Étiquette : المغرب

  • صراع بين المغرب والسعودية للسيطرة على المركز الثقافي بروما



    المغرب، السعودية، المركز الثقافي الاسلامي، روما، مساجد، الاسلام في فرنسا،

    هذه معلومات كشفت عنها مذكرة سرية من السفير المغربي في روما تسلط الضوء على التنافس بين المغرب والسعودية للسيطرة على المركز الثقافي الإسلامي.

    واتهم الدبلوماسي المغربي في مذكرته السعودية بأنها تريد استخدام هذا المركز كمكان لنشر المذهب الوهابي.

    كما أفاد الدبلوماسي أن المملكة العربية السعودية تخطط للسيطرة الكاملة على مجلس إدارة هذا المركز الإسلامي. وهذا يعني أن البلدين يخوضان معركة خفية للسيطرة على الإسلام في إيطاليا لغايات سياسية كما هو الحال في فرنسا وبلجيكا.

    المذكرة تحت عنوان « الموضوع : المركز الإسلامي والثقافي بإيطاليا » السفير المغربي بروما، يشعر بلقائه مع محمد الغامدي، سفير المملكة العربية السعودية الذي اعرب عن نية الرياض إعادة هيكلة المركز الإسلامي والثقافي بإيطاليا.

    في هذا المضمار أعلن السفير المغربي حسن أبو أيوب عن رصد إرتفاع وتيرة التحركات التي تقوم بها رابطة العالم الإسلامي على التورب الإيطالي من أجل نشر وترويج المذهب الوهابي.

    المغرب #السعودية #المركز_الثقافي_الاسلامي #روما #مساجد #الاسلام_في_فرنسا #


  • المغرب : عن الدبلوماسية الاقتصادية

      الدبلوماسية الاقتصادية     المغرب 

    الـــــســــؤال : الدبلوماسية الاقتصادية.
    مــــصــــدره : فريق العدالة و التنمية.
    جلسة النواب : الاثنين 27/5/2013
    * * *

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين

    السيد الرئيس، السيدات و السادة النواب المحترمين.

    أشكر فريق العدالة و التنمية على سؤاله حول الدبلوماسية الاقتصادية، الذي يتيح لنا الفرصة لتسليط الضوء على بعد آخر للعمل الدبلوماسي المغربي وهو الشق المتعلق بالدبلوماسية الاقتصادية، التي تضع نصب أعينها تحقيق الأهداف الرامية إلى:

    -1 بحث السبل الكفيلة بخدمة مصالح بلادنا الاقتصادية،
    -2 التموقع المناسب في المنظومة الاقتصادية العالمية.
    -3 مواكبة البرامج التنموية القطاعية والأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب، مثل مخطط الإقلاع الصناعي، ومخطط المغرب الأخضر، ورؤى 2015 للصناعة التقليدية، و2020 في المجال السياحي، والمخطط الطاقي.

    ومن الأنشطة التي تنخرط الدبلوماسية المغربية الاقتصادية في تحقيقيها نذكر على سبيل المثال:

    أولا – محور العلاقة مع الفاعلين الوطنيين
    ـ التنسيق مع مختلف المتدخلين في الدبلوماسية الاقتصادية، من خلال المشاركة النوعية في اجتماعات مجالس الإدارة لمختلف الوكالات القطاعية التي تنشط خارج المملكة، وفي تسطير برامج عملها، كما تجد هذه المؤسسات كل الدعم من طرف بعثاتنا الدبلوماسية والقنصلية خلال الأنشطة التي تقوم بها بالخارج.

    ـ التنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين في إطار مخطط عمـل، لمواصلة بلورة الإستراتيجية الوطنية بشأن تعزيز بناء اقتصاد حديث، تنافســــي و مندمج مع محيطه الجهوي والدولي، و متفاعل مع تطور النظـــــام العالمي الجديد، والمساهمة معهم في ترجمة التوجهات الكبرى للبلاد إلى برامج اقتصادية ملموسة.

    تضع الوكالات المسؤولة عن العمل الاقتصادي برنامج العمل السنوي، وذلك بالتشاور مع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون. هذه الأخيرة، وبصفتها عضوا في مجالس إدارتها، تعمل على تطوير برامج وخطط عمل هذه الأجهزة والتي تنفذ بالتعاون مع سفارات المغرب لدى الخارج. 

    تنظم وزارة الشؤون الخارجية والتعاون من خلال مديرية الدراسات والتنسيق القطاعي طاولة مستديرة حول التنمية الاقتصادية في المغرب والخارج. وقد أصبح هذا الموعد فرصة للاستفادة من الترويج الاقتصادي في الخارج في مجال التصدير، وتشجيع الاستثمار والسياحة، وتعزيز وتقوية التنسيق بين الدبلوماسية المغربية ومختلف أجهزة الإنعاش الاقتصادي.

    تؤيد في هذا السياق، مختلف الأنشطة الترويجية التي تنظمها وكالات ترويج الصادرات في الخارج ، مثل مغرب الصادرات والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات ، المكتب الوطني المغربي للسياحة ودار الصانع. كما أنها تساهم في تسهيل مشاركة المغرب في المعارض الدولية و ترافق الفاعلين الاقتصاديين و المهنيين في علاقاتهم الخارجية. كما أنها تشارك بفعلية في تنظيم بعثات رجال الأعمال من وإلى المغرب.

    ثانيا – محور دور البعثات الدبلوماسية والقنصلية

    1 – إدراج دعم منشآتنا على المستوى الدولي، ولا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمنشآت الكبيرة المعتدلة الحجم، وترويج « الوجهة المغربية » لدى المستثمرين الأجانب، ضمن التعليمات الدائمة ذات الأولوية لتميلياتنا الدبلوماسية.

    2 ـ إغناء بنك المعلومات المتوفرة لدى بعثاتنا الدبلوماسية ومراكزنا القنصلية لتمكينها من المساهمة في الترويج للاقتصاد المغربي وجلب الاستثمارات، وتفعيل دور المستشار الاقتصادي بها.

    – تشجيع ومتابعة البعثات التجارية والاقتصادية التي ينظمها رجال الأعمال المغاربة والمؤسسات العمومية لعرض منتجاتهم، وتوجيههم نحو أسواق جديدة. وفي هذا الشأن، فقد تم منذ سنة 2009، تنظيم قوافل تجارية زارت 10 دول إفريقية بفضل تعاون عدة وزارات ومؤسسات عمومية وخواص.

    مواكبة زيارات الوفود التجارية الأجنبية إلى المغرب، والمغربية إلى الخارج.
    « الرصد الاقتصادي » وتزويد الفاعلين الاقتصاديين بالمعلومات الاقتصادية
    دعم البعثات بوثائق الترويج الاقتصادي
    إبراز الإصلاحات الاقتصادية في بلادنا.
    الترويج للاقتصاد الوطني

    ثالثا – محور الاتفاقيات والشراكات الدولية والجهوية

    – عقد اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتجاري مع الدول الأخرى.
    ولا يخفى أن هذه الاتفاقيات تشكل قاعدة صلبة لتشجيع الاستثمار خاصة إذا ما علمنا أنها تفتح في وجه المستثمرين سوقا استهلاكية تقدر بمليار مستهلك.

    عقد اللجان المشتركة، خاصة مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يستأثر الجانب الاقتصادي بحصة مهمة، مما جعل من بلادنا ثاني مستثمر إفريقي بإفريقيا.

    إحداث منتديات لرجال الأعمال مع العديد من الدول، مثل فرنسا والبرتغال والولايات المتحدة الأمريكية والفييتنام…
    تعزيز الجانب الاقتصادي في الزيارات واللقاءات الوزارية.

    وتحقيقا لهذه الأهداف، تباشر الوزارة برنامجا طموحا في إطار الإمكانات المتاحة لتأهيل أطر الوزارة وتكوينهم في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، حيث:

    – تنفتح في إطار مباريات التوظيف، على الأطر المختصة والتي راكمت تجارب ناجحة في ميدان الأعمال والتجارة.

    – تنظيم دورات تكوينية لفائدة الأطر التي يتم تعيينها على رأس المصالح الاقتصادية بالبعثات الدبلوماسية و القنصلية.

    – تنظيم موائد مستديرة بصفة دورية للمستشارين الدبلوماسيين من أجل تحيين معلوماتهم وتنظيم لقاءات مع الفاعلين الاقتصاديين والقطاعات الحكومية المختصة
    – وضع برنامج طموح، في إطار الأكاديمية المغربية للدراسات الدبلوماسية، يحتوي على دروس معمقة في علم الاقتصاد، والعلاقات الاقتصادية الدولية، وتقنيات المفاوضات التجارية وغيرها من المواد التي تسهم بشكل كبير في ترقية كفاءة المستشارين والملحقين الاقتصاديين.

    تعزيز الجانب الاقتصادي في برامج تعليم أعضاء سلكنا الدبلوماسي وتشجيع توظيف الأشخاص ذوي المؤهلات الاقتصادية، ولا سيما في مجالات التصدير والمشكلات الخاصة بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة والابتكار.

      الدبلوماسية الاقتصادية     #المغرب# 

  • العثماني يقدم إقتراحات لتطوير لجنة القدس 

    المغرب  لجنة القدس، محمد السادس إسرائيل فلسطين 

    ذكرة مرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله تهم تطوير عمل لجنة القدس

    نعم سيدي أعزك الله،
    يتشرف وزير الشؤون الخارجية والتعاون أن يرفع إلى جلالتكم مذكرة ببعض المقترحات التي تهم تطوير عمل لجنة القدس التي ترأسونها. وذلك تماشياً مع العطف السابغ والعناية الفائقة التي تولونها للمدينة المقدسة والتي تترجمها الديناميكية غير المسبوقة خلال السنوات العشر الأخيرة لبرامج بيت مال القدس، الذراع التنفيذية للجنة القدس الشريف. حيث ساهمت في التخفيف من معاناة قرابة 250 ألف مواطن مقدسي يعيشون داخل أسوار المدينة المقدسة أو في أكنافها ضمن القرى التي تدخل ضمن ما يسميه الاحتلال بـ »جيروزاليم الكبرى ». ولا شك أن ما أنجز ميدانياً في مجالات الإسكان والتعليم والصحة وترميم المآثر والمساعدات الإنسانية المختلفة وصيانة المقدسات وغيرها من الأعمال هي محط تقدير من المقدسيين والفلسطينيين عموماً، وكل محبي السلام والعدل في العالم. واليوم بعد مرور قرابة خمسين سنة على احتلال القدس الشريف، ومع تزايد الاعتداءات على المقدسيين والتضييق عليهم ومصادرة ممتلكاتهم وتسريع وتيرة الاستيطان والتهويد، تتزايد الحاجة إلى تطوير أشكال وآليات دعم صمود المقدسيين من خلال تطوير أشكال وآليات تدخل لجنة القدس الشريف.

    1. وضع نظام داخلي:

    إن لجنة القدس المحدثة بمقتضى المادة الحادية عشرة من ميثاق منظمة التعاون الإسلامي، هي كما في علم جلالتكم، رابع لجنة من اللجان الدائمة التي أحدثت لمعالجة القضايا ذات الأهمية القصوى للمنظمة، وهي اللجنة الدائمة للإعلام والشؤون الثقافية (كومياك برئاسة الرئيس السنغالي) اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري (كومسيك برئاسة الرئيس التركي) واللجنة الدائمة للتعاون العلمي والتكنولوجي (كومستيك برئاسة الرئيس الباكستاني).

    وتنفرد لجنة القدس بخصوصية تركيزها على موضوع محوري واحد ألا وهو الدفاع عن القدس الشريف، سياسيا من خلال المقترحات والمبادرات والمشاريع العملية ذات الصلة،
    وذلك بخلاف اللجان الأخرى التي هي لجان متخصصة وتضم الوزراء ذوي الاختصاص، من جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

    إلا أن لجنة القدس لا تتوفر، على نظام خاص بها ولا على هياكل لتنظيم عملها على غرار اللجان الدائمة الأخرى التي تنص أنظمتها الأساسية على وجود:

    « جمعية عامة »: تتكون من الوزراء ذوي الاختصاص من جميع الدول الأعضاء؛
    « لجنة المتابعة »: تضم عددا محدودا من ممثلي الدول الأعضاء يتم انتخابهم من طرف الجمعية العامة؛
    « لجنة الدورة »؛
    « مكتب وطني للتنسيق »: وهو هيئة وطنية يحق لرئيس اللجنة الدائمة إحداثه، إذا اقتضت الحاجة، للتنسيق بين اللجنة والأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

    وبناء عليه يقترح وزير الشؤون الخارجية والتعاون على النظر السديد لجلالتكم، وضع نظام داخلي للجنة القدس يبسط اختصاصاتها دون أي تقييد لصلاحيات الرئاسة، استنادا إلى القرارين الأولين المتعلقين بها (قرار الإنشاء: الدورة 6 لمجلس وزراء الخارجية/ جدة، 15ـ7ـ1975 وقرار إسناد الرئاسة إلى عاهل المملكة المغربية: الدورة 10 لمجلس وزراء الخارجية/ فاس، 12ـ5ـ1979)، ويراعي خصوصياتها: كونها لجنة سياسية بامتياز، وتقتصر العضوية فيها على عدد محدود من الدول، تنتخب من طرف مجلس وزراء الخارجية أو القمة، ولها ذراع تنفيذية تتمثل في « وكالة بيت مال القدس الشريف ».

    2. إحداث مكتب تنسيقي:

    يمكن التنصيص، إما في النظام الأساسي للجنة، أو فقط بموجب قرار، على إحداث « مكتب تنسيقي » برئاسة وزير الشؤون الخارجية والتعاون للمملكة المغربية وعضوية وزير خارجية فلسطين (عضوان دائمان) إلى جانب وزراء خارجية المملكة العربية السعودية والأردن والسنغال ومصر وتركيا واندونيسيا، يجتمع بكيفية منتظمة مرة في السنة)، يكون من اختصاصاته متابعة تنفيذ توصيات اللجنة والتحضير لدوراتها والتشاور في بعض الخطوات والمبادرات وإعداد تقارير لرئاسة اللجنة ومن ثم إلى القمة، علاوة على التنسيق مع « لجنة الوصاية » لوكالة بيت مال القدس الشريف. بالإضافة إلى إعداد برنامج عمل تنفيذي يصادق عليه رئيس اللجنة. وينعقد المكتب بصفة دورية منتظمة، وكلما ارتأى ذلك رئيس اللجنة.

    3. إعداد إستراتيجية عمل متكاملة:
    إعداد وثيقة تضع تصورا متكاملا لإستراتيجية شاملة يتم عرضها على نظر الدول الأعضاء في لجنة القدس في مرحلة أولى لاستجلاء آرائها ومقترحاتها في أفق عرضها للاعتماد على اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي ثم القمة.

    تتضمن هذه الإستراتيجية المقاربة والمنهجية والأهداف الكبرى ضمن خطة بعيدة المدى وواضحة المعالم تنبني على التنسيق مع منظمات دولية وإقليمية كجامعة الدول العربية ودول عدم الانحياز ودول أمريكا اللاتينية والمنظمات الدولية المتخصصة كاليونسكو والإسيسكو، وغيرها من الهيئات والمؤسسات الدولية ذات الصلة بمجال اشتغال اللجنة أو التي تدعم القضية الفلسطينية.

    وتتفرع عن هذه الخطة برامج عمل سنوية تهم كافة المجالات التي تدخل ضمن نطاق الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس الشريف وصيانة مقدسات الديانات السماوية والعناية بأوقافها والدفاع عن حرمتها، وتدعم صمود المقدسيين بكافة الوسائل المادية والمعنوية التي تسمح بها القوانين الدولية في هذا الباب.

    وتشتمل الخطة كذلك على برامج مناهضة تهويد القدس الشريف من خلال رصد الإمكانات القانونية والمالية على المستوى المحلي والدولي، ومساندة المقدسيين ضد سياسات الاحتلال الرامية إلى اجتثاثهم ومصادرة ممتلكاتهم، والسطو على مآثرهم التاريخية، ونزع ملكية أراضيهم، ودفعهم إلى الهجرة من القدس الشريف.

    4. إحداث شعار وهوية بصرية للجنة:

    بعد موافقة رئيس لجنة القدس، يمكن لرئيس « المكتب التنسيقي » إصدار بيانات أو وثائق باسم اللجنة وفقاً لميثاق وهوية بصرية تساعد في عملية التواصل وتسجل حضور اللجنة إعلامياً (création d’une identité et charte visuelle).
    ومما يجدر التذكير به أن التعديلات السالف ذكرها في النقط الثلاثة الأولى تستدعي موافقة مجلس وزراء الخارجية أو القمة الإسلامية.

    5. تطوير آليات عمل « بيت مال القدس الشريف »:

    إن تطوير لجنة القدس يجب أن يواكبه تطوير في آليات عمل ذراعها التنفيذية « بيت مال القدس الشريف » وذلك:
    بالحرص على الانعقاد المنتظم لمجلس الوصاية ومجلس الإدارة لضمان السير العادي للوكالة .
    دراسة إمكانية إحداث مكاتب تابعة للوكالة في عواصم بعض الدول الإسلامية والعالمية الوازنة، ترأسها شخصيات إسلامية مرموقة (رؤساء دول أو رؤساء حكومات سابقين، أو رجال أعمال، أو علماء، على أن يكون عمل تلك الشخصيات تطوعيا كي لا تترتب عن فتح مثل هذه المكاتب أي تبعات مالية.
    والعمل على تطوير آليات التشاور مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى حول القدس الشريف لاستغلال كافة الإمكانيات التي تتيحها للدفاع عن المدينة المقدسة وحماية حقوق المقدسيين.

    تطوير الاعتمادات المالية لبيت مال القدس من خلال إرساء آلية للتنسيق مع الصناديق العربية ومع جامعة الدول العربية وأجهزتها المالية، وكذا مع البنك الإسلامي للتنمية، لتطوير العمل الميداني لوكالة بيت مال القدس والانفتاح على الفاعلين الاقتصاديين في المغرب وفي باقي الدول الإسلامية والمنظمات الخيرية عبر العالم.

    على المستوى الحقوقي: تشكيل فريق متخصص من القانونيين الدوليين، بالدول العربية والإسلامية وغيرها، لوضع إستراتيجية قانونية للدفاع عن القدس الشريف في المحافل الدولية، ومتابعة الدولة المحتلة أمام الهيئات الدولية على جرائم التهويد وتغيير المعالم الحضارية والسطو على الممتلكات والاعتداء على الأوقاف الدينية الإسلامية منها والمسيحية، وكافة أشكال الانتهاكات ضد المقدسيين.

    على المستوى الإعلامي: وضع خطة إعلامية متكاملة قابلة للتنفيذ وذات مستويات مختلفة، وذلك عبر الاستغلال الأمثل لوسائل الاتصال الحديثة، وإعداد برامج حول القدس تتناول جميع أوجه القضية ذات الصلة: حقوقية وديمغرافية وتاريخية ودينية وإنسانية وغيرها. وتنظيم تظاهرات ثقافية كالمعارض المتجولة في العواصم العالمية الكبرى للتعريف بالقدس الشريف وهويته الأصيلة وانتمائه التاريخي وفضح مخططات التهويد وتغيير معالمه التي تتنافى والقوانين الدولية.

    ويُذكر في هذا الإطار، أنه صدر قرار بإنشاء قناة فضائية لمنظمة التعاون الإسلامي في اجتماع وزراء الإعلام المنعقد في الغابون سنة 2012، وأقره اجتماع وزراء الخارجية في جيبوتي. كما دعت قمتا مكة الاستثنائية الرابعة، والعادية في القاهرة إلى تطبيق تلك القرارات، ويمكن أن يشكل هذا المنبر واجهة إعلامية للدفاع عن القدس الشريف وهويتها الأصيلة وصمود أهلها، أو إحداث قناة يكون مقرها المغرب.

    على مستوى التوثيق: إحداث مركز بالمغرب تابع للجنة يعنى بقضايا التوثيق الحضاري والثقافي والقانوني لكل ما له صلة بهوية القدس وصمود أهلها من جهة، ولكل ما له علاقة بالجرائم المرتكبة من طرف الاحتلال لطمس هويتها وتغيير معالمها العمرانية والبشرية، المادية والمعنوية. وذلك بكل وسائل وتقنيات التوثيق الحديثة. كما يحدث مركز افتراضي على الشبكة لنفس الأهداف، وبمختلف اللغات الحية.

    على المستوى المعرفي: إحداث جائزة سنوية، تمنحها لجنة القدس لأهم المؤلفات التي تم إصدارها، وللأفلام الوثائقية والأعمال الفنية المختلفة التي تم إنجازها حول القدس وإرثه التاريخي، وتشجيع البحث العلمي والأكاديمي في الجامعات والمعاهد العربية والإسلامية والدولية في موضوع القدس الشريف والقضية الفلسطينية و كل الجوانب الهامة المتعلقة بها.

    بالإضافة إلى دعم تلاميذ وطلبة القدس الشريف من خلال تقديم المنح للطلبة ودعم المقررات الدراسية وطباعتها وتوزيعها ومواصلة ترميم المؤسسات التعليمية وتحديثها وتجهيزها.

    إبرام وكالة بيت مال القدس الشريف لاتفاقيات أو مذكرات تفاهم بشأن التعاون مع منظمات دولية وإقليمية بهدف دعم عمل لجنة القدس والوكالة، كاليونسكو في مجال الحفاظ على التراث الإنساني للقدس واليونيسيف في مجال حماية الأطفال المقدسيين.

    ولجلالتكم واسع النظر
    الله يبارك في عمر سيدي

    الرباط في: 19 رجب 1434 /29 ماي 2013

    سعد الدين العثماني
    وزير الشؤون الخارجية والتعاون

    المغرب  #لجنة القدس، #محمد السادس #إسرائيل #فلسطين# 

  • المغرب : تقرير حول السياسة الخارجية يونيو 2013

    المغرب السياسة الخارجية الدبلوماسية

    توطئة:
    مرت حوالي سنة ونصف على تنصيب الحكومة في ظل متغيرات دولية وداخلية غير عادية. ربيع ديمقراطي هز أرجاء معظم الدول العربية والمغاربية، أدى إلى تغيير كل المعطيات الجيوسياسية للمنطقة، حيث سقطت عدة أنظمة دكتاتورية بعد ثورات شعبية استمرت ما بين 23 يوماً إلى السنة والسنتين في تونس وليبيا ومصر واليمن. ولا زال الشعب السوري يسطر ملحمته بعد تجاوز الشهداء عتبة 70 ألف شهيد وأضعاف هذا الرقم من الجرحى والمشردين والمهجرين بعد أزيد من سنتين من بدء الثورة، وتفاقم الوضع بعد التدخل المباشر لدول وتنظيمات إقليمية، بشكل ينذر بدخول المشرق العربي، لا قدر الله، في حروب طائفية تأتي على الأخضر واليابس وتدخل المنطقة في نفق مظلم يصعب التكهن بنتائجه. ومما يزيد المشهد ضبابية عدم استقرار الأوضاع بالدول التي شهدت التغيير مما يدفع المنطقة نحو المزيد من التأزيم.

    شكل المغرب حالة فريدة في محيطه بإنجازه إصلاحات كبرى في ظل الاستقرار وبأقل الخسائر. حيث كان التجاوب الملكي سريعاً مع مطالب الشارع الذي تحرك في 20 فبراير، وشكل الخطاب الملكي في 9 مارس منعطفاً في مسار التحول الديمقراطي ببلادنا تلاه دستور فاتح يوليو ثم الانتخابات التشريعية يوم 25 نونبر 2011، وصولاً إلى تنصيب الحكومة في الثالث من يناير 2012. ورغم كل العراقيل من داخل وخارج الحكومة التي تعيق تنزيل الإصلاحات الكبرى يبقى المغرب مستقراً نسبياً في محيطه الإقليمي. إلا أن تصاعد مناهضي الإصلاحات ودخولهم في ما يشبه جبهة غير معلنة قد يؤخر الإقلاع الديمقراطي والاقتصادي لبلادنا ويفتح الأبواب على احتمالات يصعب التنبؤ بمآلها.

    على مستوى المحيط الإفريقي شكلت الأحداث في مالي أوج التحولات المأساوية في الساحل والصحراء نحو « الفوضى الخلاقة » التي أصبحت تمتد من القرن الإفريقي شرقاً إلى مشارف الأطلسي غرباً. حيث تم الإعلان عن انفصال منطقة الأزواد وتأسيس « دولة » في شمال مالي. قبل أن يدخل تنظيم القاعدة وعدة جماعات مسلحة على الخط مما أدى إلى سلسلة من الأحداث توجت بالتدخل العسكري الفرنسي مدعوماً بقوات إفريقية بطلب من حكومة مالي. إلا أن هذه الحرب هي بداية وليست نهاية لما يكمن أن يتحول إلى « ساحل-ستان » في منطقة من الشساعة الجغرافية والتعقد الإثني بحيث يكاد يكون مستحيلاً التحكم فيها، وهو ما يفتح هذا فضاء الساحل والصحراء على حقبة حروب العصابات وانتشار المافيات وتحكم الجماعات المسلحة وتفشي القرصنة.. باختصار غياب الدولة والقانون وسيادة الفوضى.

    على المستوى الأوربي شهدت هذه الفترة استمرار تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي أثرت بشكل واضح على اقتصاديات الدول، وفاقمت من أوضاعها الاجتماعية. وقد شارفت عدة دول على « الإفلاس » المالي. ووصل الأمر إلى طرح بعض دول الاتحاد الأوربي خيار الانسحاب على الأقل من العملة الموحدة.

    في ظل هذا المناخ الدولي والإقليمي والوطني تتحرك الدبلوماسية المغربية للدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب وعلى رأسها تحصين الوحدة الوطنية والحفاظ على سلامة أراضي المغرب من خلال العمل على تصفية ملف النزاع حول الصحراء المغربية.

    وفيما يلي تقرير موجز عما تقوم به الدبلوماسية المغربية في إطار مهامها واختصاصاتها القانونية.

    I- الهيكل التنظييمي للوزارة:
    الوزير
    الوزير المنتدب
    الكتابة العامة
    المفتشية العامة 
    المديرية العامة للعلاقات الثنائية والشؤون الجهوية   DG/7    
    مديرية المغرب الكبير وشؤون اتحاد المغرب العربي
      مديرية المشرق والخليج والمنظمات العربية والإسلامية
    مديرية الشؤون الإفريقية
    مديرية الشؤون الآسيوية والأوقيانوس       
      مديرية الشؤون الأوربية
      مديرية الاتحاد الأوربي والمسلسلات المتوسطية
    مديرية الشؤون الأمريكية
      المديرية العامة للقضايا المتعددة الأطراف والشاملة  DG/8
      مديرية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية
      مديرية التعاون المتعدد الأطراف والشؤون الاقتصادية الدولية
    مديرية القضايا الشاملة
         المديرية العامة للتنمية الاقتصادية والعمل الثقافي والدبلوماسية العامة   DG/9 
    مديرية التنمية والتعاون الاقتصادي
    مديرية التعاون والعمل الثقافي
    مديرية الدبلوماسية العامة والفاعلين غير الحكوميين   
         مديرية الشؤون القنصلية والاجتماعية     
         مديرية الشؤون القانونية والمعاهدات       
         مديرية التشريفات           
         مديرية الموارد البشرية 
         مديرية الشؤون المالية ونظم المعلومات واللوجستيك
    II- الأولويات الدبلوماسية المحددة في البرنامج الحكومي:

    1. قضية الوحدة الترابية

    تميزت هذه الفترة بحركية دبلوماسية همت مختلف المجالات، إلا أن البوصلة الموجهة للسياسة الخارجية للمملكة تبقى دون منازع هي قضيتنا الوطنية الأولى، وعليها مدار كل الملفات، وقد قام المغرب بعدة مبادرات، واتخذ عدة إجراءات أثرت إيجابا على مسار القضية، يمكن تقصيها كما يلي:

    أ- على الصعيد الدولي:

    ترأس مجلس الأمن والذي لا يتاح إلا مرة في 20 سنة تقريباً، وقد كان للمغرب برنامج تضمن على الخصوص مناقشة القضية المالية وتم استصدار قرار أممي في الموضوع. بالإضافة إلى بيان رئاسة المجلس الذي أصدره المغرب. وهو ما يقوي الحضور المغربي في الملفات الدولية ويعطي المغرب رصيداً دبلوماسياً ومصداقية دولية تساعدنا في الدفاع عن قضيتنا الوطنية بشكل فعال وغير مباشر.

    نفس الشيء بالنسبة لاحتضان مؤتمر أصدقاء سوريا في دورته الرابعة بمراكش والذي حضرته حوالي 114 دولة، يشكل واجباً أخوياً وتضامنا إنسانياً مع مأساة هذا الشعب كما أنه دعامة للحضور الدبلوماسي للمغرب.

