطلاق في التعامل مع هذه المنطقة على امتداد العهد االحسني. وقد تكرست اللبنات الأولى لهذا المنطلق منذ أحداث 1958 والفظاعات التي رافقتها.
    تلك كانت نقطة البداية، حيث تكرس هذا المنحى الذي، دفع سكان المنطقة – بشهادة أغلب المحللين – إلى التوجه نحو الخارج مبكرا، والذي كان بالنسبة لأغلب الريفيين المنفذ الوحيد للتمكن من تحسين واقع حالهم والتوق إلى غد أفضل من يومهم.

    ثلاث مخابرات خدعت الملك الحسن الثاني

    ظلت جهات خارجية، غير بعيدة عن الملك الراحل الحسن الثاني، أحيانا، عبر علاقات مباشرة وفي غالب الأحيان عبر عملاء أو علاقات وطيدة مع أقرب المحيطين بالملك والمقربين من البلاط ودوائر صناعة القرار، تحاول خداعه.
    إنها الموساد الإسرائيلية والمخابرات المركزية الأمريكية (سي- إي- يا) ومديرية التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس التابعة للمخابرات الفرنسية.
    وظلت هذه الجهات قريبة من القصر الملكي لدواعي مرتبطة بأمن الأسرة الملكية والقصور، كما أنها لم تكن غائبة كليا عن ركح الصراع حول السلطة، إما بدعم المعارضة أو دعم النظام، للتخلص من هذه الأخيرة أو بالإشراف على تكوين عناصر الأجهزة الأمنية والمخابراتية المغربية وإعادة هيكلتها من فترة لأخرى، وبفضل عناصر هذه الجهات تمكنت المخابرات والأجهزة الأمنية المغربية من اختراق الأحزاب السياسية واستدراج بعض قاداتها للتعامل معها.
    وفي فترات معينة عملت بعض عناصر هذه الجهات الأجنبية، إما بتنسيق فيما بينها أو كل واحدة على حدة، على التخطيط بهدف التخلص من الملك الراحل الحسن الثاني

  • بنسعيد يروي تفاصيل غضب الحسن الثاني عندما لم يُقبّل يده وما قام به البصري

    كشف الزعيم اليساري أيت ايدر في كتابه “هكذا تكلم.. محمد بن سعيد”، تفاصيل أول لقاء له بالملك الحسن الثاني بداية الثمانينات، حيث كان ذلك بمناسبة سفر وفد مغربي الى أديس أبابا للمشاركة في لقاء لمنظمة الوحدة الافريقية، وكان ذلك بالإقامة الملكية بفاس،

    يقول بنسعيد: “جاء دوري لأسلم على الملك فاكتفيت فقط بوضع يدي على كتفه.. لكن ما إن هممت بالانصراف حتى استوقفني وسألني بنبرة ذات مغزى. “شكون أنت”.. فكان أن أجبت بنفس النبرة.. “بنسعيد”، وغادرت.

    عند عودة الوفد من أديس أبابا، يقول أيت إيدر بعث إلي ادريس البصري وزير الداخلية، من يطلب مني أن أقبل يد الملك عند لقائه.. لكنني يقول أيت إيدر اكتفيت ثانية بوضع يدي على كتف الحسن الثاني، وهممت بالانصراف، إلا أنه استوقفني وقال لي، “المخزن عندو تقاليد خصك تحترمها”، ولم أجبه، وانصرفت الى حال سبيلي، يقول بنسعيد.

  • المغرب: غرائب ملك عاش خائفا من القتل

    عن المشعل

    « الحسن الثاني كان شخصا مرعوبا ومضطربا على الدوام ».. إنها الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها المرء وهو يطَّلع، بغير قليل من الدهشة، على بعض تفاصيل الحياة اليومية للملك الذي ظل مصرا طوال قرابة أربعة عقود، على أن يكون رئيس الدولة السياسي والعسكري والديني.. ناهيك عن ألقاب « الزينة » و »البطولة » من قبيل: « الرياضي الأول » و »الفنان الأول ».. وغيرها من التسميات، في كل المجالات التي ارتبطت بالتفوق والعبقرية البشريين.. بيد أن القلة القليلة جدا، كانت تعرف أن الحسن الثاني « تفوق » أيضا في جوانب أخرى مثل الخوف والقلق.. كيف لا والتفاصيل التي بين أيدينا، والتي راكمناها أثناء إعداد هذا الملف، تفيد أن الحسن الثاني، كان يخاف من أشياء كثيرة، منها حشود الناس حينما كان يصادف، أو يكون مُعدا له (كما حدث مرة في ليبيا، خلال زيارة رسمية بدعوة من العقيد « معمر القذافي ») أن يجد نفسه في مواجهة الجموع الغفيرة، حيث كان من أخوف ما يخافه، أن تُصوب اتجاهه طلقة قاتلة، تُسقِطه مضرجا في دمائه، كما حدث للرئيس المصري السابق « أنور السادات » على أيدي ضباط جيشه، كما أن الحسن الثاني، ظل قٌرابة ثلاثة عقود لا يسبح في مسبح القصر، مخافة أن يُفاجئه الانقلابيون وهو في وضع « مشين » لا يرتدي سوى « مايوه » السباحة..

    أما تفاصيل الحياة اليومية بالقصر، فكانت قطعة سميكة من توتر وقلق، أغلب الأيام، لأن مزاج الحسن الثاني كان شديد التعكير، بسبب هواجسه التي تُبقيه أغلب الليل مستيقظا، لينام حين يستيقظ أفراد « شعبه الوفي ».. ويقوم من فراشه عندما تكون الشمس قد مالت نحو النصف الأخير من اليوم.

    الحسن الثاني كان مُقيما على بساط من قلق.. إنها واحدة من الاستنتاجات، التي تمنحها المعطيات القليلة بهذا الشأن، لذا لم يكن مستغربا، أن يتحول شخصه إلى كتلة من غضب وقلق، وسخرية تقض مضاجع كل الذين اقتربوا منه، بهذا المستوى أو ذاك، كان على سبيل المثال، يقلب الأجواء بالقصر رأسا على عقب، حينما يستيقظ من نومه، كما كان يجد متعة كبيرة، في جعل ضيوفه ينتظرونه الساعات الطوال قبل أن « يشرفهم » بلقائه، كما لم يكن يتورع عن استدعاء وزراء حكوماته المُتعاقبة، في ساعات متأخرة من الليل، حيث تكون سِنّةُ النوم تُداعب أجفانهم.. إلى غيرها من التفاصيل، التي تثير لدى قارئها، أو المستمع إليها ابتسامة ساخرة، في أقل الأحوال، وفي أقصاها تحشد لديه تأملا كثيفا، في الطبيعة النفسية والشخصية الغريبة للحسن الثاني، الذي أصر على أن يحكم، ملايين المغاربة، الذين تضاعف عددهم ثلاث مرات، خلال فترة حكمه، على إيقاع مزاجه الخاص جدا.

    الملف التالي تجميع لبعض المعطيات التي تخللت الحياة اليومية للحسن الثاني، وأقرب المحيطين به، من أفراد أسرته، وباقي سكان القصر الذين قادهم قدرهم لـ « معايشة » كائن استثنائي.

    مخاوف لازمت الحسن الثاني طوال فترة حكمه

    ظلت المسألة الأمنية، في صلب الانشغالات خلال السنوات الثمانية والثلاثين، التي دامها حكم الحسن الثاني، وإذا كان الحديث قد انصب بهذا الصدد، ولو « باحتشام » على الآليات المؤسساتية والسياسية، التي اعتمدها الملك الراحل، لتحقيق رؤيته لشؤون الحكم، بما يجعل المؤسسة الملكية حجر الزاوية في النظام المغربي، على جميع المستويات.. فإن هناك جوانب وتفاصيل تمت لما هو شخصي ونفسي، حتمت وجود تلك السياسة الأمنية التي صُرِّفت في البلاد وبين العباد. منها مثلا أن الحسن الثاني كان رجلا مهووسا بأمنه الشخصي لاعتبارات عديدة، منها أيضا أنه اختار أن يستفرد لوحده بشؤون الحكم، وبالتالي كان ضروريا، حسب المنطق الذي اشتغل عليه، أن يتوفر على أذرع أمنية تجعله قادرا على الإمساك بزمام الأمور مهما كانت الظروف، وبطبيعة الحال لم يكن ذلك ليمر دون أن تبرز تناقضات عديدة، كان من أهمها أنه تعرض لمحاولتين انقلابيتين عسكريتين، على مدى سنتين متواليتين، كاد يفقد فيهما، ليس حياته فحسب، بل انمحاء النظام الملكي، ذلك أن الضباط الانقلابيين، لم يكونوا ليتركوا للملكية « ترف » الاستمرار في زمن كانت فيه الأنظمة العسكرية « موضة » في العالم العربي، والعديد من دول العالم الثالث، عبر أرجاء المعمور.

    وبطبيعة الحال، فقد كان من الصعب جدا على نظام ملكي، مطلق، بالشكل والمضمون اللذين أرادهما الحسن الثاني، أن يظل « ثابتا » في محيط محلي وإقليمي ودولي، متحول على المستويات الإيديولوجية (النموذجان الاشتراكي والاسلامي) لذا كانت تلك التناقضات النفسية تطفو على السطح، لكن لا تراها الأعين « المجردة » في بلاد كالمغرب، لم يكن فيه لوسائل الإعلام من دور آخر، غير « الإشادة » أو النقد المبطن، الذي لم يكن يسلم أصحابه (سيما في الصحافة الحزبية المعارِضة آنذاك) من الملاحقة والمتابعة، وبالتالي ظلت العديد من تلك التناقضات النفسية في أعلى مستوى هرم السلطة، حبيسة القلوب التي في الصدور، لدى الذين عايشوها من قلب مربع الحكم، والمُحيطين به. كما تناقل بعض العارفين بأسرار القصر، فما لأذن، الكثير من الغرائب والعجائب، عن التدبير النفسي لأمور الحكم، من نواته، أي القصر.. فعلوا ذلك بكثير من الحيطة والحذر. فالحيطان لها آذان كما يُقال، وثمة العديد من المآسي التي حلت ببعض الذين انفكت ألسنتهم قبل الأوان، غير أنه مع توالي السنوات، بدأت بعض التفاصيل العجيبة في الظهور إلى العلن، ولو في نطاق محدود، كان أغلبها مصدره كتابات أجنبية، نشرت على أعمدة الصحف الكبرى في أكثر من بلد غربي، ومؤلفات، عن الشأن المغربي، أغلبها فرنسي.

    وقبل أن نبرح هذه النقطة، بصدد حدة الموقف الأمني، المرتبط ببعض تفاصيل تناقضات التدبير الأمني، في أبعاده النفسية، يجدر بنا الإشارة إلى مُعطاة أوردها الضابط السابق، أحمد المرزوقي الذي قضى ثمانية عشر عاما في سجن « تازمامارت » السري، على خلفية اتهامه ومُحاكمته، بتهمة المشاركة في الانقلاب العسكري الأول سنة 1971، وتُفيد – أي المعطاة – ضمن كتاب المرزوقي « الزنزانة رقم عشرة » أن ضابط صف مغربي، نُقل سرا، وبلا مُحاكمة، إلى سجن « تازمامارت » لأنه نطق يوما بعبارات تذمر أمام زميل له، من المهمة الموكلة إليهما، وكانت تتمثل في حراسة مدخل قصر إحدى شخصيات القصر الملكي، ووصف « المرزوقي » الظروف المأساوية التي توفي فيها ذلك العسكري الشاب، بعدما كان قد دخل السجن الرهيب في هيئة بدنية صلبة، ليخرج جثة متهاوية، إلى قبر مجهول، ذلك لمجرد كلمة قالها في لحظة تأفف، لزميل له غير أمين!

    الواقعة إياها تشرح إلى أي مدى، كانت الاعتبارات النفسية هشة، بالنسبة لنواة الحكم في البلاد، وهي تكشف أيضا، عن الحساسية الفائقة، التي كانت لدى الحسن الثاني، كلما تعلق الأمر بسلامته الشخصية، و »هيبة » نظام حكمه المطلق.

    غير أنه في ثنايا كل تلك الصلابة الظاهرة، التي لم يتورع الحسن الثاني عن إفشائها بكل السبل والوسائل، مهما أمعنت في المُغالاة، كانت ثمة نفس قلقة مضطربة، تخشى من أهون « الإشارات » ولو كانت على شكل وشاية غير دقيقة، ففي التفاصيل التي انفكت عنها الألسنة، تأكد أن الحسن الثاني، كان شخصا مسكونا بالخوف، لا ينام من الليل إلا أقله، ولا يقرب الطعام إلا فيما ندر، كما أن حالته المزاجية لم تكن في غالب الأحيان على ما يُرام، وأنه كان يعيش أيامه وكابوس انقلاب عسكري وشيك، يتربص به حتى في غرفة نومه، كما أنه لم يكن يثق بأي شخص، بما في ذلك أقرب مُقربيه، مما حوله إلى شخص لا يُطاق، حتى في لحظات نومه، حيث كان مطلوبا أن يظل القصر « نائما » في عز النهار، حتى لا يتم التشويش على الملك النائم.

    التفاصيل كثيرة، غير أن أكثرها، ما زال طي الكتمان، ولا غرابة في ذلك، ما دام أن « تاريخ » المغرب السياسي، الذي رهن مصير أجيال المغاربة، لعقود طويلة، ما زال لم يُكتب بعد، ناهيك عن التفاصيل الشخصية والنفسية، التي أطَّرت السلوكات اليومية، للحسن الثاني، ذلك لأن أغلب هذه الأخيرة، تظل سجينة اعتبارات عديدة، منها مثلا أن المجتمع المغربي، ليس « بوحيا » (من البوح) بل « إخفائيا » (من الإخفاء) هذا إذا ما تجاوزنا « عقبة » اعتبارات الاحتراز والحذر، الأقرب إلى العصاب المرضي، كلما تعلق الأمر بأسرار رجالات السلطة النافذين، وعلى رأسهم الملك، حيث يفضل الناس عندنا « السلامة » على « الندامة ».. أما الذي يركب رأسه ويُفشي بما رآه من عورة الأسد، فيُشيع بتلك العبارة الدارجة، التي خلدت على لسان الممثلة والوزيرة « ثريا جبران » أو « قريتيف »: « ها ناري جابها فراسو ».

    مهما يكن من أمر، فإنه من المستحيل دائما، أن تظل كل الأشياء طي الكتمان، حيث يُقيض لها دائما، مَن يخرجها، ولو ببطء شديد، إلى النور، وهذا ما حدث، ويحدث حاليا مع الكثير من أسرار التناقضات الشخصية والنفسية، الزاخرة التي حبلت بها فترة الحكم الطويلة للحسن الثاني.

