Étiquette : المغرب

  • فضائح خالات الملك

     

    الملف المنشور في العدد 191 بتاريخ 27 نونبر 2008

    تربعت على سطح الأحداث مؤخرا عدة تجاوزات واعتداءات « غبية »أثارت حفيظة الرأي العام الوطني، لارتباط أبطالها بشخصيات تنتمي إلى محيط القصر الملكي، كان أبرزها إطلاق « حسن اليعقوبي »، زوج الأميرة لالة عائشة، عمة العاهل المغربي الملك محمد السادس، النار على شرطي المرور « طارق محب » في الشارع العام، حيث تعالت موجة الاستنكارات منددة بالتعاطي السلبي للسلطات المعنية، الأمنية والقضائية مع الحادث، وكذا بعدم قيام الشرطة القضائية والنيابة العامة بواجبهما في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بالاستماع إلى المتهم، رغم خطورة الاعتداء واستعمال السلاح فيه. وقد كثر الجدل حول ظروف وملابسات هذه القضية نظرا لارتباطها بنفوذ « عمة الملك »، لدرجة وقفت أمامها جميع الأجهزة الرسمية القضائية والإدارية، عاجزة عن القيام بواجبها الوطني في إقرار الحق والانتصار له، الأمر الذي فتح قوسين عريضين حول تدخل هذه الأجهزة لحماية الموطنين العاديين من حماقات ذوي المراكز الحساسة في هرم الدولة والمقربين من القصر.

    على نفس الوتيرة من الرعب والخوف وعلى وقع النار والحديد تعيش منطقة الأطلس المتوسط، يوميا حالات مماثلة من الاعتداءات الوحشية، مع فارق بسيط جدا ويتحدد في كون النازلة الأولى ارتبطت بزوج « عمة الملك »، فيما ارتبطت الأخريات بعروس الأطلس مدينة خنيفرة بزوج « خالة الملك « ، إضافة إلى مشاهد أخرى لا تقل وحشية عن سابقاتها ارتبطت شخصيا بـ »خالات الملك » أمينة وحفصة أمحزون أخوات  » لالة لطيفة حمو » أرملة الراحل الحسن الثاني ووالدة الأميرات، لالة مريم، لالة أسماء، لالة حسناء، وأم الملك محمد السادس والأمير مولاي رشيد).
    وتنحدر » لالة لطيفة » وأخواتها من منطقة زايان الأمازيغية بوسط المملكة المغربية، وهن بنات أحد كبار شيوخ قبيلة زايان، والمعروف أن لطيفة أخت أمينة وحفصة ولدت باسم « فاطمة حمو » لكنها دُعيت لطيفة (تجنبا للخلط مع الزوجة الأولى للراحل الحسن الثاني وهي  » لالة فاطمة بنت القائد أمهروق »).

    ومعلوم أن « عائلة لالة لطيفة »، معروفة بـ »عائلة أمحزون » التي يتمركز أفرادها بمنطقة الأطلس المتوسط، وتحديدا بعروس الأطلس مدينة « خنيفرة ».
    « المشعل » انتقلت إلى عين المكان، تأسيسا على خيط تواصل مسترسل ظل مفتوحا باستمرار مع جملة من ضحايا « عائلة أمحزون »، حيث ربطت اتصالا مباشرا بالضحايا المتضررين من بطش أفراد من هذه العائلة ووقفت على حجم الضرر بالصوت والصورة.

    هذه الأحداث قد يبدو للبعض بسيطة في ظاهرها، قياسا مع الحجم الحقيقي للخروقات التي اقترفتها وتقترفها عناصر من هذه العائلة، لكنها تحفر عميقا في الجوهر لارتباط جزء مهم فيها بالكرامة والشرف، كأن يتجرأ أصهار الحسن الثاني وأقرباء محمد السادس من أمه، على سلب الزوجات من أزواجهن تحت تهديد السلاح ـ حسب تصريح لرئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بخنيفرة ـ إضافة إلى مشاهد أخرى لخروقات أكثر إثارة، لم ننشرها ضمن هذا الغلاف احتراما منا لرغبة ضحايا ما زال الخوف يسري في عروقهم مجرى الدم، وأحداث مماثلة تحمل أشكالا متعددة للوحشية، لم ننشرها هي الأخرى لعدم توفر الإثباتات الكافية، علما أنها على مجرى ألسنة الشارع الخنيفري.

    إثر نزاعها حول الترامي على ملك الغير

    وكيل الملك يعتقل مواطنا خوفا من تهديدات « حفصة أمحزون » بقتله أمام مركز الدرك

    كثيرة هي سلسلة التجاوزات والفضائح التي تتصل خيوط دائرتها بأفراد عائلة « أمحزون »، والأشخاص الذين يدورون في فلكهم، حيث لا حديث يجري بأركان زوايا وفضاءات « عروس الأطلس » خنيفرة، دون أن يكون لفرد من هذه العائلة دور البطولة فيه، فيما تتوزع باقي الأدوار، الثانوية منها خصوصا، على شلة من الأتباع والمتملقين، ممن يحلقون تحت أجنحة هذه العائلة، علما أن أبطال « أمحزون » يتوفرون على مواهب خارقة في حبك خيوط الجريمة والتأسيس لها بناء على قوة النفوذ و ممارسة السلطان، والقدرة على اللعب فوق أسلاك القانون، والعزف أيضا على كل الحبال خارج المساءلة الجنائية، ونظرا لتعدد وتنوع مواهبهم تجدهم « يبدعون » بأساليب متنوعة في ميادين شتى.