    شكل قرار سحب الثقة من كريستوفر روس الحدث الأبرز خلال هذه الفترة، باسترجاع الدبلوماسية المغربية لزمام المبادرة، خاصة بعدما تبين لنا تآكل مسار المحادثات غير الرسمية وفراغها من المحتوى الذي وجدت من أجله، وعدم التزام المبعوث الشخصي للأمين العام بالحياد والموضوعية ومحاولته التدخل لتوسيع مهمة « المينورسو ». وكنتيجة لهذا الإجراء، أعيد تأطير مهمة المبعوث الأممي وفقاً لمحددات تراعي الملاحظات التي أبداها المغرب في مذكرته الموجهة إلى الأمين العام، السيد بان كي مون. ومن ضمن هذه الملاحظات حصر مهمة الوسيط الأممي في تيسير الوصول إلى حل سياسي واقعي ومتفق عليه وفقاً لمنطوق القرار الأممي المشار إليه أعلاه. بالإضافة إلى فصل المسارات السياسية والحقوقية وإجراءات بناء الثقة عن بعضها البعض، عكس ما كان يدفع باتجاهه المبعوث الخاص من توسيع لصلاحيات « المينورسو »، لتشمل بصفة خاصة الحقل الحقوقي. كما أن من بين نتائج إجراء سحب الثقة، إعلان الوسيط الأممي الشروع في تقييم شامل لخمس سنوات من المفاوضات بجولاتها الأربعة الرسمية والتسعة غير الرسمية، من أجل انطلاقة جديدة، لإيجاد حل سياسي متوافق عليه. وخلال الاتصال الهاتفي، الذي جرى في نونبر الماضي، بين صاحب الجلالة والأمين العام للأمم المتحدة قدم هذا الأخير ضمانات حول مهمة مبعوثه الشخصي، « كريستوفر روس »، الذي عاد لزيارة المنطقة وفق منهجية جديدة تبنت معظم الملاحظات التي قدمها المغرب عند سحبه للثقة من روس. وينبغي هنا أن نوضح بأن القرار الذي اتخذه المغرب بعد تقييم طويل للمسار ومشاورات دامت قرابة السنة، يشكل نقطة تحول حاسمة لإيقاف الاستنزاف الممنهج من الأطراف الأخرى للمقترح المغربي، ومحاولة تهريب المفاوضات من عمقها السياسي، نحو قضايا جانبية تخدم أجندة الطرف الآخر الذي يتخذ من هذه القضية ورقة لحساباته الداخلية الضيقة وطموحاته الإقليمية غير المعلنة. وبهذه الخطوة تكون الدبلوماسية المغربية في طور الخروج من موقع ردود الفعل إلى موقع الفعل الإيجابي نحو حل سياسي يعيد الاعتبار للمبادرة المغربية بوصفها حلاً وسطاً، تقدم به المغرب لإخراج المفاوضات من المأزق الذي آلت إليه، وليحفظ ماء الوجه للأطراف الأخرى في إطار السيادة الوطنية للمغرب ووحدته الترابية. كما أن هذا الحل يكتسب راهنيته لكونه يجيب عن إشكالات الانفصال التي تفجرت في المنطقة في مالي ودارفور وغيرها من المناطق في إفريقيا.

    إحباط محاولة توسيع صلاحيات المنورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، وانتهاء الأزمة بتعديل صيغة المشروع الذي تقدمت به الولايات المتحدة.

    صدور القرار 2099 يؤكد ما جاء في القرار السابق 2044 الذي أشاد بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي والتقدم المسجل في احترام حقوق الإنسان وافتتاح فرعين للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بالصحراء. كما دعا الطرفين للدخول في مفاوضات جادة لإيجاد حل سياسي متوافق عليه وطلب من مفوضية شؤون اللاجئين، إحصاء ساكنة المخيمات في تندوف.

    زيارة « أديس أبابا » للقاء رؤساء ووزراء خارجية عدة دول إفريقية على هامش انعقاد قمة الاتحاد الإفريقي لتعزيز العلاقات مع مختلف الدول الإفريقية ولإيصال موقف المغرب من قضية الصحراء المغربية وحتى لا تترك الساحة خالية للخصوم.

    الوقوف إلى جانب كتلة من الدول الإفريقية الصديقة التي أحبطت مخططات الخصوم لإعادة ملف الصحراء إلى الاتحاد الإفريقي. ولأول مرة دافعت الدول الصديقة للمغرب بشكل جماعي في مواجهة الكتلة المناوئة للمغرب والتي تتصدرها الجزائر وجنوب إفريقيا.
    عقد الجولة التاسعة من المحادثات غير الرسمية مع الانفصاليين في مانهاست، ولم يتحقق أي تقدم ملموس بسبب تشبث الأطراف الأخرى بأطروحات متجاوزة.

    قرار الجمعية العامة رقم َA/RES/67/4 واللجنة 24، الذي أكد على ضرورة دخول الطرفين في مفاوضات مباشرة لحل النزاع المفتعل حول الصحراء تماشيا مع قرارات مجلس الأمن الداعية إلى الانخراط بجدية في المفاوضات مع التحلي بالواقعية وروح التوافق.
    تجميد الاعتراف من طرف دولة ساوطومي وبرينسيبي بالكيان الوهمي.

    ب- على الصعيد الوطني :

    عقد خمس اجتماعات مع لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب واثنتين بمجلس المستشارين،. بالإضافة إلى الحضور المكثف في البرلمان للإجابة على الأسئلة الشفهية في الجلسات العمومية.

    و في إطار المقاربة التشاركية والديمقراطية لقضيتنا الوطنية، عقد بمقر الوزارة اجتماع مع الأمناء العامين للأحزاب السياسية لوضعهم في الصورة حول قرار المغرب سحب الثقة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وخلفياته. كما عقد اجتماع آخر غير رسمي مع مجموعة من مراكز الدراسات الإستراتيجية بالمغرب في إطار الخطوات الأولى للبحث عن صيغ فعالة لإشراك أكبر قدر ممكن من الفاعلين غير الحكوميين في بلورة إستراتيجية وطنية للسياسة الخارجية وحماية الوحدة الوطنية والترابية للمملكة.

    فيما يخص المدينتين المغربيتين السليبتين، سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، يجب التذكير بأنه نظرا للظروف السياسية الراهنة، فقد حافظنا على منهجية الدبلوماسية المغربية التي ما فتئت تذكر السلطات الاسبانية، بالمواقف المغربية الثابتة وبمضمون وروح الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، منذ صدور التصريح المشترك بينهما في أبريل من عام 1956، بخصوص احترام الوحدة الترابية للمغرب. ولا تتوانى الوزارة في إثارة هذا الموضوع بكل مسؤولية مع الجهات الإسبانية في اللقاءات الثنائية.

    كما يسجل المغرب، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، تحفظاته بمختلف المحافل الدولية، في كل المعاهدات والاتفاقيات التي يبرمها مع الاتحاد الأوربي ضمانا لعدم الإخلال بالموقف القانوني للمغرب من قضية سبتة ومليلية، وذلك منذ انضمام اسبانيا للمجموعة الأوربية سنة1986.

    2. العلاقات الثنائية و الإقليمية:

    تنفيذا للبرنامج الحكومي، اشتغلت الدبلوماسية المغربية وفقاً لمقاربة جديدة حددت الأولويات في السياسة الخارجية للمغرب حسب الدوائر التالية: دائرة الانتماء، فدائرة الجوار، ثم دائرة الشراكة.

    أ- دائرة الانتماء:

    الفضاء المغاربي:

    انطلاقا من المقتضيات الدستورية ومن البرنامج الحكومي ومن التطلعات المشروعة لشعوب المنطقة كثفت الدبلوماسية المغربية خلال هذه الفترة جهودها من أجل تعزيز العلاقات الثنائية مع البلدان المغاربية، كما ساهمت بشكل فعال في العمل المغاربي المشترك.

    على الصعيد الثنائي :

    تبادل كبار المسؤولين المغاربة ونظرائهم في البلدان المغاربية الزيارات، أعادت الدفء للعلاقات المغاربية، نذكر منها على الخصوص: زيارة الرئيس التونسي ولوزير الأول الليبي لبلادنا وزيارة رئيس الحكومة إلى تونس وكذا الزيارة التي قمت بها إلى كل من الجزائر وموريتانيا.

    وشكلت الزيارة التي قمت بها إلى الجزائر، وهي أول زيارة لي إلى الخارج، إشارة سياسية قوية. وقد تلتها زيارة وزير الخارجية الجزائري، وتم التوقيع على مذكرة إحداث آلية للتشاور السياسي بين البلدين، تبعتها زيارات أخرى لوزراء في قطاعات أخرى.
    ومع تونس عقدت الدورة الـ17 لأشغال اللجنة الكبرى المشتركة المغربية التونسية بالرباط، أسفرت عن التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم شملت مختلف مجالات التعاون بين البلدين.

    على الصعيد الإقليمي:

    حرص المغرب على المشاركة في جميع الاجتماعات التي برمجت في إطار أجهزة الاتحاد، بهدف المساهمة في تسريع وتيرة الاندماج المغاربي ويتجلى ذلك في:
    1. احتضان بلادنا لأشغال مجلس وزراء خارجية دول الاتحاد المغاربي والذي أثمر عن إعلان تونس استضافة القمة المغاربية.
    2. المشاركة في الاجتماع الأول لوزراء الشؤون الدينية بنواكشوط.
    3. المشاركة في الاجتماع الوزاري للبنية الأساسية بالعاصمة الموريتانية.
    4. المشاركة في الاجتماع الوزاري الخاص بالقضايا الأمنية المنعقد بالجزائر.
    5. المشاركة في المؤتمر الوزاري الإقليمي حول أمن الحدود المنعقد بطرابلس.
    6. مواصلة إجراءات إنشاء المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية.
    7. انعقاد اجتماع وزراء الداخلية بالمغرب وإرساء آليات التعاون الأمني.

    – العالم العربي:

    انطلاقا من انتمائه العربي الإسلامي عمل المغرب على تعميق أواصر هذا الانتماء من خلال تقوية علاقاته مع الدول العربية والإسلامية، ومواصلة دفاعه عن قضاياها المصيرية، والتأكيد على الأهمية الإستراتيجية للبعد الاقتصادي في تعزيز التضامن العربي والإسلامي.

    على المستوى الثنائي:

    شكلت الزيارة الملكية إلى أربع دول خليجية (السعودية والكويت والإمارات وقطر) والأردن، ابتداء من 16 أكتوبر 2012، الحدث الأبرز خلال هذه الفترة في العلاقات المغربية العربية، بالنظر إلى الدفعة القوية التي أعطتها للشراكة الإستراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي.
    عرفت العلاقات الثنائية مع العديد من البلدان العربية تفعيل آليات التعاون الثنائي (لجن التشاور السياسي والاستراتيجي والتنسيق القطاعي) مع كل من مصر والسودان وسلطنة عمان، في حين ينتظر أن تلتئم اللجان العليا المشتركة مع كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت. كما تم تبادل الزيارات بين المسؤولين المغاربة ونظرائهم في المشرق (السودان والعراق ومصر) والخليج ( قطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت) على مختلف المستويات، مما ساهم في تعزيز مسارات التعاون الثنائي.

    على المستوى الاقتصادي

    عرفت هذه الفترة قيام بعثات اقتصادية وتجارية مغربية بزيارات عمل لكل من السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، لتحفيز العلاقات الاقتصادية. و في هذا الصدد، فقد تم الترخيص للوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات بالبدء في ممارسة نشاطها انطلاقا من أبوظبي. كما ساهمت دولة قطر بنسبة 50 % (14 مليون دولار) في تمويل مشروع بناء المقر الجديد للمعهد العالي للقضاء في منطقة Technopolis بالرباط.

    وفي المقابل، كان الحضور المغربي في هذه العلاقات مع دول الخليج نوعيا حيث استفادت بعض دول الخليج الشقيقة من الخبرات المغربية في ميادين الإعلام والفلاحة والثروة السمكية والقضاء والمالية والتربية والتعليم والشأن الديني والعسكري.

    الشراكة مع مجلس التعاون الخليجي:
    استثمارا لنتائج الزيارة لدول الخليج والأردن، التي تم خلالها الإعلان عن دعم مالي للمغرب بمبلغ 5 مليار دولار تم الاتفاق على ما يلي:
    عقد اجتماع مشترك على مستوى وزراء الخارجية سنويا أو كل ما دعت الحاجة إلى ذلك بهدف تعميق التنسيق و التشاور.

    تشكيل لجنة مشتركة للتعاون بين المغرب ومجلس التعاون الخليجي من كبار المسؤولين في وزارات الخارجية ومن الأمانة العامة لمجلس التعاون، من مهامها دعم التعاون المشترك في المجال السياسي ورفع التوصيات للاجتماعات الوزارية المشتركة.

    إحداث عشر « فرق عمل متخصصة » انطلاقا من مجالات التعاون المتفق عليها في « مشروع خطة العمل المشترك 2012-2017 » تهم مجالات الاقتصاد٬ والزراعة والأمن الغذائي٬ والنقل٬ والاتصالات٬ والبيئة والطاقات المتجددة والموارد الطبيعية٬ والسياحة٬ والتعليم والبحث العلمي٬ والتنمية الاجتماعية٬ والثقافة والإعلام والشباب والرياضة٬ بالإضافة إلى التعاون القضائي والعدلي.

    جامعة الدول العربية و منظمة التعاون الإسلامي:
    شارك المغرب في كافة الاجتماعات العربية والإسلامية التي عقدت خلال هذه الفترة، مما مكنه من الدفاع عن مصالحه الحيوية داخل هاتين المنظمتين وكذا الاستفادة من العلاقات متعددة الأطراف التي تتيحها، خاصة في ظل الظروف السياسية التي تمر منها المنطقة العربية.

    استفاد المغرب خلال هذه السنة من التمويلات التي يقدمها البنك الإسلامي للتنمية التابع لمنظمة التعاون الإسلامي لإنجاز مشاريعه الكبرى ودعم خططه وبرامجه التنموية. وقد بلغ حجم التمويلات التي استفاد منها ما يناهز 610 مليون دولار.

    – القضية السورية:

    بذل المغرب منذ اندلاع الأحداث في سوريا جهودا متواصلة في البحث عن حل للأزمة السورية، من خلال:
    – تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن في شهر فبراير 2012 لحل الأزمة السورية.
    – المشاركة الفعالة في جميع اجتماعات ومبادرات جامعة الدول العربية.
    – إرسال وفد مكون من 11 عضوا للمشاركة ضمن بعثة مراقبي الجامعة العربية ثم 20 عسكريا في بعثة المراقبين الدوليين إلى سوريا.
    – المشاركة في الاجتماعات الثلاث لمجموعة أصدقاء الشعب السوري، وفي فريق « النواة » و »فريق العمل الخاص بمتابعة العقوبات المفروضة على النظام السوري » و » فريق العمل المعني بإعادة إعمار سوريا وإنعاش اقتصادها » المنبثقين عن مجموعة أصدقاء الشعب السوري، وتوجت باحتضان المغرب في 12/12/2012 الدورة الرابعة لمجموعة أصدقاء الشعب السوري في مراكش.

    مبادرة المملكة المغربية، بتعليمات من جلالة الملك إلى إقامة مستشفى ميداني متعدد الاختصاصات، تبلغ طاقته الاستيعابية 60 سريرا قابلة للتوسيع وغرفة عمليات مجهزة، ويضم 75 إطارا، منهم 28 طبيبا في 20 تخصصا و26 ممرضا متخصصا و32 إطارا متخصصا في الصيانة الطبية، ولازال المستشفى يؤدي خدماته إلى اليوم للاجئين السوريين بالأردن.

    – القضية الفلسطينية:

    انسجاما مع سياسته الداعمة والمساندة للقضايا العادلة للأمتين العربية والإسلامية، ظل المغرب يساند هذه القضية، من خلال :
    الجهود الدؤوبة التي يقوم بها صاحب الجلالة بصفته رئيسا للجنة القدس الشريف، في سبيل دعم ونصرة هذه القضية.
    المشاريع التنموية والإعمارية التي تنفذها وكالة بيت مال القدس لفائدة ساكنة المدينة المقدسة، مساهمة في تعزيز صمود أهلها في مواجهة سياسة الاستيطان الإسرائيلية.
    الدفاع عن المواقف العربية بشأن القضية الفلسطينية في اجتماعات مجلس الأمن وذلك من موقع المغرب العضو العربي الوحيد في المجلس.

    – القارة الإفريقية:

    انطلاقا من كون القارة الإفريقية تشكل عمقا استراتيجيا للمغرب وبالنظر للعلاقات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية و الثقافية والروحية المتميزة معها، تميز العمل الدبلوماسي بنشاط مكثف على الصعيدين الثنائي ومتعدد الأطراف.

    – المستوى الثنائي:

    الزيارة الملكية للسنغال والكوت ديفوار والغابون وما رافقها من تعزيز للتعاون الاقتصادي والسباسي.

    عقد لجان مشتركة مع دول النيجر، وغامبيا، وبوركينافاصو، والكونغو برازافيل، والكاميرون، وغينيا كوناكري، والكاميرون… و قام عدد من المسؤولين الأفارقة بزيارات رسمية إلى بلادنا، كرئيس حكومة ساوطومي وبرانسيبي و الوزير الأول المالي، و وزراء خارجية السنغال وغامبيا و النيجر واريتريا وسيراليون ووزير الدولة الغيني. كما قمت بزيارات إلى كل من بوركينا فاصو والنيجر والكوت ديفوار.

    نظمت الوزارة ولأول مرة مناظرة للسفراء المغاربة المعتمدين بإفريقيا، يوم 13 غشت 2012، كانت مناسبة لتقييم العمل الدبلوماسي المغربي بالقارة ومناقشة آفاق تطويره.

    – المستوى متعدد الأطراف:

    الزيارتان التي قمت بهما إلى أديس أبابا على هامش الدورتين 18 و19 للاتحاد الإفريقي.
    ترؤس المغرب للدورة الاستثنائية للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء بالرباط يوم 11 يونيو 2012، وسيحتضن المغرب الدورة المقبلة.

    استضافة بلادنا لأشغال الاجتماع الرابع لمؤتمر طوكيو حول التنمية في إفريقا. والمشاركة في الاجتماع المنعقد في طوكيو لمنتدى التعاون الياباني الإفريقي في شهر ماي المنصرم.
    المشاركة في منتدى التعاون الكوري- الإفريقي و الصيني –الإفريقي.

    وقد مكنت مختلف هذه الزيارات من تحقيق تشاور واسع مع العديد من الدول الإفريقية قصد تبادل وجهات النظر وحشد دعمها للقضية الوطنية.

    مبادرة المغرب لإحداث منظمة للدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي، واحتضانه للأشغال التحضيرية للخبراء.

    أما بخصوص قضية مالي والوضعية في الساحل والصحراء، فالمغرب انخرط منذ البداية في مساعي إنسانية ودبلوماسية للوصول إلى حل للأزمة في مالي، مع دعم للجهود التي تقوم بها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.

    وقد أدرج المغرب الوضع في الساحل والصحراء ضمن أجندته خلال فترة توليه رئاسة مجلس الأمن في شهر دجنبر الماضي.
    2- دائرة الجوار:

    – الفضاء الأورو – متوسطي:

    انطلاقا مما يشكله هذا الفضاء الاستراتيجي من أولوية كبرى ومجالا هاما للتعاون والشراكة مع دول الجوار الأورو- متوسطي، شارك المغرب في أشغال القمة الثانية لرؤساء الدول والحكومات (مالطا 5-6 أكتوبر 2012) وفي الاجتماعات الدورية لكبار موظفي الاتحاد من أجل المتوسط، ومجلس محافظي مؤسسة ”أناليندا“ لحوار الثقافات وفي مختلف الاجتماعات والندوات القطاعية.

    و قد احتضن المغرب عددا من الأنشطة الأورو- متوسطية من بينها:
    – الورش التقني الجهوي للسياسة البحرية المندمجة بالبحر المتوسط.
    – الدورة الثامنة للجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط.
    – الاجتماع الثامن للمكتب الموسع للجمعية الإقليمية والمحلية الأورومتوسطية.
    – استمرار المغرب في تولي العديد من المناصب الهامة داخل مؤسسات الفضاء الأورومتوسطي (الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط ، رئاسة مبادرة 5+5 دفاع، الرئاسة المشتركة للجمعية البرلمانية من أجل المتوسط، رئاسة مؤسسة أناليندا).

    – دول أوروبا:

    الانفتاح على دول جديدة كتركيا ودول البلقان ودول أوروبا الشرقية والوسطى والشمالية ودول البلطيق في إطار تنويع شركاء المغرب.

    فتح سفارة جديدة للمغرب بدولة كرواتيا؟

    تعزيز وتعميق العلاقات المتميزة مع الدول الأوروبية على جميع المستويات لاسيما الاقتصادية والتجارية، وذلك عبر:
    تكثيف الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين المغاربة ونظرائهم الأوروبيين (اسبانيا، فرنسا، البرتغال، ألمانيا، المملكة المتحدة، بلجيكا، ايطاليا، لوكسمبورغ، كرواتيا).
    تدعيم آليات التعاون المشترك من خلال عقد اجتماعات اللجن المشتركة (اسبانيا، بلجيكا) وإقامة مشاورات سياسية بشكل منتظم مع فرنسا، البرتغال، ألمانيا، المملكة المتحدة، ايطاليا، لوكسمبورغ، كرواتيا، هولندا، اليونان.
    تعزيز الإطار القانوني بالتوقيع على سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم تهم مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والاجتماعي.

    3 – دائرة الشراكة:

    – الاتحاد الأوروبي:

    البدء الأسبوع المنصرم في المشاورات حول جيل جديد لاتفاق التبادل الحر: شامل ومعمق.
    تنفيذ اتفاقية الشراكة عبر مختلف الآليات، ودخول عدة اتفاقيات حيز التنفيذ تخص مجالات مختلفة منها: الفلاحة والصيد البحري والتجارة. كما تم التوقيع على اتفاقية « برنامج إنجاح الوضع المتقدم » بغلاف مالي قدره 181 مليون أورو بغية تقريب القوانين المغربية من نظيرتها الأوروبية و دخول شطره الأول حيز التنفيذ.

    خصص الإتحاد الأوروبي مبلغ 112 مليون أورو لدعم سياسة تدبير وحماية الغابة وتدبير مالية الإدارة العمومية، علاوة على منح البنك الأوروبي للاستثمارات قروضا مالية للمملكة.
    تعزيز الحوار والتعاون مع مؤسسات الاتحاد الأوربي من خلال سلسلة من اللقاءات والزيارات المتبادلة.
    – القارة الأمريكية:

    الدورة الأولى للحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية المنعقدة في 13 شتنبر2012 بواشنطن، تناولت أربعة محاور أساسية هي: السياسي، الأمني، الاقتصادي، والثقافي. وقد تعزز هذا الحوار بعقد المؤتمر المغربي الأمريكي للأعمال في 3 دجنبر 2012.
    عقدت في يونيو 2012 الجولة الثالثة من المفاوضات مع كندا أفضت إلى تحقيق تقارب في معظم المجالات التي تهم الاتفاقية كالولوج إلى السوق، والفلاحة، وتجارة الخدمات، والتعاون المالي، وامتداد الاتفاق ليشمل كافة المناطق الكندية.

    في إطار تعزيز علاقات المغرب مع دول أمريكا اللاتينية، تبادل المسؤولون المغاربة الزيارات مع نظرائهم في البيرو والشيلي والبرازيل، كما فتحت دولة غواتيمالا فعليا سفارة لها بالرباط، و قررت كولومبيا إعادة فتح سفارتها بالمغرب.
    فتح المغرب سفارة بدولة…

    – آسيا والأقيانوس:

    عقد مشاورات سياسية مع كل من اليابان والصين والهند، والتأسيس للحوار السياسي مع أستراليا. بالإضافة إلى التعاون التقني والتكوين والمنح الدراسية مع العديد من الدول الآسيوية. كما تواصل التعاون الثلاثي في إفريقيا مع كل من اليابان والصين وكوريا الجنوبية إلى جانب حضور المغرب في المنتديات الأسيوية، خاصة في إطار التعاون جنوب- جنوب ونذكر منها المنتدى 05 للتعاون الصيني العربي.

    3. العلاقات المتعددة الأطراف و القضايا الشاملة:

    مساندة الدول ذات الاحتياجات الاقتصادية الخاصة مثل الدول الأقل نموا في إفريقيا وبعض الجزر في الكراييبي والباسفيك .

    تضامن المغرب مع الدول النامية في إطار المفاوضات متعددة الأطراف حول التجارة، وبالأخص جولة الدوحة الإنمائية، التي تشكل التنمية محورها الأساسي.

    تسجيل حضور متميز لبلادنا في مجموعة 77+الصين، والمجوعات الإقليمية كالمجموعة الإفريقية والمجموعة العربية، توج بقبول المغرب عضوا في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة لغرب آسيا (ESCWA)، بالإضافة إلى عضويته في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأممية لأفريقيا (CEA).

    مشاركة المغرب بقوة في أشغال مؤتمرات دولية تمثل منبرا أساسيا للدفاع عن مصالحنا الوطنية وقضايا المجموعات التي ينتمي إليها. واحتضانه للعديد منها مثل :
    المؤتمر الدولي حول موضوع « الخروج من مدن الصفيح: تحدي عالمي في أفق 2020″، الرباط من 26 إلى 28 نونبر 2012.

    الملتقى الدولي، حول « الميزانية المبنية على النوع »، مراكش من 8 إلى 10 نوفمبر2012.
    المؤتمر السنوي للبنك الإفريقي للتمية الذي انعقد بمراكش من 27 إلى 31 ماي 2013.

    4. الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية:

    – الدبلوماسية الاقتصادية:

    – المشاركة الفعالة في عدد من الملتقيات الدولية ذات الطابع الاقتصادي كشراكة دوفيل.
    – مواكبة عملية المفاوضات المتعلقة باتفاق التبادل الحر بين المغرب وكندا وتطبيق اتفاقات التبادل الحر الموقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

    – إعداد الشق الاقتصادي للحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وكذا « مؤتمر تنمية الأعمال ».

    – تنظيم تظاهرة للترويج للاقتصاد المغربي، موجهة للسلك الدبلوماسي المُعتمد في المغرب.
    – تنظيم مائدة مستديرة تجمع بين المتدخلين والفاعلين الاقتصاديين المغاربة، من جهة، والمستشارين الاقتصاديين لدى البعثات الدبلوماسية والمراكز القنصلية المغربية بالخارج، من أجل بلورة إستراتيجية تهدف إلى الترويج للاقتصاد المغربي في الخارج.

    – التنسيق مع غُرف التجارة والصناعة والخدمات، والمراكز الجهوية للاستثمار، ووكالات التنمية الجهوية للترويج لللاستثمار بالمغرب.

    – تنظيم « حدث جانبي »« side event » ، خلال المنتديات والتظاهرات الدولية ذات الطابع الاقتصادي أو التجاري، من أجل التعريف بالمؤهلات الاقتصادية و التجارية للمغرب.

    – الدبلوماسية الثقافية:

    – افتتاح المركز الثقافي المغربي في مونتريال ودعم نفقات تسيير المركز الثقافي المغربي بنواكشوط.
    – المشاركة في إعداد اتفاق حول وضع المدارس الأمريكية في المغرب، واتفاق الشراكة الإستراتيجية للتنمية والتعاون التربوي والثقافي والتقني مع إسبانيا.
    – مراجعة الوضع القانوني للمرافق التجارية المقامة في المراكز الثقافية الأجنبية بالمغرب.
    – التوقيع على اتفاقية افتتاح مدرستين تابعتين لسفارة فرنسا في مدن العيون والداخلة كامتداد لمدرسة أندريه مالرو في الرباط.
    – بدء المفاوضات حول وضعية التعليم في المراكز الثقافية الأجنبية في المغرب.

    – الوكالة المغربية للتعاون الدولي:

    – تكوين الأطر: تسجيل 9 ألاف طالب أجنبي بالمؤسسات والمعاهد العليا المغربية، منهم 7500 طالب ممنوح، بغلاف مالي قدره 65 مليون درهم . إضافة إلى تخصيص 100 منحة تدريب للأطر الأجنبية في قطاعات مختلفة بتكلفة تصل حوالي 1.4 مليون درهم.
    – المساعدة التقنية: تخصيص مبلغ مالي قدره 6 مليون درهم لإيفاد أطر مغاربة لعدد من الدول الإفريقية لتقديم المساعدة التقنية والخبرة.

    – التعاون الثقافي: رصد مبلغ 1,7 مليون درهم سنويا لدعم جمعيات قدماء خريجي المعاهد الوطنية الأجانب وبعض جمعيات الصداقة مع المغرب كجمعية الصداقة المغربية المالية ولتنظيم لقاءات دولية.

    – المساهمات: اعتماد غلاف مالي يبلغ 70 مليون درهم لتغطية نفقات انجاز عدد من البرامج والمشاريع التنموية وخاصة في القارة الإفريقية، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ 5 مليون درهم لتحمل نفقات تسيير عدد من المؤسسات والمعاهد العلمية الإفريقية.

    – الإعانات الإنسانية: تخصيص مبلغ يفوق 9 مليون درهم على شكل مواد غذائية وأدوية ومساعدات مالية لفائدة كل من بوركينا فاصو والنيجر وسوريا.

    – العمل القنصلي:

    إعادة بناء وترميم قنصليتي ليل ورين بفرنسا.
    إحداث قنصليتين عامتين بكل من جزر البليار وخيرونا بإسبانيا.
    دعم القنصلية العامة ببولونيا بالوسائل البشرية والمادية ، إثر الزلزال الذي ضرب إيطاليا وذلك لمساندة أفراد جاليتنا المنكوبين وتقديم الخدمات الإدارية والقنصلية بعين المكان.
    تعزيز مصلحة التصديقات وذلك من خلال خلق ملحقة جديدة بمدينة الرباط.
    دعم مصلحة الحالة المدنية بمراكزنا القنصلية بأعوان عرضيين، خلال فترات الاكتظاظ.
    انعقاد اللجن القنصلية المختلطة مع تونس ومصر والتي تمخضت عنها نتائج إيجابية لفائدة جاليتي البلدين؛
    المشاركة في عدة ملتقيات دولية حول الهجرة بدكار ومدريد وبروكسيل.