    ويمكن القول إن بعضا من التفاصيل المتوفرة بهذا الصدد، لا تخلو من غرابة، إذ كيف لامرئ مغربي « ألف » حتى « تكلس » وعيه، أن يفهم أن الحسن الثاني كان رجلا خائفا على الدوام، تطارده الكوابيس، ويشك في كل ما يحيط به، لأنه عاش لحظات عصيبة كاد أن يتحول فيها من مُطارد للناس إلى طريد، يجري وراءه العساكر وأيديهم على الزناد، لإردائه قتيلا متى أصبحت المسافة بينهم وبينه مُناسبة؟ كيف يمكن أن يفهم « يا أيها الناس » أن الملك الذي جعلهم يعتقدون، بقوة السلطة وجبروتها، أنه « أبدي » لا يموت.. (كيف لهم أن يفهموا).. أن الرجل كان إنسانا خائفا ومرعوبا، يتطير من خبر وقوع انقلاب في أحد أصقاع المعمور البعيدة، ويعتبره فألا سيئا، فيفسد نهاره بأكمله؟ وكيف لهم أن يفهموا، أن سكان القصر، سيما النساء، كُن دائما على أهبة الاستعداد للهرب في كل الاتجاهات، عند حدوث الأمر « الجلل » لدرجة أن الأحذية الرياضية كانت على الدوام تحث الأسرة، عسى يكون الإفلات؟ و.. و… وأسئلة كثيرة متناسلة، تحتاج إلى أجيال من المغاربة « المُبصرين » خلف هالة المُلك، الذي منحه الحسن الثاني « الصولة والصولجان » ليتسنى لهم أخيرا، فقط، الفهم،  أن الإنسان يظل إنسانا، ولو كان في قالب مُلك مرمري؟

    تحصينات الحسن الثاني المعمارية والبشرية

    لُقب الحسن الثاني بأنه كان ملكا رحالة، ليس بالمفهوم الذي كان عليه الرحالة المغربي الشهير « ابن بطوطة » بل في اتجاه معكوس، أي أن الحسن الثاني كان رحالة داخل المغرب من خلال التسعة وعشرين قصرا التي توفر عليها في شتى أنحاء البلاد، في مدن مثل أكَادير وطنجة ومراكش وإفران.. والدار البيضاء إلخ، قصور فخمة فسيحة، هي في ملكية الدولة « رسميا » لكنها ليست كذلك « فعليا » ناهيك عن عشرات « الفيلات » المُصممة على الطراز المعماري للقصور، المسورة بشكل كثيف، بما يجعلها بمنأى عن الأعين المتلصصة، وذلك من خلال الحراسة المشددة التي تحيط بها.. غير أن قصر العاصمة في حي « تواركَة » يظل هو مقر الإقامة الرسمي، وبالتالي الأكثر تشددا في الحراسة.. وبالنظر إلى كل ذلك الهوس الأمني للحسن الثاني، فقد كان « طبيعيا » أن تكون الحراسة مستمرة أربعة وعشرين ساعة على أربعة وعشرين، حوالي كل جنبات قصر الرباط،  الذي ظل رمزا معماريا لحكم العلويين منذ القرن الثامن عشر، فهو عبارة عن مدينة قائمة بذاتها، بأزقة ومصحة ومقبرة، ومجزرة لحوم، وثكنة عسكرية، ومسبحين، ومسالك الغولف، بثمانين حفرة، وملاعب كرة المضرب، وعشرات الفيلات، وغابة، ومركب سجني. إنها حسب وصف بعض الذين دخلوها، من بين خاصة الخاصة، مدينة متكاملة شبه مهجورة، لكن مئات الأعين مبثوثة في أرجائها، لا تترك مجالا للصدفة في أشد أركانها انعزالا.. فعند مستوى الحراسة الأول، هناك دائما عند كل مدخل من بين عشرات مداخل القصر الملكي بالرباط، حضور أمني مُكثف، قوامه أفراد من مختلف أجهزة الأمن السرية والعلنية، وفكرة الحسن الثاني من وراء ذلك، هي أن يراقب كل « عنصر » أمن الآخرين، في دوامة متشابكة ومعقدة لا تنتهي إلا لتبدأ، حيث يوجد جنبا إلى جنب، عساكر فرقة المظليين العسكرية، والحرس الملكي، وفرقة التدخل السريع، وحراس القصر الخاصين، والقوات المساعدة الملقبين بـ « الفرارج » ومئات من أفراد مديرية مراقبة التراب الوطني « دي .إيس.تي » ومكافحة التجسس « لادجيد » والدرك الملكي.. إلخ.

    علق أحد الصحافيين الغربيين، ممن كتبوا عن الأجواء الأمنية بالقصر الملكي بالرباط قائلا: « إنها أجواء تذكر بفضاءات قصص الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس، حيث يتعلق الأمر بعالم شديد الإبهام، عبر متاهات شديدة التركيب والتعقيد ».. لا غرابة في ذلك، بالنظر إلى الخوف المقيم، الذي كان لدى الحسن الثاني من انقلاب ثالث يأتي على الملك والملكية، ليحقق ما فشل فيه الانقلابان السابقان، لسنتين متواليتين (1971 و1972). لذا فإن كل ذلك الحذر الأمني، دفع الحسن الثاني، إلى اعتماد تصميم هندسي جديد للقصر،  جعلت ما هو « مهم » مختفيا بشكل يجعله لا يسترعي « الانتباه »، في حين أن الأقل أهمية، معروض بشكل سافر. فثمة مثلا أبواب خشب الأرز الثقيلة الضخمة، المنقوشة، لكنها لا تُفضي عند فتحها، سوى إلى مساحات فارغة، أما الأبهاء (جمع بهو) فكلها عبارة عن متاهات لا تنتهي، إلا إلى مزيد من التيه، أما الممرات، فتفضي إلى مزيد من أمثالها، بلا مخارج أو مداخل، بالنسبة لمن لا يمتلك أسرار جغرافيتها، هذا بينما تظل « الممرات » الحقيقية، سرا لأنها عبارة عن أسوار بلا منافذ، بالنسبة لمن لا يعرف المكان.. وحدها سراديب أدراج ضيقة جدا، إنارتها خافتة، لدرجة تبدو معها وكأنها ستؤدي إلى « لاكاب » تتجه إلى الإقامات الخاصة للحسن الثاني.

    لا أحد باستثناء الحسن الثاني، كان يعرف مداخل ومخارج تلك الأبهاء المتاهية، وللإشارة فإنه حتى بالنسبة لأفراد أسرته – أي الحسن الثاني – وأقرب المُقربين منه، كان حتما عليهم المرور عبر مرآب « كَراج » يوجد في مكان جانبي، وليس المدخل السري الخاص بالحسن الثاني، فهناك، أي عند المرآب المذكور، ثمة مربد السيارات إلى جانب بناية مجهولة حيث يقضي السائقون والحراس الشخصيين سحابة يومهم.

    إنها بعض متاهات قصر الحسن الثاني، التي صممها على هدي هواجس الخوف المُقيمة، كما سكنته طوال فترة حكمه.

    لا طائرة تطير في بلاد الحسن الثاني إلا بإذنه

    يتذكر أحد الصيادين المحترفين من مدينة القنيطرة، أن أحد مراكب الصيد غرق في عرض البحر قٌبالة شاطئ المهدية، خلال يوم عاصف من إحدى سنوات منتصف تسعينيات، القرن الماضي، لنستمع إلى الرجل وهو يحكي ما حدث: « كان على متن مركب الصيد سبعة صيادين، وبعدما توصلت إدارة الميناء بنداء الاستغاثة، تم الاتصال بقائد سرية الدرك الجهوية، من أجل تخصيص طائرة مروحية في عملية الإنقاذ » مُضيفا: « طال الانتظار الليل بأكمله، دون أن تظهر الطائرة المذكورة في الأفق » ليهلك الصيادون السبعة عن آخرهم في عرض البحر »!

    إن الواقعة المأساوية المذكورة، تُعتبر واحدة من بين عشرات غيرها، عبر المدن الساحلية المغربية، وقد كان كافيا أن يٌُصدر قائد سرية الدرك المحلية حينها، أمرا بإقلاع واحدة من عشرات الطائرات المروحية، مزودة بعتاد الإنقاذ اللازمة، من أطواق نجاة وسلالم حبال، ليتم إنقاذ الصيادين، غير أن هذه البساطة كانت تصطدم دائما بتعقيدات إدارية، لا تنتهي، فكما قال لنا الصياد القنيطري: « لقد علمنا فيما بعد، أن أي تحرك لطائرات الدرك، كان يحتاج إلى أمر خاص استثنائي من الجنرال حسني بنسليمان نفسه، كما أن هذا الأخير كان ضروريا أن يخطر الحسن الثاني شخصيا، بأمر إقلاع الطائرة والغرض منه، وهو ما لم يكن ممكنا حتى تصوره ».

    بالفعل، فمن يستطيع أن يتصور أن يقوم الجنرال « حسني بنسليمان » بإيقاظ الحسن الثاني من نومه، أو أن « يزعجه » حتى لو كان صاحيا (الحسن الثاني كان كائنا ليليا لا يؤوب إلى فراشه حتى الساعة الرابعة أو الخامسة صباحا)؟ لذا فقد كان حراس الموانئ يكتفون بـ » معايشة » آخر لحظات حياة طواقم الصيد المنكوبة، عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية، حتى يطوي عباب البحر أجساد الصيادين التعساء، الذين كان من سوء حظهم أنهم وُلدوا في بلاد يحكمها ملك « يتطير » من أي طيران في الجو بدون إذنه.

    ثمة ضمن أهم أسباب ذلك « التشدد » في منع الملاحة الجوية، بدون سبب « وجيه » أن الحسن الثاني، عاش لحظات عصيبة، يوم 16 غشت سنة 1972، حينما قنبلت طائرات القاعدة الجوية بمدينة القنيطرة طائرة « البوينغ » الملكية، حينما كان الحسن الثاني عائدا من سفر إلى فرنسا، ولولا سرعة بديهة الربان « القباج » لكان الحسن الثاني قد فارق الحياة منذ ذلك الحين، غير أن من بين النتائج « الوخيمة » لذلك، أن الملاحة الجوية، ظلت ممنوعة منذئذ، لأي غرض مهما كان مستعجلا، كأن يتعلق بإنقاذ أرواح بضعة صيادين كادحين، لقد كان ذلك أمرا مستحيلا، باعتبار حساسية موضوع إقلاع الطائرات بدون إذن من الحسن الثاني.

    يوم قال الحسن الثاني لـ « محمد المديوري »: « الفلاح الذي باغتني قتلني »!

    كانت المناسبة تدشين سد « الحسن الأول » أو « تاشواريت » بالتعبير الأمازيغي لأهل المنطقة حيث يقع السد، في منطقة جبلية قريبة من مدينة « أزيلال ».. والزمن كان إحدى سنوات منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي، الاستعدادات الأمنية والبروتوكولية كانت على أشدها، كيف لا والحسن الثاني إلى جانب الرئيس الفرنسي الاشتراكي « فرانسوا ميتيران » كانا سيقومان معا بعملية التدشين البروتوكولية.. كان الموكب المشهود يسير الهوينى، فوق الزرابي التي حشدها مقدمو وقياد دواوير المنطقة، وفجأة « انفلت » أحد الفلاحين من بين الحشد، مُخترقا كل « الأسوار » الأمنية والبشرية، قوامها رجال الأمن والدرك والقوات المساعدة، فضلا عن رجال الحرس الخاص، الذين كانوا متيقظين تحت أنظار « القط » محمد المديوري.. وبطبيعة الحال تسنى لهؤلاء الأخيرين أن يحولوا بين الرجل والحسن الثاني، لكن بعدما كان هذا الأخير قد اعتقد في لحظة مرت كالبرق، أنه إزاء عملية اغتيال انتحارية، ذلك أنه لم يعد يفصله عن « قاتله » المفترض سوى بضعة أمتار قليلة، كانت « كافية » ليتم القدر المحتوم.. وتبين بعد التحقيق مع مشروع « القاتل » أنه ليس سوى فلاحا بسيطا من الجوار يحمل رسالة مطلبية كان يريد تسليمها « يدا بيد » إلى الملك، غير أنه لم يُفلح في ذلك بطبيعة الحال، وبينما كان الحسن الثاني غارقا في « ذهوله » من فُجائية اللحظة، رمق « ميتران » المشهد بعينين مشدوهتين، سيما بعدما لاحظ الجلبة الكبيرة التي أحدثها الحُراس الشخصيون للحسن الثاني، وأفراد الأمن.

    أحد المصادر الذي عاين المشهد نقل إلينا أن الحسن الثاني توجه حينها غاضبا لرئيس حرسه الحاج « المديوري » قائلا: « من تلك المسافة إنني ميت ».. مما جعل « المديوري » يصب جام غضبه على مرؤوسيه، حيث أرسل بعضهم لإعادة « التكوين » في معهد الشرطة بالقنيطرة.

    يوم أمر الحسن الثاني بإقفال بئر في إفران لأسباب أمنية

    الواقعة التي سننقلها هنا بتفاصيلها الدالة، رواها لنا أحد الموظفين السابقين في القصر الملكي بمدينة إفران، وفي تفاصيلها أن الحسن الثاني كان كثيرا ما يتردد على المدينة الأطلسية المذكورة، حيث كان يحلو له مُمارسة هواية صيد سمك « الترويت ».. إذ أُحدثت من أجل ذلك،  مصايد خاصة، عبارة عن بحيرات صغيرة، تسهل على الملك عملية الاصطياد، أي أن لا يُخرج الصنارة خاوية أبدا.. وحدث أن الحسن الثاني خرج يوما من قصر « إفران » وحيدا، لمعرفته أن المساحة الشاسعة المحيطة بالقصر محروسة جيدا، ليس فقط بعشرات رجال الأمن، في الأوقات العادية، والذين يتضاعف عددهم حينما تُعتمد حالة الطوارئ عند إقامته بقصر « إفران ».. (ليس لذلك السبب فحسب) بل لوجود سياج عال من الأسلاك الشائكة، تحول بين القصر، وما جاوره على مدى قُطر دائري شاسع، وفي لحظة ما، يقول مصدرنا المذكور، وجد الحسن الثاني نفسه فجأة وجها لوجه مع امرأة من يا أيها الناس، تحمل عبوات (بيدوات) من ذلك النوع الذي يستخدمه بسطاء الناس في القرى لجلب الماء من مصادر طبيعية، جفل الحسن الثاني، عند رؤية المرأة، غير أنه لم ينبس ببنت شفة، وقفل راجعا إلى القصر الذي كان قد ابتعد عنه ببضعة مئات من الأمتار.. وهناك استشاط غضبا على المكلفين بالحراسة، وطلب بإنجاز تقرير على الفور، لمعرفة سبب « مُصادفته » المرأة القروية صاحبة « البيدوات » وعما قد يكون جاء بها إلى هناك.. وفي ساعات قليلة كان التفسير بين يديه، وكان كالتالي: إن مصادر المياه المعتادة، بالنسبة لبعض القرويين القاطنين في الجوار، كانت قد جفت بفعل شح السماء في تلك السنة، مما جعل بعض النساء والأطفال المكلفين بجلب المياه لبيوتهم « يُغامرون » بالتوغل أكثر صوب المنطقة « المحرمة » القريبة من القصر الملكي، وبالتحديد حيث كانت عين ماء ما زالت تمنح من فيض مياهها.