    ففي مجالات الرعي سجل بعضهم أرقاما قياسية في التسلل تحت ظلمة الليل لسرقة  » الدواجن والأغنام »، ومنهم من حقق حضورا متميزا وقويا في نفس الميدان ، حيث مكنته مواهبه الجريئة من السطو على « قطعان الماشية » من تحت سقوف منازل أصحابها، على الطريقة الهوليودية في تصوير « أفلام الويستيرن » رعاة البقر.
    وفي مجالات النصب والاحتيال سجلت عناصر أخرى من نفس العائلة، تقدما ملموسا في الرفع من عدد ضحاياها، كما أبدعت أيضا في نفخ المبالغ المالية المرتبطة بعمليات نصبها على المواطنين البسطاء، محققة بذلك شهرة « شوهه »واسعة، تسللت رواياتها ولاكتها ألسن المواطنين على امتداد ربوع المملكة. خاصة أن نشاطها في النصب شمل ميادين حساسة، بدءا من وزارة الداخلية بمختلف أجهزتها الأمنية، وفي مقدمتها الإدارة العامة للأمن الوطني، وصولا إلى مؤسسة الجيش وأسلاك البحرية الملكية.

    وفي مجالات الفلاحة تفننت شخصيات من العائلة ذاتها، في السطو على الأراضي وسلبها من أصحابها بشتى الطرق ومختلف الوسائل، تحت طائلة التهديد باللجوء إلى القضاء، وكذا برمي الضحايا في أقبية السجون بالقوة، وضدا على فصول القانون المغربي، كما هو الحال بالنسبة للفلاح حسن النوري (62 سنة)، الذي حاولت خالة الملك « حفصة أمحزون » استغلال قربها من القصر، للترامي على أرضه المسماة « تاغالفت » بطرق ملتوية وحقيرة للغاية، ولما دافع الفلاح عن أرضه، طاردته « حفصة » بسيارتها « رباعية الدفع »، فيما يشبه المطاردات البوليسية، في مشهد واضح من مشاهد الترعيب، وشكل من أشكال الترهيب حاولت من خلالهما « أمحزون »، تخويف ضحيتها وإجباره على التخلي عن أرضه المحاذية لأرضها.

    بعد تدخل عناصر من الدرك الملكي بمركز »مريرت »، تم اعتقال الضحية ووضعه تحت الحراسة النظرية من طرف النيابة العامة، بناء على تهديد صريح من خالة الملك « حفصة أمحزون » لرجال الدرك، بأنها ستعمد إلى قتل « حسن النوري »، إذا ما تم إخلاء سبيله من قبل الضابطة القضائية، وتأكيدا لذلك نسوغ « فقرة » من محضر الدرك الملكي بمركز « مريرت » بخنيفرة، تحت رقم 234 (إن المشتكية  » حفصة أمحزون » اعتصمت أمام باب مركزنا مطالبة باعتقال المشتكى به « حسن النوري »، وفي حالة خروجه سوف تقوم بقتله، وأمام هذا الوضع اتصلنا من جديد بالأستاذ خالد لشهب نائب وكيل الملك لدى مركزية مريرت فأصدر إلينا تعليماته بإبقاء المشتكى به بالمركز لتفادي أي مكروه)، مما يؤكد بكل وضوح أن قوة النفوذ وهيمنته قد تُجبر بعض المترتبين في سلك القضاء على اتخاذ قرارات خارج القانون، إرضاء لأمزجة هؤلاء « النافذين » في هرم المملكة، ولنا في « حفصة » نموذج حي يمكن القياس عليه في العديد من الحالات ذهب ضحيتها مواطنون بسطاء، لا لشيء سوى لأنهم دافعوا عن حقوقهم المشروعة أو رفضوا الخنوع للرغبات المجنونة لبعض « الواصلين ».
    هكذا تم اعتقال المواطن « النوري » بمخفر مركز الدرك الملكي بـ »مريرت »، مدة يومين تحت الحراسة النظرية، طبقا للمادة 80 من قانون المسطرة الجنائية، علما أن أمر الاعتقال جاء بناء على رغبة « حفصة أمحزون » وليس تنفيذا للقانون من قبل حراس العدالة وجنود سليمان القائمين على حماية حقوق المواطنين.

    تناسلت خيوط هذه القضية وتداعياتها لما ضبط « حسن النوري » ذات يوم أحد أتباع « حفصة أمحزون »، متسللا ناحية « زريبة الماشية » وقد شرع في رسم معالم جديدة لشق طريق بها، بهدف تغيير ملامح حدودها، وهو الأمر الذي تدخل بموجبه « النوري » لمنعه من مواصلة فعلته في توسيع حدود مُشغلته « حفصة » على حساب أرضه، حيث أمسك بتلابيبه وأخرجه بعيدا عن حدود ملكيته، منبها إياه بعدم تكرار نفس الفعل.
    إلا أن « الرباع » المدفوع من قبل « خالة الملك »، والمدعو »موحى بوسعيدي »، ورغبة منه في التصعيد لغرض في نفس مُشغلته، تقدم إلى مصالح الدرك الملكي بـ مريرت » بضواحي خنيفرة، بشكاية ضد « حسن » يتهمه فيها بـ  » الضرب والجرح ».