    5. تحديث الإدارة و تدبير الموارد البشرية:

    تعزيزاً للحكامة الجيدة التي تشكل العمود الفقري للبرنامج الحكومي قامت الوزارة باتخاذ عدة إجراءات في إطار الشفافية في تدبير الموارد البشرية ولأول مرة اعتمدنا في التعيينات الأخيرة للقناصل، على مسطرة طلبات الترشيح المفتوحة في وجه كل الأطر الذين يستوفون شروط الكفاءة والمهنية. كما تم تكوين لجنة من مدراء وسفراء لتقييم المرشحين. بالإضافة إلى العديد من الإجراءات التقنية المصاحبة التالية:

    وضع جرد للكفاءات Bilan des Compétences
    إعداد خريطة لمواقع العمل Cartographie des Postes de Travail
    اعتماد نظام التدبير التوقعي للمناصب والكفاءات Gestion Prévisionnelle des Emplois et des Compétences.
    إعداد دليل مرجعي للوظائف والكفاءات خاص بالوزارة Référentiel des Emplois et des Compétences
    دليل مرجعي للتكوين Référentiel de la Formation.
    برنامج للتكوين المستمر، استفاد منه حوالي 1200 موظف بالوزارة تهم مجالات مختلفة.
    تعزيز دور الأكاديمية المغربية للدراسات الدبلوماسية التي توفر تكويناً دبلوماسياً للموظفين الجدد.
    إرساء برنامج للتكوين عن بعد لفائدة الموظفين المعينين بالخارج.

    تم بحمد الله.

  • هاتان الصورتان مركّبتان ولا تظهران توقيع ترامب على اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء الغربية

    بعد إعلان الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورتان على أنّهما تظهران توقيعه على الخريطة الجديدة. لكنّ الصورتين مركّبتان، فالأولى تعود للتوقيع على قانون ضريبيّ والثانية لاعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل.
    يظهر في الصورة الأولى ترامب يرفع ملفاً يحمل توقيعه إلى جانب خريطة المغرب. وجاء في النصّ المرافق له « الرئيس ترامب يوقّع بخط يده على أن الصحراء مغربية… يقدّم قرار الولايات المتحدة الواضح والبَيِّن أمام العالم والذي يحمل توقيعه أن الصحراء مغربية.. ».

    صورة ملتقطة من الشاشة بتاريخ 17 كانون الأول / ديسمبر 2020 عن موقع فيسبوك

    حظي المنشور بمئات المشاركات على موقع فيسبوك، غداة اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربيّة على الصحراء الغربيّة.

    كما انتشرت صورة ثانية لترامب في السياق المضلّل نفسه تبدو فيها خريطة المغرب على ملفٍ آخر.

    صورة ملتقطة من الشاشة بتاريخ 17 كانون الأول / ديسمبر 2020 عن موقع فيسبوك
    النزاع حول الصحراء الغربيّة

    يعتبر المغرب الصحراء الغربية جزءا لا يتجزأ من ترابه الوطني ويسيطر على 80 بالمئة من أراضيها.

    وفي منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، نفّذ الجيش المغربي عملية عسكرية في منطقة الكركرات العازلة بهدف إعادة حركة المرور الى معبر حدودي مع موريتانيا قطعه، وفق السلطات المغربية، عناصر من جبهة البوليساريو.

    وردت البوليساريو التي تطالب باستفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية، بأن العملية المغربية أسقطت وقف إطلاق النار المعمول به منذ 1991 بينها وبين المغرب الذي يرفض استقلال الصحراء ويعرض حكماً ذاتياً تحت سيادته.

    وبعد نحو أربعة أسابيع هذه العملية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاشر من الشهر الجاري بشكل مفاجئ اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء في مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقد وقّع سفير الولايات المتّحدة لدى المغرب على الخريطة الجديدة، ونشرت وكالة فرانس برس صوراً له.

    السفير الأميركي في الرباط ديفيد فيشر يقف إلى جانب الخارطة الجديدة للمغرب المعترف بها في الولايات المتحدة بعد التوقيع عليها في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2020 (AFP )
    صورتان مركّبتان

    لكنّ صورتي ترامب المتداولتين لا علاقة لهما بالصحراء الغربيّة، والنسختان الأصليتان منهما لا تحتويان على خريطة المغرب، بل هي ركّبت عليهما للإيحاء بأنّ ترامب وقّع على الخريطة الجديدة.

    فالصورة الأولى وزّعتها وكالة رويترز في 22 كانون الأول/ديسمبر عام 2017 لتوقيع ترامب على قانون ضريبيّ.

    صورة ملتقطة من الشاشة بتاريخ 17 كانون الأول / ديسمبر 2020 عن موقع رويترز
    أمّا الصورة الثاني فتعود لتوقيعه على اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقد وزّعتها وكالة رويترز في السادس من ديسمبر عام 2017.

  • المغرب: القصر يواصل أكاذيبه حول وضعية الأميرة لالة سلمى

    الصورة المزعومة لزوجة الملك المغربي في مركز بني ملال لم تقنع. يتحدث المخزن الآن عن افتتاح مركز جديد قيد البناء منذ عام 2016.

    بعض وسائل الإعلام تناقلت الخبر ، ولكن دائماً بإستعمال عبارات الفردية مما يثير الشك في صحة الخبر ويدعو إلى طرح أسئلة حول مدى مصداقيتها.

    وفقًا لوسائل الإعلام هذه، « تستعد الأميرة لالة سلمى لتسلم شعلة مؤسسة لالة سلمى لمكافحة السرطان، التي يوجد مقرها في الرباط.

    وفقًا للمصدر نفسه، الذي ذكر موقع « الأيام » ، « تعتزم الأميرة ، في الأيام المقبلة ، المضي قدماً في افتتاح أكبر مركز لعلاج السرطان في المنطقة الجنوبية من المغرب » الذي تم إطلاق « أعمال البناء الخاصة به في عام 2016 « .

    ويخلص التقرير إلى أن « المشروع ، الذي يعد جزءًا من الخطة الوطنية للوقاية من السرطان ومكافحته ، جاهز حاليًا ، وقادر على إستيعاب 2000 مريض سنويًا ».

    للحد من إثارة الجدل ألقائم حول مصير « الأميرة الشبح » كما سمتها الصحافة الغربية يكفي السماح للصحافة بمقابلتها حتى تطمئن على صحتها ولكن القصر الملكي المغربي يرفض ذلك لأن لديه ما يخفيه في الموضوع.

    وفقًا لمصدر إعلامي سويسري، خلال إحدى رحلاتها إلى سويسرا، فقدت الأميرة المغربية حقيبتها اليدوية في إحدى محطات السكك الحديدية في سويسرا. في هذه الحقيبة كانت توجد « أدوية حيوية »، وفقاً للعبارة المستعملة من طرف المصدر. وجدت الحقيبة لدى مكتب الأمتعة المفقودة فتم سحبها من طرف حراسها الشخصيين.

    هذا الخبر ، الذي رددته الصحافة الألمانية، يوحي بأن لالة سلمى ربما تعاني من مرض خطير.

    العلامات: المغرب، محمد السادس، لالة سلمى، مركز الأورام، مؤسسة لالة سلمى،

  • هل هذه حكومة ام عصابة على طريقة المافيا الايطالية ؟

    بينما تصنف التقارير العالمية المغرب ضمن الدول التي تعاني موازنتها العامة من عجز مهول وديون مستحقة بالمليارات للبنك الدولي….اكاد اجزم ان المغرب من اغنى دول العالم واكثرها ثراء…

    المسؤولون يتقاضون رواتب خيالية …ونهب اموال الدولة مستمر منذ استقلال المغرب من الحماية الفرنسية …

    ورغم نهب المليارات…والسطو على الثروات والاستدانة المتواصلة من البنوك …مازال المغرب متواجد على سطح الكرة الارضية …يدار اقتصاده من طرف حكومة فاشلة بطريقة كارثية…

    كيف يعقل ان يضطر شباب مغاربة في عمر الزهور لركوب قوارب الموت بحثا عن لقمة العيش بينما تبدد وزيرة فاشلة 7 ملايير في دراسة وهمية ؟؟؟!!!

    كيف يعقل ان يستدين المغرب من البنك الدولي المليارات …بينما ينفق وزراء التكاح بسخاء على مكاتبهم واجازاتهم وغرف نومهم وسياراتهم الفارهات ؟؟!!

    هل هذه حكومة ام عصابة على طريقة المافيا الايطالية ؟؟

    هل هذه حكومة ام لصوص اموال يستغلون سذاجة المغاربة لتحقيق ثراء فاحش ومارب سياسية ؟؟!!

    اصبحت الحكومة المغربية …بقيادة وزراء النكاح دولة قائمة بذاتها داخل دولة…لا تخضع لقانون ولا لمحاسبة ولالرقابة !!!

    اعتقد ان الاوان قد ان لشن حملة تطهير داخل الحكومة المغربية….فالحكومة الفاسدة لا تنجب الا فسادا

    إلهام المالكي

  • أسوأ أيام الملك الحسن الثاني

    2008 / 11 / 29

    كلما اتسعت دوائر التقصي أو نطق أحد الصامتين أو تم العثور على وثيقة أو معلومة جديدة كشف فيها عن تصريح، يتبين من جديد أن خبايا تاريخ المغرب المعاصر مازالت خفية، لم تعرف بعد كاملة.

    ففي منتصف صيف 1971، كان المغرب الشعبي في أوج غليانه، وكانت قواه الحية التواقة إلى تغيير جذري توحدها فكرة واحدة: تنحية الملكية من المغرب وتعويضها بنظام آخر!
    آنذاك، وبالضبط يوم 10 يوليوز، بعد إحياء سهرة فنية ضخمة في ليلة التاسع منه، قام بتنشيطها عمالقة الأغنية العربية وقتئذ، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني ضيوفه بقصر الصخيرات في أجواء صيفية رائقة، قوامها المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ.

    احتل المدعوون حدائق القصر، حيث كل شبر من بساطها الأخضر المؤثث بأشجار الميموزا والأوكاليبتوس المستورد من استراليا. أكثر من ألف ضيف، جلهم بزي صيفي خفيف تبعا للتعليمات الواردة في الدعوات التي توصلوا بها، بلسان العرب ولغتي موليير وشكسبير. كل الشخصيات الوازنة، المغربية والأجنبية، المتواجدة آنذاك على التراب الوطني، كانت حاضرة ذلك اليوم بقصر الصخيرات لمشاركة الحسن الثاني احتفالات عيد ميلاده 42. منهم بورقيبة الابن، لوي جوكس، جاك بونوا ميشان، الراقص المشهور وقتئذ جاك جازو، الأستاذان « تورين » و »دوجين »، تاجر المجوهرات ذائع الصيت « شومي »، الدكتور « دوبوا روكبير » وآخرون من رجال السلك الديبلوماسي ورجال الأعمال وغيرهم.

    2008 / 11 / 29

    كلما اتسعت دوائر التقصي أو نطق أحد الصامتين أو تم العثور على وثيقة أو معلومة جديدة كشف فيها عن تصريح، يتبين من جديد أن خبايا تاريخ المغرب المعاصر مازالت خفية، لم تعرف بعد كاملة.

    ففي منتصف صيف 1971، كان المغرب الشعبي في أوج غليانه، وكانت قواه الحية التواقة إلى تغيير جذري توحدها فكرة واحدة: تنحية الملكية من المغرب وتعويضها بنظام آخر!
    آنذاك، وبالضبط يوم 10 يوليوز، بعد إحياء سهرة فنية ضخمة في ليلة التاسع منه، قام بتنشيطها عمالقة الأغنية العربية وقتئذ، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني ضيوفه بقصر الصخيرات في أجواء صيفية رائقة، قوامها المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ.

    احتل المدعوون حدائق القصر، حيث كل شبر من بساطها الأخضر المؤثث بأشجار الميموزا والأوكاليبتوس المستورد من استراليا. أكثر من ألف ضيف، جلهم بزي صيفي خفيف تبعا للتعليمات الواردة في الدعوات التي توصلوا بها، بلسان العرب ولغتي موليير وشكسبير. كل الشخصيات الوازنة، المغربية والأجنبية، المتواجدة آنذاك على التراب الوطني، كانت حاضرة ذلك اليوم بقصر الصخيرات لمشاركة الحسن الثاني احتفالات عيد ميلاده 42. منهم بورقيبة الابن، لوي جوكس، جاك بونوا ميشان، الراقص المشهور وقتئذ جاك جازو، الأستاذان « تورين » و »دوجين »، تاجر المجوهرات ذائع الصيت « شومي »، الدكتور « دوبوا روكبير » وآخرون من رجال السلك الديبلوماسي ورجال الأعمال وغيرهم.

    لحظتئذ، وحده الملك الحسن الثاني كان جالسا إلى مائدة الأكل بصدد تذوق « لانكوست » ضخمة اختيرت بعناية كبيرة من طرف أحد اليهود القائمين على تحضير الأطباق الرفيعة ذلك اليوم.

    كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية و8 دقائق زوالا، حسب أكثر من شاهد عيان.. من قلب أنغام قطعة موسيقية صامتة كانت تعم الأجواء، دوت طلقات الرصاص وانفجارات قنابل يدوية.. توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف.. سقط فرنسي وتهاوى سفير بلجيكا على الأرض جثة هامدة… تناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية لقصر الصخيرات.. جثث « لي كادي » (مساعدو لاعبي الغولف المكلفين بلوازم اللعبة) منتشرة على البساط الأخضر هنا وهناك.. مئات الضيوف هرعوا مذعورين فوق الرمال الذهبية موَلِّين ظهورهم إلى شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هادئا ذلك اليوم…

    أكثر من ثلاث ساعات من الفوضى والهمجية أبطالها جنود أغرار، على رأسهم الليوتنان كولونيل امحمد عبابو، الذي طلب من مرافقه الأمين، العملاق عقا تخليصه مما كان ينتظره بإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد إصابته البليغة بالمقر العام للقوات المسلحة… ليسدل الستار على انقلاب الصخيرات.

    نهاية الانقلاب جاءت بطريقة غريبة، ظل يلفها الكثير من الغموض، حيث أثار ضجيجا كبيرا لكنه لم ينجح في الوصول إلى المستهدف الأول: الملك، وذلك رغم خطة تدبيره في الخفاء من طرف 5 جنرالات، حسب المصادر البريطانية.

    توقف إطلاق النار بحلول الساعة الخامسة زوالا.. سلم الملك الراحل الحسن الثاني كافة السلط العسكرية والمدنية لرجل ثقته وقتئذ، الجنرال محمد أوفقير، ليبدأ مسلسل القمع الدموي وتصفية الحسابات، الظاهر منها والمستتر… كل هذه الأمور وغيرها معروفة، تناولتها جهات وطنية وأجنبية، إلا أن بعض مناطق الظل ظلت في حاجة إلى المزيد من التوضيح، ومنها الدور الذي لعبته وقفة قافلة الانقلابيين ببلدة بوقنادل والكشف على أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري مع علم جهات أخرى بالتخطيط له، وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وغيرها من التساؤلات.

    يحاول ملف هذا الأسبوع الإحاطة بكل القضايا المتعلقة بهذه المسألة، معية الكاتب محمد لومة صاحب مؤلفات اعتنت بأحداث ووقائع وجَّهت تاريخ المغرب الحديث نحو الوجهة التي سار فيها.

    « لحلاسة راها تقلبات.. اجمع حوايجك » ( الحصير قد تنقلب اجمع متاعك)

    من بين النوازل، التي تبين بجلاء أن الجنرال محمد أوفقير كان على علم بحدوث انقلاب الصخيرات قبل وقوعه، ما حدث بسجن بولمهارز بمراكش.
    يوم حصول المحاولة الانقلابية الفاشلة بالصخيرات كان كل من سعيد بونعيلات وأحمد الفرقاني بسجن بولمهارز، ممنوعين من الاتصالات المباشرة فيما بينهما، إلى جانب اليازغي وآخرين. وفي يوم 10 يوليوز 1971، كان الفورقاني يقوم بفسحته اليومية بساحة السجن، وكان كلما اقترب من زنزانة سعيد بونعيلات إلا وحاول التواصل معه خلسة لمعرفة ما لديه من أخبار ومستجدات، فقال له بونعيلات بالأمازيغية : « اليوم لحلاسة راها تقلبات »..

    أكمل الفورقاني جولته قصد الاستفسار عن الأمر، فقال لبونعيلات: « أش من حلاسة تقلبات؟! »، فأجابه: « لحلاسة راها تقلبات اجمع حوايجك »..

    حسب محمد لومة، في ليلة 10 يوليوز 1971، اتصل أحد الذين تربطهم علاقات عائلية قوية بالجنرال أوفقير (يسمى على أوفقير، وكان يعمل بإحدى الأجهزة الأمنية وغالب الظن في « السيمي »)، بأحد سجناء سجن بولمهارز، وقال له: « اجمعوا حوايجكم، غدا راه غادي توقع شي حاجة كبيرة ومهمة إن شاء الله، وراه غادي تلتحقو بديوركم ».

    ويضيف محمد لومة، لم يكن على أوفقير هذا سيقوم بما قام به دون تعليمات صادرة عن الجنرال
    أوفقير.

    لكن في مساء يوم 10 يوليوز، لما اتضح فشل المحاولة الانقلابية، قرر الجنرال تصفية كل سجناء سجن بولمهارز الاتحاديين. آنذاك كان بلغازي، مديرا لهذه المؤسسة السجنية، وهو مقاوم سابق بارز، على علاقة ببعض المقاومين وأعضاء جيش التحرير النزلاء بسجنه، ولاحظ أن هناك فرقة من البوليس، كل عناصرها من عين الشعير (بلدة الجنرال أوفقير) مسلحين بالرشاشات، وكان قد فهم من حديثهم أنهم يخططون ذلك اليوم لكيفية تنفيذ التعليمات الرامية إلى التصفية الجماعية للمعتقلين الاتحاديين (عددهم 172)، فقام المدير المذكور برمي مفاتيح الزنازن داخل زنزانة أحد السجناء واتجه على الفور إلي مكتب وكيل الملك بمراكش فأخبره بقرب وقوع مذبحة بالسجن الذي يديره، وشرح له أن هناك عناصر مسلحة، غرباء عن المؤسسة، أرسلهم الجنرال أوفقير للقيام بقتل السجناء الاتحاديين.

    وحسب محمد لومة، كما خطط الجنرال أوفقير لمسح آثار الجنرالات يوم 13 يوليوز (بتصفيتهم بدون محاكمة)، أراد كذلك أن يمحو ذاكرة 172 معتقلا بسجن بولمهارز بمراكش كشهود على علمه بحدوث الانقلاب قبل وقوعه. ولولا لطف الله ومبادرة مدير السجن، لحصلت مذبحة بهذا السجن، أفظع من مذبحة قصر الصخيرات.

    وهذه الرواية الأخيرة تناقض الرواية القائلة بأن تلك العناصر حضرت إلى السجن لتكون على تأهب من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين وليس لتصفيتهم، كما تم الاعتقاد بذلك.

    عبد الرحيم شجار

    في اتصال بعبد الرحمان شجار أحد المعتقلين ضمن « مجموعة 172″ بسجن بولمهارز، صرح للجريدة بأن خبر اندلاع انقلاب 1971 توصلوا به من طرف المرحوم محمد الحبيب الفرقاني، الذي علم به عن طريق، مدير السجن آنذاك، المقاوم بلغازي.

    وعليه لم يتم تنقيلهم يوم العاشر من يوليوز إلى المحاكمة التي كانت أطوارها تدور بمحكمة باب دكالة.

    وأكد أن التحليل الذي ساد يومها في أوساط المعتقلين إثر تواجد عدد كبير من أفراد الجيش والمخابرات والشرطة داخل السجن، رغم عدم علاقتهم بإدارة السجون، بأنها حركة يراد بها تخليص السجناء تمهيدا للاتصال بقيادتهم في الخارج، وذلك من أجل إضفاء المشروعية السياسية على واقع الانقلاب، علما أن هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى القائلة إن فرقة الأمن التي تتكون عناصرها من منطقة عين الشعير جاءت إلى سجن بولمهارز، بأمر من الجنرال أوفقير لتصفية المعتقلين الاتحاديين، كونهم علموا بأن الجنرال المذكور كان على علم بالإعداد لانقلاب الصخيرات.

    وفي هذا الصدد أكد لنا محمد لومة أن اعبابو وجماعته كانوا يتخوفون من أن يسبقهم الاتحاديون بخصوص تغيير النظام بالمغرب، لذا قال لرجاله : » إن أولئك الناس يفكرون في الهجوم، علينا أن نسبقهم ونمنح للمحكومين منهم العفو بمراكش ».

    لماذا لم يسقط الكثير من اليهود ضحايا بالصخيرات؟

    لازال البعض يتساءلون باستغراب عن عدم سقوط الكثير من الشخصيات اليهودية يوم 10 يوليوز 1971 ضمن ضحايا قصر الصخيرات، فهل كان جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على علم مسبق بالحركة الانقلابية قبل وقوعها؟

    لم يسقط بقصر الصخيرات سوى يهودي واحد، هو ماكس مانيان، مدير شركة « كوزيمار » (معمل السكر بالدار البيضاء)، كما أصيب يهوديان آخران بجروح طفيفة.

    علما أن أكثر من جهة أكدت مرارا أن الموساد كان على علم بكثير من الأسرار بخصوص العملية الانقلابية وغيرها من النوازل والمؤامرات، على الأقل لم يقم بإخبار اليهود المقربين من القصر الملكي والعاملين به، وهم كثر، إضافة إلى الضيوف المدعوين من اليهود، بعدم حضورهم ذلك اليوم أو على الأقل تنبيههم!!؟

    فاليهود هم الذين كانوا وقتئذ يؤطرون الحفلات والمأكل والمشرب بقصر الصخيرات، ومن هؤلاء شقيق شمعون ليفي، وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وهو صاحب مرقص « أمنيزيا » الكائن بشارع علال بن عبد الله بالرباط، والذي كان ولي العهد يقضي به بعض أوقات فراغه رفقة شلته في طور الشباب المبكر.

    ومن المعلوم أن ترقية الأخوين محمد وامحمد اعبابو (الأول أصغر من الثاني بثلاث سنوات)، تمت في يوم واحد (3 مارس 1971) وذلك استعدادا للانقلاب، وهي ترقية مخدومة من طرف الجنرال المذبوح، كما أمر هذا الجنرال بزيادة تسليح مدرسة اهرمومو قبيل الانقلاب.

    لقد تم اعتماد طريقة القيادة من فوق، فالجنرال المذبوح (الذي يعتبر قائد الانقلاب)، لم يجلس إطلاقا مع الكولونيل محمد اعبابو، وكان حواره دائما مع امحمد أخ المعني الأول.

    وكان القبطان الشلاط، الذي وعد بالترقية آنذاك، وتحت إمرة هذا الأخير، حسب الأقدمية، القبطان بلكبير والقبطان غلول، وهما اللذان قادا القافلتين من اهرمومو إلى فاس ثم زكوطة فسيدي قاسم، إلى سيدي سليمان وسيدي يحيى، مرورا بالقنيطرة، وصولا إلى بوقنادل (على بعد بضع كيلومترات من مدينة سلا)، وهناك (ببوقنادل) تغيرت قيادة القافلتين، آنذاك رفعت أغطية الشاحنات ولُقِّمت الأسلحة وتم إخبار الجنود بالاستعداد للدخول إلى منطقة حرب، مما يعني وضع الأصبع على الزناد والاستنفار لإطلاق النار حال صدور الأوامر.

    التصريح الذي ورط كل المتهمين

    من أهم التصريحات التي كبلت المتهمين بقاعة المحكمة العسكرية الدائمة بالقنيطرة، ما أدلى به محمد اعبابو، شقيق امحمد اعبابو، مدير مدرسة اهرمومو، إذ جاء في محضر استنطاقه أن الجنرال المذبوح حدد بمعية شقيقه تفاصيل خطة الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، وعملا معا على ضمان تنسيق تحركات المجموعتين المتدخلتين في هذه العملية، كما توافقا على تعيين الأشخاص اللازم تصفيتهم وأولئك الواجب احتجازهم إلى حين النظر في حالتهم كل واحد على حدة، واتفقا أيضا بخصوص الضباط الغرباء عن مدرسة اهرمومو، الذين سيلتحقون بالعملية وهم:
    – الليوتنان كولونيل القادري
    – الكومندار المالطي
    – الكومندار المنور
    – الكومندار البريكي
    – الكومندار الرياني (صهر المذبوح)
    – الكومندار الحرشي
    الكومندار مليس
    وذلك من أجل أن يبرز للانقلابيين أن مختلف مكونات الجيش مشاركة في العملية.

    وكان هؤلاء الضباط الغرباء ينتظرون القافلة ببلدة بوقنادل بلباس مدني صيفي خفيف، وبعد خلوة قصيرة مع امحمد اعبابو (داخل سيارة مدنية)، ارتدى كل واحد منهم اللباس العسكري وحملوا أسلحتهم، بما فيهم ضابط شرطة كان يرافقهم.

    هذا ما أنكر علمه المرزوقي (صاحب كتاب تازمامارت/ الزنزانة رقم 10) في التحقيق، لكنه لم ينكره بعد نجاته من جحيم تازمامارت.
    وفعلا، قلة جدا، هم الذين أقروا بأن امحمد اعبابو أخبر ضباطه ببوقنادل أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب، ومن هؤلاء، إضافة إلى محمد اعبابو، عبد العزيز بين بين (نجل مؤنس الحسن الثاني) والذي أدلى في التحقيق بما يلي:

    […] تجمعنا حول الليوتنان كولونيل امحمد اعبابو وقال لنا: « أيها الضباط الشباب تعرفون، حق المعرفة، وضعية الضابط بقواتنا المسلحة [..] القيادة العليا قررت القيام بانقلاب.. علينا مهاجمة قصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا.. وفي نفس الساعة ستتدخل وحدات في مدن أخرى.. سنقوم بمحاصرة القصر وعليكم إطلاق النار على كل من سيحاول الفرار… ».

    ويعترف محمد اعبابو منذ البداية أن شقيقه امحمد فاتحه مبكرا في الإعداد لمحاولة انقلاب لتغيير الوضع بالبلاد، إذ تشاور معه بخصوص الكمين الذي كان ينوي نصبه للموكب الملكي بضواحي إفران بمناسبة حضور الملك الحسن الثاني لمناورات الحاجب في غضون شهر أبريل سنة 1971، شهورا معدودة قبل انقلاب الصخيرات، وقد عمل محمد على تني أخيه عن المغامرة لعدم توفر شروط نجاحها. ومما يبين أن امحمد اقتنع بملاحظات شقيقه ما صرح به هذا الأخير، حيث قال:
     » […] حال وصولنا إلى فاس، هاتف أخي مدرسة اهرمومو وقال للقبطان بلكبير بصوت مرتفع: « .. التمرين المقرر قد ألغي نظرا لظروف الطقس السيئة.. لا تغادروا المدرسة لتجنب أخطار الحوادث.. ».

    وجاء في تصريحات محمد اعبابو أيضا أن شقيقه امحمد حاول اقناعه بأنه التقى أكثر من مرة مع الجنرال المذبوح، آخرها بمدينة فاس، إذ نادى على « البلانطو » الذي كان يعمل بمنزله هناك، حيث قال محمد في المحضر:
    « وجدت شقيقي وحده في منزله بفاس.. تناولت معه فنجان قهوة.. ثم نادى على « البلانطو » لحسن فسأله أمامي: « من كان جالسا على هذه الأريكة البارحة؟ ».
    تردد لحسن، فأمره محمد بالإجابة، فنطق لحسن: « كان هناك الجنرال المذبوح… ».

    أما بخصوص النظام الذي كان يرغب الانقلابيون القيام به، يقول محمد اعبابو:
    « من خلال الحوارات التي أجريتها مع شقيقي امحمد فيما بين 7 و10 يوليوز تبين لي أن الجنرال المذبوح كان ينوي إحداث نظام يرتكز على القوات المسلحة.. لذلك فكر في توسيع دائرة اختصاص وزارة الدفاع لتشرف على القوات المسلحة والدرك والقوات المساعدة والأمن [وكانت ستؤول إلى أخيه] […] وكنت أنا مرشحا للاضطلاع بالقيادة العامة للجيش.. أما « مجلس الثورة »، فكان سيضم ضباطا يتم اختيارهم من الذين أثبتوا انخراطهم في قلب النظام.. ».

    ويضيف محمد اعبابو « يبدو أن اجتماعا أقيم بفيلا كان يملكها شقيقي بشاطئ « كابونيكرو » بالشمال، أسبوعا قبل الانقلاب، وربما تقرر كل شيء خلاله… ».

    وهذا ما أشار إليه كذلك، على بوريكارت في مذكراته، حيث كتب: « لقد علمت على لسان « لاجودان شاف » عقا أن أوفقير، أسبوعا قبل الهجوم على قصر الصخيرات، زار الكولونيل اعبابو رفقة الدليمي بفيلاته بـ « كابو نيكرو » شمال البلاد.

    وجاء أيضا في محضر محمد اعبابو: « [..] خلال حوار شقيقي مع الجنرالات بمقر المكتب الثالث بالقيادة العامة وقع نظره على الكولونيل بنعيسى [الحرس الملكي] فالتفت إليه وقال: « موكولونيل ».. مع الأسف أخبركم بموت رئيسنا، الجنرال المذبوح.. » (ثم توجه إلى جميع الحاضرين) « .. نعم، الجنرال المذبوح هو رئيسنا، لكنه مع الأسف الشديد لقي حتفه.. ».

    وجوابا على سؤال القاضي قال محمد اعبابو: « [..] عندما سلم شقيقي « السلطة » للجنرالات بمقر المكتب الثالث اتصل بي بعض الضباط الشباب، أذكر منهم أخليج والفكيكي وآخرين، حيث قالوا: « لقد قام شقيقك باقتراف حماقة كبيرة.. السلطة يجب أن تعود لنا نحن.. ».
    وأضاف: « […] آنذاك فكرت في الهروب وقررت استفسار شقيقي عن المكان الذي يخبئ فيه المال لأخذه وأغادر البلاد.. إلا أن الفرصة لم تتح لي.. ».