    وحسب المصدر نفسه فإن الحسن الثاني أمر على الفور أن يتم إغلاق تلك العين « القريبة » من قصره، حتى لا يستمر القرويون في « الاقتراب » من محيط مُمارسة هوايته المفضلة في إفران، أي صيد سمك « الترويت » في مصايدها المُعدة بعناية.

    ممنوع حمل المسدسات في حضرة الملك

    ليس من شك، أن الحسن الثاني، ندم كثيرا حينما كان يتذكر، طيلة السنوات التي أعقبت المحاولتين الانقلابيتين العسكريتين، لأنه كان يترك بعض كبار ضباطه العسكريين يتمنطقون في حضرته، بمسدساتهم المتنوعة، غير أنه لم يكن لينسى واحدة من تلك اللحظات « العصيبة » التي كان خلالها مُجتمعا، مع بعض وزراء حكومته في أحد أيام أواخر سنوات عقد الستينيات من القرن الماضي، وبالتحديد حين نشبت خلافات بين الجنرال محمد أوفقير، وبعض الوزراء بشأن إخلاء أراضي فلاحية خصبة، بمنطقة بني ملال، من سكانها القرويين البسطاء، ليسطو عليها بعض الوزراء وكبار شخصيات الدولة، حيث كان المتضررون قد اتصلوا بالجنرال « أوفقير » مستنجدين به، فما كان من هذا الأخير الذي كان شديد الاعتداد بنفسه، وعلى عداوة مع وزراء كثيرين، حيث كان ينظر إليهم باحتقار مشوب بالاستعلاء.. (فما كان من أوفقير) إلا أن ذهب بنفسه إلى عين المكان وهو يسوق سيارته بسرعة جنونية، وعمل على إيقاف إجراءات إخلاء الأراضي الفلاحية من قروييها، وهي العملية التي كان يشرف عليها آنذاك عامل مدينة بني ملال نزولا عند رغبة الوزراء، والنتيجة أن خبر ذلك النزاع بلغ إلى الحسن الثاني، وبالتالي ذلك الاجتماع الذي كان بين هذا الأخير وبعض وزراء حكومته، إلى جانب الجنرال « أوفقير » وحسب التفاصيل التي نقلها الصحافي الفرنسي « ستيفان سميت » في كتابه: « أوفقير قدر مغربي » فإن الاجتماع المذكور كان عاصفا، بين الطرفين، فمن جهة كان الحسن الثاني لا يُريد « حرمان » بعض وزرائه من الضيعات التي أرادوها، ما دام ذلك يضمن له ولاءهم، كما لم يكن يريد أن يخسر مخدومية جنرال قوي في نظامه من طراز محمد أوفقير، وفي لحظة عاصفة، استل « أوفقير » مسدسه الشخصي ووضعه على طاولة الاجتماع قائلا بهدوء وهو ينظر إلى الحسن الثاني: أنا مستعد لإطلاق رصاصة على رأسي إذا ما كان هناك أدنى شك في إخلاصي.. وبالنظر إلى ما قام به « أوفقير » فيما بعد ببضع سنوات، من دور محوري في الإعداد للانقلابين العسكريين، فقد كان من السهل عليه « عمليا » أن يصوب مسدسه اتجاه الحسن الثاني ثم يطلق عليه الرصاص فيُرديه قتيلا.. ما حدث حينها حسب التفاصيل التي تضمنها الكتاب المذكور، هو أن الحسن الثاني طيب خاطر جنراله القوي، من خلال إرجاء عملية استيلاء الوزراء على ضيعات الفلاحين.. غير أن الحسن الثاني لم ينس أبدا تلك اللحظة، عقب الانقلابين العسكريين، لذا فقد صدرت الأوامر الصارمة، إلى أفراد الحرس الخاص برئاسة الحاج المديوري، بألا يحمل أي شخص مهما كانت رتبته العسكرية أو الأمنية، سلاحا بذخيرة حية أو ميتة، في حضرة الحسن الثاني. وهو الأمر الذي استمر تطبيقه بـ « حذافيره » طوال عقود وسنين حكم الحسن الثاني.

    الملك في السينما وإلى جانبه مسدسه

     ولا يسبح خوفا من الموت وهو بـ  » المايوه »

    من بين التفاصيل التي « تسربت » عن الحياة الخاصة للحسن الثاني، أنه كان في بعض الليالي، ينتقل رفقة نساء حريمه، لمشاهدة أحد أفلام رعاة البقر أو الرعب أو البوليسية، وذلك بعدما كان يحرص على وضع مسدسه إلى جانبه، فليس من شك، بالنسبة للذين نقلوا هذه التفاصيل أن الحسن الثاني كان يخشى أن يُباغته انقلاب على نظامه، فيغشى الانقلابيون عليه غرفه الخاصة، بعدما يكونوا قد تخطوا أسوار القصر العالية السميكة، ثم يصلون إليه حيث هو في صالة العرض السينمائي بالقصر، بغرض تصفيته، لذا كان حريصا على أن يكون مسدسه بجانبه في كل مرة يستغرق خلالها في مشاهدة أحد أفلام المغامرات من الدرجة الثانية، التي كان يُقبل عليها بنهم كبير.

    ثمة أيضا من التفاصيل بهذا الصدد، ما يتعلق بواحدة من هواياته المُفضلة، وما أكثرها، هي السباحة، فبالرغم من أنه كان يتوفر على مسبح كبير بالقصر مفتوح على السماء، عامر بمياه عذبة مُعالجة طبيا، إلا أنه توقف عن السباحة فيه منذ بداية سنوات عقد الثمانينيات، وذلك مُباشرة بعد « موت » الجنرال « أحمد الدليمي » الرجل الثاني في النظام بعد « مقتل » الجنرال « محمد أوفقير ». ظل الحسن الثاني منذ ذلك الحين مسكونا بهاجس انقلاب عسكري ضده، وبالتالي تجنبه السباحة في المسبح الرائع بقصر الرباط، مخافة أن يفاجئه الإنقلابيون وهو في وضعية غير « لائقة » مرتديا فحسب « المايوه » دون أية وسيلة دفاع عن النفس.

    كيف أصبح الحسن الثاني كائنا « ليليا »؟

    لم يكن الحسن الثاني شخصا عاديا، فقد كان ملكا حكم بلادا تضاعف سكانها خلال فترة حكمه، ثلاث مرات، حتى أصبحوا زهاء ثلاثين مليون نسمة، ومثل هذا العدد يزيد من التناقضات العصية على « الضبط ».. لذا فقد كان « طبيعيا » ألا يتوفر على إيقاع حياة يومية عادية، بل كانت على قدر كبير من الاضطراب والإثارة. ومن ذلك مثلا أنه « أصر » على أن يتوفر على مظاهر حياة خاصة منتمية لعصر آخر قديم، وحسب بعض الذين اقتربوا منه كثيرا أو قليلا، فإن الحسن الثاني تغير بشكل مذهل، عقب وقوع الانقلابين العسكريين المتتابعين، كيف ذلك؟

    من التفاصيل المتوفرة بهذا الصدد أن الحسن الثاني كان ينام حينما يشرع أول أفراد شعبه في الاستيقاظ والدَبِّ على الأرض، ويتناول غذاءه – فيما ندر – في بداية المساء، ويقضي سحابة يومه تقريبا في ملعب الغولف، أو « مرفرفا » حسب تعبير أحد الكتاب الفرنسيين، بين نساء حريمه، ومستشاريه، ليتناول طعام العشاء في منتصف الليل، ثم لا ينام حتى الساعة الرابعة أو الخامسة صباحا.

    السبب في هذا الاستعمال الغريب للزمن، يعزوه مُقربوه المذكورون إلى أن الرجل – أي الحسن الثاني – كان مسكونا بهواجس أمنه الشخصي وأمن أفراد أسرته، لذا كان يعتقد أن الأنباء السيئة تُدبر « مؤامراتها » بليل، وبالتالي إن بقاءه مستيقظا، سيجعله ملما بها قبل فوات الأوان، غير أنه في خضم هذه « الفوبيا » الأمنية، كان استعمال الزمن المضطرب للحسن الثاني، يخلق إحراجا كبيرا للمحيطين به، كما لضيوفه، من كبار رجالات الدولة في العالم، ولا بأس أن نروي في هذا الصدد بعض التفاصيل المُوثقة، التي لا تخلو من طرافة.

    لقد كان الحسن الثاني كثيرا ما يمنح الضوء الأخضر لمدير بروتوكولاته الجنرال « أحمد العلوي » لاستقبال شخصيات عديدة، كان بينها رؤساء وملوك وكبار الدبلوماسيين ورجالات ونساء الإعلام، وأشهر الأكاديميين، عبر العالم، غير أنه لم يكن يلتزم بالمواعيد المضروبة، بل يلتقي بالشخصية المعنية بالموعد، في الوقت الذي كان يحلو له. وهو ما استحق عليه لقب « الملك الأقل لباقة في العالم » من طرف الصحافة الأنكَلوساكسونية، وذلك بعدما جعل الحسن الثاني ملكة بريطانيا « إليزابيت » تنتظره ساعة كاملة، خلال أحد أيام زيارتها الرسمية للمغرب، إلى درجة أن هناك مَن اعتبر أن الحسن الثاني كان يتعمد ذلك، لأنه كان يجد فيه متعة كبيرة. ومهما يكن من أمر، وحسب التفاصيل المتوفرة، فإن مواعيد الحسن الثاني كانت تتأخر لأسباب عديدة، منها اعتبار أمنه الشخصي، حيث يطول الإعداد له من طرف خدامه « المتحمسين » وكذلك حسب مزاجه، وهو ما كان يثير ضجر ضيوفه الأجانب، وكان من بينهم الرئيس الفرنسي السابق « فرانسوا ميتيران » وملك إسبانيا « خوان كارلوس ».

    كيف تغير الحسن الثاني؟

    كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن التغيير الكبير الذي طرأ على وتيرة الحياة اليومية للحسن الثاني، ارتبط بواقعتي المحاولتين الانقلابيتين العسكريتين المُتتابعتين (1971- 1972). فقبل ذلك كان الحسن الثاني يعيش نمط حياة شبه عادية، على المستوى الزمني، حيث كان يصل إلى مكتبه في التاسعة صباحا، بعدما يكون قد استيقظ مبكرا، ليتناول غذاءه في منتصف النهار، قبل أن يعود إلى مهامه، كما كان يمارس رياضة السباحة بانتظام، ويلعب كرة المضرب، والغولف، فضلا عن القنص، حيث كان بإمكانه التصويب بالبندقية، ليسقط زهاء مائة طائر في ظرف ساعة واحدة.

    كل ذلك تغير عقب الظرفية العصيبة المذكورة، صحيح لقد احتفظ الحسن الثاني بمظهر الواثق من نفسه، إزاء العالم الخارجي، سيما في جلسات ندواته الصحافية، التي كان يحب مُجادلاتها مع رجال ونساء الصحافة الغربية، وبالأخص منهم الفرنسيون، حيث قال في إحداها: « حينما أقوم بجرد لحصيلة حياتي، أجد أن الدَّين أكبر من المديونية، إنني لم أقم سوى بأمور إيجابية، من حواليَّ، فأنا لم أضر أي أحد، وأشعر أني بين ظهراني شعبي مثل سمكة في الماء، حسب تعبير ماو تسي تونغ ».

    لم تكن هذه في الواقع سوى كلمات مطلوقة في الهواء، ذلك أن الذين احتكوا بالرجل – أي الحسن الثاني – بشكل يومي، كانوا يعرفون أن تلك الثقة بالنفس كانت ظاهرية فحسب، وأنه على العكس من ذلك، كان ممروضا ممعودا، جراء الخوف من وقوع محاولة انقلابية ثالثة، كما أنه لم ينس أبدا أن أفراد « شعبه الوفي » التزموا الهدوء والسكينة حين وقوع الانقلابين العسكريين، بل وكان بينهم مَن خرجوا، للتعبير عن الابتهاج، كما حدث في مدينة الدار البيضاء، على سبيل المثال، في ظرفية كان فيها مصير العرش الملكي، مُعلقا بخيط رفيع.. لكل ذلك وغيره، من الاعتبارات المُماثلة، ظل الحسن الثاني إنسانا مُؤرقا لا ينام ليله كأغلب الناس، وحذرا على نحو شبه مرضي. صحيح لقد ظلت قواعد البروتوكول مرعية ظاهريا، كما أن جداول المواعيد الملكية بقيت كما كانت، لكن كل الترتيبات بهذا الصدد، كانت تزعزعها، الساعة البيولوجية المضطربة لنوم واستيقاظ الملك، فحتى في أماكن الإقامة التي كان يفضلها عن غيرها، مثل قصري الصخيرات (للمفارقة ففي هذا القصر حدثت المحاولة الانقلابية العسكرية الأولى ضده) أو « بوزنيقة » الذي كان محصورا على نساء حريمه، لم يكن الحسن الثاني يعثر على الراحة الضرورية، لذا فإن النوم لم يكن يُداعب جفنيه، حتى يكون النهار بصدد الطلوع، حيث يكون الإجهاد قد هََدَّهُ، وفي تلك الأثناء تُعلق الحياة داخل القصر، بكاملها في انتظار نيل الحسن الثاني قسطا من النوم، وحينما كان يستيقظ، تكون الشمس قد مالت نحو كبد السماء، وعندها يجعل حياة القصر منقلبة رأسا على عقب، من الناحية المزاجية، وهو ما كان يخلق متاعب لا حصر لها للعاملين على خدمته، من مختلف المراتب والمشارب، ومن الطريف أن نذكر بصدد أجندة الحياة اليومية الغريبة للحسن الثاني، أنه كثيرا ما كان يطلب من وزراء حكومته الحضور، في وقت يستعد فيه هؤلاء للذهاب إلى فراش النوم.