    بناء على المعطيات السابقة تحركت شهية « حفصة » لحماية خادمها « بوسعيدي » من جهة، وطمعا في السطو على أرض المعني بالأمر من زاوية أخرى، وكذلك كان.
    عمدت « خالة الملك » ـ حسب شهود عيان ـ إلى مضايقة ضحيتها « النوري » وهو بالمناسبة من مواليد مُستهل عام 1946، وذلك بافتعالها زوبعة من المشاكل لا أساس لها من الصحة، بهدف الترهيب والترعيب ليس إلا. فما كان من أمرها إلا أن تقدمت لوكيل الملك بابتدائية خنيفرة، بشكاية تتهم فيها حسن النوري بـ »الاعتداء الشنيع عليها بالضرب والجرح المُبرح، وتوجيه كلام فاحش يمس كرامة زوجها، والترامي على أملاك الغير بدون أي موجب شرعي ».

    مباشرة بعد ذلك استمرت في مطاردة « النوري » على طريقتها العنترية، وحسب تصريح لهذا الأخير مُثبت في محضر الضابطة القضائية رقم 237 بسرية الدرك الملكي بخنيفرة (بخصوص الترامي على ملك الغير، فكما سبق لي وأن صرحت فإن البقعة الأرضية موضوع النزاع فهي في ملكي والمشتكية « حفصة أمحزون » أرادت الترامي عليها، حيث رفعت ضدي شكاية لدى المحكمة الابتدائية بخنيفرة، ولم يتوقف الحد عند ذلك بل لاحقتني يومه 28/01/2007 حوالي الساعة الخامسة والنصف مساء بسيارتها من مدينة خنيفرة إلى مدينة « مريرت »، وتحديدا بالقرب من محطة البنزين إفريقيا، حيث كانت دورية تابعة للدرك الملكي واقفة بعين المكان، فطلبت مني التوقف قصد التوجه إلى المكتب بالمركز كونها رفعت شكاية ضدي، لأفاجأ بـ »حفصة » وهي تتوجه نحوي، ودون سابق إنذار قامت بفتح باب سيارتي بقوة، مما دفعني إلى إغلاقه تفاديا لأية مواجهة، خاصة وأنها كانت في حالة قصوى من الهيجان، وقد تبادلنا السب والشتم، وعندما كنت أغلق باب سيارتي، من المحتمل أن يكون الباب قد أمسك بأصبعها، علما أنني لم أعتد عليها ولم أقُم بضربها كما تدعي. ومن المُحتمل أن الجرح الذي على أصبعها، ناتج عن إغلاق باب سيارتي عندما حاولت هي الاعتداء علي.)

    الغريب في فصول هذه القضية أن « حفصة » قدمت شكايتها أمام العدالة، دون أن تترك لهذه الأخيرة فرصة القيام بواجبها في ضبط المشتكى بهم إذا ما رأت ضرورة لذلك، إنما شرعت شخصيا في مباشرة عملية إلقاء القبض على خصومها، ومن ثم انطلقت بسيارتها « رباعية الدفع » تلاحق « النوري »، والأغرب من ذلك أن هذا الفعل مُدون في أولى فقرات محضر سرية الدرك الملكي بخنيفرة، ونسُوقُها كما ورد ت حرفيا (بينما كنا نتواجد بملتقى الطريق الوطنية رقم 8 والإقليمية 7304، لاحظنا المشتكية « حفصة أمحزون » تلاحق المشتكى به « حسن النوري » على متن سيارتها، حيث كان هو الآخر على متن سيارته من نوع « ستروين برلينكو » فقمنا بإيقافهما، حيث طلبنا من المشتكى به الإدلاء بهويته للتأكد من صحتها، فوقع آنذاك خصام بينهما تبادلا من خلاله السب والشتم، ولما وصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي اضطررنا إلى التدخل، وطلبنا منهما مرافقتنا إلى مكتب مركزنا، وذلك تفاديا لأي مكروه، وعند وصولنا إلى المكتب على الساعة السادسة مساء فتحنا تحقيقا في الموضوع حيث استمعنا إلى  » النوري حسن ».)
    وبعد بحث دقيق في تفاصيل كل الجوانب المرتبطة بالشكاية التي رفعتها « حفصة » ضد « النوري »، تم استدعاء الشخوص الذين تعاقبوا على ملكية الأرض المتنازع حولها، وهم على التوالي (نوري عباس البائع الأول للأرض، الداودي مولاي هاشم المشتري الأول، عبد الرحمان البوعزاوي المشتري الثاني، حيث تم الاستماع إلى إفاداتهم في الموضوع، وبعد ذلك تم الاستماع أيضا للشهود من أصحاب الضيعات المجاورة للطرفين، وصولا إلى المعاينة الميدانية، حيث تأكد حسب المحضر الرسمي للدرك الملكي أن ( عند وصولنا إلى البقعة الأرضية موضوع النزاع حيث وجدنا الحدود في مكانها الأصلي، لم تتعرض للإتلاف ما عدا جزء من الجهة الجنوبية يقدر بمترين طولا، وعرضا بمتر واحد، في حين أن الحدود التي تطالب بها المشتكية فهي غير موجودة.)