    وبالرجوع إلى ما قيل بخصوص المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما تم الكشف عنه من معطيات وإلى تقاطع جملة من التصريحات، ذهب مجموعة من المحللين إلى الاعتقاد بوجود خلاف بين الجنرال المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، إذ كان الأول عاقدا العزم على اقتحام القصر الملكي وتجريد الحرس الملكي من السلاح ووضع اليد على الملك لدفعه إلى التخلي عن العرش وتسليم السلطة إلى « مجلس الثورة » المكون من ضباط شباب، أي القيام بانقلاب « نظيف » دون إراقة دماء. أما امحمد اعبابو فقد عقد العزم على اغتيال الملك وتهجير العائلة الملكية والإعلان عن إقامة نظام عسكري.

    ويظل أحمد رامي الوحيد الذي يقر بأن محمد المذبوح تحدث مع الحسن الثاني بعد الهجوم على القصر وأخبره بأن لا مخرج إلا بالتخلي عن السلطة مع إمكانية اللجوء إلى فرنسا عبر الرباط أو الدار البيضاء.. وافق الملك ووقع كتابا بهذا الخصوص، وِجد بحوزة الجنرال المذبوح وهو جثة هامدة. وهذه النازلة لم تتم الإشارة إليها من قبل.

    كيف تحرك 1400 جندي مدججين بالسلاح دون إثارة الانتباه؟

    سؤال ظل يردده الكثيرون، كيف تمكن 1400 جندي من التحرك على امتداد مئات الكيلومترات دون إثارة انتباه السلطات العسكرية والمدنية ورؤساء المناطق العسكرية وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك (1971)، كان:

    – امحمد باحنيني وزير الدفاع بعد أن عوض الجنرال مزيان في 5 فبراير 1971.
    – الجنرال المذبوح مدير الديوان الملكي.
    – الجنرال محمد بلعالم الكاتب العام بوزارة الداخلية.
    – أحمد الدليمي مدير الأمن الوطني.
    – الكولونيل بولحمص قائد الدرك الملكي.
    – الجنرال مصطفى أمحراش مدير المدارس العسكرية.

    وكان على رأس المناطق العسكرية التي اخترقتها قافلة الانقلابيين كل من:

    – الجنرال بوغرين : رئيس منطقة فاس – تازة.
    – الجنرال عبد الحي بلبصير : رئيس منطقة مكناس.
    – الجنرال حمو أمحزون : رئيس منطقة الرباط – القنيطرة.
    وكان على رأس عمالات الأقاليم التي مرّت عليها القافلة كل من:
    صلاح زمراك : تازة.
    عمر بنشمسي : فاس.
    عبد الله الشرقي : القنيطرة.
    عبد السلام الوزاني : الرباط.
    ضمن كل هؤلاء تأكد، بما فيه الكفاية، تورط كل من الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير والجنرال بوغرين والجنرال حمو أمحزون.

    ضحايا طالهم الإهمال

    بعد انقلاب الصخيرات، مباشرة، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث لجنة للقيام ببحث، بخصوص الأحداث الدامية بقصر الصخيرات، ولجنة لرعاية الضحايا وإحصاء أملاك وأموال المتمردين قصد مصادرتها لتمويل صندوق جديد يضطلع بتعويض الضحايا وذوي الحقوق.

    فعلا تم إحداث هذه اللجنة بعضوية كل من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإدارية ووزارة الشغل والتكوين المهني، غير أن قراراتها ظلت حبرا على ورق. آنذاك كان الجنرال محمد أوفقير عضوا رئيسيا في كل اللجن المحدثة بعد فجيعة الصخيرات.

    يوم السبت 10 يوليوز 1971، ما بين الساعة الثانية والرابعة زوالا سقط الكثير من الضحايا من مختلف الشرائح، عسكريون ومدنيون، جنرالات، أطباء وموظفون سامون وفنانون وخدم وأناس بسطاء، كانوا يعيلون أسرا متعددة الأفراد، أغلب هذه الأسر عانت من ضيق اليد رغم أن أربابها سقطوا وهم في ضيافة الملك أو أنهم كانوا يزاولون مهامهم في القصر الملكي.
    وزادت حسرة هؤلاء بعد تناسل موجات الكشف عن الحقائق بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة واعترافات المشاركين فيها بعد نجاتهم من جحيم تازمامارت، ويجمع ضحايا الصخيرات أن الدولة تناستهم وتخلت عنهم، وتجاهلت الحكومات المتتالية مطالبهم، بل إن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم تحترم مشاعرهم.

    كما ظلت أسر ضحايا الصخيرات تعتبر أن منح تعويضات سخية، للناجين من جحيم تازمامارت، من الأخطاء التاريخية الجسيمة، اعتبارا لكون الأموال الممنوحة، تم اغترافها من الأموال العمومية اقتطع جزء منها من مال أسر ضحايا الصخيرات وذويهم كدافعي الضرائب، علما أنها لم تتوصل سوى بتعويضات هزيلة، بالكاد غطت مصاريف العزاء والدفن، ولا وجه لمقارنتها مع ما أغدقت به الدولة والحكومة على من كانوا سببا في ترميل نساء وتيتيم أطفال، وبذلك شعرت عائلات ضحايا الصخيرات بغبن عظيم نظر تعرضها لحيف وظلم كبيرين.

    فأرملة كولونيل – أحد ضحايا الصخيرات – على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوصل إلا بمعاش لا يتجاوز 1500 درهم، أما أرملة عمر غنام، مدير المركز السينمائي المغربي، فاستفادت من معاش لم يتعد 736 درهما شهريا.

    بسبب الإحساس بالغبن سبق لجمعية ضحايا الصخيرات أن طلبت من دار الافتاء بالديار المصرية فتوى في الموضوع، وفعلا أصدرت الدار فتوى، أكد فحواها أن من له حق العفو عن قاتل النفس المؤمنة بغير حق، هم أولياء المقتول الشرعيين.وقد استندت الجمعية إلى هذه الفتوى لدعم دعواها المدنية والمطالبة بالحق المدني، سيما وأن الفتوى المصرية أقرت بأن الدعوى في جرائم القتل العمد لا تسقط بالتقادم.

    فرحة غالية الثمن

    عندما تلقى صاحب حانة شهيرة بشارع محمد الخامس بالرباط، خبر انقلاب الصخيرات، بادر فورا، على مرأى الحاضرين، إلى تكسير صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة فوق « الكونطوار »، ثم أمر بتقديم كل أنواع الخمور حسب طلب الزبناء الحاضرين في البار لحظتئذ، مجانا، تعبيرا عن فرحته واستبشاره بما وقع، إلا أن فرحته لم تكتمل، إذ اضطر للفرار من قبضة الأمن شهورا بعد ذلك.
    وعند إحداث الهيئة الأولى لتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، قدم هذا الأخير طلبا للتعويض، بخصوص ما لحقه من خسائر وعن المدة التي قال إنه قضاها بإحدى المعتقلات السرية، إلا أن طلبه قد تم رفضه من طرف الهيئة الأولى، وكذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن هذه النازلة لا تدخل في اختصاصاتها. وقد تحول « البار » المذكور حاليا إلى متجر لبيع الحلويات والمشروبات.

    سقوط 60 بالمائة من جنرالات المغرب خلال ثلاثة أيام

    فيما بين 10 و 13 يوليوز 1971 لقي 9 جنرالات من أصل 15 حتفهم، إما عن طريق رصاص المتمردين أو برصاص فرقة الإعدام بمعسكر مولاي إسماعيل بالرباط.

    ومن بين الذين لقوا حتفهم بقصر الصخيرات، هناك الجنرال إدريس النميشي (سلاح الجو)، الذي قتله المتمردون، والجنرال الغرباوي الذي قتله اعبابو، الذي لقي هو الآخر حتفه على يد الجنرال الهواري، أما الجنرال المذبوح، فمقتله شكل حالة خاصة.

    عشية فشل الانقلاب، تم اعتقال، الجنرالات المشكوك بأمر مشاركتهم أو مساندة المتمردين، وخضعوا جميعهم لتحقيق سريع، أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير بعد أن منحه الملك الحسن الثاني جميع الصلاحيات العسكرية والمدنية. في اليوم الثالث، بعد مجزرة قصر الصخيرات، رافق الجنرال أوفقير الجنرالات المعتقلين إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط للإشراف على تنفيذ إعدامهم دون محاكمة.

    وفي ظرف أقل من ثلاثة أيام فقد المغرب 9 جنرالات (منهم من سقط على يد المتمردين ومنهم من أعدم)، أغلبهم من أصول أمازيغية، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدامهم على شاشة التلفزة مباشرة، كما حجت جماهير غفيرة بإيعاز من السلطات المحلية لمعاينة مراسيم إعدام 4 جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي، وأغلب هؤلاء لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالهاجس السياسي، حيث سبق أن ساهموا في قمع التحركات النضالية الجماهيرية بمختلف أرجاء المملكة.

    محمد لومة / أحد قدماء مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية

    محمد لومة أحد قدامى مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رحل إلى الشرق العربي لتلقي تكوين عسكري متقدم، سيما في تخصص « حرب العصابات »، تخرج من الكلية الحربية السورية في شتنبر 1971، ثم التحق بالعمل الفدائي يحمل معه هاجس تغيير النظام السياسي بالمغرب عن طريق القوة المسلحة.

    أجرينا معه هذا الحوار للمزيد من تسليط الضوء على بعض الجوانب المعتمة من عملية الانقلاب الأولى الفاشلة، بوصفه ـ من جهة ـ كاتبا وباحثا تقصى أحداث هذه العملية واتصل بأعضائها المشاركين عن قرب، كما اطلع ـ من جهة أخرى ـ على جملة من الوثائق المتصلة بهذه النازلة.

    – أين كنت يوم حدوث انقلاب 10 يوليوز 1971؟

    + مساء هذا اليوم المشؤوم كنت بأحد مرافق الكلية الحربية السورية في مدينة (حمص) حيث تلقيت دراساتي العسكرية للتخرج منها كمهندس عسكري، ففوجئت باقتحام القاعة من طرف مجموعة من الضباط السوريين الذين اتجهوا نحوي وهم يهتفون ببشاشة.. لقد كان هؤلاء القوم على مدى ثلاث سنوات قضيتها هناك، نموذجا للقسوة والصرامة تجاه كافة الطلبة الضباط، الذين سرعان ما أخرجوني إلى ساحة الكلية محمولا على الأكتاف وهم يرقصون ويغنون عاليا:
    على دا العونا.. وُعَلى دَا العُونَا… إلخ.. مقطعا من الغنوة الشامية الشهيرة..
    ثم أخبروني بعد ذلك بأن الوضع السياسي في المغرب قد تغير.. لم يكن بحوزتي جهاز راديو لمعرفة التفاصيل لكنهم تطوّعوا، فأحضروا الجهاز.. مؤكدين بإلحاح:
    – أُولَكْ يا زلمي.. ضَبّْ أغْرَاضَك.. شُو نَاطِر..؟ (يا رجل.. تحرك.. إجمع أغراضك الشخصية)
    – وُلَكْ بُكرة بعيِّنوك وزير دفاع.. أُولك خلِّصنا بقى!! (إذا سيعينونك وزيرا للدفاع.. تحرك.. تحرك).

    عند الصباح الباكر لليوم الموالي، جاءت العاصفة على لسان قائد الكلية الحربية السورية المقدم ناصر الدين محمد ناصر، الذي سرعان ما أصبح لواء ثم وزيرا للداخلية في سورية.. لقد طلبني باستعجال ليوبِّخني وبعنف شديد قائلا:
    – أُولَيكْ الله لا يعطيكم عافية.. أُولك لِيشْ فَشَلْتُو؟
    شرحت له الأمر في حدود ما أعرف:
    – سيدي.. هادول مُوجَمَاعَتْنَا.. هَادُول مرتزقة حروب في الهند الصينية والكامبودج والجزائر.. إلخ. ومو وطنيين.. ولا قوميين.. وأنا ما إلي علاقة بيهم.

    – صرخ في وجهي:
    أُولّكْ يا أخي بدِّي أفهم.. هَادُول مُوعَسْكَر؟
    أجبت بالتأكيد عسكر.. فعقَّب غاضبا كالإعصار:
    – أُولَكْ.. عَسْكَر بَطَاطَا.. أولك 1400 عسكري وبيطلعوا على الفاضي.. اشرح لي كيف صار ها الشيء؟
    أمرني بالانصراف لعجزي عن تقديم ما يرغب من معلومات إضافية.. ثم عدت إلى رفاقي.. منتظرا حفل التخرج الذي أقيم تحت إشراف رئيس الجمهورية الفريق حافظ الأسد لأتخلص من هذا الكابوس.. لقد كنت المغربي الوحيد آنذاك في الكلية وكان الجميع يتوجهون لي بالأسئلة والاستنكارات والشجب، كما لو أنني كنت المسؤول الأول عن هذه الحماقة…آنذاك كانت السفارة المغربية في دمشق قد أغلقت بسبب إحراقها، بعد جريمة اغتيال الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965… فبقينا نحن هناك ـ مناضلو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتواجدون آنذاك بالديار السورية ـ وحدنا المخاطبون على كل المستويات حتى سنة 1971.

    – ككاتب تقصيت كثيرا بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى واتصلت بالعديد من الأشخاص واطلعت على جملة من الوثائق، كيف كانت الوضعية في قصر الصخيرات قبل الهجوم وبعده؟

    + منذ العاشرة صباحا ليوم السبت 10 يوليوز 1971 وسيارات المدعوين تصل تباعا إلى القصر الملكي بالصخيرات، تحمل ركابا أنيقين، يرتدون حسب التعليمات (البروتوكول) ملابس صيفية خفيفة دون ربطة عنق، أغلبها، عبارة عن قمصان حريرية ذات أكمام قصيرة.

    وبينما كان الكاتب والصحفي المعروف بونوا ميشان (Benoit Méchin)، الذي اعتادت مصالح التشريفات دعوته سنويا لحضور هذه المناسبة، متجها إلى قصر الصخيرات عبر الطريق الشاطئية، حيث لاحظ عددا كبيرا من الشاحنات العسكرية المليئة بالجنود تسير في نفس الاتجاه، ولعل أكثر ما استرعى انتباهه أن أغطية الشاحنات كانت مرفوعة وقد بدا كل جندي على متنها ماسكا سلاحه بحزم وهو في وضعية تأهب!

    وبحكم تجربة الرجل السابقة في العراق حين سقوط النظام الملكي صيف 1958 والتي عاش فصولها أولا بأول.. بدا له أن الأجواء في الرباط خلال ذاك اليوم غير اعتيادية ورأى أن عليه الإسراع بسيارته للوصول إلى القصر ولو ربع ساعة قبل وصول الشاحنات العسكرية لإنذار الملك من مغبة ما سيقع.. وقد استطاع أن يَعُدَّ لوحده ما عَدَدُهُ (63) شاحنة تحمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ممتدة على حوالي كيلومتر تتحرك بسرعة (في حدود 50 كلم/ الساعة).

    – هل تمكَّنَ من إخبار الحسن الثاني بذلك؟

    + رغم أنه استطاع الوصول إلى القصر، لم يتمكن من الوصول إلى الملك، الذي كان يتناول غذاءه حوالي الثانية زوالا رفقة الأمير سلطان بن عبد العزيز والحبيب بورقيبة الابن والأمير مولاي عبد الله وغيرهم من كبار الشخصيات الوطنية والدولية.. كما باءت كافة محاولاته للعثور على الجنرال حفيظ العلوي مدير التشريفات الملكية بالفشل الذريع… فأسلم أمره للقدر.. حيث سيتمكن بعد ذلك في كتاب صدر له بعنوان: (Deux Etés Africains) من رصد كافة أشواط المذبحة الفظيعة التي حدثت هناك.

    ذلك اليوم عبر الانقلابيون بشاحناتهم و »جيباتهم » المسلحة شارع الحسن الثاني مخترقين العاصمة، وكان اليوم يوم سبت مما زاد من درجة اكتظاظ المرور، وصولا حتى الطريق الساحلية المؤدية إلى الصخيرات، وعلى جسر وادي « نفيفيخ » قام رجال الدرك الملكي هناك بتوقيف السيارات المدنية لإفساح الطريق أمام موكب « الانقلابيين »، وهذا ما أخر « بونوا ميشان ».

    كانت الموائد قد مُدَّت وعليها ما طاب من مختلف صنوف الأكل، قبل ذلك استغلت، بعض الشخصيات الفرصة لممارسة السباحة أو الكولف.. والفرق الموسيقية تشنف الأسماع، علما بأن عددا هاما من نجوم الطرب العربي كانوا قد أطّروا الحفل الموسيقي الساهر ليلة قبل ذلك، من بينهم: صباح وفريد الأطرش، محمد عبد الوهاب وعفاف راضي، عبد الحليم حافظ وغيرهم (…).

    كانت السحب قد بدأت في الانقشاع عن سماء الصخيرات عندما كانت أفواج الشاحنات العسكرية المسلحة تشق طريقها من بوقنادل إلى الصخيرات، إذ كانت السماء ذلك اليوم مكسوة بغيوم كثيفة منذ الساعات الصباحية الأولى.

    ولدى سماع أولى العيارات النارية، تهامس البعض ضاحكين: إنها واحدة أخرى من (مقالب) الأمير مولاي عبد الله.. فقد عوّدنا على مثل هذه المفاجآت؟! فردّ أحد السّفراء ناقما: إذا كان الأمر كذلك فهو أسوأ مقلب يمكن تنظيمه..

    وعلى ذكر السفراء، أصيب سفير إحدى دول أمريكا اللاتينية لدى المغرب بالرعب الشديد.. وكان يحمل رتبة جنرال فلم يجد مكانا يختبئ فيه سوى برميل للنفايات (من النوع القديم)، لا يستطيع إيقاف طلقة نارية واحدة من المرور في الاتجاهين معا.. فتأكد فيما بعد لجميع الناس بأنه من نوع جنرالات (الكولف) و(كرة القدم).. وما شاكل!!؟

    أما عميد الشرطة بودريس، الذي كان من المكلفين بالأمن الشخصي لصاحب الجلالة فقد لجأ بدوره إلى برميل آخر للنفايات بعد أن أطلق على إحدى قدميه رصاصة من مسدسه الشخصي.. وحينما حاول الناس إخراجه بعد انتهاء هبوب « العاصفة »، وجدوا عناء كبيرا بسبب ما كان عليه الرجل من بدانة مفرطة!.. وجاء من الخدم من سيشهد طواعية بأنه هو من أطلق النار على نفسه.. وذلك تفاديا للإحراج مادام قد خاف وفضل الاختباء عوض القيام بمهمته، لكن ذلك لم ينفعه، إذ سرعان ما تم استبداله بعميد آخر بعد حوالي سنة في نازلة طائرة البوينغ الملكية (727) مساء يوم 16 غشت 1972.

    شخصيا، لا أريد العودة إلى ما كتبه كثير من الذين عاينوا هذه المجزرة البشعة.. فللقارئ الكريم الراغب في الإطلاع على المزيد من تفاصيلها العودة إلى مؤلفات عبد الهادي بوطالب وعبد اللطيف الفيلالي وبينوا ميشان وغيرهم. لكنني أريد لفت الأنظار إلى الحالة « الهستيرية » التي كان عليها تلاميذ مدرسة اهرمومو، الذين أُصِيبُوا بالذهول والانبهار.. وهي المشاعر التي سرعان ما تحولت إلى سعار دموي بإطلاق النار في كل اتجاه.. جعل هذه المخلوقات تتحول إلى « قطعان » حقيقية بشعة :
    – منهم من انصرف إلى أكل ما لذ وطاب من مأكولات لم يتذوقوها يوما في حياتهم.. للأسف وسط الدم والشظايا والأنين!!

    – منهم من شرع في سلب المدعوين أموالهم وساعاتهم اليدوية وحليهم.. إلخ.
    ومنهم من وقف مبهورا أمام زرقة البحر، وتناسق المعمار في جنبات القصر مما لم يشهد له مثيلا من قبل، سيما هؤلاء أبناء المناطق الجبلية والصحراوية ممن لم يعاينوا بحرا من قبل… لا بل إن المساعد الأول (خرخاش) أسرع إلى تجميع أنبوب بلاستيكي ضخم يستعمل في سقي ملعب الكولف بالقصر الملكي، وهو يعتزم إحضاره إلى مدرسة اهرمومو.. كما كان يفعل دائما تحت إشراف المساعد عقا.. كما لو أنه هذه المرة جاء في نزهة بسيطة ستنتهي كما بدأت وليس بصدد محاولة انقلابية، دموية، لها ما بعدها!!؟

    خلال ذلك اليوم استطاع أحمد رضا كديرة الفِكاك من الفخ، حيث غادر القصر قبل الساعة الثانية زوالا رفقة الملازم الصفريوي، وقد تسبب إطلاق النار عشوائيا في تفكيك مجموعة حلقات المخطط الذي وضعه الجنرال المذبوح، وهكذا بدل أن تنقسم القوات المهاجمة إلى ثلاثة أقسام، أولها لمهاجمة القصر، وثانيها للاستيلاء على هيئة الأركان العامة، وثالثها للسيطرة على مقرات وزارة الداخلية والإذاعة والتلفزة.. بدل ذلك اختلط الحابل بالنابل، فلم يعد ضباط الكوماندوهات يسيطرون على تلامذتهم، ليغدو السعار الدموي هو سيد الموقف.

    – كيف كانت نوعية تسليح « الكوماندوهات » المسلحة؟

    + لقد كان التسليح قويا بل غريبا، في ضوء قواعد التدريب المعمول بها في مدارس مماثلة، ذلك أن عددا كبيرا من التلاميذ –الضباط، كانوا لا يزالون في السنة الأولى من التكوين، يجهلون استعمال السلاح جهلا تاما.. حسب تصريحات أحد قادتهم، الملازم أحمد المرزوقي (قائد الكوماندو 12)..

    وكانت هذه الأسلحة – حسب محضر الإدارة العامة للأمن الوطني المؤرخ في 17 يوليوز 1971، والذي حُرِّر بإشراف عميد الشرطة محمد المعزوزي والكابيتان عبد المومن من هيئة الأركان العامة للجيش – عبارة عن:

    أ- الأسلحة الثقيلة:
    1 مدفع عيار 75 ملم – عديم الارتداء.
    1 مدفع هاون عيار 120 ملم.
    4 مدافع هاون من عيار 81 ملم.
    8 مدافع هاون عيار 60 ملم.
    7 رشاشات ثقيلة عيار (12.7 ملم).
    – عدد كبير من الرشاشات الثقيلة (A. A. 52) و(29/24-F.M).
    ب- الأسلحة الخفيفة (حوالي 1200 بندقية ورشاشة)، منها:
    – بنادق: MAS – 36
    – بنادق: N.L.G
    – رشاشات (MAT -49) و(5-35 D.A)..
    – كمية من قاذفات الصواريخ ضد المصفحات والدبابات.
    – عدد كبير من مسدسات نوع « بريطا ».
    – كمية كبيرة من القنابل الهجومية والدفاعية، كما تم استعمال أكثر من 40 شاحنة وناقلة وأكثر من 20 ألف لتر من الوقود وكميات كافية من الغذاء.

    – هل تم فعلا استخدام هذه الأسلحة؟

    + لو استعملت هذه الأسلحة في قصر الصخيرات لأدى ذلك إلى هلاك حوالي ألف شخص، ولدُمِّّرت مرافق القصر عن آخرها بقذائف المدفعية وشظاياها.. لكن الأخطر من كل ذلك، أن المقدم امحمد عبابو، أعطى لقواته المسلحة منذ خروجها من بلدة (بوقنادل) الأمر القاطع والصارم بـ:

    1- رفع أغطية الشاحنات والسيارات العسكرية استعدادا لخوض المعركة.
    2- تلقيم كافة أنواع الأسلحة، ووضعها في حالة الاستعداد، باعتبار أن القوات ستدخل « منطقة معادية » عبر المرور بمدينتي سلا والرباط!!؟

    فلو حصل اشتباك بين هؤلاء وأية قوة عسكرية أخرى، بين بوقنادل والصخيرات، لكان حجم الخسائر بآلاف الضحايا، سيما وأن بعض تلاميذ مدرسة أهرمومو كانوا لا يزالون « أغرارا »، بمعنى أنهم لم يستوعبوا بعد حمل السلاح والمناورة بالنيران… وهكذا سنجدهم في الصخيرات يطلقون النار على كل ما تقع عليه أعينهم، بل لقد وصلوا إلى حد التراشق بالرصاص في ما بينهم.. كما لو أنها نوع من ألاعيب (عاشوراء)، يا سبحان الله!

    لقد سجل المقدم امحمد عبابو على نفسه صبيحة يوم 10 يوليوز 1971 حماقات خطيرة لا تخطر على بال، عرَّض خلالها آلاف الأرواح للخطر الداهم دون أي ذنب اقترفوه.. لا لشيء.. فقط من أجل رغبته في توسيع مجال نفوذه وسلطته.. وهو لا يزال ابن الـ 32 سنة أتى من مدرسة عسكرية نائية، ما كان ليتصور أحد أن تنتقل بقوتها النارية الكبيرة إلى قلب عاصمة البلاد.. أقول.. كان ينوي ضَمِّ مساحة نفوذه من مدير مدرسة عسكرية إلى مساحة الوطن المغربي بكامله… بكل مؤسساته الدستورية والسياسية والنقابية والتربوية..؟!

    – بعد أن فشلت المحاولة وتم القبض على زمام الأمور بعد هذه المجزرة الدامية، كيف كانت مواقف الملك الحسن الثاني؟

    + لقد حضر صديقه الملك حسين، مهرولا من عمان، مزودا بما في جعبته من نصائح صارمة.. في ضوء ما عاناه على مدى عام كامل.. بعد أحداث سبتمبر 1970 في عمان ثم اشتباكات جرش وعجلون في يوليوز 1971.. وقد حضر كالمعتاد متمنطقا بمسدسه (سميت إندونسن) وبلباسه العسكري.. ليصر أولا على إعدام كل المتورطين في أحداث الصخيرات.. ولكن الجنرال أوفقير هو من قدم الضحايا وقرر مصيرهم دون تقديمهم للمحاكمة قبل ذلك، وقد تميزت هذه المذبحة أيضا بتصفية حسابات شخصية.. فكان يشرف على إعدامهم باكيا.. كما سيفعل لاحقا صدام حسين في حق قادته من حزب البعث العربي الاشتراكي بإعدام شخص من مستوى عبد الخالق السامرائي.. كما يفعل عادة « التمساح » قبل الانقضاض على ضحيته!!؟

    بعد ذلك سيسارع الحسن الثاني إلى إطلاق سراح سعيد بونعيلات وبنموسى الإبرايمي في 15 ماي 1972، ليباشر حوارا مفتوحا مع الكتلة الوطنية التي تشكلت قبل ذلك في يوليوز 1970.

    … بالفعل كان المذبوح يسير في نفس الاتجاه، إذ لا خيار له، وقد سار معه الحسن الثاني مكرها، لكن بخطوات، ثقيلة وحذرة.. ستقوده إلى محاولة انقلابية ثانية، لأنه لم يسرع الخطى كما يجب، فاكتفى بالمناورة من وراء حجاب، وهو الرافض دوما لتقديم أية تنازلات من باب الضغط، فكان أن عرض نظامه السياسي بالكامل لأفدح المخاطر بعد ظهر يوم 16 غشت 1972.

    – ماذا يمكنك أن تقول بخصوص طريقة القيادة المعتمدة في الانقلاب وتجانسها؟

    + أريد أن أسجل – بداية – بأن كلا الرجلين، المذبوح واعبابو، كانا يقفان الواحد منهما بعيدا عن الآخر على مسافة كبيرة ـ فكرا وتربية ونهجا وتجربة ونضجا كذلك ـ بحكم عدد هام من المعطيات التي تتصل بشخصيتيهما.

    فالمذبوح، زاول قبل ذلك مهاما مدنية وعسكرية متنوعة، كان أبرزها توليه عاملا على إقليم ورزازات بعد الاستقلال مباشرة، ثم عمل وزيرا للبريد في حكومة عبد الله إبراهيم المُشكلة في دجنبر 1958.. غير أنه سرعان ما سيقدم استقالته منها، بضغط من الحسن الثاني ولي العهد آنذاك، ضمن محاولة لإسقاط الحكومة.. وكانت الذريعة المقدمة هي الاحتجاج على مضمون البلاغ الصادر عن مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد في أكادير سنة 1959، والذي فهم منه أنه تضمن قذفا في حق مؤسسة الجيش الملكي.. علما بأن المذبوح لم يكن يحمل سوى رتبة قبطان وقتها، ولم يقدم أي من الجنرالات استقالتهم سوى المذبوح! بعد ذلك شغل منصب عامل على الدار البيضاء.. وقد ارتبط اسمه بالمحاولة (الانقلابية) للحركة الاتحادية في 16 يوليوز 1963، ويقال بأنه سارع إلى الإخبار بها بعد أن سبقه إلى ذلك مصطفى العلوي، ابن شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، وقد جرى التعامل معه في ضوء ذلك كشاهد إبان البت في هذه القضية.

    وعلى الرغم من إصدار 14 حكما بالإعدام في حق المتهمين خلال مارس 1964، ظل الفقيه البصري وعمر بنجلون – المحكوم عليهما كذلك بالإعدام في هذه القضية – يذكران المذبوح بكل خير.. وينوهان بنظافته ووطنيته.. وقد أكدا مرارا لرفاقهما في السجن بأن هذا الشخص سيقوم – يوما ما – بعمل وطني كبير!!

    – ما هي الأسباب التي دفعت الجنرال المذبوح إلى التخطيط للانقلاب؟

    + إن عددا هاما من المصادر أجمعت على أن من بين أسباب قيام المذبوح بهذه المحاولة الانقلابية اكتشافه، وهو يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سنة 1971 للتحضير لزيارة الحسن الثاني المقررة آنذاك في شهر أبريل، اكتشف ضمن بعض الوثائق كيف أن أشخاصا نافذين في المحيط الملكي طلبوا رشوة قيمتها (600) مليون سنيتم لتسهيل بناء فندق (شيراطون) بالدار البيضاء، كما اكتشف أن بعضهم يمارس نشاط تهريب المعادن النفيسة.. فعاد من هناك وهو مصمم على فعل شيء لوقف الفساد المستشري في أعلى هرم الدولة.