    سفريات وجولات الحسن الثاني: احتياطات أمنية لا تنتهي

    لا يختلف إثنان على أن تنقلات الحسن الثاني، كانت عبارة عن سلسلة إجراءات أمنية مشددة، قبل أي شيء آخر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما كان ينتقل إلى إحدى المناطق المغربية، البعيدة أو القريبة، من العاصمة، على متن سيارة مصفحة كبيرة، من نوع « ليموزين » أو « ميرسيديس » مُعدة بوسائل الراحة الأكثر فخامة، منها طاولة لعب الورق مع مرافقيه.. (حينما كان يفعل ذلك) فإن صفوف رجال الأمن تحيط بجنبات الشوارع والطرق التي يمر منها، وهم يديرون ظهورهم للموكب الملكي، ووجوههم إلى الحشود، ويا ويل رجل الأمن الذي يُخالف هذه القاعدة الأمنية الصارمة.

    وفي الحالات التي كان الحسن الثاني « يضطر » إلى تلقي « حمامات ازدحام » حسب العبارة الفرنسية، فإنه كان يفعل ذلك، بعد اتخاذ كافة الاحتياطات الأمنية، من بينها، ارتداء سترة واقية من الرصاص، ناهيك عن أفراد أجهزة الأمن السرية والعلنية، الذين يندسون بشكل سافر وسط الناس، لالتقاط كل « ذبذبات » الحشود.

    وعلى مستوى آخر، فإن حي « تواركَة » الذي يوجد به القصر الملكي، أي الإقامة الرسمية للحسن الثاني وأسرته، يتم فصله وعزله تماما، عن باقي أطراف العاصمة الرباط، ما بين الساعة الثامنة والنصف مساء والسادسة من صباح اليوم الموالي، أما أبواب القصر الأرزية الضخمة، فيتم إقفالها عند الساعة الثامنة مساء، ويكون العمل حينها بإجراءات أمن مُشددة، لم يكن يُستثنى منها أحد، بما في ذلك أبناء الحسن الثاني الأمراء والأميرات، الذين كانوا كثيرا ما يعمدون إلى استخدام الكثير من الحيل للتسلل خارج أسوار القصر ليلا.

    أحذية رياضية تحت أسرة غرف النوم بالقصر

    لم يكن يتسنى للذين عاشوا جوار الحسن الثاني أن « يهنأوا » بأجواء حياة طيبة.. صحيح، لقد كانت وسائل العيش المادية، متوفرة إلى مستوى أقرب إلى الخيال منه للواقع، لكن « الثمن » كان باهظا، يُدفع من أعصاب متوترة وقلق مُقيم، جراء الأجواء المكهربة في القصر، والاحتياطات الكبيرة، الدقيقة، لاعتبارات أمنية، بشكل يفوق الاحتمال، فعلى سبيل المثال، فإن أجواء الخوف والحذر، كانت شديدة الوطأة على عشرات النساء من حريم الحسن الثاني، فحينما كان هذا الأخير، يقرر اصطحابهن معه في إحدى سفرياته إلى الخارج، فإنه كان يتم ختم حقائبهن الكبيرة واليدوية في المطار، ويكون ممنوعا عليهن فتحها، مهما كان الظرف.

    نفس أجواء الخوف والقلق والتوتر، كانت تنسحب على أفراد أسرة الحسن الثاني، وثمة بهذا الصدد واقعة طريفة، حدثت حينما فكر ابن أخ الحسن الثاني الأمير هشام، في منح هدية لعمه الملك، حيث عمد إلى اقتناء ثلاث بندقيات صيد حديثة الصنع، لم يكن قد تم تسويقها بعد، حرص على أن يتم نقش اسم الحسن الثاني عليها، لمعرفته أن عمه الملك، يحب هذا النوع من العتاد، وبينما كان الأمير هشام ينتظر تشكرات مؤثرة من الحسن الثاني، تلقى منه تقريعا شديدا لا ينتهي، وذلك بعدما عمدت مصلحة « مخابرات » القصر برئاسة الحاج محمد المديوري إلى إخطار الحسن الثاني، بأن ابن أخيه قد استطاع إدخال أسلحة من الخارج، ليس فقط إلى البلاد، بل أتى بها حتى قعر القصر.

    ومن نفس الأجواء المتوترة، التي كان يرزح تحتها أفراد أسرة الحسن الثاني، بصدد الاعتبارات الأمنية المتشددة، كان الاعتقاد جازما لدى الجميع داخل القصر، سيما النساء، أن انقلابا سيحدث في أية لحظة، ومن ثم الخوف الشديد من مصير مأساوي، على غرار ما حدث يوم عاشر يوليوز من سنة 1971، الفكرة المحورية عن هذه « الفوبيا » المُقيمة لدى سكان القصر كانت هي: « هناك حيث فشل الجنرال أوفقير يمكن أن ينجح عسكريون آخرون ». ومن الطريف أن نذكر أيضا في هذا الصدد، أنه بالرغم من عادة المشي على أرضية ساحات ومرافق القصر بأقدام حافية، إلا أن الكثير من نساء حريم الحسن الثاني، سيما الفتيات الصغيرات منهن، كُنَّ يُخفين أحذية رياضية، تحت أسرتهن قبل أن يخلدن إلى النوم، ليظللن دائما على استعداد لحالات الطوارئ، وعلى أهبة الهرب حينما يقع ما يخشونه، لقد كن يعتقدن جازمات أن انقلابيي العسكر لن يرحمنهن، خلال الانقلاب، كما كانت هناك بينهن مَن يستشرن بانتظام عرافين وعرافات مشهورين، لقراءة طالعهن بصدد نهاية مأساوية مُحتملة بقدر كبير.

    يوم عَضَّتْ امرأة ليبية يد حارس الحسن الثاني

    حينما تسلم الحاج « محمد المديوري » رسميا منصب رئاسة الحرس الخاص للملك الحسن الثاني، عمد إلى الاستحواذ على مهمة « مسير » رياضي، وغرق في مسؤوليات « تحديث » جهاز الحراس الخاصين للملك، وللأميرات والأمراء، وفي سبيل ذلك لجأ إلى تقنية الاستقطاب للكوادر المؤهلة، من بين شباب مدارس الشرطة، والأندية الرياضية، سيما المشتغلة منها بفنون القتال، وإلى هذه الأخيرة يُعزى مصدر اكتشاف « مواهب » من قبيل « مهراد » و »فكري » و »جعايدي » الثلاثي الذي يشكل حاليا حجر الزاوية في الحراسة الخاصة للملك محمد السادس.

    ومن الوقائع التي حدثت خلال رئاسة « الحاج المديوري » للحرس الخاص للحسن الثاني،

    أنه خلال زيارة رسمية قام بها الحسن الثاني إلى الجماهيرية الليبية، بدعوة من رئيسها العقيد « معمر القذافي »، اضطرب أفراد فرقة الحراسة الشخصية للحسن الثاني ورئيسهم « المديوري » وذلك جراء الازدحام الشديد، الذي أحاط بالرئيس الليبي وضيفه الملك الحسن الثاني، وبينما بدا الأول سعيدا بذلك الاحتشاد الفوضوي من حوله، علت علامات الدهشة والخوف محيا الحسن الثاني، وهو ما جعل أفراد حرسه الخاص يقلقون ويضطربون، وحينها عمد رجال الحاج المديوري إلى استخدام تقنية « السمطة » وذلك بشد كل فرد منهم بيد زميله، لتشكيل سلسلة بشرية منيعة، حوالي الحسن الثاني ومُضيفه العقيد « القذافي » وبعدما لم تكتمل السلسلة المذكورة، تناول أحد أفراد الحرس الملكي يد واحدة من النساء اللواتي يقمن بمهام حراسة الرئيس الليبي، فما كان من المرأة الشديدة البأس، سوى أن عضت بأسنانها بكل ما تملك من قوة يد حارس الحسن الثاني.

    عندما انقطع التيار الكهربائي عن القصر واستبد الهلع

    حدث ذلك ذات ليلة من أحد أيام منتصف عقد ثمانينيات القرن الماضي، وبالتحديد سنة 1986، حين انقطع التيار الكهربائي جراء عطب تقني، مما جعل العاصمة الرباط، بما في ذلك القصر الملكي، تغوص في ظلام دامس، واستبد الهلع أكثر بين القاطنين وراء أسوار قصر « تواركَة » وهرعوا مهرولين إلى الخارج، مُعتقدين في جزم أن انقلابا عسكريا قد حدث، في حين أنه لا شيء من ذلك كان قد حصل. سيما أن ذكرى « موت » الجنرال القوي « الدليمي » كانت ما تزال طازجة في الأذهان حينها، غير أن تطورات الظرفية الدولية، في تلك الآونة، كانت على نحو من الاضطراب، مما بعت القلق بين سكان القصر، منها مثلا، أن الطائرات الليبية كانت قد قصفت ليبيا، وبالتحديد الثكنة التي كان يُعتقد أن العقيد « معمر القذافي » كان متمترسا فيها، وبالتالي الاحتمال القوي، الذي كانت تعتقد به السلطات الليبية وكان مفاده أن الطائرات الأمريكية التي قصفت بلادهم، عبرت الأجواء المغربية، مما جعل محيط الحسن الثاني، وسكان القصر، يعتقدون أن السلطات الليبية، وعلى رأسها الرئيس « القذافي » كان لديهم هدف ملح يتمثل في الانتقام من القصر « المتواطئ » مع الامبرياليين الأمريكيين، وقد بلغ من شدة هذا الاعتقاد، أن الحسن الثاني عمد حينها إلى زيادة تشديد الحراسة الأمنية حوله.

    كما كان هناك أيضا ذلك الخوف من مسألة تضاعف الانقلابات العسكرية، في العديد من البلدان الإفريقية والعربية، التي طوحت بأنظمة ملكية، كان يُعتقد أنها « أبدية ». ففي ظرف زمني لا يتعدى جيلا واحدا، تم القضاء على أربعة أنظمة ملكية، من طرف ضباط جيش شباب،  وذلك قبل حدوث انقلاب الجيش الأول ضد الحسن الثاني يوم عاشر يوليوز سنة 1971، كما أن نظامين إمبراطوريين « حليفين » للحسن الثاني، في « إيران » و »إثيوبيا » تمت الإطاحة بهما، من خلال إزاحة « هيلاسلاسي  » و »الشاه أحمد رضا بهلوي » وكلاهما كانا صديقين « حميمين » للحسن الثاني، ومن ثم يُمكن بسهولة، فهم الجو النفسي الذي كان مهيمنا على سكان القصر الملكي، حيث كانت الظرفية غير « مواتية » للأنظمة الملكية، سيما أن عددا من الملوك المُطاح بهم، عبر العالم، مثل ملك بلغاريا السابق « سيمون » وأبنائه، وأرملة شاه إيران « فرح ديبة » وابنها « رضا » ووريث عرش مصر الملك « فؤاد »  وزوجته، وملك اليونان « قسطنطين » المُطاح به من طرف العسكر، وآخرون كانوا يثقون في أريحية وحسن وفادة الحسن الثاني، الذي استضافهم في المغرب، ومنحهم فيلات أنيقة، أو غرفا في أفخم الفنادق بالعاصمتين الإدارية والاقتصادية، على مدار السنة، ووضع رهن إشارتهم سيارات فخمة مصفحة، بل ومنح بعضهم رواتب شهرية مجزية من ميزانية القصر. وبالتالي كان لدى الحسن الثاني، أكثر من سبب للخوف من مصير بائس، كالذي حل بضيوفه من أباطرة وملوك أكثر من بلد في العالم، حتى لو اقتصر الأمر على انقطاع كهربائي بسبب عُطْلِ في التيار.

    كيف نسي الحسن الثاني بسرعة « درس » الانقلابين العسكريين؟

    صرح الحسن الثاني،  يوم 25 غشت 1972، أي أياما قليلة بعد انقلاب عاشر غشت 1972 لجريدة « لوفيغارو » الفرنسية قائلا: « يجب ألا أمنح من الآن فصاعدا ثقتي لأي كان، إنها صدمة أُلقنها لنفسي  أولا من خلال اتخاذي لهذا القرار، غير أن الأمر لا يتعلق بشخصي، بل بملايين الناس الذين أقود مصائرهم، بعد الله، لذا فإن اعتباراتي الشخصية، لا يجب أن تكون أثقل من هذه الالتزامات ».

    لم يف الحسن الثاني بهذا التعهد، ونسي الدرس.. كيف ذلك؟  إن الخطأ ذاته الذي كان قد ارتكبه بالاعتماد على الجنرال « أوفقير » كرره مرة أخرى، بنفس السيناريو مع جنرال آخر هو « أحمد الدليمي ».. غير أنه حسب طبيعة النظام الفردي، الذي كرسه الحسن الثاني، هل كان بإمكانه تجنب مسألة وجود رجل سلطة قوي من بعده؟ سيما في بنية سلطة شديدة التركيز، يلعب فيها رجال الأمن والجيش الدور الأساس في استمرارية النظام.. مما يفرض حضورا ومتابعة لصيقين، لشؤون ممارسة السلطة، وهو ما لا يمكن أن يفعله رجل واحد، وفي ذلك كان حتميا أن يصعد نجم الجنرال الدليمي، بعد مقتل أستاذه الجنرال « محمد أوفقير ».. لقد كان الحسن الثاني مُجبرا على منح « الخطوط العريضة » لسياسته، لكنه كان دائما في حاجة ماسة، إلى رجل قوي، يسهر على التنفيذ وفق منظور أمني دقيق، وهو الدور الذي أسنده للجنرال الدليمي، غير أن المأزق الأمني الذي كانت تنطوي عليه هذه الوصفة، تمثل في أن الرجل الثاني في النظام، يصل إلى مرحلة (تماما كما حدثت مع الجنرال « أوفقير » من قبل) يجد فيها الفرصة سانحة، للاستحواذ على مقاليد الأمور، وهو ما حدث فعلا.

    وفي لحظات مُعينة، يحدث بين الشخص الذي أراد الاستحواذ على السلطة، والأمر يتعلق بالدليمي، ضمن هذا السياق، وبين الذي أراد الاحتفاظ  بالعرش، أي الحسن الثاني، أن يصل المدى إلى الصراع « الصامت/الصاخب ».. وهو ما حدث بالتحديد، بين الملك وجنراله مما انتهى بـ « وفاة » هذا الأخير في حادث سيارة يوم 25 يناير 1983.