    مما حذا بمحكمة خنيفرة إلى الاقتناع بافتراءات خالة الملك على جارها الفلاح، طمعا في الإستحواذ على بقعته الأرضية، واكتفت العدالة بمتابعة « النوري » في النقط المرتبطة بالضرب والجرح المبرح، والسب والقذف).
    بعد نجاحه في الإيقاع بالعديد من الضحايا في فخه

    ابن خالة الملك محمد السادس يتاجر في مناصب شغل وهمية

    في مستهل سنة 2006، تنكر أحد رجال التعليم بمنطقة خنيفرة، المدعو »والخباز علي »، في جلباب « وسيط » من العيار الثقيل في الأعمال الاجتماعية، مُتجولا بين الناس يُروج للقدرات الهائلة التي يملكها صهره « جاهد » أحد أبناء « حفصة أمحزون » خالة الملك محمد السادس، في توفير مناصب شغل بمختلف الإدارات العمومية، بحكم انحداره من عائلة عريقة تستمد قوتها من علاقتها بالعائلة الملكية العلوية الشريفة، ملمحا إلى النفوذ الواسع الذي تتمتع به هذه العائلة داخل المملكة المغربية، وكان « الوسيط » يروج لنفوذ وسلطان « عائلة أمحزون » لأغراض دنيئة في نفسه.

    بالنظر إلى الحجم الصغير لمدينة خنيفرة « عروس الأطلس المتوسط »، تدحرجت الإشاعة على ألسنة الناس بسرعة خاطفة وذابت بينهم كالملح في الماء، وأصبحت بحكم تدني مستوى الوعي بالمنطقة أشبه ما تكون بالروايات التي يتناقلها الركبان، فذاع صيت القدرات الخارقة لـ » جاهد » ابن خالة الملك، ومؤهلاته العملاقة في توظيف العاطلين وإنقاذهم من براثن البطالة ودروب الفقر والتهميش.
    هذه الصورة الوردية التي روج لها « الوسيط » صهر ابن خالة الملك، أسالت لُعاب الكثير من أبناء المدينة والضواحي ودفعت بهم إلى البحث عن الخيوط المؤدية إلى عرين هذا « الفارس » الأبيض الذي سيحول جحيمهم إلى فردوس، وبطالتهم إلى وظائف محترمة تمنع عنهم شر العطالة وقصر اليد، كما سيحول قلة حيلتهم إلى قوة تمكنهم من مواجهة قساوة الحياة، وهكذا تناسلت الطلبات وتنوعت مطامع الراغبين في الاستفادة من مؤهلات هذا »الفارس »، مما سهل مأمورية « الوسيط » في تحين الفرص السمينة، وعرضها على الرأس المدبرة لتنظر في شأنها وتحدد القيمة المالية لأتعابها.

    هكذا كانت البداية، ومن ثم عجت سماء الوسيط « علي » بالضحايا، ممن يرغبون في الحصول على مناصب شغل محترمة وغيرها من الخدمات المختلفة والمتعددة، فما كان من أمره ـ حسب مصادر مطلعة ـ إلا أن أضحى يُوهم المواطنين أو بالأحرى الضحايا، بالعلاقة المباشرة لصهره « جاهد » بالقصر الملكي، ويده الطويلة داخل أجهزة الأمن، ونفوذه القوي في الإدارة العامة للأمن الوطني، وكذا بالبحرية الملكية.
    ومن أبرز حالات النصب التي عرفتها مدينة خنيفرة في هذا المنحى، على يد هذا الوسيط وصهره ابن « حفصة أمحزون »، اللذين لازالا يتحركان بحرية مطلقة بالمدينة والضواحي:
    1)السيد « بوستى عبد الكبير » نصب عليه في مبلغ « أربعون ألف درهم » (40.000)، مقابل نجاح ابنه بوستى عبد الله (حاصل على شهادة الباكالوريا) في مباراة مفتشي الشرطة.
    2)السيد البكباش موحى وإبراهيم نصب عليه في مبلغ « ثمانون ألف درهم » (80.000) مقابل نجاح كل من ابنيه البكباش عبد الغاني و محمد (حاصلين على الإجازة)، في مباراة « ضباط شرطة ».
    3)السيد سلاك امحمد اتفقت معه « فاطمة » زوجة « والخبار علي »، بعد مفاوضات مارطونية على مبلغ « أربعون ألف درهم » (40.000)، مقابل نجاح أخيه سلاك بناصر (غير حاصل على شهادة الباكالوريا) في مباراة « مفتشي الشرطة »، كما تم الاتفاق أيضا على مبلغ خمسة آلاف درهم (5000)، مقابل استخلاص « شهادة الباكالوريا » لفائدته نظرا لضرورتها ضمن شروط اجتيازالمباراة.

    4)السيد « آوجوج محمد » نصب عليه في مبلغ « ثمانية وثلاثون » ألف درهم (38.000) مقابل نجاح أخيه « آوجوج علي » (حاصل على شهادة الباكالوريا)، في مباراة ضباط الصف الخاصة بالبحرية الملكية.
    5)السيد « المنصوري علي » سلب منه مبلغ « أربعون ألف درهم » (40.000) مقابل نجاح ابنه « المنصوري عزيز » (غير حاصل على شهادة الباكالوريا)، في مباراة « مفتشي الشرطة »، كما تم الاتفاق على مبلغ « خمسة آلاف درهم » (5.000) مقابل استخلاص شهادة الباكالوريا لفائدته.