    وسيكتشف الملك الحسن الثاني بعد وفاة المذبوح كيف أنه لم يكن يتصرف في الإكراميات المالية الضخمة التي كان الملك يقدمها له، إذا كان يحتفظ بها ضمن مغلفاتها الأنيقة دون أن تمتد يده إليها لمجرد معرفة المبالغ التي تتضمنها!!؟ دلالة على أن الرجل كان عصيا على قبول مثل هذه الأساليب التي درج عليها النظام لترويض رجالاته وشراء سكوتهم وتواطئهم.

    وذات مرة، تلقى الملك الحسن الثاني تقريرا سريا، مضمونه أن الجنرال المذبوح يدبر انقلابا ضده.. وكان وقتها يلعب (الكولف) بملعب دار السلام بالرباط.. فما كان منه سوى أن بعث في طلب المذبوح ليقول له علنا: هل صحيح ما ينسبونه لك في هذا التقرير.. يا مذبوح؟ ثم انصرف إلى رياضته بلا مبالاة، ولم يعد إلى الحديث حول هذا الموضوع أو إثارته من جديد.

    أما شخص المقدم امحمد عبابو، والذي لم تمض على ترقيته من كوماندان إلى ليوتنان كولونيل سوى أقل من أربعة أشهر فقد كان رجلا عسكريا بالكامل، لم يعرف له أي نشاط سياسي أو وطني، أو حتى مجرد اتصال بالأحزاب السياسية المغربية طوال حياته، ولكن طموحاته الشخصية كانت لا تعرف أية حدودّ.

    فعدا تفوقه في تخصصه العسكري (المشاة) وذكائه وقوة شخصيته وحرصه الدائم على تطوير برامج التكوين العسكري في مدرسته بأهرمومو، وفي ملحقتها بمدينة صفرو، وهي كلها إيجابيات تسجل لصالحه بدون نزاع، لم يعرف عنه أي اهتمام آخر.

    – كيف ترى الفرق بين الجنرال المذبوح والمقدم اعبابو؟

    + بكل « موضوعية » ما يجعلنا نعتقد حقا بأن الجنرال المذبوح؛ بقوة شخصيته، واتزانه، ونظافته ووطنيته، قد أخطأ اختيار الرفيق، رفيق الدرب، في شخص امحمد عبابو، والذي تميز مساره المهني بالعديد من الخروقات الفظيعة والممارسات اللا أخلاقية، والتي يمكن إيجازها في ما يلي:
    أولا: للتجاوب مع طموحاته العسكرية الواسعة، سعى اعبابو، وهو لا يزال في رتبة رائد (كوماندان) إلى رفع تعداد التلاميذ في مدرسته من 300 إلى 1.000 ثم إلى 1.500 تلميذ، دون موافقة المكتب الثالث لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والذي كان له حق الإشراف على كافة مؤسسات التكوين العسكري في البلاد، بتخصصاتها الجوية والبرية والبحرية.

    وللتغلب على المشاكل المادية الكثيرة المتعلقة برفع طاقة المؤسسة إلى أضعافها من حيث المرافق والتجهيزات والتغذية.. إلخ.. لجأ الرجل إلى تكوين (كوماندوهات)، خاصة من ضباط وضباط صف المؤسسة، تحت إشراف مساعده (عملاق الحرب العالمية الثانية) المساعد الأول أمهروش عقا.. فقد كانت هذه المجموعات تقوم – وهي بكامل أسلحتها وتجهيزاتها وشاحناتها – بالسطو ليلا على ممتلكات المواطنين من: مواد البناء وتجهيزاته ومعداته الغالية الثمن والمواد الغذائية والمواشي والأغنام ومواد التجهيز والسيارات والشاحنات والغلال.. إلخ.

    وبالتأكيد ساعدت أعمال « البَلْطَجَة » هذه في بناء مرافق جديدة بالمدرسة، والتزود بتجهيزات حديثة من مسابح وملاعب (…)، غير أن بعضها « صُبَّ » في حساب المدير، بحيث غدا في ظروف وجيزة مالكا لفيلا فخمة بمكناس ومؤسسة فندقية ومقهى بنفس المدينة، ولضيعة فلاحية مع عدد من القطع الأرضية، ناهيك عن سيارتين… إلخ ولم تمض على ذلك بعد خمسة عشر عاما على التحاقه بالجندية!!؟

    ثانيا: أصبح الرجل عند تكوين « بطانة » من الأتباع الطيعين الذين لا يعصون له أمرا، يستغل الطابع العسكري الصرف لمؤسسته، وذلك في أفق الاستعانة بهم في تنفيذ « مشاريع » مستقبلية على مقاسه الخاص!!

    ثالثا: درج كذلك، رغم أنه متزوج وله أبناء، على استقبال صديقاته داخل المدرسة وعلى تنظيم الولائم الباذخة للضباط الكبار بما لم يكن يتلاءم مطلقا مع مستوى عيش وتغذية تلاميذ المؤسسة آنذاك؟!
    كما أن أساليبه في « البَلْطَجَة » وصلت حد الاعتداء على المقابر، فحسب روايات بعض الضباط، أمر ذات مرة بهدم قبور اليهود في مدينة صفرو، للاستفادة من أخشابها في أعمال البناء بمدرسته!!

    فأية روابط فكرية أو سياسية أو مسلكية يمكن أن تجمع بين كل من الجنرال المذبوح والمقدم امحمد اعبابو؟!

    بالتأكيد، الفروقات كانت فادحة، وقد أدت بالطبع إلى مصرعهما معا في نفس اليوم وبطريقة شاذة، كما لو كانا من لصوص المواشي (كاوبوي).

    أما باقي الضباط الانقلابيين ممن جرى إعدامهم يوم 13 يوليوز 1971، والذين لم يتم « إقناعهم » بالانضمام إلى الحركة الانقلابية الجديدة، سوى بعد الساعة الرابعة ظهرا من يوم 10 يوليوز 1971، فقد كانوا قبل هذه الساعات يتحدثون (بالفَمِ المليان) عن الانقلاب، وضرورة التغيير!! وكانوا يمارسون ذلك في محلات عمومية مفتوحة كبارات (كيوم تيل) و(لاكوميدي) بالرباط، وحانات مماثلة في القنيطرة ووجدة والدار البيضاء.. إلخ.. بمعرفة كافة الأجهزة الأمنية.

    .. هؤلاء الانقلابيون أيضا كانوا على جانب كبير من الفساد والانحلال والتهتك، وما من شيء يجمعهم بالجنرال محمد المذبوح.

    .. شخص واحد أعدم ظلما وعدوانا بسبب انتفاء أية علاقة له بهؤلاء، هو المناضل الكبير الكوماندان إبراهيم المانوزي، أحد قادة هيئة أركان جيش التحرير المغربي إبان الخمسينات، الذي وصلت قواته ذات يوم من سنة 1957 إلى منطقة (أطار) الموريتانية، بعد أن نجحت في دك معاقل الإسبان بكل من طاطا وفم الحسن وكولميم حتى شمال موريتانيا وتندوف… وكثيرا ما كان أخوه المرحوم سعيد المانوزي يطلعني على خرائط حربية تخص تلك المرحلة.

    هذا الضابط الوطني الكبير، كان الجنرال محمد أوفقير يتوعده بالتصفية قبل ذلك، ولم يستطع الزج به في معتقل دار المقري إلى جانب الهاشمي الطود وعمر غاندي والفقيه البصري وبولحية الطاطي (اعتقالات يوليوز 1963)، إذ ظل يترصده حتى قامت أحداث يوليوز 1971، فبعث في طلبه للاعتقال، وكان حينذاك بلباس النوم في بيته وبين أولاده، مع أنه لم يكن له أي اتصال بهؤلاء القوم.. لسبب بسيط هو أن معظم هؤلاء الضباط، كانوا في صفوف اللفيف الأجنبي كمرتزقة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانوا في سلوكهم وأخلاقهم على النقيض من شخصية إبراهيم المانوزي ووطنيته العالية، مما كان يثير أحقاد أوفقير تجاهه، فظل ينتظر الفرصة، لكنها جاءت غير ملائمة هذه المرة لتصفية حساباته الإجرامية.. غير أنه سرعان ما سيقتل هو أيضا (ككلب حقير) بخمس رصاصات غادرة، على حد تعبير ابنه رؤوف أوفقير، والذي وصف الحادث رسميا على أنه انتحار تلقائي، حسب بلاغ وزارة الداخلية آنذاك (17 غشت 1972).

    الجنرال المذبوح إذن وضع بيضه كاملا في سلة (فاسدة) و(متهورة) فكان ما كان.. والأخطر من كل ذلك، لم يباشر اتصالاته برفاقه الاتحاديين القدامى، الذين كانوا ينتظرون منه هذه المبادرة، بل لقد كانوا يبشرون بها بين أنصارهم.
    فهل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد آنذاك كان لا يستحق عناء التنسيق مع اليسار وقتئذ؟
    وهل مجرد إصدار التعليمات بإطلاق سراح (170) مناضلا اتحاديا من سجن بولمهارز بمراكش وتلكؤ العامل عن تنفيذ هذه التعليمات، هل كان ذلك كافيا لحماية وتطوير ودعم الحركة الانقلابية الجديدة؟

    – ماذا تقول عن الموت المبكر للجنرال المذبوح؟

    + لقد أخبرني بعض الضباط الذين شاركوا ضمن هذه التجربة المريرة، وأفلتوا من جحيم (تازمامرت)، بأن تأخر وصول تلامذة (أهرمومو) ومدربيهم إلى قصر الصخيرات في الوقت المحدد، قد وتر أعصاب المذبوح، وجعل الشكوك تراوده بخصوص احتمال قيام اعبابو بالوشاية به إلى الملك، لذلك سارع إلى إرسال شخصين لمقابلة اعبابو (وهو لا يزال في طريقه إلى القصر) لتبليغه أمر التأجيل، وضرورة متابعة طريقه نحو ابن سليمان لتنفيذ المناورة وكأن شيئا لم يكن، مؤكدا له: لقد تجاوزت التوقيت الزمني المتفق بشأنه ومن الأفضل تأجيل العملية إلى وقت آخر.

    غير أن اعبابو بدوره – والذي قضى الأيام الأخيرة بلياليها في التحضير لهذه العملية – فاض به الكأس، إذ لم تمر سوى بضعة أسابيع على تأجيل العملية السابقة ليوم 14 ماي 1971، والتي كان قد حشد لها 15 كوماندو مسلح.. قد شك بدوره في أن يكون المذبوح قد وشى به، فقرر متابعة التنفيذ مهما كلف الأمر.

    – ما هي التعليمات الأصلية التي أوصلها الجنرال المذبوح إلى اعبابو قبل بعث توصيات التخلي عن المحاولة؟

    + كانت تعليمات الجنرال المذبوح إلى اعبابو تنص بدقة على ما يلي:
    – الحرص على الوصول إلى البوابة الغربية لقصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا (أي قبل الشروع في وجبة الغذاء).
    – الحرص على عدم إطلاق النار.
    – الشروع بمجرد تطويق القصر في اعتقال كافة الحاضرين، مع الاستعانة بمكبرات الصوت لدعوة الجميع إلى رفع الأيدي عاليا والاستسلام بدون قيد أو شرط

    – مباشرة عملية فرز الأشخاص المعتقلين ، لتقسيمهم إلى ثلاثة مجموعات:
    أ‌- المجموعة الأولى (والتي ينبغي إعدامها فور الاتفاق في عين المكان بين المذبوح واعبابو) وتتألف من: – الملك الحسن الثاني – ولي العهد – الأمير مولاي عبد الله – الجنرال الغرباوي – الكولونيل أحمد الدليمي – إدريس السلاوي مدير الديوان الملكي – الجنرال البوهالي الماجور العام للقوات المسلحة الملكية.
    ب‌- المجموعة الثانية: وتتألف من جميع أعضاء الحكومة والجنرالات الحاضرين، وهؤلاء يتم سوقهم إلى هيئة الأركان العامة بالرباط لتحديد مصيرهم لاحقا.. واحدا.. واحدا.
    ج – المجموعة الثالثة: وتتألف من باقي المدعوين، مغاربة وأجانب، والذين سيجري الإفراج عنهم بعد تنفيذ ما سبق ذكره.

    .. وهكذا ما كاد أن يتقابل الرجلان – المذبوح واعبابو – حتى بدأ هذا الأخير يصرخ عاليا: وَافَايْن هُوّا (…) وسير خرّجُو لعندي.. وأنا راه غادي نبيع جلدي غالي.. إلخ (علامة على تدهور عنصر الثقة بين الرجلين)!
    وبينما كان المذبوح، يذهب ويجيء بين مكان وجود الملك واعبابو، عسى أن يحل الإشكال بطريقة أو بأخرى، كان عبابو يزداد هياجا، وسط إطلاق الرصاص والرمانات اليدوية لمجموعاته، وكان يصيح:
    – اقتلوا الخونة.. اقتلوا الخونة.. وعاش الملك!!؟

    في هذه الأثناء، رفض الملك الخروج وطالب المذبوح بإحضار عبابو أمامه لاستفساره عما يطلب، كما رفض اعبابو التوجه لمقابلة الملك بدون رجاله وفيهم مساعده العملاق عقا.. وبينما كان الدكتور بنيعيش – الطبيب الخاص للملك – يقوم بإحضار رشاشة حربية للملك من غرف النوم، وكانت قد أهديت له قبل ذلك من طرف إحدى الشخصيات الأجنبية، شك اعبابو في الأمر وطالب بنيعيش بتسليم السلاح فورا، غير أن بنيعيش كان قد دخل في حوار مع الجنرال المذبوح، وهنا جاءت صلية من الرصاص (Rafale) على يد أحد التلاميذ ـ الضباط في اتجاه كل من المذبوح وبنيعيش ليسقطا معا.. أمام أنظار اعبابو والقبطان الشلاط والمساعد الأول عقا، وهنا توجه اعبابو نحو جثة المذبوح معلقا بالفرنسية:

    Oh, Mon oncle, C es dommage pour vous, général Medbouh))، ويضيف المقدم محمد عبابو في محضر استنطاقه بعد اعتقاله: (… ولقد علمت من خلال ضابط الصف الذي هرب معي بأن المذبوح مات أمام أعين الجميع، ذلك أنه لحظة قيام امحمد اعبابو بإعطاء الأمر لأحد تلاميذه بإطلاق النار على الدكتور بنيعيش، كان هذا الأخير وقتها يتناقش مع المذبوح وهو ملتصق به.. فأصيبا معا برصاصات قاتلة).

    وحيث أن القائد العام للعملية الانقلابية الجنرال المذبوح قد قتل منذ الساعة الأولى للانقلاب، اتجه اعبابو باحثا عن الكولونيل الشلواطي لتكليفه بقيادة الحركة الانقلابية من خلال إقناع باقي الجنرالات بالانضمام إليها.. وهو ما سيباشره فعلا لدى التحاقه بالقيادة العامة للجيش.
    غير أن طريقة التراشق بالنيران في القيادة العامة، ما بين الجنرال البوهالي والمقدم اعبابو كانت على شاكلة تراشق سراق المواشي (الكاوبوي) على الطريقة الأمريكية..، حيث أدى ذلك إلى مصرعهما في الحال ثم استسلام حوالي مائتين من تلامذة المدرسة، ليلا بالقرب من الإذاعة، وما أعقبه بعد ذلك من إطلاق النار عليهم بعد تسليم أسلحتهم، مما سيؤدي إلى مقتل حوالي 113 تلميذا فورا.. كل ذلك، أدخل الحركة الانقلابية في عنق الزجاجة كما يقولون وأغرقها في الدماء التي لا مبرر لها، إذ تكد تنتصف ليلة هذا اليوم الأغبر في تاريخ المغرب المعاصر، حتى كان باقي الانقلابيين الأحياء يبحثون عن التخلص من أسلحتهم وملابسهم العسكرية، بحثا عن ملاذ آمن بعد كل الذي شاهدوه من مناظر فظيعة، وما ينتظرهم من مصيرمظلم.

    – في ضوء تجربتك السابقة، واحتكاكك المباشر بعدد من التجارب الانقلابية في المشرق العربي، كيف تنظر لأحداث 10 يوليوز 1971؟

    + في تقديري، ما حدث بالصخيرات ثم الرباط طوال يوم 10 يوليوز 1971 لا يمكن أن يرقى إلى مجرد مناورة عسكرية بسيطة من طرف أحد جيوش البلدان المتخلفة كجمهورية إفريقيا الوسطى أو النيجر على سبيل المثال.. أؤكد لكم أن ما حدث هنا لا يرقى لمجرد مناورة عسكرية بسيطة، نظرا لهمجيته، وبدائيته وتهوره وافتقاده إلى الحد الأدنى من التنظيم، بكلمة واحدة، هو عمل « رعاع » لا أقل ولا أكثر.

    فكما هو معلوم، تميزت الفترة التاريخية من 1965 إلى 1975 بظهور عدد من الانقلابات العسكرية، سيما في أقطار أمريكا اللاتينية وإفريقيا، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر سوءا وتأزما.. كان ذلك هو الإطار العام لهذه الانقلابات.

    لكن يجب التقرير هنا بأن بعض هذه الحركات الانقلابية كان ذا طابع تقدمي، باعتبار ما حصلت عليه من دعم جماهيري عريض آنذاك.. بينما كان بعضها الآخر – وهو الأغلب – ذا طابع (أوليغارشي) عسكري ضيق، لا يروم في الحقيقة سوى الاستيلاء على السلطة بحد ذاتها.. بمنافعها..وامتيازاتها.. ولم تكن السلطة عند (ثوارها) أداة محورية لمباشرة التحولات العامة التي كان يستدعيها بإلحاح تصحيح أوضاع هذه الأقطار.

    فأن تلجأ حفنة من الأشخاص لا تتعدى أصابع اليد الواحدة إلى التآمر، في بلد كالمغرب، حيث النسيج السياسي والنقابي والتربوي أكثر متانة بالقياس مع كل الأقطار الإفريقية والعربية المجاورة، أن تلجأ هذه الحفنة إلى استخدام أكثر من (1400) جندي وضابط دون مصارحتهم مطلقا بطبيعة (المهمة) ولا أن يتم تأطيرهم جيدا لتنفيذها، ولا أن يضبطوا بينهم المهام تفاديا للالتباس والخلط وسوء النية.. إلخ.. أن يجري كل ذلك، بهذه الدرجة من التهور والشراسة والجهل والرعونة، لهو عمل في منتهى الحماقة والوحشية!

    فحتى ساعة وصول القوات المهاجمة إلى بلدة (بوقنادل) كانت المهمة الرئيسية المحددة في أذهان الجميع هي المشاركة في مناورة بالذخيرة الحية في منطقة ابن سليمان، هذه المهمة التي كان من المفروض أن يقوم بها أحد أفضل ألوية القوات المسلحة، ولكن المقدم اعبابو (كما أكد لتلامذته وضباطه في الجمع العام التحضيري ليلة 9/07/ 1971) استطاع أن يقنع القيادة العليا للجيش بأن مدرسته تستطيع أن تقوم بذلك على نفس الدرجة من القوة والاقتدار والنجاح.. كما صرح بذلك وأكد.

    وعندما توقفت القوات المهاجمة في بوقنادل لاستجماع القوى، وتحديد المهام على أيدي من أسماهم المقدم اعبابو بالقيادة الميدانية (المتقدمة)، تأكد في ما بعد بأن هؤلاء الضباط الذين أحضرهم إلى بوقنادل بلباس مدني، إنما أحضرهم لمعاينة ضيعة فلاحية يعتزم شراءها هناك! وأن يطلب نصيحتهم.. على أن يتجهوا بعد ذلك لحضور حفلات القصر الملكي بالصخيرات!!
    خلال هذا اللقاء، سينقل المقدم اعبابو خطابه إلى السرعة القصوى في مخاطبة ضيوفه وضباط مجموعاته المسلحة، إذ لأول مرة سيستعمل عبارات جديدة ذات علاقة بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم تكن لتجري على لسانه قبل ذلك على الاطلاق.

    لقد « تحايل » على الجميع، ليجمعهم هنا في بوقنادل وهو يخطب فيهم خطبة أشبه بخطبة طارق بن زياد، وبين أيديهم قوة نار هائلة مع خواء فكري فظيع وارتباك وفوضى قياسيين.

    – ماذا قال اعبابو في بوقنادل؟

    + قال : (.. لقد جرى اختياركم من طرف القيادة العليا للجيش للمشاركة في مهمة خطيرة، وقد وقع عليكم الاختيار لأنكم بالفعل تستحقونه، إنكم تعلمون جميعا الوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لبلادكم.. يجب إنقاذ هذه البلاد.. لقد آن الوقت لذلك.. يتوجب علينا جميعا الهجوم على قصر الصخيرات هذا اليوم ما بين الساعة 13 و 14 .. وستشارك قوات عسكرية أخرى في تنفيذ هذه المهمة!! وبالتالي نحن لسنا لوحدنا!! ولن نكون كذلك… إن هناك عناصر متمردة تهدد سلامة صاحب الجلالة ويتوجب علينا القضاء عليها بدون تردد…).

    ثم أمسك بقضيب خشبي ليرسم أمام الضباط المتحلقين حوله مخططا عاما للمعركة المقبلة، محددا بدقة بنايتين رئيسيتين داخل القصر، رسم بينهما خطوطا حربية معروفة لدى العسكريين، مؤكدا أن المعركة قد بدأت وعلى الجميع الالتحاق بوحداتهم ورفع أغطية الشاحنات وتلقيم الأسلحة بمختلف عياراتها والتحرك منذ تلك اللحظة على أساس أن القوات أصبحت ضمن وسط معاد يتوجب اتخاذ أقصى الاحتياطات تجاهه، وبالتالي فإن إطلاق النار ستصبح عملية تلقائية منذ تلك اللحظة، لا تحتاج إلى تذكير أو تجديد الأوامر..

    أما بخصوص الضباط (بلباس مدني) الذين أحضرهم عبابو لبوقنادل، فقد فعل ذلك تبعا لتعليمات الجنرال المدبوح، حتى يشجع أكثر تلامذة أهرمومو وضباطهم، فقد كان هؤلاء (الضيوف) يمثلون مختلف قطاعات الجيش، وبالتالي فإن إحضارهم كان بمثابة عملية ذات مغزى كبير. وهؤلاء الضباط هم المقدم القادري والكوماندان المالطي والكوماندان المنور والكوماندان بريكي والكوماندان رياني (صهر المذبوح) والكوماندان حريشي والكوماندان ميلس.

    ومما تقدم، أستطيع التأكيد لكم بأن ما حدث لا يخرج عن نطاق حركة (الرعاع) التي لا يجمعها جامع، غير الرباط الحديدي الذي ربى عليه المقدم امحمد عبابو تلامذته وضباطه على حد سواء، والذي وصل حد الطاعة العمياء، فتحول الأمر خلال ساعات قلائل إلى إعصار مدمر، فتك بأرواح أكثر من مائتين وخمسين شخصا وتسبب في جرح وإصابة المئات وإلحاق أفدح الأضرار بالممتلكات الخصوصية والعمومية.

    فما كنت أظن أن الجنرال محمد المذبوح ستصل به السذاجة السياسية والتهور العسكري إلى هذا الحد، ومهما حصل فقد كان المسؤول الأول والأخير عن كل هذه المأساة، وكان من قبيل المستحيلات أن تمر هذه القوة الكبرى عبر تراب عدة أقاليم، بسلاحها الكامل وذخيرتها ووقودها وتغذيتها دون موافقته الشخصية، باعتباره رئيسا للديوان العسكري لصاحب الجلالة، وسيكتب له أن يكون من أول ضحايا هذا التهور لتبقى جثته ثلاثة أيام في عز الصيف بدون دفن قبل القيام بإحراقها، ثم ليحرم من مجرد قبر كباقي المسلمين.

    – وماذا عن الموقف الليبي الرسمي من هذه الأحداث؟

    + لقد جاءت هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة لتؤكد طبيعة التوجه السياسي العام لنظام العقيد القدافي، والذي كثيرا ما أبلغ قادتنا في التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ انقلابه الشهير في فاتح سبتمبر 1969، بأنه لا يثق مطلقا في قدرة الحركة التقدمية المغربية على إسقاط النظام الملكي وإبداله بنظام جمهوري على الطريقة الناصرية، وكان ينصح قادتنا بالاعتماد على قوات الجيش النظامي المغربي إذا هم أرادوا الحصول على نتائج طيبة.

    والغريب أن نظام العقيد القدافي حتى بعد أن صار يدعمنا، بتخصيص برنامج إذاعي دائم، كان عبد الرحمان اليوسفي يكتب افتتاحياته بانتظام، وحتى بعد أن فتح في وجوهنا معسكرات التدريب على السلاح وبعد أن أصبح يقدم لقادتنا الأموال والأسلحة، كان دائما ينصحهم بالتعاون مع الجيش المغربي في الداخل مهما كانت عقليته وتركيبته وميوله، إن هم أرادوا نتائج إيجابية!
    فمنذ الساعات الأولى للمحاولة الانقلابية الفاشلة لـ 10 يوليوز 1971 انطلقت الإذاعة الليبية في بث بلاغات التهنئة والتبريك، بل لقد أجرى العقيد القدافي – حسب ما نشرته وثائق الخارجية الأمريكية والبريطانية مؤخرا، وحسب ما ذكره الملك الحسن الثاني نفسه في كتابه (ذاكرة ملك)، أجرى القدافي اتصالا هاتفيا بالرئيس الجزائري هواري بومدين طالبا السماح لقواته الجوية والبرية باستعمال الأراضي والأجواء الجزائرية للمرور إلى المغرب لدعم الانقلابيين.. وهكذا أرسل ضابط المخابرات الليبية الرائد عوض علي حمزة، إلى الجزائر على جناح السرعة، لمتابعة تنسيق هذه العمليات، غير أن الرفض القاطع للهواري بومدين أفشل مسعى إرسال حوالي (12) ألف جندي ليبي إلى المغرب لدعم الانقلاب.

    ورغم إعلان فشل الانقلاب ظلت الإذاعة الليبية تواصل بث بلاغاتها الداعمة للانقلابين، بينما
    المغرب الرسمي من جهته رد بتطويق مقر السفارة الليبية في الرباط ثم وضع كافة العاملين بها في الإقامة الإجبارية، واضطر في وقت لاحق إلى قطع كل الاتصالات الهاتفية عن السفارة.

    وهذا ما كشفته وثائق الخارجية البريطانية المنشورة حديثا، بعد مرور أمد التقادم القانوني ضمن الملف رقم (FCO 39 – 884)، والذي تضمن الكثير من الوثائق الدامغة في هذا الاتجاه.
    وسيقترح الجنرال محمد أوفقير من موقعه الجديد كوزير للدفاع، بعد إخماد فتنة الصخيرات، على الملك الحسن الثاني في أكادير، فكرة القيام بإسقاط طائرة العقيد القدافي انتقاما من تورطه في دعم الانقلابيين لصيف 1971.. وسيتذكر الملك هذا الاقتراح باستغراب شديد.. مباشرة بعد تورط الجنرال أوفقير في محاولة إسقاط طائرته مساء يوم 16 غشت 1972!!؟

    لحظتئذ، وحده الملك الحسن الثاني كان جالسا إلى مائدة الأكل بصدد تذوق « لانكوست » ضخمة اختيرت بعناية كبيرة من طرف أحد اليهود القائمين على تحضير الأطباق الرفيعة ذلك اليوم.

    كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية و8 دقائق زوالا، حسب أكثر من شاهد عيان.. من قلب أنغام قطعة موسيقية صامتة كانت تعم الأجواء، دوت طلقات الرصاص وانفجارات قنابل يدوية.. توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف.. سقط فرنسي وتهاوى سفير بلجيكا على الأرض جثة هامدة… تناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية لقصر الصخيرات.. جثث « لي كادي » (مساعدو لاعبي الغولف المكلفين بلوازم اللعبة) منتشرة على البساط الأخضر هنا وهناك.. مئات الضيوف هرعوا مذعورين فوق الرمال الذهبية موَلِّين ظهورهم إلى شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هادئا ذلك اليوم…

    أكثر من ثلاث ساعات من الفوضى والهمجية أبطالها جنود أغرار، على رأسهم الليوتنان كولونيل امحمد عبابو، الذي طلب من مرافقه الأمين، العملاق عقا تخليصه مما كان ينتظره بإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد إصابته البليغة بالمقر العام للقوات المسلحة… ليسدل الستار على انقلاب الصخيرات.

    نهاية الانقلاب جاءت بطريقة غريبة، ظل يلفها الكثير من الغموض، حيث أثار ضجيجا كبيرا لكنه لم ينجح في الوصول إلى المستهدف الأول: الملك، وذلك رغم خطة تدبيره في الخفاء من طرف 5 جنرالات، حسب المصادر البريطانية.

    توقف إطلاق النار بحلول الساعة الخامسة زوالا.. سلم الملك الراحل الحسن الثاني كافة السلط العسكرية والمدنية لرجل ثقته وقتئذ، الجنرال محمد أوفقير، ليبدأ مسلسل القمع الدموي وتصفية الحسابات، الظاهر منها والمستتر… كل هذه الأمور وغيرها معروفة، تناولتها جهات وطنية وأجنبية، إلا أن بعض مناطق الظل ظلت في حاجة إلى المزيد من التوضيح، ومنها الدور الذي لعبته وقفة قافلة الانقلابيين ببلدة بوقنادل والكشف على أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري مع علم جهات أخرى بالتخطيط له، وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وغيرها من التساؤلات.