    « رشاوى » الحسن الثاني إلى كبار رجال الدولة

    فهم الحسن الثاني جيدا، بعد سلسلة محاولات انقلابية استهدفته وحكمه، أن عليه شراء « رضا » كبار رجالات الدولة الأمنيين والمدنيين والعسكريين، لذا عمد بدافع هاجس أمنه الشخصي واستمرار نظامه، إلى إغراقهم بالهدايا، ومنحهم مساكن باذخة عبارة عن « فيلات » في أرقى الأحياء السكنية، وضيعات في ملكية الدولة، انتقلت إليها عبر سياسة « المغربة » عقب رحيل الاستعمار الفرنسي، ورخص الصيد في أعالي البحار، واستغلال مقالع الرمال.. إلى غيرها من الامتيازات، في دولة الريع الاقتصادي، أما بالنسبة لكبار بارونات الدولة، ممن لم يتسنَّ لهم، لسبب أو آخر، الاستفادة من « أُعطيات » الحسن الثاني لضمان « ولائهم » وبالتالي أمنه و « سلامة » نظامه، فقد كانت هناك دائما الصناديق المالية العمومية، لتمنح لكبار القوم في الدولة، قروضا مُجزية بلا ضمانات استرداد تقريبا، ناهيك عن باقي وسائل الاغتناء من كل الأنواع، منها أعمال التهريب.. لقد كان كل شيء « صالحا » لهدف واحد: شراء الأمن الشخصي للحسن الثاني، وسد أطماع الطامعين، من المقربين في الاستيلاء على الحكم.

    تقارير النساء هي « صمام » الأمن  

    كان الحسن الثاني يحرص كلما عاد من إحدى سفرياته إلى الخارج، على مُجالسة كل واحدة من حريم القصر رأسا لرأس، والسؤال الوحيد الذي كان يُريد جوابا عنه هو: ماذا حدث في غيابي؟ طبعا لقد كانت لديه أعين رجال الحاج « محمد المديوري » غير أنه كان يحتاج إلى تقارير أكثر « حميمية »، من مثل: بمن اتصلت هاتفيا هذه المحظية أو تلك، خلال فترة غيابه؟ وماذا قالت أخرى عنه؟ وهل كانت تنظر إلى ألبوم صوره الخاصة، الموضوعة رهن إشارة أعين نساء الحريم؟ إلى غيرها من التفاصيل الحميمية، وكانت كثيرا ما تنزل العقوبات على بعض النساء، لا لشيء إلا لوشاية، تم « تركيبها » بناء على روايات بعض قاطنات الحريم، ممن تكون لديهن « صراعات » و خصومات حول مَن تستطيع الظفر ب « حظوة » أفضل لدى الملك، غير أن الحسن الثاني، كان يستخدم تلك التقنية النسائية لـ « ضبط » الأمور الأمنية، في قعر مقرات إقامته، فمن يدري؟ قد تتوفر جزئية معلوماتية « بسيطة » تخرج عفوا من فم محظية « متحمسة » لكنها  – أي المعلومة – قد تشي بأمر خطير، مثل إعداد قد يكون قائما على قدم وساق، بين بعض نساء الحريم، وأطراف سياسية أو أمنية خارجية، للإجهاز عليه بطريقة ما، في قلب القصر.

    لهذه المخاوف تُعزى تلك الدقة، التي كان يعتمدها الحسن الثاني، في « استنطاق » نساء حريمه واحدة واحدة، حتى « يغربل » رواياتهن لما حدث في غيابه، بأدق التفاصيل. وذلك بطبيعة الحال، بعدما يكون قد « تخلص » من كثير مما « لا نفع » فيه، وبتلك الطريقة كان يستطيع التوفر دائما على مُعطيات « حميمية » لا تكون في متناول « أعين » قط القصر، أي رجال الحاج محمد المديوري.

    شرطي الحسن الثاني برتبة وزير

    كانت العبارة الوحيدة، التي يُرددها البصري مثل لازمة، هي « هاذ شي ما غاديش يعجب سيدنا ».. وهو ما كان يعبر عن هوس « كبير وزراء » الحسن الثاني بأمر الأمن: المبرر الوحيد الذي جعله « يتسلق » المراتب، من مجرد مفتش شرطة بسيط، أواخر سنوات عقد الستينيات من القرن الماضي، ليصبح وزيرا للداخلية، وهو المنصب الذي استمر فيه لمدة تُقارب الثلاثة عقود، فما السر في ذلك يا تُرى؟

    لقد فهم « إدريس البصري » أكثر من أي شخص آخر، من بين الذين عملوا إلى جانب الحسن الثاني، أن هذا الأخير، كان مشغولا بأمر واحد: الأمن والاستقرار، أي أمنه الشخصي، واستقرار النظام الملكي، وقد كرَّس إدريس البصري نفسه لأداء هذا الدور طيلة حياته، لدرجة أنه كان يبيت فيه مكتبه بوزارة الداخلية الليالي الطوال، في حالة تأهب دائم، للجواب على الأسئلة، التي كانت تعن للحسن الثاني في أكثر من ملف، أكثرها وأهمها بطبيعة الحال، كانت تلك التي تتصل بقضايا أمنية. روى أحد الصحافيين، ممن كانوا قد اختاروا « العمل » مع إدريس البصري، إلى جانب فترة « الدوام » في إحدى الجرائد الحزبية، أن إدريس البصري تلقى اتصالا، في وقت ما بعد منتصف الليل، من الحسن الثاني، في شأن إحدى الجرائد التي كانت قد أصدرتها للتو، جماعة إسلامية في إحدى سنوات منتصف عقد الثمانينيات، وما هي إلا دقائق حتى كان البصري قد جمع كل المعطيات، عن الجريدة المذكورة، بدءا بمن يكتب فيها ويرقنها والمطبعة التي تطبعها، والكثير من التفاصيل المملة، التي قد تكون بلا جدوى. وربما لهذا السبب كان الحسن الثاني « يندهش » من كل تلك القدرة على العمل « الأمني » لدى « كبير » وزرائه، لذا لم يتورع الحسن الثاني عن القول له يوما: « شوف آ سي دريس نتا غادي تبقى ديما بوليسي ».

    اعتمد الحسن الثاني على « خدمات » إدريس البصري، في مرحلة حاسمة وحرجة من مساره على رأس نظام الحكم، وذلك بالتحديد في الحقبة الموالية، لما بعد المُحاولتين الانقلابيتين، حيث كان الحسن الثاني، قد احتاج إلى الشخص القادر على « تفجير » كل المصالح الاستخباراتية من الداخل، وجعلها في خدمة تصور واحد، هو الأمن الشخصي للملك، وهي المهمة التي أفلح فيها إدريس البصري، وتحول إلى رجل المعلومة الأمنية الوحيد، بعدما استطاع أن يمحور عمل كل مصالح الأمن السرية والعلنية، حول أدائه، وبالتالي كانت الصورة الشهيرة عنه وشبه الدائمة، تظهره متأبطا ملفاته، ومتجها إلى ملعب الغولف بالقصر أو في أي مكان آخر، حيث يكون الملك، ليسلمه آخر التقارير الأمنية.

    لقد استطاع « إدريس البصري » أن يجعل كل شيء خاضعا للمنطق الأمني، في البلاد، ذلك لأنه كان يعرف أن « جدوى » بقائه في منصب « كبير وزراء » الحسن الثاني رهين بمدى أداء دور الشرطي الأول، في هرم دولة قائمة على هاجس الأمن الشخصي للملك، واستقرار النظام الملكي.

    م. حيران

    المصدر

  • الماسونية والماسونيون في المغرب

    مَن هم الماسونيون المغاربة؟ وما هي شريحتهم الإجتماعية؟ وما هي المناصب التي يشغلونها، في هرم الدولة أم في سفحه؟ وما هي ارتباطاتهم الخارجية، على مستوى الإمتداد الدولي للماسونية؟… هي أسئلة كثيرة مُتناسلة عن واحد من أكثر المواضيع حساسية، في المغرب منذ ما يقرب من قرن من الزمن.

    يرد البعض على السؤال الأساسي، ومفاده: هل يوجد بالمغرب ماسونيون؟ بالقول: لا أبدا، إن الأمر يتعلق بادعاءات لا صحة لها، كل ما هناك أنه وًُجدت انتماءات للماسونية في بلادنا منذ نحو نصف قرن، ثم انتهى الأمر باختفاء الظاهرة، وبالتحديد عندما لم يُفلح التنظيم الماسوني الفرنسي في اختراق بعض وجوه البورجوازية المغربية، النافذة في مجالات المال والأعمال والسياسة، أما آخرون، وبالتحديد المهووسين بالمؤامرة الغربية والصهيونية.. إلخ ففضلوا الشك في مثل هذا الإجابات « التطمينية » مُؤكدين وجود ذراع قوية للماسونية بالمغرب، باعتبارها أكبر واقوى سند للمصالح الخارجية، سيما تلك المرتبطة بالاستعمار (بعد رحيله المُباشر) والصهيونية التي تعمل على تقوية شوكة إسرائيل عبر انحاء العالم.

    وتذهب بعض الطروحات إلى حد القول أن « التغلغل » الماسوني في المغرب، وصل درجة كبيرة من العمق، والأهمية، في المرحلة التي تلت رحيل الإستعمار، ونظرا للغموض الذي يكتنف الموضوع، نظرا لطبيعته الطائفية السرية، فإنه من الصعب التحقق من بعض المُعطيات المُهمة، ومن بينها مثلا القائلة أن كلا من الملك محمد الخامس وولي عهده مولاي الحسن، ومحمد بن الحسن الوزاني، وعبد الخالق الطريس، واحمد بلافريج، وإدريس البصري.. وغيرهم من كبار شخصيات الدولة، كانوا ضمن أعضاء الماسونية، وبطبيعة الحال فإنه من شبه المستحيل التحقق من ادعاءات مثل هذه، ما دام أن المعنيين بها، لم يعترفوا بهكذا اتهامات في حقهم، كما أن الأخوية الماسونية، تتضمن ثالوث قسم للانتماء إليها يشترط عدم الإفصاح عن هويات « الأخوية » ولو تحت التهديد بقطع الرأس. وبذلك سيظل الغموض سيد الموقف فيما يتعلق بالوصول إلى مُعطيات دقيقية بهذا الصدد.
    شرفات ماسونية وطقوس

    مهما يكن من أمر فإن المُؤكد هو وجود « شرفات » (جمع شرفة: الوحدة التنظيمية الفرعية للتنظيم الماسوني) في المغرب، وذلك وِفق مُعطيات مسنودة بدلائلها القوية، وأن تلك الشرفات تضم عددا ما الشخصيات المغربية من مجالات السياسة والمال والأعمال.. وأن اشتغالها (أي الشرفات) يتم بغاية السرية والتحفظ، تحت إشراف ومسؤولية « شُرفة المغرب الكبرى ».. وإذا ما اخذنا بعض التقديرات « المحتشمة » فإن عدد الماسونيين المغاربة، لا يتجاوزون مائتي عضو ممن يتحملون مسؤوليات في الشرفات المغربية، وعلى سبيل المقارنة فإن فرنسا تتوفر على 140000 مُنتسب، وهو ما يجد تفسيره في قِصر المدة التي شهدت خلق « شرفات الماسونية المغربية » العملية، والتي لا تتعدى خمس سنوات، أما « الشرفة المغربية الكُبرى » كتنظيم رمزي، فيعود إلى سنة 1965، تحث اسم « شرفة الأطلس الكبرى » لتتخذ اسمها الذي تُعرف به الآن أي « شرفة المغرب الكبرى » سنة 1972، بإيعاز من مُعلمها الأكبر وهو شخص فرنسي مجهول الهوية، كان مُستقرا بمدينة الدار البيضاء، وللتو عرفت الشرفة تحت اسمها الجديد نجاحا ملحوظا، حيث استطاعت استقطاب 120 « أخ » جديد في ظرف لا يتعدى عامين، أخذا بعين الإعتبار الشروط الدقيقة والصعبة للحصول على عُضوية إحدى الشرفات الماسونية (أنظر الشروحات في مكان آخر ضمن هذا الملف).

    وحسب ذات المعطيات فقد انضمت للشرفة المغربية الكبرى، شخصيات مغربية نافذة من بينها جنرال جيش ذو كفاءة عالية مشهود بها، والذي لم يجد حرجا في ان يكون ضمن نفس التنظيم الماسوني المحلي، جنبا إلى جنب مع رب مخبزة وصانع حلويات، أو صاحب متجر لبيع لعب الأطفال، غير أن الاستغراب سيزول إذا علمنا ان جوهر « عمل » التنظيم الماسوني يقوم في جانب أساسي منه، على خلط جميع الرتب الاجتماعية، سعيا إلى ضرب من التنويع والإغناء في الإنتماء لإخويتها، غير أن هذه الخاصية نحت مع مرور الوقت، إلى نوع من الإصطفاء، يجعل الإنتساب محصورا في علية القوم، من كبار رجال المال والأعمال والسياسة.. مما يجعل الشرفة المغربية الكبرى أشبه بالنادي الخاص جدا، لتصبح حسب أحد المُنتمين: « مجالا ضيقا لنخبة النخبة، تعكس وضع التراتبية السلطوية والاجتماعية كما هو موجود في البلاد ».

    وفي تفسيره لسبب انتمائه الماسوني يقول نفس المصدر السابق وهو طبيب معروف بالعاصمة الإقتصادية في نحو العقد الرابع من العمر: « لقد انتسبتُ للتنظيم الماسوني المغربي، لأقول حبي للمغرب » مُضيف: « فعلتُ ذلك بحثا عن إجابة وجودية، أو بالأحرى فلسفية، وسأظل منتسبا من اجل متعة الأخوية » ومستطردا: « أذهب لإجتماع الشرفة غالبا بعد يوم عمل شاق، لكني أعود في آخر الليل سعيدا ومُفعما بالحيوية ».
    هل يتلخص عمل الشرفة الماسونية في تحقيق السعادة لأعضائها؟

    حسب ما يُستفاد فإن عناصر الإستماع الأشبه بطقس الاعتراف المسيحي، والتضامن، وتبادل المصالح المشتركة، تجد لها مكانا أثيرا في الأخوية الماسونية، وإذا كان الأمر على هذا النحو، فلماذا كل تلك الحُجُب من السرية في الكشف عن الهُويات الحقيقية للمنتسبين للشرفات الماسونية؟ ولماذا كل ذلك الحرص على عدم الإفصاح عن الطقوس السرية التي تتخلل « شعائر » الإنتماء والنقاشات وطبيعة المسؤوليات..؟ إن الأسرار كثيرة تمتد على مدى زمن يُقارب القرن من الزمن، على أول إعلان لوجود تنظيم ماسوني بالمغرب.