    وارتباطا بالموضوع نُدرج ضمن هذه الورقة شهادة حية لـ « عبد الغاني البكباش »، أحد الضحايا الذين طالتهم آلة النصب باسم « ابن حفصة » خالة ملك البلاد، والتي ما تزال مسلطة سيفها على رقاب ساكنة مدينة خنيفرة وضواحيها، تحصد الضحايا على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الدراسية ومراكزهم الاجتماعية، خاصة وأن أبواب العدالة توصد في وجه كل من سقط صريع مصيدة « عائلة أمحزون ».

    البكاش أحد ضحايا ابن خالة الملك

    سلبنا أكثر من 30 مليون وأوهمنا بولوج أسلاك الشرطة دون اجتياز المباراة

    فوجئنا مطلع عام 2006 بأحد الوسطاء المحترفين في عمليات النصب والاحتيال، يتسلل بين المواطنين بمدينة خنيفرة، في عمليات بحث دؤوب عن ضحايا جُدد يضيف أسماءَهم إلى أجندته المملوءة عن آخرها بالضحايا، ممن وقعوا في شراك نصبه وسيناريوهاته المفبركة. ويتعلق الأمر بالمدعو (والخباز علي)، المنتمي إلى « أسرة التعليم »، وهو بالمناسبة صهر المسمى « جاهد »، هذا الأخير تربطه آصرة قرابة بملك البلاد محمد السادس، وبالقصر الملكي على اعتبار أن أم الملك (لطيفة أمحزون) هي خالته. وهي الصفة التي دللت العقبات أمامه في الإيقاع بضحاياه عن طريق إقناعهم بأن سلطة نفوذه وسلطانه، بحكم قربه من البلاط الملكي، تصنع المعجزات وتُحول المستحيل إلى ممكن في مملكة محمد السادس.

    في إطار نفس المأمورية تمكن المدعو « علي » من إقناعنا نحن خمسة من شباب منطقة خنيفرة، بالتدخل من أجل تمكيننا من وظائف بسلاليم الشرطة والبحرية الملكية، ولما تطور الأمر بيننا وتكثفت اللقاءات بالوسيط للتوافق حول المبالغ المالية التي سندفعها مقابل الخدمة إياها، حدد لنا الوسيط « علي » موعدا مع الرأس المدبرة للعملية برمتها وهو « جاهد » ابن خالة الملك، من أجل الشروع في تنفيذ الوعود التي ما فتئ يمهد لها صهره (والخباز علي). فعلا التقينا بجاهد الذي أكد لنا من جانبه أن له يدا طويلة جدا في مصالح الشرطة والبحرية الملكية وفي كل الإدارات داخل المملكة المغربية. مشيرا في الوقت ذاته أن بإمكانه إدماجنا في سلك الشرطة برتبة « ضابط »، بالنسبة لي ولأخي بحكم أننا حاصلون على « شهادة الإجازة »، دون المشاركة في المباراة الرسمية المخصصة لولوج أسلاك البوليس بالمملكة، وذلك مقابل مبلغ مالي حدده « جاهد » في (80.000) درهم بالنسبة لنا نحن الاثنين، وكان قد وعد في نفس اللقاء ضحية أخرى لم تكن تتوفر على « شهادة الباكلوريا » بإمكانية الحصول على هذه الشهادة مقابل إضافة 5000 درهم لاستخلاص ذات الشهادة، إضافة إلى 40.000 درهم المتفق عليها مسبقا ليصبح المبلغ 45.000 درهم. وكذلك الأمر بالنسبة لضحية أخرى كانت متواجدة معنا حيث وعده « جاهد » بإدماجه في أسلاك الشرطة المغربية برتبة « مفتش شرطة » مقابل 45.000 درهم. وآخر وعد بإدراجه في سلك البحرية الملكية مقابل 40.000 درهم.

    وبعد انتهاء اللقاء حدد لنا « جاهد » موعدا آخر لتسليم المبالغ المتفق عليها، وبناء على المعطيات المتوفرة لدينا حول قرب « جاهد » من محيط القصر الملكي، وسلطانه الواسع النفوذ بمنطقة خنيفرة، لم نفكر ولو للحظة أننا سنتعرض لعملية نصب، كما لم تراودنا أيضا أية شكوك في أمره، الشيء الذي دفعنا إلى الوثوق بكلامه، وتصديق وعوده خاصة وأن رياح البطالة والعطالة قد أخذت منا مأخذها، فما كان من أمرنا إلا أن سلمناه المبالغ المذكورة، بالمقابل أمدّنا خمسة أظرفة تحتوي على استدعاءات، كل حسب الجهة التي وُعد بالتدرج بين أسلاكها، على أساس أن نتوجه جميعنا مباشرة إلى « المعهد الملكي للشرطة »، حيث سيكون نقطة تلاقينا مع « ابن خالة الملك »، حسب الخطة التي رسمها لنا هو شخصيا بإتقان، أو بالأحرى الشرك الذي نصبه لنا عن سبق إصرار وترصد.