    يحاول ملف هذا الأسبوع الإحاطة بكل القضايا المتعلقة بهذه المسألة، معية الكاتب محمد لومة صاحب مؤلفات اعتنت بأحداث ووقائع وجَّهت تاريخ المغرب الحديث نحو الوجهة التي سار فيها.

    « لحلاسة راها تقلبات.. اجمع حوايجك » ( الحصير قد تنقلب اجمع متاعك)

    من بين النوازل، التي تبين بجلاء أن الجنرال محمد أوفقير كان على علم بحدوث انقلاب الصخيرات قبل وقوعه، ما حدث بسجن بولمهارز بمراكش.
    يوم حصول المحاولة الانقلابية الفاشلة بالصخيرات كان كل من سعيد بونعيلات وأحمد الفرقاني بسجن بولمهارز، ممنوعين من الاتصالات المباشرة فيما بينهما، إلى جانب اليازغي وآخرين. وفي يوم 10 يوليوز 1971، كان الفورقاني يقوم بفسحته اليومية بساحة السجن، وكان كلما اقترب من زنزانة سعيد بونعيلات إلا وحاول التواصل معه خلسة لمعرفة ما لديه من أخبار ومستجدات، فقال له بونعيلات بالأمازيغية : « اليوم لحلاسة راها تقلبات »..

    أكمل الفورقاني جولته قصد الاستفسار عن الأمر، فقال لبونعيلات: « أش من حلاسة تقلبات؟! »، فأجابه: « لحلاسة راها تقلبات اجمع حوايجك »..

    حسب محمد لومة، في ليلة 10 يوليوز 1971، اتصل أحد الذين تربطهم علاقات عائلية قوية بالجنرال أوفقير (يسمى على أوفقير، وكان يعمل بإحدى الأجهزة الأمنية وغالب الظن في « السيمي »)، بأحد سجناء سجن بولمهارز، وقال له: « اجمعوا حوايجكم، غدا راه غادي توقع شي حاجة كبيرة ومهمة إن شاء الله، وراه غادي تلتحقو بديوركم ».

    ويضيف محمد لومة، لم يكن على أوفقير هذا سيقوم بما قام به دون تعليمات صادرة عن الجنرال
    أوفقير.

    لكن في مساء يوم 10 يوليوز، لما اتضح فشل المحاولة الانقلابية، قرر الجنرال تصفية كل سجناء سجن بولمهارز الاتحاديين. آنذاك كان بلغازي، مديرا لهذه المؤسسة السجنية، وهو مقاوم سابق بارز، على علاقة ببعض المقاومين وأعضاء جيش التحرير النزلاء بسجنه، ولاحظ أن هناك فرقة من البوليس، كل عناصرها من عين الشعير (بلدة الجنرال أوفقير) مسلحين بالرشاشات، وكان قد فهم من حديثهم أنهم يخططون ذلك اليوم لكيفية تنفيذ التعليمات الرامية إلى التصفية الجماعية للمعتقلين الاتحاديين (عددهم 172)، فقام المدير المذكور برمي مفاتيح الزنازن داخل زنزانة أحد السجناء واتجه على الفور إلي مكتب وكيل الملك بمراكش فأخبره بقرب وقوع مذبحة بالسجن الذي يديره، وشرح له أن هناك عناصر مسلحة، غرباء عن المؤسسة، أرسلهم الجنرال أوفقير للقيام بقتل السجناء الاتحاديين.

    وحسب محمد لومة، كما خطط الجنرال أوفقير لمسح آثار الجنرالات يوم 13 يوليوز (بتصفيتهم بدون محاكمة)، أراد كذلك أن يمحو ذاكرة 172 معتقلا بسجن بولمهارز بمراكش كشهود على علمه بحدوث الانقلاب قبل وقوعه. ولولا لطف الله ومبادرة مدير السجن، لحصلت مذبحة بهذا السجن، أفظع من مذبحة قصر الصخيرات.

    وهذه الرواية الأخيرة تناقض الرواية القائلة بأن تلك العناصر حضرت إلى السجن لتكون على تأهب من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين وليس لتصفيتهم، كما تم الاعتقاد بذلك.

    عبد الرحيم شجار

    في اتصال بعبد الرحمان شجار أحد المعتقلين ضمن « مجموعة 172 » بسجن بولمهارز، صرح للجريدة بأن خبر اندلاع انقلاب 1971 توصلوا به من طرف المرحوم محمد الحبيب الفرقاني، الذي علم به عن طريق، مدير السجن آنذاك، المقاوم بلغازي.

    وعليه لم يتم تنقيلهم يوم العاشر من يوليوز إلى المحاكمة التي كانت أطوارها تدور بمحكمة باب دكالة.

    وأكد أن التحليل الذي ساد يومها في أوساط المعتقلين إثر تواجد عدد كبير من أفراد الجيش والمخابرات والشرطة داخل السجن، رغم عدم علاقتهم بإدارة السجون، بأنها حركة يراد بها تخليص السجناء تمهيدا للاتصال بقيادتهم في الخارج، وذلك من أجل إضفاء المشروعية السياسية على واقع الانقلاب، علما أن هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى القائلة إن فرقة الأمن التي تتكون عناصرها من منطقة عين الشعير جاءت إلى سجن بولمهارز، بأمر من الجنرال أوفقير لتصفية المعتقلين الاتحاديين، كونهم علموا بأن الجنرال المذكور كان على علم بالإعداد لانقلاب الصخيرات.

    وفي هذا الصدد أكد لنا محمد لومة أن اعبابو وجماعته كانوا يتخوفون من أن يسبقهم الاتحاديون بخصوص تغيير النظام بالمغرب، لذا قال لرجاله : » إن أولئك الناس يفكرون في الهجوم، علينا أن نسبقهم ونمنح للمحكومين منهم العفو بمراكش ».

    لماذا لم يسقط الكثير من اليهود ضحايا بالصخيرات؟

    لازال البعض يتساءلون باستغراب عن عدم سقوط الكثير من الشخصيات اليهودية يوم 10 يوليوز 1971 ضمن ضحايا قصر الصخيرات، فهل كان جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على علم مسبق بالحركة الانقلابية قبل وقوعها؟

    لم يسقط بقصر الصخيرات سوى يهودي واحد، هو ماكس مانيان، مدير شركة « كوزيمار » (معمل السكر بالدار البيضاء)، كما أصيب يهوديان آخران بجروح طفيفة.

    علما أن أكثر من جهة أكدت مرارا أن الموساد كان على علم بكثير من الأسرار بخصوص العملية الانقلابية وغيرها من النوازل والمؤامرات، على الأقل لم يقم بإخبار اليهود المقربين من القصر الملكي والعاملين به، وهم كثر، إضافة إلى الضيوف المدعوين من اليهود، بعدم حضورهم ذلك اليوم أو على الأقل تنبيههم!!؟

    فاليهود هم الذين كانوا وقتئذ يؤطرون الحفلات والمأكل والمشرب بقصر الصخيرات، ومن هؤلاء شقيق شمعون ليفي، وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وهو صاحب مرقص « أمنيزيا » الكائن بشارع علال بن عبد الله بالرباط، والذي كان ولي العهد يقضي به بعض أوقات فراغه رفقة شلته في طور الشباب المبكر.

    ومن المعلوم أن ترقية الأخوين محمد وامحمد اعبابو (الأول أصغر من الثاني بثلاث سنوات)، تمت في يوم واحد (3 مارس 1971) وذلك استعدادا للانقلاب، وهي ترقية مخدومة من طرف الجنرال المذبوح، كما أمر هذا الجنرال بزيادة تسليح مدرسة اهرمومو قبيل الانقلاب.

    لقد تم اعتماد طريقة القيادة من فوق، فالجنرال المذبوح (الذي يعتبر قائد الانقلاب)، لم يجلس إطلاقا مع الكولونيل محمد اعبابو، وكان حواره دائما مع امحمد أخ المعني الأول.

    وكان القبطان الشلاط، الذي وعد بالترقية آنذاك، وتحت إمرة هذا الأخير، حسب الأقدمية، القبطان بلكبير والقبطان غلول، وهما اللذان قادا القافلتين من اهرمومو إلى فاس ثم زكوطة فسيدي قاسم، إلى سيدي سليمان وسيدي يحيى، مرورا بالقنيطرة، وصولا إلى بوقنادل (على بعد بضع كيلومترات من مدينة سلا)، وهناك (ببوقنادل) تغيرت قيادة القافلتين، آنذاك رفعت أغطية الشاحنات ولُقِّمت الأسلحة وتم إخبار الجنود بالاستعداد للدخول إلى منطقة حرب، مما يعني وضع الأصبع على الزناد والاستنفار لإطلاق النار حال صدور الأوامر.

    التصريح الذي ورط كل المتهمين

    من أهم التصريحات التي كبلت المتهمين بقاعة المحكمة العسكرية الدائمة بالقنيطرة، ما أدلى به محمد اعبابو، شقيق امحمد اعبابو، مدير مدرسة اهرمومو، إذ جاء في محضر استنطاقه أن الجنرال المذبوح حدد بمعية شقيقه تفاصيل خطة الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، وعملا معا على ضمان تنسيق تحركات المجموعتين المتدخلتين في هذه العملية، كما توافقا على تعيين الأشخاص اللازم تصفيتهم وأولئك الواجب احتجازهم إلى حين النظر في حالتهم كل واحد على حدة، واتفقا أيضا بخصوص الضباط الغرباء عن مدرسة اهرمومو، الذين سيلتحقون بالعملية وهم:
    – الليوتنان كولونيل القادري
    – الكومندار المالطي
    – الكومندار المنور
    – الكومندار البريكي
    – الكومندار الرياني (صهر المذبوح)
    – الكومندار الحرشي
    الكومندار مليس
    وذلك من أجل أن يبرز للانقلابيين أن مختلف مكونات الجيش مشاركة في العملية.

    وكان هؤلاء الضباط الغرباء ينتظرون القافلة ببلدة بوقنادل بلباس مدني صيفي خفيف، وبعد خلوة قصيرة مع امحمد اعبابو (داخل سيارة مدنية)، ارتدى كل واحد منهم اللباس العسكري وحملوا أسلحتهم، بما فيهم ضابط شرطة كان يرافقهم.

    هذا ما أنكر علمه المرزوقي (صاحب كتاب تازمامارت/ الزنزانة رقم 10) في التحقيق، لكنه لم ينكره بعد نجاته من جحيم تازمامارت.
    وفعلا، قلة جدا، هم الذين أقروا بأن امحمد اعبابو أخبر ضباطه ببوقنادل أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب، ومن هؤلاء، إضافة إلى محمد اعبابو، عبد العزيز بين بين (نجل مؤنس الحسن الثاني) والذي أدلى في التحقيق بما يلي:

    […] تجمعنا حول الليوتنان كولونيل امحمد اعبابو وقال لنا: « أيها الضباط الشباب تعرفون، حق المعرفة، وضعية الضابط بقواتنا المسلحة [..] القيادة العليا قررت القيام بانقلاب.. علينا مهاجمة قصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا.. وفي نفس الساعة ستتدخل وحدات في مدن أخرى.. سنقوم بمحاصرة القصر وعليكم إطلاق النار على كل من سيحاول الفرار… ».

    ويعترف محمد اعبابو منذ البداية أن شقيقه امحمد فاتحه مبكرا في الإعداد لمحاولة انقلاب لتغيير الوضع بالبلاد، إذ تشاور معه بخصوص الكمين الذي كان ينوي نصبه للموكب الملكي بضواحي إفران بمناسبة حضور الملك الحسن الثاني لمناورات الحاجب في غضون شهر أبريل سنة 1971، شهورا معدودة قبل انقلاب الصخيرات، وقد عمل محمد على تني أخيه عن المغامرة لعدم توفر شروط نجاحها. ومما يبين أن امحمد اقتنع بملاحظات شقيقه ما صرح به هذا الأخير، حيث قال:
     » […] حال وصولنا إلى فاس، هاتف أخي مدرسة اهرمومو وقال للقبطان بلكبير بصوت مرتفع: « .. التمرين المقرر قد ألغي نظرا لظروف الطقس السيئة.. لا تغادروا المدرسة لتجنب أخطار الحوادث.. ».

    وجاء في تصريحات محمد اعبابو أيضا أن شقيقه امحمد حاول اقناعه بأنه التقى أكثر من مرة مع الجنرال المذبوح، آخرها بمدينة فاس، إذ نادى على « البلانطو » الذي كان يعمل بمنزله هناك، حيث قال محمد في المحضر:
    « وجدت شقيقي وحده في منزله بفاس.. تناولت معه فنجان قهوة.. ثم نادى على « البلانطو » لحسن فسأله أمامي: « من كان جالسا على هذه الأريكة البارحة؟ ».
    تردد لحسن، فأمره محمد بالإجابة، فنطق لحسن: « كان هناك الجنرال المذبوح… ».

    أما بخصوص النظام الذي كان يرغب الانقلابيون القيام به، يقول محمد اعبابو:
    « من خلال الحوارات التي أجريتها مع شقيقي امحمد فيما بين 7 و10 يوليوز تبين لي أن الجنرال المذبوح كان ينوي إحداث نظام يرتكز على القوات المسلحة.. لذلك فكر في توسيع دائرة اختصاص وزارة الدفاع لتشرف على القوات المسلحة والدرك والقوات المساعدة والأمن [وكانت ستؤول إلى أخيه] […] وكنت أنا مرشحا للاضطلاع بالقيادة العامة للجيش.. أما « مجلس الثورة »، فكان سيضم ضباطا يتم اختيارهم من الذين أثبتوا انخراطهم في قلب النظام.. ».

    ويضيف محمد اعبابو « يبدو أن اجتماعا أقيم بفيلا كان يملكها شقيقي بشاطئ « كابونيكرو » بالشمال، أسبوعا قبل الانقلاب، وربما تقرر كل شيء خلاله… ».

    وهذا ما أشار إليه كذلك، على بوريكارت في مذكراته، حيث كتب: « لقد علمت على لسان « لاجودان شاف » عقا أن أوفقير، أسبوعا قبل الهجوم على قصر الصخيرات، زار الكولونيل اعبابو رفقة الدليمي بفيلاته بـ « كابو نيكرو » شمال البلاد.

    وجاء أيضا في محضر محمد اعبابو: « [..] خلال حوار شقيقي مع الجنرالات بمقر المكتب الثالث بالقيادة العامة وقع نظره على الكولونيل بنعيسى [الحرس الملكي] فالتفت إليه وقال: « موكولونيل ».. مع الأسف أخبركم بموت رئيسنا، الجنرال المذبوح.. » (ثم توجه إلى جميع الحاضرين) « .. نعم، الجنرال المذبوح هو رئيسنا، لكنه مع الأسف الشديد لقي حتفه.. ».

    وجوابا على سؤال القاضي قال محمد اعبابو: « [..] عندما سلم شقيقي « السلطة » للجنرالات بمقر المكتب الثالث اتصل بي بعض الضباط الشباب، أذكر منهم أخليج والفكيكي وآخرين، حيث قالوا: « لقد قام شقيقك باقتراف حماقة كبيرة.. السلطة يجب أن تعود لنا نحن.. ».
    وأضاف: « […] آنذاك فكرت في الهروب وقررت استفسار شقيقي عن المكان الذي يخبئ فيه المال لأخذه وأغادر البلاد.. إلا أن الفرصة لم تتح لي.. ».

    وبالرجوع إلى ما قيل بخصوص المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما تم الكشف عنه من معطيات وإلى تقاطع جملة من التصريحات، ذهب مجموعة من المحللين إلى الاعتقاد بوجود خلاف بين الجنرال المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، إذ كان الأول عاقدا العزم على اقتحام القصر الملكي وتجريد الحرس الملكي من السلاح ووضع اليد على الملك لدفعه إلى التخلي عن العرش وتسليم السلطة إلى « مجلس الثورة » المكون من ضباط شباب، أي القيام بانقلاب « نظيف » دون إراقة دماء. أما امحمد اعبابو فقد عقد العزم على اغتيال الملك وتهجير العائلة الملكية والإعلان عن إقامة نظام عسكري.

    ويظل أحمد رامي الوحيد الذي يقر بأن محمد المذبوح تحدث مع الحسن الثاني بعد الهجوم على القصر وأخبره بأن لا مخرج إلا بالتخلي عن السلطة مع إمكانية اللجوء إلى فرنسا عبر الرباط أو الدار البيضاء.. وافق الملك ووقع كتابا بهذا الخصوص، وِجد بحوزة الجنرال المذبوح وهو جثة هامدة. وهذه النازلة لم تتم الإشارة إليها من قبل.

    كيف تحرك 1400 جندي مدججين بالسلاح دون إثارة الانتباه؟

    سؤال ظل يردده الكثيرون، كيف تمكن 1400 جندي من التحرك على امتداد مئات الكيلومترات دون إثارة انتباه السلطات العسكرية والمدنية ورؤساء المناطق العسكرية وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك (1971)، كان:

    – امحمد باحنيني وزير الدفاع بعد أن عوض الجنرال مزيان في 5 فبراير 1971.
    – الجنرال المذبوح مدير الديوان الملكي.
    – الجنرال محمد بلعالم الكاتب العام بوزارة الداخلية.
    – أحمد الدليمي مدير الأمن الوطني.
    – الكولونيل بولحمص قائد الدرك الملكي.
    – الجنرال مصطفى أمحراش مدير المدارس العسكرية.

    وكان على رأس المناطق العسكرية التي اخترقتها قافلة الانقلابيين كل من:

    – الجنرال بوغرين : رئيس منطقة فاس – تازة.
    – الجنرال عبد الحي بلبصير : رئيس منطقة مكناس.
    – الجنرال حمو أمحزون : رئيس منطقة الرباط – القنيطرة.
    وكان على رأس عمالات الأقاليم التي مرّت عليها القافلة كل من:
    صلاح زمراك : تازة.
    عمر بنشمسي : فاس.
    عبد الله الشرقي : القنيطرة.
    عبد السلام الوزاني : الرباط.
    ضمن كل هؤلاء تأكد، بما فيه الكفاية، تورط كل من الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير والجنرال بوغرين والجنرال حمو أمحزون.

    ضحايا طالهم الإهمال

    بعد انقلاب الصخيرات، مباشرة، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث لجنة للقيام ببحث، بخصوص الأحداث الدامية بقصر الصخيرات، ولجنة لرعاية الضحايا وإحصاء أملاك وأموال المتمردين قصد مصادرتها لتمويل صندوق جديد يضطلع بتعويض الضحايا وذوي الحقوق.

    فعلا تم إحداث هذه اللجنة بعضوية كل من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإدارية ووزارة الشغل والتكوين المهني، غير أن قراراتها ظلت حبرا على ورق. آنذاك كان الجنرال محمد أوفقير عضوا رئيسيا في كل اللجن المحدثة بعد فجيعة الصخيرات.

    يوم السبت 10 يوليوز 1971، ما بين الساعة الثانية والرابعة زوالا سقط الكثير من الضحايا من مختلف الشرائح، عسكريون ومدنيون، جنرالات، أطباء وموظفون سامون وفنانون وخدم وأناس بسطاء، كانوا يعيلون أسرا متعددة الأفراد، أغلب هذه الأسر عانت من ضيق اليد رغم أن أربابها سقطوا وهم في ضيافة الملك أو أنهم كانوا يزاولون مهامهم في القصر الملكي.
    وزادت حسرة هؤلاء بعد تناسل موجات الكشف عن الحقائق بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة واعترافات المشاركين فيها بعد نجاتهم من جحيم تازمامارت، ويجمع ضحايا الصخيرات أن الدولة تناستهم وتخلت عنهم، وتجاهلت الحكومات المتتالية مطالبهم، بل إن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم تحترم مشاعرهم.

    كما ظلت أسر ضحايا الصخيرات تعتبر أن منح تعويضات سخية، للناجين من جحيم تازمامارت، من الأخطاء التاريخية الجسيمة، اعتبارا لكون الأموال الممنوحة، تم اغترافها من الأموال العمومية اقتطع جزء منها من مال أسر ضحايا الصخيرات وذويهم كدافعي الضرائب، علما أنها لم تتوصل سوى بتعويضات هزيلة، بالكاد غطت مصاريف العزاء والدفن، ولا وجه لمقارنتها مع ما أغدقت به الدولة والحكومة على من كانوا سببا في ترميل نساء وتيتيم أطفال، وبذلك شعرت عائلات ضحايا الصخيرات بغبن عظيم نظر تعرضها لحيف وظلم كبيرين.

    فأرملة كولونيل – أحد ضحايا الصخيرات – على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوصل إلا بمعاش لا يتجاوز 1500 درهم، أما أرملة عمر غنام، مدير المركز السينمائي المغربي، فاستفادت من معاش لم يتعد 736 درهما شهريا.

    بسبب الإحساس بالغبن سبق لجمعية ضحايا الصخيرات أن طلبت من دار الافتاء بالديار المصرية فتوى في الموضوع، وفعلا أصدرت الدار فتوى، أكد فحواها أن من له حق العفو عن قاتل النفس المؤمنة بغير حق، هم أولياء المقتول الشرعيين.وقد استندت الجمعية إلى هذه الفتوى لدعم دعواها المدنية والمطالبة بالحق المدني، سيما وأن الفتوى المصرية أقرت بأن الدعوى في جرائم القتل العمد لا تسقط بالتقادم.

    فرحة غالية الثمن

    عندما تلقى صاحب حانة شهيرة بشارع محمد الخامس بالرباط، خبر انقلاب الصخيرات، بادر فورا، على مرأى الحاضرين، إلى تكسير صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة فوق « الكونطوار »، ثم أمر بتقديم كل أنواع الخمور حسب طلب الزبناء الحاضرين في البار لحظتئذ، مجانا، تعبيرا عن فرحته واستبشاره بما وقع، إلا أن فرحته لم تكتمل، إذ اضطر للفرار من قبضة الأمن شهورا بعد ذلك.
    وعند إحداث الهيئة الأولى لتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، قدم هذا الأخير طلبا للتعويض، بخصوص ما لحقه من خسائر وعن المدة التي قال إنه قضاها بإحدى المعتقلات السرية، إلا أن طلبه قد تم رفضه من طرف الهيئة الأولى، وكذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن هذه النازلة لا تدخل في اختصاصاتها. وقد تحول « البار » المذكور حاليا إلى متجر لبيع الحلويات والمشروبات.

    سقوط 60 بالمائة من جنرالات المغرب خلال ثلاثة أيام

    فيما بين 10 و 13 يوليوز 1971 لقي 9 جنرالات من أصل 15 حتفهم، إما عن طريق رصاص المتمردين أو برصاص فرقة الإعدام بمعسكر مولاي إسماعيل بالرباط.

    ومن بين الذين لقوا حتفهم بقصر الصخيرات، هناك الجنرال إدريس النميشي (سلاح الجو)، الذي قتله المتمردون، والجنرال الغرباوي الذي قتله اعبابو، الذي لقي هو الآخر حتفه على يد الجنرال الهواري، أما الجنرال المذبوح، فمقتله شكل حالة خاصة.

    عشية فشل الانقلاب، تم اعتقال، الجنرالات المشكوك بأمر مشاركتهم أو مساندة المتمردين، وخضعوا جميعهم لتحقيق سريع، أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير بعد أن منحه الملك الحسن الثاني جميع الصلاحيات العسكرية والمدنية. في اليوم الثالث، بعد مجزرة قصر الصخيرات، رافق الجنرال أوفقير الجنرالات المعتقلين إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط للإشراف على تنفيذ إعدامهم دون محاكمة.

    وفي ظرف أقل من ثلاثة أيام فقد المغرب 9 جنرالات (منهم من سقط على يد المتمردين ومنهم من أعدم)، أغلبهم من أصول أمازيغية، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدامهم على شاشة التلفزة مباشرة، كما حجت جماهير غفيرة بإيعاز من السلطات المحلية لمعاينة مراسيم إعدام 4 جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي، وأغلب هؤلاء لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالهاجس السياسي، حيث سبق أن ساهموا في قمع التحركات النضالية الجماهيرية بمختلف أرجاء المملكة.

    محمد لومة / أحد قدماء مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية

    محمد لومة أحد قدامى مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رحل إلى الشرق العربي لتلقي تكوين عسكري متقدم، سيما في تخصص « حرب العصابات »، تخرج من الكلية الحربية السورية في شتنبر 1971، ثم التحق بالعمل الفدائي يحمل معه هاجس تغيير النظام السياسي بالمغرب عن طريق القوة المسلحة.

    أجرينا معه هذا الحوار للمزيد من تسليط الضوء على بعض الجوانب المعتمة من عملية الانقلاب الأولى الفاشلة، بوصفه ـ من جهة ـ كاتبا وباحثا تقصى أحداث هذه العملية واتصل بأعضائها المشاركين عن قرب، كما اطلع ـ من جهة أخرى ـ على جملة من الوثائق المتصلة بهذه النازلة.

    – أين كنت يوم حدوث انقلاب 10 يوليوز 1971؟

    + مساء هذا اليوم المشؤوم كنت بأحد مرافق الكلية الحربية السورية في مدينة (حمص) حيث تلقيت دراساتي العسكرية للتخرج منها كمهندس عسكري، ففوجئت باقتحام القاعة من طرف مجموعة من الضباط السوريين الذين اتجهوا نحوي وهم يهتفون ببشاشة.. لقد كان هؤلاء القوم على مدى ثلاث سنوات قضيتها هناك، نموذجا للقسوة والصرامة تجاه كافة الطلبة الضباط، الذين سرعان ما أخرجوني إلى ساحة الكلية محمولا على الأكتاف وهم يرقصون ويغنون عاليا:
    على دا العونا.. وُعَلى دَا العُونَا… إلخ.. مقطعا من الغنوة الشامية الشهيرة..
    ثم أخبروني بعد ذلك بأن الوضع السياسي في المغرب قد تغير.. لم يكن بحوزتي جهاز راديو لمعرفة التفاصيل لكنهم تطوّعوا، فأحضروا الجهاز.. مؤكدين بإلحاح:
    – أُولَكْ يا زلمي.. ضَبّْ أغْرَاضَك.. شُو نَاطِر..؟ (يا رجل.. تحرك.. إجمع أغراضك الشخصية)
    – وُلَكْ بُكرة بعيِّنوك وزير دفاع.. أُولك خلِّصنا بقى!! (إذا سيعينونك وزيرا للدفاع.. تحرك.. تحرك).

    عند الصباح الباكر لليوم الموالي، جاءت العاصفة على لسان قائد الكلية الحربية السورية المقدم ناصر الدين محمد ناصر، الذي سرعان ما أصبح لواء ثم وزيرا للداخلية في سورية.. لقد طلبني باستعجال ليوبِّخني وبعنف شديد قائلا:
    – أُولَيكْ الله لا يعطيكم عافية.. أُولك لِيشْ فَشَلْتُو؟
    شرحت له الأمر في حدود ما أعرف:
    – سيدي.. هادول مُوجَمَاعَتْنَا.. هَادُول مرتزقة حروب في الهند الصينية والكامبودج والجزائر.. إلخ. ومو وطنيين.. ولا قوميين.. وأنا ما إلي علاقة بيهم.

    – صرخ في وجهي:
    أُولّكْ يا أخي بدِّي أفهم.. هَادُول مُوعَسْكَر؟
    أجبت بالتأكيد عسكر.. فعقَّب غاضبا كالإعصار:
    – أُولَكْ.. عَسْكَر بَطَاطَا.. أولك 1400 عسكري وبيطلعوا على الفاضي.. اشرح لي كيف صار ها الشيء؟
    أمرني بالانصراف لعجزي عن تقديم ما يرغب من معلومات إضافية.. ثم عدت إلى رفاقي.. منتظرا حفل التخرج الذي أقيم تحت إشراف رئيس الجمهورية الفريق حافظ الأسد لأتخلص من هذا الكابوس.. لقد كنت المغربي الوحيد آنذاك في الكلية وكان الجميع يتوجهون لي بالأسئلة والاستنكارات والشجب، كما لو أنني كنت المسؤول الأول عن هذه الحماقة…آنذاك كانت السفارة المغربية في دمشق قد أغلقت بسبب إحراقها، بعد جريمة اغتيال الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965… فبقينا نحن هناك ـ مناضلو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتواجدون آنذاك بالديار السورية ـ وحدنا المخاطبون على كل المستويات حتى سنة 1971.

    – ككاتب تقصيت كثيرا بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى واتصلت بالعديد من الأشخاص واطلعت على جملة من الوثائق، كيف كانت الوضعية في قصر الصخيرات قبل الهجوم وبعده؟

    + منذ العاشرة صباحا ليوم السبت 10 يوليوز 1971 وسيارات المدعوين تصل تباعا إلى القصر الملكي بالصخيرات، تحمل ركابا أنيقين، يرتدون حسب التعليمات (البروتوكول) ملابس صيفية خفيفة دون ربطة عنق، أغلبها، عبارة عن قمصان حريرية ذات أكمام قصيرة.

    وبينما كان الكاتب والصحفي المعروف بونوا ميشان (Benoit Méchin)، الذي اعتادت مصالح التشريفات دعوته سنويا لحضور هذه المناسبة، متجها إلى قصر الصخيرات عبر الطريق الشاطئية، حيث لاحظ عددا كبيرا من الشاحنات العسكرية المليئة بالجنود تسير في نفس الاتجاه، ولعل أكثر ما استرعى انتباهه أن أغطية الشاحنات كانت مرفوعة وقد بدا كل جندي على متنها ماسكا سلاحه بحزم وهو في وضعية تأهب!

    وبحكم تجربة الرجل السابقة في العراق حين سقوط النظام الملكي صيف 1958 والتي عاش فصولها أولا بأول.. بدا له أن الأجواء في الرباط خلال ذاك اليوم غير اعتيادية ورأى أن عليه الإسراع بسيارته للوصول إلى القصر ولو ربع ساعة قبل وصول الشاحنات العسكرية لإنذار الملك من مغبة ما سيقع.. وقد استطاع أن يَعُدَّ لوحده ما عَدَدُهُ (63) شاحنة تحمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ممتدة على حوالي كيلومتر تتحرك بسرعة (في حدود 50 كلم/ الساعة).