    وحينما نقول بطابع السرية، نذهب رأسا إلى الأعمال المشبوهة والتجاوزات، وبالفعل فإنه مع مرور الوقت، ومرونة معايير اختيار « الإخوة » وصراعات بينية داخلية، لتضارب في المصالح، أدى إلى الخفوت التنظيمي، ولم تستطع المُثل العليا للماسونية، وهي « التضامن والحرية والعدالة » الصمود في وجه الإنحرافات الانتفاعية، لدى بعض « الإخوة » الماسونيون المغاربة، والنزاعات الداخيلة التي تلتها، ففي شهر دجنبر من سنة 1985، قرر المعلم الكبير للشرفة الماسونية المغربية الكبرى، وهو رجل صناعة في مجال العطور، تجميد عمل الشرفة، تبعا لنصيحة أحد أصدقائه كان حينها يشغل منصب عامل مدينة كبيرة، سيما ان هذا الأخير كان على وعي، تسنده مُعطيات الواقع، بتنامي التطرف في البلاد، والخطورة التي يمثلها على التنظيم الماسوني المحلي، لذا كانت نصيحته للمنتسبين بالاختفاء وتجميد أنشطتهم « الأخوية » وهي « نصيحة » لها وجاهتها بالنظر إلى نظرية المؤامرة الخارجية « العزيزة » لدى الأصوليين المتطرفين والمعتدلين على السواء، وهو ما تُغذيه اعتبارات العمل السري التي تحكم « عمل » و « أنشطة » الخلايا الماسونية، وبالتالي يسهل توجيه الاتهامات للماسونيين المغاربة، ومنها ارتباطاتها الوثيقة بالتنظيم الماسوني الفرنسي (شرفة الماسونية الكبرى الفرنسية) والصهيونية.

    من المؤكد على مُستوى أشمل، أن التنظيم الماسوني، موجود بشكل راسخ في بلدان ديكتاتورية، أو على الأقل لا تستجيب لمعايير الدمقرطة السياسية الإجتماعية، مثل إيران وسوريا، وعلى اعتبار أقل في تركيا ومصر ولبنان. ومؤكد كذلك أن مسؤولين كبار في سلطات هذه البلدان، وعلى رأسها تركيا، مروا عبر اختبارات الإنتماء الماسوني، حسب الباحث « انطوان صفير » المختص في دراسات العالم الإسلامي.

    مهما كان الأمر فإن السلطات المغربية قررت منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كما سبقت الإشارة، تجميد نشاط التنظيمات الماسونية المحلية، للاعتبارات المذكورة آنفا، ليظل الوضع على هذا النحو على مدى خمسة عشرة عاما، دون أن يفقد « الإخوة الماسونيون المغاربة » الروابط بين بعضهم البعض، ومعها الأمل في إحياء نشاط خلاياهم التنظيمية (الشرفات) كما يؤكد ذلك أحد المعنيين بهذا الضرب التنظيمي منذ أمد طويل، لنستمع إليه: « حيثما هبت ريح التسامح والعدالة تجد الماسونية مكانا لها ». وكان « الإحياء « التنظيمي تحت إشراف « إيميل واكنين » وهو رجل أعمال مُستقر بالرباط، وذلك بالتحديد يوم 15 يونيو من سنة 2000، وتم ذلك وِفق كل الطقوس التقليدية الماسونية، في مدينة مراكش، بوصاية من « شرفة الماسونية الفرنسية الكبرى » حيث سمحت هذه الخيرة للمغرب، وللمرة الأولى، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بإيواء « أخوية » ماسونية « مُنتظمة » لها مُقومات أقرب لجماعة « تانك تانك » الأمريكية الشهيرة، وتضم في صفوفها نخبة من الأطر المغربية منهم إسلاميون مُعتدلون.

    إن من امتيازات لقب « الأخوية » الحصول على الاعتراف الرسمي من طرف « الشرفة البريطانية الكبرى المُوحدة » وهي الشرفة الأم لكل الأخويات الماسونية عبر العالم، غير أن هذا « الترقي » التنظيمي للماسونيين المغاربة، لم يمنع الخلافات البينية العميقة بين هؤلاء الأخيرين، وهي الخلافات التي أدت بعد ذلك، إلى إعلان « بوشعيب الكوهي » وهو مهندس من البيضاء، كمعلم كبير جديد للأخوية الماسونية المغربية.

    تمكنت الأخوية الماسونية المغربية، من تسجيل نشاط ملحوظ في علاقاتها مع نظيراتها الأمريكية، وذلك على اعتبار أن اللوبيينغ هو المجال الأثير بالنسبة للتنظيم الماسوني حيثما كان، وهو ما استطاعت الأخوية الماسونية المغربية استعماله على النحو الأفضل، سيما أن الأخوية المغربية المعنية منحت لرجل أعمال من جنسية مزدوجة (فرنسية لبنانية) يُدعى « بيير موسلي » منصب ممثلها في الولايات المتحدة، نظرا لعلاقاته المتشعبة في أروقة منظمة الأمم المتحدة، غير أن التنافس على هذا المستوى الدولي، دفع « شرفة الماسونية الفرنسية الكبرى » إلى نزع الاعتراف بنظيرتها المغربية، سنة 2004 وخلق شرفة أخرى تحت وصايتها المُباشرة، منحت رئاستها ل « سعد لحريشي » وهو رجل قانون في الأربعين من العمر، وليتم بذلك دفع « واكين » إلى باب الخروج من المسؤولية التنظيمية، وبرأي السيد « لحريشي » فإن « أساليب الاستقطاب لم تعد مفتوحة كما كان الأمر في السابق » مُفسرا: « إن العكس سيقودنا إلى اعتباطية عملية الاستقطاب وبالتالي ابتذالها، بعيدا عن عنصر الغِنى المعنوي، والقيم الأخلاقية التي ندعو لها ».

    غير أن هذا لا يمنع الإخوة الماسونيون المغاربة، من دعوة الآخرين إلى الانضمام لأخويتهم، لكن مع الحرص على الدقة أكثر مما كان عليه الأمر في السابق، والأمر الآخر الجديد الذي يُثير الإستغراب، هو أنهم يشعرون بحرية اكبر في القيام بنشاطاتهم « الأخوية » بحرص أقل فأقل على اتباع شروط السرية، وهو ما يُحيل على تساهل السلطات مع عملهم، لكن هذا لا يُعفيهم من اتقاء عداء الإسلاميين اللذين يستهدفونهم بخطابات مُعادية.

    نجد نفس الحذر من جانب « الأخوية » الماسونية الرائدة في المغرب، التي تم وضعها في ثلاجة التجميد، كما سبقت الاشارة، والتي أعادت إشعال فتيل وجودها يوم 21 يونيو سنة 2001، برئاسة رجل أعمال يشتغل في مجال التأمينات، بالبيضاء، وهو ما يُحيل على أن مِهن التأمينات بالمغرب تُغذي « الأخوية الماسونية المغربية » بأفضل أطرها وكبار مسيريها، وتتوفر هذا الأخوية اليوم على خمس شرفات ثلاثة منها توجد في الدار البيضاء، والإثنتان الأخريتان بمدينتي الرباط ومراكش، كما توجد شرفة أخرى خاصة بالنساء، وهو مُعطى فريد بالنسبة للمغرب، في كل بلدان العالم الإسلامي حيث يوجد نشاط ماسوني مُنظم.

    وقد عقدت الأخوية الماسونية المغربية، اجتماعها العام السنوي، منتصف شهر أبريل من هذه السنة (2010) بمدينة الدار البيضاء، بحضور شخصيات ماسونية دولية ويُعتبر الإجتماع السنوي « شاملا » و « دقيقا » في نفس الوقت، وله اهمية قصوى في قضايا مصيرية بالنسبة للأخوية والمُنتسبين إليها، حيث يتم تقييم (والإشادة بعمل الأخوية الماسونية المغربية للأخوية العالمية الأم) أما الإجتماعات الشهرية، فتخصص للنقاشات حول تيمة الحقيقة ورموز الشعار الثلاثي للماسونية، في معبد تملأه أصداء نداء طقوسي خاص، وإذا كان هناك من هدف أكبر للأخوية الماسونية المغربية، فإنه يتمثل في الإشعاع على المستوى الدولي، بالنسبة للبلد الذي تنشط فيه، وما حضور شخصيات ماسونية أجنبية مهمة، إلا دليل على محورية هذا الهدف.

    شروط الإنتماء للأخوية الماسونية

    هل يُمكن اعتبار الأخوية الماسونية المغربية شبكة تأثير؟

    نعم ، يُجيب أحد قيادييها المغاربة، مُضيفا: « إن هذا أمر أكيد، لكنها شبكة تأثير مُهمتها بناءة بالنسبة للبلاد المُستضيفة للأخوية، ففي العمق فإن الأهم بالنسبة للتربية الماسونية، هو تلك الخطوة الإختيارية للشخص الذي يريد بلوغ حقيقيته الذاتية، وبالتالي عبور الممر الرمزي من الظلمات إلى النور ». وهو ما يتم، حسب نفس الشروط، من خلال مُشاركة طقوسية في تأملات فلسفية، واقتصادية أو رمزية، حيث يبحث كل واحد عن سبيله، كما يحدث في مجال الصوفية، وكما تشرح ذلك « فرانسواز بلانشي » وهي المعلمة الكبيرة للشرفة الماسونية الفرنسية النسائية الكبرى، بطريقتها: « يجب ألا يكون هناك تغليط ذاتي، إن الماسونية قبل كل شىء اشتغال على الذات، ومع الآخرين، وهذا لا يمت بصلة لأي ملمح فلكلوري، بالرغم من مكونات الديمور التي نحيط بها طقوسنا ».

    « فرانسواز بلانشي » استُقبلت من طرف « أخواتها » المغربيات ومن بينهن استشارية في العقد الرابع من العمر، وبالنسبة لها فإن « الماسونية منهجية رائعة لتعرف أفضل على الذات، وبالتالي الذهاب إلى الأهم، وحينما نصبح أصفى نشع، ونرانا مواطنا عالميا ».. للوصول إلى ذلك، يجب حشر الشخص المُنتمي للمحفل الماسوني، نفسه في قاعة على شكل محكمة بلا ادنى شروط الراحة، والانغمار في تأمل تحت ضوء خافت، ثلاثي الأبعاد ترمز إلى: القوة والجمال والحكمة. وأيضا قِيم اكثر تجريدا مثل التسامح والنزاهة والطيبوبة، والمجد لمسؤولي هيكل الحب، هل لكل هذه الأمور من معنى؟ الجواب الذي يتلقاه الوافد الجديد على مثل هذا السؤال هو: ادخل وستفهم.

    محاذير الإنفتاح و « فوائد » الإنغلاق الماسونِيَيَنِ

    ثمة العديد من الاختيارات المُتعارضة التي تهز عالم الماسونية على المستوى الدولي، وذلك بين المُنادين بانفتاح القبيلة الماسونية وبالتالي المُساهمة في إغنائها، وحراس طقوسها السرية اللذين يريدون الاحتفاظ بالحدود مع العالم غير الماسوني.

    ففي فرنسا مثلا، حيث تبرز مثل هذه النقاشات، اكثر من أي مكان آخر في العالم، فإن القائلين بالانفتاح قلقون من الحدود المفروضة على عنصر إشعاع الثقافة الماسونية، وذلك من خلال غيابها شبه الكامل عن النقاشات التي تهز بانتظام المجتمع الفرنسي، لا سيما حين تكون متعلقة بمواضيع أثيرة لدى الماسونية، من قبيل: حقوق الكائن البشري، وتكافؤ الفرص، والروحانيات.. إلخ.

    أما في المغرب فما زال النقاش محصورا بين مدى أهمية أو عدم أهمية الإفصاح عن وجود مؤسسة ماسونية وطنية، وهو ما يكشف عن الشرخ الذي يفصل المغرب عن باقي العالم « الحر ».

    وفي هذا الإطار يُمكن النقاش الدائر بين الأوساط الماسونية المغربية، حول قرار خلق موقع الكتروني خاص بالأخوية الماسونية المغربية، حيث يرى البعض من المعنيين مُباشرة بالموضوع، أن من شأن الإقدام على هكذا خُطوة تجريدا مُؤسفا، للأخوية من طابعها « الصوفي المثالي »، وآخرين يرون في ذلك القرار خطوة شجاعة، سيما اسم وصورة « المعلم الأكبر » الذي يتصدر موقع الأخوية، غير أن هذا لا يعني أنه تم الكشف عن كل شىء ما دام أن عنوان الأخوية لا يُحيل على ما يمكن اعتباره مقرا لمؤسسة من القبيل الذي نتحدث عنه، كما أن رقم الهاتف المُعلن عنه يعود لوكالة بنكية. مما يعني أن طابع السرية عن الأخوية في المغرب ما زال ساريا.

    المصدر

    [youtube https://www.youtube.com/watch?v=i6efLmh0sac]

  • أسرار عسكرية وسياسية ودبلوماسية عن المغرب

    نشر موقع ويكيليكس الذي أضحى على كل لسان بالعالم وثائق سرية أمريكية تكشف ما تقوم به سفارة واشنطن بالرباط من أعمال تجسسية لم تفلت منها لا صغيرة ولا كبيرة، إذ تم تضمين مئات الوثائق ما ورد عن سفارة أمريكا بالرباط من معطيات مرتبطة بالأسرة الملكية الحاكمة وضيوفها وأداء الحكومة زيادة على معطيات أخرى تهم كافة المجالات الحياتية بالمملكة، خاصة الفوسفاط والتعاملات المغربية الفرنسية، وأفصح عن مواقف مسؤولين مغاربة تجاه دول وأحداث عالمية.
    وقد قال سفير أمريكا بالرباط بأن الرئيس ساركوزي قد نال غضب الملك المغربي أثناء إحدى الزيارات بعدما جلس بطريقة غير سوية واضعا رجلا فوق رجل في تناف مع البروتوكول الملكي الصارم، في حين أثير الحديث عن تأييد الرئيس الفرنسي لمقترح الحكم الذاتي المغربي بالصحراء، كما أثار ويكيليكس موضوع علاقة الملك محمد السادس بالحكم بعدما نشر نص برقية تقول بأن المغرب متعاون في القضاء على الإرهاب رغم زهد العاهل في الحكم.
    وكانت المفاجأة حاضرة ضمن التقارير السرية الأمريكية حين تم نشر نص لائحة تتوفر عليها المخابرات المركزية الأمريكية بأسماء شخصيات ينبغي اغتيالها، إذ تواجد بين الأسماء المطلوبة ميتة اسم الجنرال المغربي المتوفي احمد الدليمي، ذلك أن الوثائق المنشورة تهم الفترة الممتدة من منتصف الستينيات إلى اليوم، وتطرقت أيضا لممارسات الصيد السرية التي يدأب على القيام بها عدد من قادة العالم فوق التراب المغربي الجنوبي.