    توجهنا يوم 27/09/2006 جميعا إلى « المعهد الملكي للشرطة » على أمل أن يلتحق بنا « جاهد » حسب الاتفاق، لإتمام مهمته وترجمة أقواله إلى أفعال، بإلحاقنا مباشرة بصفوف الشرطة، إضافة إلى أنه وعدنا بالحضور إلى عين المكان صحبة أحد « الكولونيلات »، للأسف لم يأت لا « ابن حفصة أمحزون » ولا « الكولونيل »، فوقفنا النهار بطوله لا نلوي على شيء.
    ومع ذلك حاولنا من موقعنا مرارا ربط الاتصال به عبر هاتفه المحمول، إلا أن العلبة الصوتية كانت تنوب عنه في الإجابة على اتصالاتنا التي فاقت العشرة، نفس الأمر بالنسبة لهاتف (والخباز علي).
    انتقلنا مباشرة إلى منطقة « أكلموس » فلم نجد أي مخاطب هناك، حيث هرعنا على التوّ في اتجاه الوسيط (والخباز علي)، إلا أن هذا الأخير تبرأ نهائيا من « جاهد »، ملمحا إلى كونه هو الآخر قد نُصب عليه مثلنا تماما، ساعتها تأكد لنا جليا أننا تعرضنا نحن الخمسة لعملية نصب كبيرة في واضحة النهار حصد خلالها مبلغ 30 مليون سنتيم دفعة واحدة.

    لحظتها انطلق العداد العكسي لسيناريو محبوك حوله منفذوه ببراعتهم في تمثيل أدق تفاصيله إلى حقيقة مرة نتذوق علقمها بالعرض البطيء، حيث تحولنا من أصحاب حق منصوب عليهم إلى أناس ضعاف يبحثون عن وسيط أو عن أية وسيلة يسترجعون بها أموالهم من « جاهد »، وهي عملية تطلبت منا جهدا كبيرا طرقنا خلاله عدة أبواب من أجل تحقيقها، إلا أننا للأسف لم نوفق في الوصول إلى منفذ أو مخرج يمكننا من استرجاع أقساطنا المالية.
    لما تأكد لنا بالواضح أن جميع الأبواب قد سدت في وجوهنا، وكذا المنافذ المؤدية إلى السبل والمساعي الحبية لطي الموضوع بالتي هي أحسن، توجهنا بشكايتنا إلى القضاء للفصل فيها طبقا للقوانين المعمول بها في المملكة، حيث وضعنا الشكاية لدى وكيل الملك بابتدائية خنيفرة، وكان أملنا في العدالة كبير جدا. للأسف، منذ ذلك الحين والملف يتأرجح بين رفوف النيابة العامة التي أجرت بحثا في الموضوع عن طريق الضابطة القضائية ومصالح الدرك الملكي بالمنطقة، وبعد أخد ورد تم تنقيل الملف إلى يد السيد الوكيل العام لجلالة الملك بمكناس، وخلال تتبعنا لخيوط انتقاله إلى مكناس حيث الوكيل العام واستفسارنا عن مآل شكوانا القضائية، أسر إلينا بعض كبار المسؤولين هناك بأن المدعو » جاهد » له نفوذ كبير وقوي جدا سواء في المحكمة أو لدى جهات عليا بالبلاد.

    وكذلك كان، فهاهو اليوم يصول ويجول في خنيفرة دون أن تتحرك الآلة القضائية ولا مصالح الأمن لإلقاء القبض عليه. وملفنا مازال مجمدا في رفوف « دار الحق » إلى يومنا هذا، علما أننا قدمناه أواخر سنة 2006.
    الغريب في الأمر أن مصالح الدرك الملكي لم تقم باستجوابه حتى، مما يؤكد أنه ليس فوق القانون وحسب ، بل فوق رقاب المواطنين أيضا، حيث اكتفى الدرك فقط باستدعاء الوسيط (والخباز علي)، مع العلم أننا قدمنا الشكاية في حق »جاهد » والوسيط معا. وعلى الرغم من أن هذا الأخير أقر في محضر الاستماع إليه من قبل مصالح الدرك الملكي بخنيفرة، أن النصاب الحقيقي الذي تسلم المبالغ المالية هو « جاهد »، وتصريحات أخرى قوية تستوجب اعتقال « ابن خالة الملك »في الحال، إلا أن شيئا من هذا لم يحصل. حيث مازال الوضع على ما هو عليه في انتظار عدالة السماء.

    الأكيد أن ضحايا هذا « النصاب » كُثر، لكن قصور آلية العدالة في القبض عليه، يقف مانعا أمام تحريك دعاوى أخرى ضده من قبل أغلب هؤلاء الضحايا ممن سُلبت أموالهم بطرق مختلفة وأساليب حقيرة.. والحقيقة التي يجب الاعتراف بها بمنطقة خنيفرة، أن درجات الخوف التي تسري بين ضلوع غالبية هؤلاء المتضررين تمنعهم من مواجهة عائلة أمحزون ».
    محمد بنحلو / فلاح بسيط بمنطقة خنيفرة لـ « المشعل »
    زوج « خالة الملك » رئيس عصابة تهدد أملاك المواطنين وأرزاقهم بخنيفرة
    يروي « محمد بنحلو » الفلاح البسيط بمنطقة آيت موسى آيت لحسن أوسعيد، بجماعة موحى وحمو الزياني بخنيفرة، تفاصيل مثيرة لحكاية اختلطت فيها عناصر استغلال النفوذ، ونماذج من اللعب خارج طوق القانون والتحدي السافر لدار العدالة، للإستحواذ على ممتلكات المواطنين البسطاء وزرع الرعب في منطقة بأكملها. حيث يسرد « بنحلو » مشاهد أحداث واقعية، تبدو قياسا مع الشعارات المرفوعة في بلادنا حول التحولات الديمقراطية وما شابه، أقرب ما تكون إلى الغريبة، حول سرقة شملت قطيعا من ماشيته تم السطو عليها من منزله تحت جناح الظلام، في أغرب عملية سطو شهدتها المنطقة كان بطلها ـ حسب رواية بنحلوـ زوج  » أمينة أمحزون » خالة الملك.