    – هل تمكَّنَ من إخبار الحسن الثاني بذلك؟

    + رغم أنه استطاع الوصول إلى القصر، لم يتمكن من الوصول إلى الملك، الذي كان يتناول غذاءه حوالي الثانية زوالا رفقة الأمير سلطان بن عبد العزيز والحبيب بورقيبة الابن والأمير مولاي عبد الله وغيرهم من كبار الشخصيات الوطنية والدولية.. كما باءت كافة محاولاته للعثور على الجنرال حفيظ العلوي مدير التشريفات الملكية بالفشل الذريع… فأسلم أمره للقدر.. حيث سيتمكن بعد ذلك في كتاب صدر له بعنوان: (Deux Etés Africains) من رصد كافة أشواط المذبحة الفظيعة التي حدثت هناك.

    ذلك اليوم عبر الانقلابيون بشاحناتهم و »جيباتهم » المسلحة شارع الحسن الثاني مخترقين العاصمة، وكان اليوم يوم سبت مما زاد من درجة اكتظاظ المرور، وصولا حتى الطريق الساحلية المؤدية إلى الصخيرات، وعلى جسر وادي « نفيفيخ » قام رجال الدرك الملكي هناك بتوقيف السيارات المدنية لإفساح الطريق أمام موكب « الانقلابيين »، وهذا ما أخر « بونوا ميشان ».

    كانت الموائد قد مُدَّت وعليها ما طاب من مختلف صنوف الأكل، قبل ذلك استغلت، بعض الشخصيات الفرصة لممارسة السباحة أو الكولف.. والفرق الموسيقية تشنف الأسماع، علما بأن عددا هاما من نجوم الطرب العربي كانوا قد أطّروا الحفل الموسيقي الساهر ليلة قبل ذلك، من بينهم: صباح وفريد الأطرش، محمد عبد الوهاب وعفاف راضي، عبد الحليم حافظ وغيرهم (…).

    كانت السحب قد بدأت في الانقشاع عن سماء الصخيرات عندما كانت أفواج الشاحنات العسكرية المسلحة تشق طريقها من بوقنادل إلى الصخيرات، إذ كانت السماء ذلك اليوم مكسوة بغيوم كثيفة منذ الساعات الصباحية الأولى.

    ولدى سماع أولى العيارات النارية، تهامس البعض ضاحكين: إنها واحدة أخرى من (مقالب) الأمير مولاي عبد الله.. فقد عوّدنا على مثل هذه المفاجآت؟! فردّ أحد السّفراء ناقما: إذا كان الأمر كذلك فهو أسوأ مقلب يمكن تنظيمه..

    وعلى ذكر السفراء، أصيب سفير إحدى دول أمريكا اللاتينية لدى المغرب بالرعب الشديد.. وكان يحمل رتبة جنرال فلم يجد مكانا يختبئ فيه سوى برميل للنفايات (من النوع القديم)، لا يستطيع إيقاف طلقة نارية واحدة من المرور في الاتجاهين معا.. فتأكد فيما بعد لجميع الناس بأنه من نوع جنرالات (الكولف) و(كرة القدم).. وما شاكل!!؟

    أما عميد الشرطة بودريس، الذي كان من المكلفين بالأمن الشخصي لصاحب الجلالة فقد لجأ بدوره إلى برميل آخر للنفايات بعد أن أطلق على إحدى قدميه رصاصة من مسدسه الشخصي.. وحينما حاول الناس إخراجه بعد انتهاء هبوب « العاصفة »، وجدوا عناء كبيرا بسبب ما كان عليه الرجل من بدانة مفرطة!.. وجاء من الخدم من سيشهد طواعية بأنه هو من أطلق النار على نفسه.. وذلك تفاديا للإحراج مادام قد خاف وفضل الاختباء عوض القيام بمهمته، لكن ذلك لم ينفعه، إذ سرعان ما تم استبداله بعميد آخر بعد حوالي سنة في نازلة طائرة البوينغ الملكية (727) مساء يوم 16 غشت 1972.

    شخصيا، لا أريد العودة إلى ما كتبه كثير من الذين عاينوا هذه المجزرة البشعة.. فللقارئ الكريم الراغب في الإطلاع على المزيد من تفاصيلها العودة إلى مؤلفات عبد الهادي بوطالب وعبد اللطيف الفيلالي وبينوا ميشان وغيرهم. لكنني أريد لفت الأنظار إلى الحالة « الهستيرية » التي كان عليها تلاميذ مدرسة اهرمومو، الذين أُصِيبُوا بالذهول والانبهار.. وهي المشاعر التي سرعان ما تحولت إلى سعار دموي بإطلاق النار في كل اتجاه.. جعل هذه المخلوقات تتحول إلى « قطعان » حقيقية بشعة :
    – منهم من انصرف إلى أكل ما لذ وطاب من مأكولات لم يتذوقوها يوما في حياتهم.. للأسف وسط الدم والشظايا والأنين!!

    – منهم من شرع في سلب المدعوين أموالهم وساعاتهم اليدوية وحليهم.. إلخ.
    ومنهم من وقف مبهورا أمام زرقة البحر، وتناسق المعمار في جنبات القصر مما لم يشهد له مثيلا من قبل، سيما هؤلاء أبناء المناطق الجبلية والصحراوية ممن لم يعاينوا بحرا من قبل… لا بل إن المساعد الأول (خرخاش) أسرع إلى تجميع أنبوب بلاستيكي ضخم يستعمل في سقي ملعب الكولف بالقصر الملكي، وهو يعتزم إحضاره إلى مدرسة اهرمومو.. كما كان يفعل دائما تحت إشراف المساعد عقا.. كما لو أنه هذه المرة جاء في نزهة بسيطة ستنتهي كما بدأت وليس بصدد محاولة انقلابية، دموية، لها ما بعدها!!؟

    خلال ذلك اليوم استطاع أحمد رضا كديرة الفِكاك من الفخ، حيث غادر القصر قبل الساعة الثانية زوالا رفقة الملازم الصفريوي، وقد تسبب إطلاق النار عشوائيا في تفكيك مجموعة حلقات المخطط الذي وضعه الجنرال المذبوح، وهكذا بدل أن تنقسم القوات المهاجمة إلى ثلاثة أقسام، أولها لمهاجمة القصر، وثانيها للاستيلاء على هيئة الأركان العامة، وثالثها للسيطرة على مقرات وزارة الداخلية والإذاعة والتلفزة.. بدل ذلك اختلط الحابل بالنابل، فلم يعد ضباط الكوماندوهات يسيطرون على تلامذتهم، ليغدو السعار الدموي هو سيد الموقف.

    – كيف كانت نوعية تسليح « الكوماندوهات » المسلحة؟

    + لقد كان التسليح قويا بل غريبا، في ضوء قواعد التدريب المعمول بها في مدارس مماثلة، ذلك أن عددا كبيرا من التلاميذ –الضباط، كانوا لا يزالون في السنة الأولى من التكوين، يجهلون استعمال السلاح جهلا تاما.. حسب تصريحات أحد قادتهم، الملازم أحمد المرزوقي (قائد الكوماندو 12)..

    وكانت هذه الأسلحة – حسب محضر الإدارة العامة للأمن الوطني المؤرخ في 17 يوليوز 1971، والذي حُرِّر بإشراف عميد الشرطة محمد المعزوزي والكابيتان عبد المومن من هيئة الأركان العامة للجيش – عبارة عن:

    أ- الأسلحة الثقيلة:
    1 مدفع عيار 75 ملم – عديم الارتداء.
    1 مدفع هاون عيار 120 ملم.
    4 مدافع هاون من عيار 81 ملم.
    8 مدافع هاون عيار 60 ملم.
    7 رشاشات ثقيلة عيار (12.7 ملم).
    – عدد كبير من الرشاشات الثقيلة (A. A. 52) و(29/24-F.M).
    ب- الأسلحة الخفيفة (حوالي 1200 بندقية ورشاشة)، منها:
    – بنادق: MAS – 36
    – بنادق: N.L.G
    – رشاشات (MAT -49) و(5-35 D.A)..
    – كمية من قاذفات الصواريخ ضد المصفحات والدبابات.
    – عدد كبير من مسدسات نوع « بريطا ».
    – كمية كبيرة من القنابل الهجومية والدفاعية، كما تم استعمال أكثر من 40 شاحنة وناقلة وأكثر من 20 ألف لتر من الوقود وكميات كافية من الغذاء.

    – هل تم فعلا استخدام هذه الأسلحة؟

    + لو استعملت هذه الأسلحة في قصر الصخيرات لأدى ذلك إلى هلاك حوالي ألف شخص، ولدُمِّّرت مرافق القصر عن آخرها بقذائف المدفعية وشظاياها.. لكن الأخطر من كل ذلك، أن المقدم امحمد عبابو، أعطى لقواته المسلحة منذ خروجها من بلدة (بوقنادل) الأمر القاطع والصارم بـ:

    1- رفع أغطية الشاحنات والسيارات العسكرية استعدادا لخوض المعركة.
    2- تلقيم كافة أنواع الأسلحة، ووضعها في حالة الاستعداد، باعتبار أن القوات ستدخل « منطقة معادية » عبر المرور بمدينتي سلا والرباط!!؟

    فلو حصل اشتباك بين هؤلاء وأية قوة عسكرية أخرى، بين بوقنادل والصخيرات، لكان حجم الخسائر بآلاف الضحايا، سيما وأن بعض تلاميذ مدرسة أهرمومو كانوا لا يزالون « أغرارا »، بمعنى أنهم لم يستوعبوا بعد حمل السلاح والمناورة بالنيران… وهكذا سنجدهم في الصخيرات يطلقون النار على كل ما تقع عليه أعينهم، بل لقد وصلوا إلى حد التراشق بالرصاص في ما بينهم.. كما لو أنها نوع من ألاعيب (عاشوراء)، يا سبحان الله!

    لقد سجل المقدم امحمد عبابو على نفسه صبيحة يوم 10 يوليوز 1971 حماقات خطيرة لا تخطر على بال، عرَّض خلالها آلاف الأرواح للخطر الداهم دون أي ذنب اقترفوه.. لا لشيء.. فقط من أجل رغبته في توسيع مجال نفوذه وسلطته.. وهو لا يزال ابن الـ 32 سنة أتى من مدرسة عسكرية نائية، ما كان ليتصور أحد أن تنتقل بقوتها النارية الكبيرة إلى قلب عاصمة البلاد.. أقول.. كان ينوي ضَمِّ مساحة نفوذه من مدير مدرسة عسكرية إلى مساحة الوطن المغربي بكامله… بكل مؤسساته الدستورية والسياسية والنقابية والتربوية..؟!

    – بعد أن فشلت المحاولة وتم القبض على زمام الأمور بعد هذه المجزرة الدامية، كيف كانت مواقف الملك الحسن الثاني؟

    + لقد حضر صديقه الملك حسين، مهرولا من عمان، مزودا بما في جعبته من نصائح صارمة.. في ضوء ما عاناه على مدى عام كامل.. بعد أحداث سبتمبر 1970 في عمان ثم اشتباكات جرش وعجلون في يوليوز 1971.. وقد حضر كالمعتاد متمنطقا بمسدسه (سميت إندونسن) وبلباسه العسكري.. ليصر أولا على إعدام كل المتورطين في أحداث الصخيرات.. ولكن الجنرال أوفقير هو من قدم الضحايا وقرر مصيرهم دون تقديمهم للمحاكمة قبل ذلك، وقد تميزت هذه المذبحة أيضا بتصفية حسابات شخصية.. فكان يشرف على إعدامهم باكيا.. كما سيفعل لاحقا صدام حسين في حق قادته من حزب البعث العربي الاشتراكي بإعدام شخص من مستوى عبد الخالق السامرائي.. كما يفعل عادة « التمساح » قبل الانقضاض على ضحيته!!؟

    بعد ذلك سيسارع الحسن الثاني إلى إطلاق سراح سعيد بونعيلات وبنموسى الإبرايمي في 15 ماي 1972، ليباشر حوارا مفتوحا مع الكتلة الوطنية التي تشكلت قبل ذلك في يوليوز 1970.

    … بالفعل كان المذبوح يسير في نفس الاتجاه، إذ لا خيار له، وقد سار معه الحسن الثاني مكرها، لكن بخطوات، ثقيلة وحذرة.. ستقوده إلى محاولة انقلابية ثانية، لأنه لم يسرع الخطى كما يجب، فاكتفى بالمناورة من وراء حجاب، وهو الرافض دوما لتقديم أية تنازلات من باب الضغط، فكان أن عرض نظامه السياسي بالكامل لأفدح المخاطر بعد ظهر يوم 16 غشت 1972.

    – ماذا يمكنك أن تقول بخصوص طريقة القيادة المعتمدة في الانقلاب وتجانسها؟

    + أريد أن أسجل – بداية – بأن كلا الرجلين، المذبوح واعبابو، كانا يقفان الواحد منهما بعيدا عن الآخر على مسافة كبيرة ـ فكرا وتربية ونهجا وتجربة ونضجا كذلك ـ بحكم عدد هام من المعطيات التي تتصل بشخصيتيهما.

    فالمذبوح، زاول قبل ذلك مهاما مدنية وعسكرية متنوعة، كان أبرزها توليه عاملا على إقليم ورزازات بعد الاستقلال مباشرة، ثم عمل وزيرا للبريد في حكومة عبد الله إبراهيم المُشكلة في دجنبر 1958.. غير أنه سرعان ما سيقدم استقالته منها، بضغط من الحسن الثاني ولي العهد آنذاك، ضمن محاولة لإسقاط الحكومة.. وكانت الذريعة المقدمة هي الاحتجاج على مضمون البلاغ الصادر عن مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد في أكادير سنة 1959، والذي فهم منه أنه تضمن قذفا في حق مؤسسة الجيش الملكي.. علما بأن المذبوح لم يكن يحمل سوى رتبة قبطان وقتها، ولم يقدم أي من الجنرالات استقالتهم سوى المذبوح! بعد ذلك شغل منصب عامل على الدار البيضاء.. وقد ارتبط اسمه بالمحاولة (الانقلابية) للحركة الاتحادية في 16 يوليوز 1963، ويقال بأنه سارع إلى الإخبار بها بعد أن سبقه إلى ذلك مصطفى العلوي، ابن شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، وقد جرى التعامل معه في ضوء ذلك كشاهد إبان البت في هذه القضية.

    وعلى الرغم من إصدار 14 حكما بالإعدام في حق المتهمين خلال مارس 1964، ظل الفقيه البصري وعمر بنجلون – المحكوم عليهما كذلك بالإعدام في هذه القضية – يذكران المذبوح بكل خير.. وينوهان بنظافته ووطنيته.. وقد أكدا مرارا لرفاقهما في السجن بأن هذا الشخص سيقوم – يوما ما – بعمل وطني كبير!!

    – ما هي الأسباب التي دفعت الجنرال المذبوح إلى التخطيط للانقلاب؟

    + إن عددا هاما من المصادر أجمعت على أن من بين أسباب قيام المذبوح بهذه المحاولة الانقلابية اكتشافه، وهو يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سنة 1971 للتحضير لزيارة الحسن الثاني المقررة آنذاك في شهر أبريل، اكتشف ضمن بعض الوثائق كيف أن أشخاصا نافذين في المحيط الملكي طلبوا رشوة قيمتها (600) مليون سنيتم لتسهيل بناء فندق (شيراطون) بالدار البيضاء، كما اكتشف أن بعضهم يمارس نشاط تهريب المعادن النفيسة.. فعاد من هناك وهو مصمم على فعل شيء لوقف الفساد المستشري في أعلى هرم الدولة.

    وسيكتشف الملك الحسن الثاني بعد وفاة المذبوح كيف أنه لم يكن يتصرف في الإكراميات المالية الضخمة التي كان الملك يقدمها له، إذا كان يحتفظ بها ضمن مغلفاتها الأنيقة دون أن تمتد يده إليها لمجرد معرفة المبالغ التي تتضمنها!!؟ دلالة على أن الرجل كان عصيا على قبول مثل هذه الأساليب التي درج عليها النظام لترويض رجالاته وشراء سكوتهم وتواطئهم.

    وذات مرة، تلقى الملك الحسن الثاني تقريرا سريا، مضمونه أن الجنرال المذبوح يدبر انقلابا ضده.. وكان وقتها يلعب (الكولف) بملعب دار السلام بالرباط.. فما كان منه سوى أن بعث في طلب المذبوح ليقول له علنا: هل صحيح ما ينسبونه لك في هذا التقرير.. يا مذبوح؟ ثم انصرف إلى رياضته بلا مبالاة، ولم يعد إلى الحديث حول هذا الموضوع أو إثارته من جديد.

    أما شخص المقدم امحمد عبابو، والذي لم تمض على ترقيته من كوماندان إلى ليوتنان كولونيل سوى أقل من أربعة أشهر فقد كان رجلا عسكريا بالكامل، لم يعرف له أي نشاط سياسي أو وطني، أو حتى مجرد اتصال بالأحزاب السياسية المغربية طوال حياته، ولكن طموحاته الشخصية كانت لا تعرف أية حدودّ.

    فعدا تفوقه في تخصصه العسكري (المشاة) وذكائه وقوة شخصيته وحرصه الدائم على تطوير برامج التكوين العسكري في مدرسته بأهرمومو، وفي ملحقتها بمدينة صفرو، وهي كلها إيجابيات تسجل لصالحه بدون نزاع، لم يعرف عنه أي اهتمام آخر.

    – كيف ترى الفرق بين الجنرال المذبوح والمقدم اعبابو؟

    + بكل « موضوعية » ما يجعلنا نعتقد حقا بأن الجنرال المذبوح؛ بقوة شخصيته، واتزانه، ونظافته ووطنيته، قد أخطأ اختيار الرفيق، رفيق الدرب، في شخص امحمد عبابو، والذي تميز مساره المهني بالعديد من الخروقات الفظيعة والممارسات اللا أخلاقية، والتي يمكن إيجازها في ما يلي:
    أولا: للتجاوب مع طموحاته العسكرية الواسعة، سعى اعبابو، وهو لا يزال في رتبة رائد (كوماندان) إلى رفع تعداد التلاميذ في مدرسته من 300 إلى 1.000 ثم إلى 1.500 تلميذ، دون موافقة المكتب الثالث لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والذي كان له حق الإشراف على كافة مؤسسات التكوين العسكري في البلاد، بتخصصاتها الجوية والبرية والبحرية.

    وللتغلب على المشاكل المادية الكثيرة المتعلقة برفع طاقة المؤسسة إلى أضعافها من حيث المرافق والتجهيزات والتغذية.. إلخ.. لجأ الرجل إلى تكوين (كوماندوهات)، خاصة من ضباط وضباط صف المؤسسة، تحت إشراف مساعده (عملاق الحرب العالمية الثانية) المساعد الأول أمهروش عقا.. فقد كانت هذه المجموعات تقوم – وهي بكامل أسلحتها وتجهيزاتها وشاحناتها – بالسطو ليلا على ممتلكات المواطنين من: مواد البناء وتجهيزاته ومعداته الغالية الثمن والمواد الغذائية والمواشي والأغنام ومواد التجهيز والسيارات والشاحنات والغلال.. إلخ.

    وبالتأكيد ساعدت أعمال « البَلْطَجَة » هذه في بناء مرافق جديدة بالمدرسة، والتزود بتجهيزات حديثة من مسابح وملاعب (…)، غير أن بعضها « صُبَّ » في حساب المدير، بحيث غدا في ظروف وجيزة مالكا لفيلا فخمة بمكناس ومؤسسة فندقية ومقهى بنفس المدينة، ولضيعة فلاحية مع عدد من القطع الأرضية، ناهيك عن سيارتين… إلخ ولم تمض على ذلك بعد خمسة عشر عاما على التحاقه بالجندية!!؟

    ثانيا: أصبح الرجل عند تكوين « بطانة » من الأتباع الطيعين الذين لا يعصون له أمرا، يستغل الطابع العسكري الصرف لمؤسسته، وذلك في أفق الاستعانة بهم في تنفيذ « مشاريع » مستقبلية على مقاسه الخاص!!

    ثالثا: درج كذلك، رغم أنه متزوج وله أبناء، على استقبال صديقاته داخل المدرسة وعلى تنظيم الولائم الباذخة للضباط الكبار بما لم يكن يتلاءم مطلقا مع مستوى عيش وتغذية تلاميذ المؤسسة آنذاك؟!
    كما أن أساليبه في « البَلْطَجَة » وصلت حد الاعتداء على المقابر، فحسب روايات بعض الضباط، أمر ذات مرة بهدم قبور اليهود في مدينة صفرو، للاستفادة من أخشابها في أعمال البناء بمدرسته!!

    فأية روابط فكرية أو سياسية أو مسلكية يمكن أن تجمع بين كل من الجنرال المذبوح والمقدم امحمد اعبابو؟!

    بالتأكيد، الفروقات كانت فادحة، وقد أدت بالطبع إلى مصرعهما معا في نفس اليوم وبطريقة شاذة، كما لو كانا من لصوص المواشي (كاوبوي).

    أما باقي الضباط الانقلابيين ممن جرى إعدامهم يوم 13 يوليوز 1971، والذين لم يتم « إقناعهم » بالانضمام إلى الحركة الانقلابية الجديدة، سوى بعد الساعة الرابعة ظهرا من يوم 10 يوليوز 1971، فقد كانوا قبل هذه الساعات يتحدثون (بالفَمِ المليان) عن الانقلاب، وضرورة التغيير!! وكانوا يمارسون ذلك في محلات عمومية مفتوحة كبارات (كيوم تيل) و(لاكوميدي) بالرباط، وحانات مماثلة في القنيطرة ووجدة والدار البيضاء.. إلخ.. بمعرفة كافة الأجهزة الأمنية.

    .. هؤلاء الانقلابيون أيضا كانوا على جانب كبير من الفساد والانحلال والتهتك، وما من شيء يجمعهم بالجنرال محمد المذبوح.

    .. شخص واحد أعدم ظلما وعدوانا بسبب انتفاء أية علاقة له بهؤلاء، هو المناضل الكبير الكوماندان إبراهيم المانوزي، أحد قادة هيئة أركان جيش التحرير المغربي إبان الخمسينات، الذي وصلت قواته ذات يوم من سنة 1957 إلى منطقة (أطار) الموريتانية، بعد أن نجحت في دك معاقل الإسبان بكل من طاطا وفم الحسن وكولميم حتى شمال موريتانيا وتندوف… وكثيرا ما كان أخوه المرحوم سعيد المانوزي يطلعني على خرائط حربية تخص تلك المرحلة.

    هذا الضابط الوطني الكبير، كان الجنرال محمد أوفقير يتوعده بالتصفية قبل ذلك، ولم يستطع الزج به في معتقل دار المقري إلى جانب الهاشمي الطود وعمر غاندي والفقيه البصري وبولحية الطاطي (اعتقالات يوليوز 1963)، إذ ظل يترصده حتى قامت أحداث يوليوز 1971، فبعث في طلبه للاعتقال، وكان حينذاك بلباس النوم في بيته وبين أولاده، مع أنه لم يكن له أي اتصال بهؤلاء القوم.. لسبب بسيط هو أن معظم هؤلاء الضباط، كانوا في صفوف اللفيف الأجنبي كمرتزقة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانوا في سلوكهم وأخلاقهم على النقيض من شخصية إبراهيم المانوزي ووطنيته العالية، مما كان يثير أحقاد أوفقير تجاهه، فظل ينتظر الفرصة، لكنها جاءت غير ملائمة هذه المرة لتصفية حساباته الإجرامية.. غير أنه سرعان ما سيقتل هو أيضا (ككلب حقير) بخمس رصاصات غادرة، على حد تعبير ابنه رؤوف أوفقير، والذي وصف الحادث رسميا على أنه انتحار تلقائي، حسب بلاغ وزارة الداخلية آنذاك (17 غشت 1972).

    الجنرال المذبوح إذن وضع بيضه كاملا في سلة (فاسدة) و(متهورة) فكان ما كان.. والأخطر من كل ذلك، لم يباشر اتصالاته برفاقه الاتحاديين القدامى، الذين كانوا ينتظرون منه هذه المبادرة، بل لقد كانوا يبشرون بها بين أنصارهم.
    فهل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد آنذاك كان لا يستحق عناء التنسيق مع اليسار وقتئذ؟
    وهل مجرد إصدار التعليمات بإطلاق سراح (170) مناضلا اتحاديا من سجن بولمهارز بمراكش وتلكؤ العامل عن تنفيذ هذه التعليمات، هل كان ذلك كافيا لحماية وتطوير ودعم الحركة الانقلابية الجديدة؟

    – ماذا تقول عن الموت المبكر للجنرال المذبوح؟

    + لقد أخبرني بعض الضباط الذين شاركوا ضمن هذه التجربة المريرة، وأفلتوا من جحيم (تازمامرت)، بأن تأخر وصول تلامذة (أهرمومو) ومدربيهم إلى قصر الصخيرات في الوقت المحدد، قد وتر أعصاب المذبوح، وجعل الشكوك تراوده بخصوص احتمال قيام اعبابو بالوشاية به إلى الملك، لذلك سارع إلى إرسال شخصين لمقابلة اعبابو (وهو لا يزال في طريقه إلى القصر) لتبليغه أمر التأجيل، وضرورة متابعة طريقه نحو ابن سليمان لتنفيذ المناورة وكأن شيئا لم يكن، مؤكدا له: لقد تجاوزت التوقيت الزمني المتفق بشأنه ومن الأفضل تأجيل العملية إلى وقت آخر.

    غير أن اعبابو بدوره – والذي قضى الأيام الأخيرة بلياليها في التحضير لهذه العملية – فاض به الكأس، إذ لم تمر سوى بضعة أسابيع على تأجيل العملية السابقة ليوم 14 ماي 1971، والتي كان قد حشد لها 15 كوماندو مسلح.. قد شك بدوره في أن يكون المذبوح قد وشى به، فقرر متابعة التنفيذ مهما كلف الأمر.

    – ما هي التعليمات الأصلية التي أوصلها الجنرال المذبوح إلى اعبابو قبل بعث توصيات التخلي عن المحاولة؟

    + كانت تعليمات الجنرال المذبوح إلى اعبابو تنص بدقة على ما يلي:
    – الحرص على الوصول إلى البوابة الغربية لقصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا (أي قبل الشروع في وجبة الغذاء).
    – الحرص على عدم إطلاق النار.
    – الشروع بمجرد تطويق القصر في اعتقال كافة الحاضرين، مع الاستعانة بمكبرات الصوت لدعوة الجميع إلى رفع الأيدي عاليا والاستسلام بدون قيد أو شرط

    – مباشرة عملية فرز الأشخاص المعتقلين ، لتقسيمهم إلى ثلاثة مجموعات:
    أ‌- المجموعة الأولى (والتي ينبغي إعدامها فور الاتفاق في عين المكان بين المذبوح واعبابو) وتتألف من: – الملك الحسن الثاني – ولي العهد – الأمير مولاي عبد الله – الجنرال الغرباوي – الكولونيل أحمد الدليمي – إدريس السلاوي مدير الديوان الملكي – الجنرال البوهالي الماجور العام للقوات المسلحة الملكية.
    ب‌- المجموعة الثانية: وتتألف من جميع أعضاء الحكومة والجنرالات الحاضرين، وهؤلاء يتم سوقهم إلى هيئة الأركان العامة بالرباط لتحديد مصيرهم لاحقا.. واحدا.. واحدا.
    ج – المجموعة الثالثة: وتتألف من باقي المدعوين، مغاربة وأجانب، والذين سيجري الإفراج عنهم بعد تنفيذ ما سبق ذكره.

    .. وهكذا ما كاد أن يتقابل الرجلان – المذبوح واعبابو – حتى بدأ هذا الأخير يصرخ عاليا: وَافَايْن هُوّا (…) وسير خرّجُو لعندي.. وأنا راه غادي نبيع جلدي غالي.. إلخ (علامة على تدهور عنصر الثقة بين الرجلين)!
    وبينما كان المذبوح، يذهب ويجيء بين مكان وجود الملك واعبابو، عسى أن يحل الإشكال بطريقة أو بأخرى، كان عبابو يزداد هياجا، وسط إطلاق الرصاص والرمانات اليدوية لمجموعاته، وكان يصيح:
    – اقتلوا الخونة.. اقتلوا الخونة.. وعاش الملك!!؟

    في هذه الأثناء، رفض الملك الخروج وطالب المذبوح بإحضار عبابو أمامه لاستفساره عما يطلب، كما رفض اعبابو التوجه لمقابلة الملك بدون رجاله وفيهم مساعده العملاق عقا.. وبينما كان الدكتور بنيعيش – الطبيب الخاص للملك – يقوم بإحضار رشاشة حربية للملك من غرف النوم، وكانت قد أهديت له قبل ذلك من طرف إحدى الشخصيات الأجنبية، شك اعبابو في الأمر وطالب بنيعيش بتسليم السلاح فورا، غير أن بنيعيش كان قد دخل في حوار مع الجنرال المذبوح، وهنا جاءت صلية من الرصاص (Rafale) على يد أحد التلاميذ ـ الضباط في اتجاه كل من المذبوح وبنيعيش ليسقطا معا.. أمام أنظار اعبابو والقبطان الشلاط والمساعد الأول عقا، وهنا توجه اعبابو نحو جثة المذبوح معلقا بالفرنسية:

    Oh, Mon oncle, C es dommage pour vous, général Medbouh))، ويضيف المقدم محمد عبابو في محضر استنطاقه بعد اعتقاله: (… ولقد علمت من خلال ضابط الصف الذي هرب معي بأن المذبوح مات أمام أعين الجميع، ذلك أنه لحظة قيام امحمد اعبابو بإعطاء الأمر لأحد تلاميذه بإطلاق النار على الدكتور بنيعيش، كان هذا الأخير وقتها يتناقش مع المذبوح وهو ملتصق به.. فأصيبا معا برصاصات قاتلة).