    وقال ويكيليكس بأن المغرب قد قطع علاقته مع إيران بإيعاز من السعودية التي استغلت غضب الملك محمد السادس من نشاطات السفارة الإيرانية المعتدية على مكانته الدينية والعامدة لنشر المذهب الشيعي، وأن المغرب قد طالب من أمريكا العمل على إزاحة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، كما فضح بأن المغرب قد طالب عددا من الدول بمنع إيران من الحصول على قنبلة ذرية خوفا من أن تليها الجزائر في التوفر على هذا السلاح الفتاك.

    ونسب لوزير الخارجية المغربي تأكيده، على هامش قمة جامعة الدول العربية عام 2009، عن عزم المغرب التعامل علنا مع الكيان الإسرائيل تحت غطاء الاتحاد من أجل المتوسطي الذي كانت حريصة على إخراجه للنور الدولة الفرنسية لنيكولا ساركوزي.

    كما فضح ويكيليكس تصريحات لياسين المنصوري، مدير المخابرات العسكرية، كان قد وجهها لمسؤول لسيناتور أمريكي بتفضيل المغرب للاستقرار بموريتانيا عوض إشاعة جو ديمقراطي، إضافة لما تم تعميمه على الملأ من دور مغربي في تسليح العسكر بالنيجر ومساعدتها على التصدي لمتطرفين، وكذا استقبال الرباط للحاكم العسكري لغينيا بتعليمات أمريكية تمهيدا لانتقال السلطات للمدنيين.. حيث أكد المنصوري أيضا ضمن حديث مع نفس عضو مجلس الشيوخ بأن النزاع حول الصحراء مع الجزائر والبوليساريو قد ثنى المغرب عن محاصرة توسع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.

    كما نشر ويكيليكس نص تقرير عن زيارة القائد الأول لأفريكوم صوب المغرب العام الماضي وما شهدته من توقيع لاتفاقات مع المفتش العام للقوات المسلحة المغربية الجنرال عبد العزيز بناني، ودلت ذات الوثيقة على وجود ترخيص مغربي للطائرات العسكرية لسلاح الجو الأمريكي باختراق الأجواء المغربية ضمن عمليات حماية الساحل الإفريقي من تنظيم القاعدة واستهداف معسكراته.. واهتمت أمريكا أيضا بقضية بليرج، حيث سجل جواسيسها بأنها تمت وسط محاكمة مطبوخة نسبة لتصريحات الدبلوماسي اليهودي البلجيكي بالرباط يوهان جاكوب، حيث سطرت بأن الأحكام كانت جاهزة ومسبقة لعدم إمكانية القاضي التوصل للأحكام في 12 ساعة وفي حق 35 متهما، زيادة على خروقات شكلية مست ترجمات وثائق عرضت بالفرنسية والهولندية وأشير لمحتوياتها شفويا أثناء انعقاد الجلسات لا غير.

    وينتظر أن يعمد مدير الموقع ذاته على نشر عدد من الوثائق السرية الأمريكية حول المغرب، إذ يبلغ عددها 2000 وثيقة منها 245 تقرير بخصوص مجريات الأمور بالأقليم الجنوبية الصحراوية والجدل القائم بها بين موالين للبوليساريو ووحدويين والسلطات، وهي الوثائق التي كانت موجهة لوزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين.

    وقد أفلح ويكيليكس في نيل تتبع العالم بعد إثارته لأزمات دولية جراء ما يصفه ب (حماية الحقيقة)، إذ كشف تصريحات عنصرية لزعماء دول وفضائح مالية لآخرين، زيادة على دوافع مزاجية آخرين، وذلك بناء على الأداء الخفي للدبلوماسيين الأمريكان المنتشرين حول العالم.

  • بعد فضيحة الفيديو المسرب.. البشير السكيرج يغادر المغرب نحو أمريكا

    علمت جريدة الحياة اليومية، قبل قليل، أن الفنان والمخرج المسرحي البشير السكيرج، غادر المغرب نحو أمريكا، أيام قليلة بعد فضيحة الفيديو المعلوم(..).

    وحسب مصادر الجريدة، فإن زوجة السكيرج الأمريكية زارت المغرب مؤخرا، ثم غاردته مساء يوم الأربعاء 05 دجنبر، رفقة زوجها البشير نحو إسبانيا ومن تم إلى أمريكا حيث يستقران.

    ومازال لم يعرف بعد ما إذا كان السكيرج سيستقر بأمريكا نهائيا أم أنه سيعود أدراجه نحو المغرب.

    وكان البشير السكيرج قد أثار ضجة بمواقع التواصل الاجتماعي، بسبب شريط فيديو مصور مسرب، ظهر فيه يوجه الكثير من الاتهامات يمينا وشمالا ويتحدث عن العائلة الملكية، وقد أتى على ذكر أسماء نافذة في الدولة بينها جنرال نافذ(..).

    المصدر

  • الملك المغربي محمد السادس…أشهر من اشتهر باللواط من الحكام العرب

    حين تولى الملك المغربي محمد السادس مقاليد الحكم بعد وفاة والده الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1999.. قام التلفزيون الهولندي الرسمي NOS-Journaal بالتعريف عنه والاحتفال به وتم ذكر ان الملك المغربي الشاب و الجديد مثلي الجنس أو لوطي او بمعنى أخر مخنث.

    كما تم نشر الخبر في كبرى الصحف الهولندية وبالتحديد صحيفة De Gay Krant. وقد أدى هذا الخبر الى مظاهرات للعديد من المغاربة المتواجدين في هولندا وخاصة مدينة “اوتريخت” والقريبة من مقر التلفزيون الذي أذاع الخبر المثير للجدل. وقد ذكرت صحيفة De Gay Krant ان الملك والذي كان يبلغ وقتها-أي سنة 1999- 36 سنة قد درس في بلجيكا في مدينة بروكسل وهناك أصبح مخنث.

    وقد ذكرت الوسيلتين الإعلاميتين الهولنديتين ان الملك معروف بالمغرب ولدى عائلته ميول الى التخنث وقد جاء ذكر ذلك على لسان Tony Flave وقال لا تذكروا هذا الخبر نقلا عني،كما انه من الجدير بالذكر ان الشرطة وسلاح الطيران المغربي كان معارضا للملك بسبب معرفتهم بانه مخنث.

    كما أكد التلفزيون الهولندي NOS-Journaa مصداقية الخبر. “الحقيقة ان الملك لا يمكن له ان يتراجع عن تخنثه” .. هذا ما قاله مراسل التلفزيون الهولندي الى قائد الجيش المغربي الذي كان على قناعة كاملة بان ملكه مخنث وكان على خوف شديد من أن يتم حكم البلاد من طرف هذا المخنث.كما قام التلفزيون الهولندي بنشر صور ومقاطع لبعض حانات المخنثين التي كان ملك المغرب يرتادها وقد ذكر اكثر من شخص ممن يعرف الملك المغربي جيدًا في هذه الحانات ان الملك كان يحب الأطفال وكم من طفل مغربي تم شراءه للملك بمبلغ لا يقل عن 3000 درهم.

    بريطاني كان عشيق أمير قطر الحالي يكشف الفضيحة من خلال إصداره كتابًا يشرح فيه علاقته الجنسية مع تميم في عام 2005

    أمير قطر الحالي تميم بن حمد آل ثاني منع من دخول ملهى ليلي للمثليين جنسيًا في لندن لمدة شهر كامل بسبب مشاجرة حدثت بينه و بين شريكه مايكل هيرد (30 عامًا) و هو مواطن بريطاني أصدر كتاباً يشرح فيه علاقته الجنسية الحميمية بـ”أمير قطر الحالي” مشيرًا إلى أن الكتاب موثق بالصور.

    والكتاب يتطرق أيضًا إلى الاشتباكات التي تمت في “حانة” بسبب إعجاب “تميم” برجال آخرين داخل “الحانة” وهو ما آثار حفيظة “هيرد” وقام بالعراك و الاشتباك معهم. يوم 4 أوت 2005 التقط احد المحررين سماعة الهاتف بلهفة وطلب “كين ليفنغستون” عمدة لندن الشهير آنذاك ليسأله ممكن ننشر في صحيفة”الغارديان” خبر عن مشادات بين ثلاث رجال مخمورين في ملهى ليلى !! فرد عمدة لندن بالإيجاب و لكن باستعجاب وقال له وماذا في ذلك فقال له انه ملهى “G.A.Y.S” الشعبى للشواذ جنسيًا في لندن فقال له ” وماذا في ذلك” ،فقال له احد المتعاركين هو مايكل هيرد وصديقة الأمير تميم بن حمد القطري !!! هنا اندهش العمدة وصرخ طالبًا وقف كل شيء حتى يصل بنفسه إلى مقر الجريدة.

    وعندما وصل إلى مقر الجريدة تأكد من صدق المعلومة من محضر الشرطة حيث قام ضابطي شرطة بأثبات العراك والاسماء واسم الملهى في محضر رسمي وكذلك صورة من قرار الملهى الليلى بحرمان تميم ومايكل من الدخول لمدة شهر.

    هنا قامت القيامة فقام بالاتصال بالسفارة القطرية ومنها بالدوحة وكانت التعليمات بإيقاف الفضيحة بأي ثمن كان ومن المعروف ان كين ليفنغستون من اشد أعداء العائلة المالكة السعودية (لا تنسي تصريحه الشهير في الغارديان في 8 ابريل 2000 قوله “بأنه يتطلع الى اليوم الذي يرى فيه أفراد العائلة المالكة في السعودية معلقين على أعواد المشانق)، المهم ان ليفنغستون قام بالحركة على مسارين بمنتهى السرعة لتدارك الفضيحة حيث قام باستدعاء الضابطين محرري المحضر وتم تغيير الأسماء بالمحضر مقابل ملايين الجنيهات الاسترلينية …

    ولكنه واجهته مشكلة لشراء الصحفي او الصحيفة المفلسة حينذاك وذلك لطبيعة ملكيتها فهي الجزء الأساسي من أعمال مجموعة غارديان الإعلامية التي تعود ملكيتها لمجلس أمناء سكوت ترست المحدودة (وهو بمثابة وقف) والهدف من ذلك هو ضمان الاستقلال المالي والتحريري للغارديان إلى الأبد .. فكان لابد من المساهمة في الوقف بحوالى 60 بالمائة من ثمنه في صفقة بمليار جنية إسترليني وذلك لإسكات جميع الصحفيين والمديرين بالجريدة وتم الشراء باسم تميم بن حمد ، وقد قام بشراء 20 بالمائة المتبقية في 2008 و الـ 20 بالمائة الأخيرة في سبتمبر 2013.

    لكن و في الوقت الذي اعتقد الجميع ان الواقعة قد اخفيت فقد تم شراء الشرطيين والجربدة والملهى الليلى، كانت هناك ثغرة لم يتم الانتباه اليها وهى ان محرر اكبر صحيفة شواذ ” ILGA ASIA ” كان في الملهى بالصدفة وطبعًا سجل كل شيء ونشره في يوم 5 أوت مع الإشارة ان الغارديان نشرته في 4 أوت لأنه لم يكن يعلم ماذا دار طوال الليل.

    وفى مقال الجريدة-التي تُعنى بالشاذين جنسيًا- كشفت فيه أن تميم بن حمد أمير قطر الحالي شاذ جنسيًا، وأن الشيخ يوسف القرضاوي كان أصدر فتوى لأبيه الشيخ حمد برجمه بالحجارة طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

    و نشير إلى أن البعض يقول أن فتوى الشيخ يوسف القرضاوي لرجم تميم جاءت بسبب أنه شاذ ولأن حمد رأى أن تميم اصطف مع جده ” خليفة” ضد والده ” حمد” الذي انقلب على والده وأراد تميم بدوره الانقلاب على أبيه والوقوف في صف جده،

    وكان القرضاوي الأداة التي أصدرت فتوى الرجم على تميم نتيجة الشذوذ، ولذلك كان طرد تميم للقرضاوي بعد تولي حكم قطر مجرد انتقام. ويذكر أن الشيخ القرضاوي أصدر فتواه التي نقلتها قناة “الجزيرة” بتاريخ 5 أكتوبر 2005، وتداولتها العديد من وسائل الإعلام العربية والغربية، وتقضي بإقامة الحد على الأمير الحالي لقطر بن تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني. وطبعًا سيطرة قطر على صحيفة الغارديان تفسر مواقفها لنشر الفوضى بالمنطقة العربية من خلال موقفها من غزو الناتو لليبيا.

    الجدير بالذكر ان جريدة الغارديان البريطانية صحيفة يومية تأسست عام 1821، وكانت تعرف باسم “ذا مانشستر غارديان” حتى العام 1959وتصدر من الإثنين إلى السبت، في أيام الأحد تصدر طبعة خاصة لها تحت اسم ذا ويكلى غارديان .

    وعلى جانب اخر لينفي تميم عن نفسه تهمة الشذوذ قام بالزواج من امرأتين احدهن ابنه عمه واختفى تماما شريكه. سعودي من العائلة الحاكمة يعلن زواجه من صديقه الأمريكي في تغريدة له على تويتر وقد غرد الأمير السعودى أحمد الدوسري وهو واحد من اكبر القبائل السعودية التي ينتمى اليها كبار امراء المملكة عبر “تويتر” معلنًا زواجه من شاب أمريكي ومدشنًا لمرحلة جديدة من المكاشفة والاعتراف بالشذوذ .

    ونشر الدوسري مجموعة صور تظهره مع الشاب الأمريكي الذى يمثل العريس الزوج بينما يمثل ابن مملكة آل سعود دور الانثى .واستغل احمد الدوسري الذى يعيش حاليًا في الولايات المتحدة قانون أصدرته المحكمة العليا في الولايات المتحدة، والذي يقضي بمنح الحق للمثليين جنسيًا بالزواج في كافة الولايات الأمريكية، وهو الحكم الذي وصفه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، بأنه “انتصار لأمريكا…وانتصار للحب”.