    ورغم ضبط الدرك الملكي لعناصر الجريمة داخل ضيعة زوج « خالة الملك »، بحضور قائد المنطقة،ورغم مراسلة المتضرر لوزير العدل، عامل صاحب الجلالة على خنيفرة، القائد الممتاز بدائرة أحواز خنيفرة، الوزير الأول عباس الفاسي، وكيل الملك بابتدائية خنيفرة، الوكيل العام للملك باستئنافية مكناس و ديوان المظالم »، إضافة إلى رسالة مفصلة وجهت إلى جلالة الملك محمد السادس، لكنه لازال ينتظر الذي قد يأتي أو لا يأتي لإنصافه.
    كيف تمت سرقة الماشية من الإسطبل دون أن تنتبهوا لذلك؟

    الحقيقة أنني استيقظت ذات صباح، وتحديدا يوم الخميس 07/08/2008، على صياح الأبناء وهم يصرخون باختفاء « قطيع النعاج » من الإسطبل، فأخبرني أحد الأولاد بأن « النعاج » قد سرقت عن آخرها، وكان عددها 23 رأسا، إضافة إلى خروف و 3 عنزات. وكانت أغلب النعاج « حبلى ». مباشرة بعد علمنا وتأكدنا من اختفاء القطيع انتشرنا في المنطقة في عملية بحث دقيقة وموسعة لمعرفة الوجهة التي آل إليها « قطيع النعاج »، وبعد مدة دامت قرابة الساعتين رجعنا إلى نقطة الصفر لا نلوي على شيء، باستثناء أحد أبنائي الذي عثر أثناء عودته على جثة « جدي » مذبوحا،وهو مُسجى على قارعة الطريق، فهرعنا جميعا إلى مكان الواقعة،فتأكد لنا أن الغنم لم تحمل على متن شاحنة أو أية وسيلة نقل أخرى. اهتدينا بحكم خبرتنا في الرعي ومعرفتنا الواسعة بالطرق التي تُسرق بها الماشية، إلى تقفي أثر أقدام القطيع، وكذلك كان، حتى وقفنا على ضفاف نهر أم الربيع.
    وماذا بعد، هل عُدتُم أدراجكم؟

    بالعكس، تقفينا الأثر فوق جسر صغير، عبر الطريق المؤدية إلى منطقة « كهف النسور » و »أكلموس »، وبما أن سني لم يعد يسمح لي بالمشي طويلا، أمرت الأولاد بمواصلة البحث بسرعة حتى لا يبتعد اللصوص عن المنطقة، وهو ما تم بالفعل إلى أن وصلوا إلى إسطبل بـ « ضيعة » خالة الملك « أمينة أمحزون »، الذي يديره زوجها « محمد السرويتي »، وبعد أن التحقت بهم إلى عين المكان، وجدنا الأثر قد انتهى هناك، مما يعني أن « قطيع النعاج » يتواجد داخل « عرسة » أمينة أمحزون، ومع ذلك لم نجرؤ على اتهام الناس دون دليل، فأمرت أبنائي بمراقبة المكان جيدا، دون إثارة الانتباه، بينما قصدت مركز الدرك الملكي وأخبرتهم بجميع تفاصيل عملية السرقة التي تعرضت لها « نعاجي » بآيت موسى لحسن أو سعيد بجماعة موحى وحمو الزياني بخنيفرة، وكذا عن مراحل عملية البحث التي قمنا بها في الموضوع، مؤكدا لهم شكي في كون « النعاج » تتواجد بإسطبل « أمينة أمحزون »، وبناء عليه انتقلت صحبتي عناصر من الدرك الملكي إلى عين المكان، وتحسسنا، جميع الأماكن عن بُعد علّنا نقف على دليل إثبات يؤكد وجود غنمي بالداخل، للأسف لم نسمع ولو شيئا يؤكد ذلك، فغادر رجال الدرك المكان، بينما بقي الأبناء يحرسون المكان علهم يعثرون على ما يؤكد تواجد القطيع بالداخل، واستمروا على هذا الحال لمدة 3 أيام، حيث كانت المفاجأة الكبرى، أن رأى الأبناء أحد الكلاب وهو يجر جثة الخروف الصغير ضمن القطيع المسروق من داخل إسطبل »أمينة أمحزون »، ولما تعرفوا عليه اتصلوا بالدرك لمعاينة الواقعة في مكانها، وكذلك كان، ومع ذلك لم تتجرأ عناصر الدرك على اقتحام المكان، لكن الروائح الكريهة التي ملأت المكان جراء تعفن الجثث أجبر السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي على اقتحام المكان، حيث وجدنا القطيع « منحورا » عن آخره، حيث تم شق الصدر بواسطة آلة حادة، 23 نعجة أغلبهن « حبلى » تم الفتك بهن بطريقة وحشية ودسهن وسط أكوام التبن، مخافة تسلل أصواتهن خارج أسوار الإسطبل، وانفضاح أمرهم، لكن الروائح النتنة نتيجة تعفن الجثث كانت أقوى من الصياح والضجيج والثُّغاء.
    كيف كانت ردة فعل السلطات المحلية والدرك؟