    وحيث أن القائد العام للعملية الانقلابية الجنرال المذبوح قد قتل منذ الساعة الأولى للانقلاب، اتجه اعبابو باحثا عن الكولونيل الشلواطي لتكليفه بقيادة الحركة الانقلابية من خلال إقناع باقي الجنرالات بالانضمام إليها.. وهو ما سيباشره فعلا لدى التحاقه بالقيادة العامة للجيش.
    غير أن طريقة التراشق بالنيران في القيادة العامة، ما بين الجنرال البوهالي والمقدم اعبابو كانت على شاكلة تراشق سراق المواشي (الكاوبوي) على الطريقة الأمريكية..، حيث أدى ذلك إلى مصرعهما في الحال ثم استسلام حوالي مائتين من تلامذة المدرسة، ليلا بالقرب من الإذاعة، وما أعقبه بعد ذلك من إطلاق النار عليهم بعد تسليم أسلحتهم، مما سيؤدي إلى مقتل حوالي 113 تلميذا فورا.. كل ذلك، أدخل الحركة الانقلابية في عنق الزجاجة كما يقولون وأغرقها في الدماء التي لا مبرر لها، إذ تكد تنتصف ليلة هذا اليوم الأغبر في تاريخ المغرب المعاصر، حتى كان باقي الانقلابيين الأحياء يبحثون عن التخلص من أسلحتهم وملابسهم العسكرية، بحثا عن ملاذ آمن بعد كل الذي شاهدوه من مناظر فظيعة، وما ينتظرهم من مصيرمظلم.

    – في ضوء تجربتك السابقة، واحتكاكك المباشر بعدد من التجارب الانقلابية في المشرق العربي، كيف تنظر لأحداث 10 يوليوز 1971؟

    + في تقديري، ما حدث بالصخيرات ثم الرباط طوال يوم 10 يوليوز 1971 لا يمكن أن يرقى إلى مجرد مناورة عسكرية بسيطة من طرف أحد جيوش البلدان المتخلفة كجمهورية إفريقيا الوسطى أو النيجر على سبيل المثال.. أؤكد لكم أن ما حدث هنا لا يرقى لمجرد مناورة عسكرية بسيطة، نظرا لهمجيته، وبدائيته وتهوره وافتقاده إلى الحد الأدنى من التنظيم، بكلمة واحدة، هو عمل « رعاع » لا أقل ولا أكثر.

    فكما هو معلوم، تميزت الفترة التاريخية من 1965 إلى 1975 بظهور عدد من الانقلابات العسكرية، سيما في أقطار أمريكا اللاتينية وإفريقيا، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر سوءا وتأزما.. كان ذلك هو الإطار العام لهذه الانقلابات.

    لكن يجب التقرير هنا بأن بعض هذه الحركات الانقلابية كان ذا طابع تقدمي، باعتبار ما حصلت عليه من دعم جماهيري عريض آنذاك.. بينما كان بعضها الآخر – وهو الأغلب – ذا طابع (أوليغارشي) عسكري ضيق، لا يروم في الحقيقة سوى الاستيلاء على السلطة بحد ذاتها.. بمنافعها..وامتيازاتها.. ولم تكن السلطة عند (ثوارها) أداة محورية لمباشرة التحولات العامة التي كان يستدعيها بإلحاح تصحيح أوضاع هذه الأقطار.

    فأن تلجأ حفنة من الأشخاص لا تتعدى أصابع اليد الواحدة إلى التآمر، في بلد كالمغرب، حيث النسيج السياسي والنقابي والتربوي أكثر متانة بالقياس مع كل الأقطار الإفريقية والعربية المجاورة، أن تلجأ هذه الحفنة إلى استخدام أكثر من (1400) جندي وضابط دون مصارحتهم مطلقا بطبيعة (المهمة) ولا أن يتم تأطيرهم جيدا لتنفيذها، ولا أن يضبطوا بينهم المهام تفاديا للالتباس والخلط وسوء النية.. إلخ.. أن يجري كل ذلك، بهذه الدرجة من التهور والشراسة والجهل والرعونة، لهو عمل في منتهى الحماقة والوحشية!

    فحتى ساعة وصول القوات المهاجمة إلى بلدة (بوقنادل) كانت المهمة الرئيسية المحددة في أذهان الجميع هي المشاركة في مناورة بالذخيرة الحية في منطقة ابن سليمان، هذه المهمة التي كان من المفروض أن يقوم بها أحد أفضل ألوية القوات المسلحة، ولكن المقدم اعبابو (كما أكد لتلامذته وضباطه في الجمع العام التحضيري ليلة 9/07/ 1971) استطاع أن يقنع القيادة العليا للجيش بأن مدرسته تستطيع أن تقوم بذلك على نفس الدرجة من القوة والاقتدار والنجاح.. كما صرح بذلك وأكد.

    وعندما توقفت القوات المهاجمة في بوقنادل لاستجماع القوى، وتحديد المهام على أيدي من أسماهم المقدم اعبابو بالقيادة الميدانية (المتقدمة)، تأكد في ما بعد بأن هؤلاء الضباط الذين أحضرهم إلى بوقنادل بلباس مدني، إنما أحضرهم لمعاينة ضيعة فلاحية يعتزم شراءها هناك! وأن يطلب نصيحتهم.. على أن يتجهوا بعد ذلك لحضور حفلات القصر الملكي بالصخيرات!!
    خلال هذا اللقاء، سينقل المقدم اعبابو خطابه إلى السرعة القصوى في مخاطبة ضيوفه وضباط مجموعاته المسلحة، إذ لأول مرة سيستعمل عبارات جديدة ذات علاقة بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم تكن لتجري على لسانه قبل ذلك على الاطلاق.

    لقد « تحايل » على الجميع، ليجمعهم هنا في بوقنادل وهو يخطب فيهم خطبة أشبه بخطبة طارق بن زياد، وبين أيديهم قوة نار هائلة مع خواء فكري فظيع وارتباك وفوضى قياسيين.

    – ماذا قال اعبابو في بوقنادل؟

    + قال : (.. لقد جرى اختياركم من طرف القيادة العليا للجيش للمشاركة في مهمة خطيرة، وقد وقع عليكم الاختيار لأنكم بالفعل تستحقونه، إنكم تعلمون جميعا الوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لبلادكم.. يجب إنقاذ هذه البلاد.. لقد آن الوقت لذلك.. يتوجب علينا جميعا الهجوم على قصر الصخيرات هذا اليوم ما بين الساعة 13 و 14 .. وستشارك قوات عسكرية أخرى في تنفيذ هذه المهمة!! وبالتالي نحن لسنا لوحدنا!! ولن نكون كذلك… إن هناك عناصر متمردة تهدد سلامة صاحب الجلالة ويتوجب علينا القضاء عليها بدون تردد…).

    ثم أمسك بقضيب خشبي ليرسم أمام الضباط المتحلقين حوله مخططا عاما للمعركة المقبلة، محددا بدقة بنايتين رئيسيتين داخل القصر، رسم بينهما خطوطا حربية معروفة لدى العسكريين، مؤكدا أن المعركة قد بدأت وعلى الجميع الالتحاق بوحداتهم ورفع أغطية الشاحنات وتلقيم الأسلحة بمختلف عياراتها والتحرك منذ تلك اللحظة على أساس أن القوات أصبحت ضمن وسط معاد يتوجب اتخاذ أقصى الاحتياطات تجاهه، وبالتالي فإن إطلاق النار ستصبح عملية تلقائية منذ تلك اللحظة، لا تحتاج إلى تذكير أو تجديد الأوامر..

    أما بخصوص الضباط (بلباس مدني) الذين أحضرهم عبابو لبوقنادل، فقد فعل ذلك تبعا لتعليمات الجنرال المدبوح، حتى يشجع أكثر تلامذة أهرمومو وضباطهم، فقد كان هؤلاء (الضيوف) يمثلون مختلف قطاعات الجيش، وبالتالي فإن إحضارهم كان بمثابة عملية ذات مغزى كبير. وهؤلاء الضباط هم المقدم القادري والكوماندان المالطي والكوماندان المنور والكوماندان بريكي والكوماندان رياني (صهر المذبوح) والكوماندان حريشي والكوماندان ميلس.

    ومما تقدم، أستطيع التأكيد لكم بأن ما حدث لا يخرج عن نطاق حركة (الرعاع) التي لا يجمعها جامع، غير الرباط الحديدي الذي ربى عليه المقدم امحمد عبابو تلامذته وضباطه على حد سواء، والذي وصل حد الطاعة العمياء، فتحول الأمر خلال ساعات قلائل إلى إعصار مدمر، فتك بأرواح أكثر من مائتين وخمسين شخصا وتسبب في جرح وإصابة المئات وإلحاق أفدح الأضرار بالممتلكات الخصوصية والعمومية.

    فما كنت أظن أن الجنرال محمد المذبوح ستصل به السذاجة السياسية والتهور العسكري إلى هذا الحد، ومهما حصل فقد كان المسؤول الأول والأخير عن كل هذه المأساة، وكان من قبيل المستحيلات أن تمر هذه القوة الكبرى عبر تراب عدة أقاليم، بسلاحها الكامل وذخيرتها ووقودها وتغذيتها دون موافقته الشخصية، باعتباره رئيسا للديوان العسكري لصاحب الجلالة، وسيكتب له أن يكون من أول ضحايا هذا التهور لتبقى جثته ثلاثة أيام في عز الصيف بدون دفن قبل القيام بإحراقها، ثم ليحرم من مجرد قبر كباقي المسلمين.

    – وماذا عن الموقف الليبي الرسمي من هذه الأحداث؟

    + لقد جاءت هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة لتؤكد طبيعة التوجه السياسي العام لنظام العقيد القدافي، والذي كثيرا ما أبلغ قادتنا في التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ انقلابه الشهير في فاتح سبتمبر 1969، بأنه لا يثق مطلقا في قدرة الحركة التقدمية المغربية على إسقاط النظام الملكي وإبداله بنظام جمهوري على الطريقة الناصرية، وكان ينصح قادتنا بالاعتماد على قوات الجيش النظامي المغربي إذا هم أرادوا الحصول على نتائج طيبة.

    والغريب أن نظام العقيد القدافي حتى بعد أن صار يدعمنا، بتخصيص برنامج إذاعي دائم، كان عبد الرحمان اليوسفي يكتب افتتاحياته بانتظام، وحتى بعد أن فتح في وجوهنا معسكرات التدريب على السلاح وبعد أن أصبح يقدم لقادتنا الأموال والأسلحة، كان دائما ينصحهم بالتعاون مع الجيش المغربي في الداخل مهما كانت عقليته وتركيبته وميوله، إن هم أرادوا نتائج إيجابية!
    فمنذ الساعات الأولى للمحاولة الانقلابية الفاشلة لـ 10 يوليوز 1971 انطلقت الإذاعة الليبية في بث بلاغات التهنئة والتبريك، بل لقد أجرى العقيد القدافي – حسب ما نشرته وثائق الخارجية الأمريكية والبريطانية مؤخرا، وحسب ما ذكره الملك الحسن الثاني نفسه في كتابه (ذاكرة ملك)، أجرى القدافي اتصالا هاتفيا بالرئيس الجزائري هواري بومدين طالبا السماح لقواته الجوية والبرية باستعمال الأراضي والأجواء الجزائرية للمرور إلى المغرب لدعم الانقلابيين.. وهكذا أرسل ضابط المخابرات الليبية الرائد عوض علي حمزة، إلى الجزائر على جناح السرعة، لمتابعة تنسيق هذه العمليات، غير أن الرفض القاطع للهواري بومدين أفشل مسعى إرسال حوالي (12) ألف جندي ليبي إلى المغرب لدعم الانقلاب.

    ورغم إعلان فشل الانقلاب ظلت الإذاعة الليبية تواصل بث بلاغاتها الداعمة للانقلابين، بينما
    المغرب الرسمي من جهته رد بتطويق مقر السفارة الليبية في الرباط ثم وضع كافة العاملين بها في الإقامة الإجبارية، واضطر في وقت لاحق إلى قطع كل الاتصالات الهاتفية عن السفارة.

    وهذا ما كشفته وثائق الخارجية البريطانية المنشورة حديثا، بعد مرور أمد التقادم القانوني ضمن الملف رقم (FCO 39 – 884)، والذي تضمن الكثير من الوثائق الدامغة في هذا الاتجاه.
    وسيقترح الجنرال محمد أوفقير من موقعه الجديد كوزير للدفاع، بعد إخماد فتنة الصخيرات، على الملك الحسن الثاني في أكادير، فكرة القيام بإسقاط طائرة العقيد القدافي انتقاما من تورطه في دعم الانقلابيين لصيف 1971.. وسيتذكر الملك هذا الاقتراح باستغراب شديد.. مباشرة بعد تورط الجنرال أوفقير في محاولة إسقاط طائرته مساء يوم 16 غشت 1972!!؟

  • كيف وظف القصر الإرهاب لإفشال حراك الريف؟..

    خاصبانوراما الرأي والتحليل ياسين شرف 

    محمد السادس على خطى الحسن الثاني..

    هناك حملة إعلامية دولية ضد النظام المغربي برزت بشكل لافت بعد الهجمات الإرهابية الأخيرة التي ضربت أوروبا، وهي تركز في مجملها تلميحا أو تصريحا على مسؤولية القصر عن هذه الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، بهدف الضغط على الحكومات الأوروبية لالتزام الصمت أمام ما يحدث من قمع وحشي وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في منطقة الريف.

    هذه هي الخلاصة العامة التي تشير إليها التقارير الإعلامية بناءا على معطيات استقتها من المخابرات الأوروبية، والتي تفيد في محصلتها، أن العاهل المغربي محمد السادس لم يرث العرش عن والده الحسن الثاني فحسب، بل وورث عنه ثوابت سياساته المخزنية أيضا، مع بعض التعديلات من حيث الظاهر من باب التعمية والتضليل.

    ملك الحشيش..

    لأنه في الوقت الذي كان المغاربة يتوجون عاهلهم الجديد ملكا للقلوب، كانت المخابرات في الضفة الأخرى تصفه بـملك الحشيش، وتقول أن الحسن الثاني نجح في ابتزاز أوروبا عندما طالبته باستبدال زراعة الحشيش في منطقة الريف بمشاريع منتجة تعود على الساكنة بالخير العميم، لكن الديكتاتور المغربي وضع أوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما إما الحشيش أو الكوكايين، لأن منع الناس من زراعة الحشيش سيحول منطقة الريف إلى كولومبيا بالنسبة لأوروبا وفق قوله..فخسرت أوروبا الرهان وأذعنت لتهديد الحسن الثانيومنذئذ و 80 %من المخدرات التي تروج في الأسواق الأوروبية مصدرها المغرب، لكن من يستفيد منها بالدرجة الأولى هو القصر بما يتراوح ما بين 13 و 15مليار دولار سنويا، هذا في ما لم يطرأ تحسن يذكر على أحوال ساكنة منطقة الريف، ولا زالت تعيش على المساعدات التي ترسلهاالدياسبورا بانتظام لعوائلها في الريفكما وأن النظام يرفض تقنين هذه الزراعة لتستفيد منها خزينة الدولة بطريقة مشروعة، ويعتبر موضوع الحشيش من الأسباب الرئيسة التي أدت لحراك الريف بسبب الفقر والتهميش واليأس الذي تعيشه ساكنة المنطقة.

    ويذكر المغاربة الفضيحة التي انفجرت في عهد المدعو عبد العزيز إيزو الذي كان يدير عمليات تهريب كبرى للمخدرات انطلاقا من طنجة عندما كان مديرا إقليميا للأمن بها، واستمراره في تنظيم عمليات التهريب على المستوى الوطني حين عينه الملك مديرا لأمن القصور الملكية بتزكية من الجنرال العنيكري، وفي هذا الصدد، تؤكد المخابرات الأوروبية أن القصر ضالع في تجارة المخدرات على الصعيد الولي، وأن الأمر يتعلق بعصابات منظمة تعمل تحت غطاء السلطات الأمنية والمخابراتية المغربية.

    كما وأن الفضيحة التي برزت على السطح أواخر الشهر الماضي في باريس بمناسبة استدعاء القضاء الفرنسي لرئيس جهاز مكافحة المخدرات السابق فرنسوا تياري‘ واتهامه بالتورط في تهريب المخدرات من المغرب إلى فرنسا من خلال جهازه وفي إطار عصابات منظمة، يمثل رأس جبل الجليد العائم ويؤكد تورط النظام المغربي في تهريب الحشيش على الصعيد الدوليهذا في ما كان برلمانيون إسبان قد أشاروا قبل مدة إلى وجود نوع من التواطؤ بين عناصر من الأمن والمخابرات الإسبانية ونظيرتها المغربية لتسهيل تهريب المخدرات من المغرب إلى إسبانيا، لكن القضاء في هذا البلد لا يطال الرؤوس الكبيرة لحساسية الموضوع.

    ملك الإرهاب..

    تورط النظام المغربي في تفريخ وتجييش ودعم الإرهاب لم يعد خافيا على أحد، فعديدة هي التقارير التي تحدثت عن الموضوع مشيرة إلى أن الأمر بدأ مع حرب أفغانستان مرورا بحرب العراق وسورية وليبيا، ولا يزال مستمرا إلى الآن، حيث كان الإرهاب يوظف من قبل واشنطن وإسرائيل” ومخابرات الحلف الأطلسي ومشيخات الخليج وعلى رأسها السعودية من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية وجيوستراتيجية.

    والنظام في عهد العاهل محمد السادس لم يتغير عن النظام في عهد والده، حيث استمر في استغلال التعاون الدولي مع قوى الهيمنة الغربية في محاربة الإرهاب” ليستعمله من حين لآخر من أجل تحقيق أهدافه الخاصة كورقة لابتزاز أوروبا بمعية ورقة الهجرة السرية.

    ولعل ما كشفه موقع “لي موتون روبيل” أو “الخراف المتمردة” منتصف شهر غشت الماضي استنادا لمعلومات مسربة من العميل السابق للمخابرات الأمريكية إدوارد سنودن، من أن المغرب، وفي إطار استراتيجية ما يسمى بـعش الدبابير” والتي تقضي بتجميع الإرهابيين في دول من بينها المغرب لتدريبها وإعادة إرسالها لبؤر الصراع، واستقبال الرباط لـأبو بكر البغدادي‘ الذي تلقى تدريباً عسكريا من الموساد الإسرائيلي في الأردن، وتدريبا دينيا في المغرب شمل طرق التواصل ومخاطبة التكفيريين بدروس تطبيقية تمت على معتقلي أمير المؤمنين من الإسلاميين الذين يقبعون في السجون المغربية برعاية المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك تورط النظام في دعم الإرهاب لا في محاربتهوهو ما جعل الحكومات الغربية تطرح أكثر من سؤال حول قرار الملك العفو عنالإسلامويين الذين خضعوا لدروس الخليفة” أبو بكر البغدادي بعد عمليات برشلونة مباشرة.

    وتذكر صحيفة الوقائع” (La Cronica) الإسبانية في عددها الصادر يوم الأحد الماضي، أن رعاية المغرب للإرهاب ليس بالأمر الجديد أو المفاجئ، فقد سبق للعاهل الراحل الحسن الثاني أن استخدم الدين كسلاح لـ السيطرة المزدوجة“: السيطرة على المواطنين والسيطرة على أوروباوطرح الحسن الثاني على الطاولة عام 1994 موضوع الإرهاب صراحة، عندما أراد من الاتحاد الأوروبي أن يأذن له بدخول الطماطم المغربية إلى الأسواق الأوروبية بدون رسوم جمركية، هذا علما أن القصر هو المستفيد من تصدير المواد الفلاحية إلى أوروبا والتي لا خضع في المغرب للضرائب.. ففي اجتماع مع رئيس المفوضية الأوروبية، جاك ديلور، أخبر الأخير الحسن الثاني بأن المعسكر الإسباني ومجموعات الضغط الإيطالية والفرنسية يعارضون ذلكفرد السلطان قائلا: “حسنا، أنا أفهم هذه الصعوبات، ولكن إذا لم يتمكن المغرب من تصدير الطماطم فإنه سيضطر لتصدير الإهابيين “.

    وتقول الصحيفة، هنا نرى اللعبة الضارة بين الملك الأب الذي يخير أوروبا بين تصدير الطماطم أو تصدير الإرهابيين، وبين ابنه العاهل الحالي الذي يخيرها بين الصمت الودي” على ما يحدث في منطقة الريف وعموم المملكة من قمع واعتقالات وتعذيب وفساد ينخر كل مفاصل الدولة أو تصدير الإرهابيينومن وجهة نظر صحيفة الوقائع، هذه هي المعادلة” التي تحكم العلاقة بين المغرب وأوروبا من زمن الحسن الثاني إلى زمن وريث عرشه وسياساته.

    القصر ولعبة الدين و السياسة..

    معضلة النظام المغربي تكمن في أنه لن يكون بمقدوره الاستمرار طويلا في لعبة الابتزاز هذه، فقد بدأت عديد الأصوات ترتفع في أوروبا وأمريكا لمراجعة العلاقة مع المملكة الإرهابية ووضع حد لابتزازها بسبب فسادها وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان في الصحراء والريف والداخل أيضا.

    والنظام لا يستطيع الادعاء بعد اليوم أنه يعتمد إسلاما معتدلا، باعتبار أن الدولة المغربية دولة إسلامية، وأن الملك هو أمير المؤمنين، ورئيس المجلس العلمي، ويهيمن على الحقل الديني من خلال وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تفرض رقابة صارمة على المساجد وتروج لخطاب موحد تمجد فيه أمير المؤمنين وتشيد بمناقبه وتعتبر كل من يعارض سياساته عميل وانفصالي يسعى لإشعال الفتنة وسط شعب آمن.

    ولعل الخطأ الذي ارتكبته أوروبا عموما وإسبانيا بشكل خاص، هو أنها سمحت للنظام المغربي بالهيمنة على المساجد من خلال توظيف وتدريب وتمويل الأئمة، بزعم أن المغرب يحرس على الأمن الروحي لرعاياه في المهجر، هذه الاستراتيجية سمحت للنظام بتفريخ الإرهاب في أوروبا والقول بعد ذلك أن لا علاقة له بما يحدث فيها من تفجيرات لأن من قاموا بها هو مواطنون أوروبيون فشلت أوروبا في إدماجهم، كما حدث في تفجيرات برشلونة الأخيرة التي خرج المخزن المغربي يعلن براءته منها والقول أن لا علم له بها، هذا في حين أن من أشرف عليها هو إمام مغربي أكدت المعلومات أنه قام بالتخطيط لها في المغرب.

    وبالتالي، فالحقيقة هي بعكس ما يروجه الخطاب الرسمي، فمحمد السادس ليس ذاك الملك الحديث كما يحاول أن يوهم من خلال خطابه وتصرفاته، بل هو أبشع من والده، لأن في عهده تحديدا، وبرغم الإصلاحات الدينية التي يقول أنه أجراها، يشكل المغاربة جيشا ضخما من الإرهابيين الذين يقاتلون في العراق وسورية، وهؤلاء لم يسافروا إلى هناك بالصدفةكما أن 70 % من العمليات الإرهابية التي ضربت أوروبا خلال الخمسة عشر سنة الماضية قام بها مغاربة.. فهل الأمر محض صدفة؟..

    وتتساءل صحيفة الوقائع” بناء على هذا المعطى الذي كانت قد أشارت إليه المخابرات الأوروبية، عن السر في أن الإرهاب المغربي لا يستهدف إلا دولا أوروبية كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا وفنلندا ولا يضرب في المغرب (؟)..

    وهنا تقول الصحيفة، إن الأمر لا يتعلق بفعالية أجهزة المخابرات في حماية الداخل المغربي من الإرهاب، بل على العكس، لأن تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية وفقا للبيانات التي قدمها المدير العام لمديرية الدراسات والتوثيق، ياسين المنصوري، وعلى وجه التحديد، من 2002إلى 2014، تم تفكيك 126 هيكلا جهاديا (41 منها تتعلق بسورية والعراق والساحلوتم اعتقال 2667 من المتطرفينوبالإضافة إلى ذلك، تعطلت 276 محاولة، منها 119 هجمة بالقنابل ضد أهداف متعددة، مثل المباني الرسمية والمواقع السياحية والتمثيل الدبلوماسي ومراكز العبادة المسيحية واليهودية، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول مسألة الفعالية المزعومةوهو ما تشير إليه الصحيفة ضمنا من أن الأمر يتعلق بعمليات مدبرة لإعطاء الانطباع أن أجهزة المخابرات المغربية أكثر فعالية من نظيرتها الغربية في محاربة الإرهاب، وبالتالي ضرورة التعاون معها في هذا المجال.. هذه هي اللعبة.

    وحول الهجومين على الأراضي المغربية – الدار البيضاء في عام 2003ومراكش في عام 2011 – قال وزير الداخلية السابق إدريس البصري، من باريس، إن تفجيرات 16 مايو أيار 2003 والتي ضربت كاسا دي إسبانا، مطعم إيطالي، وفندق فرح، ومعبد إسرائيلي، ومقبرة يهودية قديمة، وتسببت في مقتل خمسة وأربعين شخصا، بينهم خمسة إسبان..قال الوزير السابق لمراسل قناة الجزيرة مباشرة بعد الأحداث: “إن الهجوم ليس من عمل جماعات إسلامية في الداخل أو أية جهة خارجية، بل عمل داخلي قام به النظام“.

    وثمة حالة أخرى مشابهة هي الهجوم على مقهى أريانا في مراكش في28 نيسان أبريل 2011. وعزت السلطات المغربية الهجوم إلى حركة السلفيين الجهادية، وهي عبارة عامة فضفاضة تشمل جماعات متطرفة مختلفة في المدار الأيديولوجي لتنظيم القاعدةومع ذلك، فإن نتائج التحقيق في مكافحة الإرهاب من قبل المخابرات الأوروبية لم تسلط الضوء على هذا التنظيم الهلامي لعدم توفر معلومات تؤكد وجوده.

    لكن اللافت تقول الصحيفة، هو أن تفجيرات الدار البيضاء عام 2003ساعدت النظام على السيطرة على الإسلاميين بسبب الاعتقالات الواسعة التي قامت بها، وفي نفس الوقت كبح لسان وسائل الإعلام، ما أدى إلى انتكاسة على مستوى الحريات.. وخلال هذه المرحلة أصبح محمد السادس من بين أغنى الملوك في العالم (؟؟؟)..

    ومن الواضح أن المغرب يستفيد من الهجمات على أرضه وكذلك في أوروباوتقول الصحيفة، إن الوزير السابق ادريس البصري أكد أن هدف تفجيرات ماي 2003 قد تحقق، سواء لجهة كبح الحريات والسيطرة على الإسلاميين (اعتال أكثر من ألف شخص)، وفي نفس الوقت ربح الملك الوقت الكافي لينمي ثروته بعيدا عن أعين الرقابة، فأصبح سابع أغنى ملوك العالم، هذا فيما زادت معدلات الفقر والقمع للشعب المغربي بشكل مهول.

    وتلاحظ الصحيفة، أن تفجيرات أركانا (مراكشساعدت النظام بشكل كبير على كبح جماح حراك 20 فبراير الذي كان يرفع شعار محاربة الاستبداد والفساد.

    المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية (CNI)، وفي تقرير سري مقدم شهر مايو 2011 من قبل مديرها العام فيليكس سانز رولدان‘ إلى وزراء الداخلية والخارجية والدفاع في مجلس أوروبا، أكد أن المغرب حققاستراتيجية من حجم كبير” في إسبانيا، صممها وطورها النظام العلوي، وهدفها هو توسيع نفوذه وزيادة سيطرته على ما أسماه التقرير بـالمستعمرات المغربية” باستخدام الدين كسلاح.

    وفي التقرير المتعلق بتمويل الإسلام في إسبانيا، يقدم المعهد الوطني للإحصاء مثالا آخر على استخدام الإسلام لأغراض سياسيةففي تشرين الثاني نوفمبر 2008، أشار إلى أن وزارة الشؤون الإسلامية المغربية عقدت اجتماعا جامعا في مراكش حضره عدد كبير من الأئمة ورؤساء الطوائف الإسلامية في إسبانيا“.. وخلال هذا الاجتماع الضخم، وعد الأئمةبتمويل جمعياتهم ومساجدهم مقابل التمسك بارتباطهم بإمارة المؤمنين ومفاهيمها الخاصة للإسلاموالسؤال الذي طرحته المخابرات الإسبانية في حينه هوما علاقة مدير المخابرات الخارجية ياسين المنصوري بالدين ليؤطر مؤتمرا لأئمة المساجد في إسبانيا؟..

    إن اللعبة تكمن في استعمال المخابرات المغربية لورقة الإسلام الجهادي لابتزاز أوروبا عموما وإسبانيا على وجه الخصوص، وقد نجح النظام بالفعل في الضغط على أوروبا كي تتخلى عن دعم الصحراويين الذي يطالبون باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب، والضغط أيضا لعدم دعم حراك الريف الذي يرعب النظام مخافة أن يتحول إلى حركة تمرد، والتزام الصمت الودي” أمام فساد النظام وما يقوم به من انهاكات خطيرة في حق شعبه.

    إن الدين تحول في عهد إمارة المؤمنين إلى سلاح يحمي الفساد ويشرعن الظلم والاستبداد.. والمشكلة هي أن من يدعم الإرهاب ويستخدمه كسلاح ضد شعبه وضد شعوب أوروبا يقول أن لا علاقة للإسلامه المعتدل” بالإرهاب، وأن لا علاقة للمغرب بالإرهاب..

    فمن يصدق؟..