    حارس شخصي لأمراء ال سعود يفضح اسرارهم.. و شذوذ الجنسي فتح حارس شخصي سابق لعدد من الأمراء السعوديين من بينهم الملك الراحل فهد بن عبد العزيز والأمير طلال بن عبد العزيز والأمير فواز بن عبد العزيز وبعض أولادهم وبناتهم وبعض أولاد الملك سعود وغيرهم، فتح النار عليهم من خلال كتاب نشر تحت عنوان “الحارس السعودي” ومن خلال مئات التغريدات عبر “التويتر”.(saudi bodyguard-mark young).

    ويدعى الحارس مارك يونغ وهو بريطاني أمضى أكثر من عشرة سنوات في خدمة هؤلاء الأمراء والأميرات، حيث رأى منهم ما لم يكن يخطر في خياله، وقال أنه ببعض ما كشف حتى الآن يريح ضميره الذي طالما كان في عذاب بسبب صمته على جرائم هؤلاء الأمراء حين كان في خدمتهم، وتعدى فضحه حتى للبريطانيين والأمريكيين الذين حسب ما ذكر يوفرون لهم الحماية الكبرى في سبيل الاستحواذ على ثروات الشعب السعودي الذي أحبه حين أحتك بهم من خلال خدمته.

    وقد أطلق على هؤلاء الأمراء الذين أطلع على سلوكياتهم عن قرب، أذم الصفات حيث قال بأنهم: فاسدون ومقامرون ولصوص ومغتصبون وشواذ جنسيًا ومدمنو مخدرات، وقال أنهم يتلاعبون بالدين الذي يدعون تطبيقه وبالأموال التي يدعون صرفها على الناس. ووجه نداءه للشعب السعودي قائلاً : لقد رأيت منهم كل مذهل فأنزعوا حقوقكم كما تفعل الشعوب الحية بدل الخنوع. ومن تحدث عنهم بالاسم; الأمير أحمد بن عبد العزيز والذي قال بأنه مقامر وسكير ومدمن مخدرات ومجرم.

    كما تحدث عن الأمير فيصل بن فهد وقال بأنه كان شاذًا جنسيًا وقاتلاً وتاجر مخدرات ومدمن عليها بالرغم أنه كان رئيسًا لهيئة مكافحة المخدرات، وأنه توفي نتيجة جرعة زائدة من المخدرات.

    وقال عن الأمير فواز بن عبد العزيز بأنه مقامر كبير وبدد ثروات على المقامرة وفاسد ومدمن على الخمر والذي كان أميرا على مكة المكرمة. وقال عن عز الدين بن سعود بأنه كان شاذًا جنسيًا وكان مكلفًا بحمايته أثناء مرضه بالإيدز الذي مات شابًا بسببه. وقال أن الأمير حمود بن عبد العزيز طلب منه ممارسة الشذوذ وحين رفض غضب منه، وقال أن الأميرة(ص) قاطعته لسبب مماثل.

    حين تولى الملك المغربي محمد السادس مقاليد الحكم بعد وفاة والده الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1999.. قام التلفزيون الهولندي الرسمي NOS-Journaal بالتعريف عنه والاحتفال به وتم ذكر ان الملك المغربي الشاب و الجديد مثلي الجنس أو لوطي او بمعنى أخر مخنث.

    كما تم نشر الخبر في كبرى الصحف الهولندية وبالتحديد صحيفة De Gay Krant. وقد أدى هذا الخبر الى مظاهرات للعديد من المغاربة المتواجدين في هولندا وخاصة مدينة “اوتريخت” والقريبة من مقر التلفزيون الذي أذاع الخبر المثير للجدل. وقد ذكرت صحيفة De Gay Krant ان الملك والذي كان يبلغ وقتها-أي سنة 1999- 36 سنة قد درس في بلجيكا في مدينة بروكسل وهناك أصبح مخنث.

    وقد ذكرت الوسيلتين الإعلاميتين الهولنديتين ان الملك معروف بالمغرب ولدى عائلته ميول الى التخنث وقد جاء ذكر ذلك على لسان Tony Flave وقال لا تذكروا هذا الخبر نقلا عني،كما انه من الجدير بالذكر ان الشرطة وسلاح الطيران المغربي كان معارضا للملك بسبب معرفتهم بانه مخنث.

    كما أكد التلفزيون الهولندي NOS-Journaa مصداقية الخبر. “الحقيقة ان الملك لا يمكن له ان يتراجع عن تخنثه” .. هذا ما قاله مراسل التلفزيون الهولندي الى قائد الجيش المغربي الذي كان على قناعة كاملة بان ملكه مخنث وكان على خوف شديد من أن يتم حكم البلاد من طرف هذا المخنث.كما قام التلفزيون الهولندي بنشر صور ومقاطع لبعض حانات المخنثين التي كان ملك المغرب يرتادها وقد ذكر اكثر من شخص ممن يعرف الملك المغربي جيدًا في هذه الحانات ان الملك كان يحب الأطفال وكم من طفل مغربي تم شراءه للملك بمبلغ لا يقل عن 3000 درهم.

    بريطاني كان عشيق أمير قطر الحالي يكشف الفضيحة من خلال إصداره كتابًا يشرح فيه علاقته الجنسية مع تميم في عام 2005

    أمير قطر الحالي تميم بن حمد آل ثاني منع من دخول ملهى ليلي للمثليين جنسيًا في لندن لمدة شهر كامل بسبب مشاجرة حدثت بينه و بين شريكه مايكل هيرد (30 عامًا) و هو مواطن بريطاني أصدر كتاباً يشرح فيه علاقته الجنسية الحميمية بـ”أمير قطر الحالي” مشيرًا إلى أن الكتاب موثق بالصور.

    والكتاب يتطرق أيضًا إلى الاشتباكات التي تمت في “حانة” بسبب إعجاب “تميم” برجال آخرين داخل “الحانة” وهو ما آثار حفيظة “هيرد” وقام بالعراك و الاشتباك معهم. يوم 4 أوت 2005 التقط احد المحررين سماعة الهاتف بلهفة وطلب “كين ليفنغستون” عمدة لندن الشهير آنذاك ليسأله ممكن ننشر في صحيفة”الغارديان” خبر عن مشادات بين ثلاث رجال مخمورين في ملهى ليلى !! فرد عمدة لندن بالإيجاب و لكن باستعجاب وقال له وماذا في ذلك فقال له انه ملهى “G.A.Y.S” الشعبى للشواذ جنسيًا في لندن فقال له ” وماذا في ذلك” ،فقال له احد المتعاركين هو مايكل هيرد وصديقة الأمير تميم بن حمد القطري !!! هنا اندهش العمدة وصرخ طالبًا وقف كل شيء حتى يصل بنفسه إلى مقر الجريدة.

    وعندما وصل إلى مقر الجريدة تأكد من صدق المعلومة من محضر الشرطة حيث قام ضابطي شرطة بأثبات العراك والاسماء واسم الملهى في محضر رسمي وكذلك صورة من قرار الملهى الليلى بحرمان تميم ومايكل من الدخول لمدة شهر.

    هنا قامت القيامة فقام بالاتصال بالسفارة القطرية ومنها بالدوحة وكانت التعليمات بإيقاف الفضيحة بأي ثمن كان ومن المعروف ان كين ليفنغستون من اشد أعداء العائلة المالكة السعودية (لا تنسي تصريحه الشهير في الغارديان في 8 ابريل 2000 قوله “بأنه يتطلع الى اليوم الذي يرى فيه أفراد العائلة المالكة في السعودية معلقين على أعواد المشانق)، المهم ان ليفنغستون قام بالحركة على مسارين بمنتهى السرعة لتدارك الفضيحة حيث قام باستدعاء الضابطين محرري المحضر وتم تغيير الأسماء بالمحضر مقابل ملايين الجنيهات الاسترلينية …

    ولكنه واجهته مشكلة لشراء الصحفي او الصحيفة المفلسة حينذاك وذلك لطبيعة ملكيتها فهي الجزء الأساسي من أعمال مجموعة غارديان الإعلامية التي تعود ملكيتها لمجلس أمناء سكوت ترست المحدودة (وهو بمثابة وقف) والهدف من ذلك هو ضمان الاستقلال المالي والتحريري للغارديان إلى الأبد .. فكان لابد من المساهمة في الوقف بحوالى 60 بالمائة من ثمنه في صفقة بمليار جنية إسترليني وذلك لإسكات جميع الصحفيين والمديرين بالجريدة وتم الشراء باسم تميم بن حمد ، وقد قام بشراء 20 بالمائة المتبقية في 2008 و الـ 20 بالمائة الأخيرة في سبتمبر 2013.

    لكن و في الوقت الذي اعتقد الجميع ان الواقعة قد اخفيت فقد تم شراء الشرطيين والجربدة والملهى الليلى، كانت هناك ثغرة لم يتم الانتباه اليها وهى ان محرر اكبر صحيفة شواذ ” ILGA ASIA ” كان في الملهى بالصدفة وطبعًا سجل كل شيء ونشره في يوم 5 أوت مع الإشارة ان الغارديان نشرته في 4 أوت لأنه لم يكن يعلم ماذا دار طوال الليل.

    وفى مقال الجريدة-التي تُعنى بالشاذين جنسيًا- كشفت فيه أن تميم بن حمد أمير قطر الحالي شاذ جنسيًا، وأن الشيخ يوسف القرضاوي كان أصدر فتوى لأبيه الشيخ حمد برجمه بالحجارة طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

    و نشير إلى أن البعض يقول أن فتوى الشيخ يوسف القرضاوي لرجم تميم جاءت بسبب أنه شاذ ولأن حمد رأى أن تميم اصطف مع جده ” خليفة” ضد والده ” حمد” الذي انقلب على والده وأراد تميم بدوره الانقلاب على أبيه والوقوف في صف جده،

    وكان القرضاوي الأداة التي أصدرت فتوى الرجم على تميم نتيجة الشذوذ، ولذلك كان طرد تميم للقرضاوي بعد تولي حكم قطر مجرد انتقام. ويذكر أن الشيخ القرضاوي أصدر فتواه التي نقلتها قناة “الجزيرة” بتاريخ 5 أكتوبر 2005، وتداولتها العديد من وسائل الإعلام العربية والغربية، وتقضي بإقامة الحد على الأمير الحالي لقطر بن تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني. وطبعًا سيطرة قطر على صحيفة الغارديان تفسر مواقفها لنشر الفوضى بالمنطقة العربية من خلال موقفها من غزو الناتو لليبيا.

    الجدير بالذكر ان جريدة الغارديان البريطانية صحيفة يومية تأسست عام 1821، وكانت تعرف باسم “ذا مانشستر غارديان” حتى العام 1959وتصدر من الإثنين إلى السبت، في أيام الأحد تصدر طبعة خاصة لها تحت اسم ذا ويكلى غارديان .

    وعلى جانب اخر لينفي تميم عن نفسه تهمة الشذوذ قام بالزواج من امرأتين احدهن ابنه عمه واختفى تماما شريكه. سعودي من العائلة الحاكمة يعلن زواجه من صديقه الأمريكي في تغريدة له على تويتر وقد غرد الأمير السعودى أحمد الدوسري وهو واحد من اكبر القبائل السعودية التي ينتمى اليها كبار امراء المملكة عبر “تويتر” معلنًا زواجه من شاب أمريكي ومدشنًا لمرحلة جديدة من المكاشفة والاعتراف بالشذوذ .

    ونشر الدوسري مجموعة صور تظهره مع الشاب الأمريكي الذى يمثل العريس الزوج بينما يمثل ابن مملكة آل سعود دور الانثى .واستغل احمد الدوسري الذى يعيش حاليًا في الولايات المتحدة قانون أصدرته المحكمة العليا في الولايات المتحدة، والذي يقضي بمنح الحق للمثليين جنسيًا بالزواج في كافة الولايات الأمريكية، وهو الحكم الذي وصفه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، بأنه “انتصار لأمريكا…وانتصار للحب”.

    حارس شخصي لأمراء ال سعود يفضح اسرارهم.. و شذوذ الجنسي فتح حارس شخصي سابق لعدد من الأمراء السعوديين من بينهم الملك الراحل فهد بن عبد العزيز والأمير طلال بن عبد العزيز والأمير فواز بن عبد العزيز وبعض أولادهم وبناتهم وبعض أولاد الملك سعود وغيرهم، فتح النار عليهم من خلال كتاب نشر تحت عنوان “الحارس السعودي” ومن خلال مئات التغريدات عبر “التويتر”.(saudi bodyguard-mark young).

    ويدعى الحارس مارك يونغ وهو بريطاني أمضى أكثر من عشرة سنوات في خدمة هؤلاء الأمراء والأميرات، حيث رأى منهم ما لم يكن يخطر في خياله، وقال أنه ببعض ما كشف حتى الآن يريح ضميره الذي طالما كان في عذاب بسبب صمته على جرائم هؤلاء الأمراء حين كان في خدمتهم، وتعدى فضحه حتى للبريطانيين والأمريكيين الذين حسب ما ذكر يوفرون لهم الحماية الكبرى في سبيل الاستحواذ على ثروات الشعب السعودي الذي أحبه حين أحتك بهم من خلال خدمته.

    وقد أطلق على هؤلاء الأمراء الذين أطلع على سلوكياتهم عن قرب، أذم الصفات حيث قال بأنهم: فاسدون ومقامرون ولصوص ومغتصبون وشواذ جنسيًا ومدمنو مخدرات، وقال أنهم يتلاعبون بالدين الذي يدعون تطبيقه وبالأموال التي يدعون صرفها على الناس. ووجه نداءه للشعب السعودي قائلاً : لقد رأيت منهم كل مذهل فأنزعوا حقوقكم كما تفعل الشعوب الحية بدل الخنوع. ومن تحدث عنهم بالاسم; الأمير أحمد بن عبد العزيز والذي قال بأنه مقامر وسكير ومدمن مخدرات ومجرم.

    كما تحدث عن الأمير فيصل بن فهد وقال بأنه كان شاذًا جنسيًا وقاتلاً وتاجر مخدرات ومدمن عليها بالرغم أنه كان رئيسًا لهيئة مكافحة المخدرات، وأنه توفي نتيجة جرعة زائدة من المخدرات.

    وقال عن الأمير فواز بن عبد العزيز بأنه مقامر كبير وبدد ثروات على المقامرة وفاسد ومدمن على الخمر والذي كان أميرا على مكة المكرمة. وقال عن عز الدين بن سعود بأنه كان شاذًا جنسيًا وكان مكلفًا بحمايته أثناء مرضه بالإيدز الذي مات شابًا بسببه. وقال أن الأمير حمود بن عبد العزيز طلب منه ممارسة الشذوذ وحين رفض غضب منه، وقال أن الأميرة(ص) قاطعته لسبب مماثل.

    المصدر

    [youtube https://www.youtube.com/watch?v=t_nYPqcI9-E]