    حرر كل منهما تقريرا بمعرفته، ضبطا من خلاله عملية تواجد القطيع المسروق داخل إسطبل « أمينة أمحزون »، مسفوك الدماء بطريقة وحشية لدرجة أن بعض « النعاج » انفجرت من بطونها « الخراف التي كانت حبلى » بها، في مشهد مقزز للغاية، يؤكد أن اللصوص أرادوا إخفاء سرقتهم الخسيسة بواسطة اقترافهم لجريمة أكبر منها، ذهبت ضحيتها أعداد من الخراف والنعاج. وقد قامت السلطات والدرك بتصوير هذا المشهد المريب، وبعد ذلك تم إخراج القطيع من الإسطبل إلى الساحة المجاورة، حيث تم حرق الجثث درءا لانتشار الروائح الكريهة.
    وتجدر الإشارة إلى أني كنت أصف لرجال الدرك العلامات الخاصة بكل نعجة للتأكيد بأن القطيع المقتول هو قطيعي حتى لا يتم تزوير الأمور في المستقبل.

    ماهي الإجراءات العملية التي قام بها مركز الدرك الملكي بخنيفرة؟
    للأسف، لم تتخذ أية إجراءات عملية لإقرار الحق رغم ثبوت الأشياء ووضوح الأدلة ضد « محمد السرويتي » زوج خالة الملك، حيث ضبطت المسروقات في إسطبله وبعلمه أو ربما تم قتل القطيع بأمر منه، ومع ذلك لم تتحرك الآلة القانونية التي تحكم البلاد، لمساءلته واعتقاله جراء الأفعال المسنوبة إليه. مما يؤكد بكل المقاييس أن الرجل يعيش في المملكة بعيدا عن المساءلة، وخارج سلطة القانون وسلطان القضاء، مما يحفزه على « الإبداع » في أشكال السطو والعدوان والاحتقار والاستغلال وحتى التعذيب.

    ألم تتصل بك « أمينة أمحزون » أو أي فرد من عائلتها لإقناعك بالتراجع عن شكايتكم ؟
    أجل، اتصلت بي « أمينة أمحزون » شخصيا، وكان ذلك أمام مقر الجمعية المغربية لمساندة المرضى المصابين بالقصور الكلوي بمركز تصفية الدم بخنيفرة، حيث وجدتها في حالة صحية جد متدهورة، فسألتني إذا ما كان زوجها السرويتي هو من قام بسرقة القطيع، فأعلمتها بأنه الفاعل الحقيقي ومدبر عملية السرقة منذ بدايتها، بل إنه رئيس عصابة تهدد أملاك المواطنين بالمنطقة، وكان هذا الحوار في حضور « السرويتي » وعلى مسامعه، فحاولت هذه الأخيرة الدفاع عنه، مُشيرة إلى أن الناس تتهمه بأشياء لا أساس لها من الصحة، مُبدية استعدادها للتفاوض معي حول تعويض القيمة المالية للقطيع، وهو الأمر الذي قبلتُ به، شريطة أن يكون التعويض مناسبا لحجم الضرر، مقابل أن أتنازل عن الشكاية المرفوعة لوكيل الملك وينتهي الأمر. فوافقت « أمحزون » على هذا الاقتراح ووعدتني بإتمام الإجراءات فيما بعد،وحددت موعدا في نفس ا ليوم على الساعة السادسة مساءا بمقهى « فندق النجاح »، لكنها لم تلتزم بالحضور حسب الاتفاق، وبعد مدة جاءتني إلى سوق المدينة، وأكدت لي صدق نيتها في تعويضي وإنهاء المشكل، فاتفقنا مرة أخرى على التنسيق مع أخ السرويتي » جمال »، وكذلك كان، حيث التقيت هذا الأخير وحددنا موعدا آخر بنفس الفندق للفصل نهائيا في الموضوع، إلا أنه للأسف لم يلتزم، مما يعني أني سلكت جميع السبل والمساعي الحميدة لفك النزاع خارج قاعات المحاكم ومخافر الدرك الملكي، للأسف وجدت هؤلاء يجتهدون لتمطيط الوقت ليس إلا.

    ألم تشتك هؤلاء إلى عامل صاحب الجلالة على إقليم خنيفرة؟
    نعم، لقد لجأت إلى السيد العامل واستقبلني في مكتبه، وقلت له حرفيا (أنت ممثل صاحب الجلالة بالمنطقة وأنا من الفلاحين الصغار بالمنطقة، تم الاعتداء على قطيع غنمي وقتلها بعد سرقتها من قبل « السرويتي محمد » زوج « أمينة أمحزون » خالة الملك)، فأخبرني العامل بأنه على علم بكل تفاصيل الملف، حيث وجدته على بينة بكل صغيرة وكبيرة في الموضوع، بل إنه اتصل بالسرويتي هاتفيا في حديث دام أكثر من نصف ساعة، وحدد معه موعدا على مسمعي، الشيء الذي دفعني إلى إخباره بنيتي في تنظيم مسيرة احتجاجية أمام باب العمالة تنديدا بالمؤامرات الخسيسة التي تحاك ضد المواطنين من قبل « عائلة أمحزون » وأتباعها، فطلب مني العامل تأجيل أمر تنظيم هذه المسيرة إلى غاية طي الملف نهائيا، ثم غادرت العمالة إلى يومنا هذا، ولم يتصل بي عامل الإقليم ولو على سبيل المزاح حتى!

    كيف كانت ردة فعل وكيل جلالة الملك، لما توجهتم له بالشكاية؟
    دخلت على وكيل الملك بابتدائية خنيفرة، لأقدم شكاية بخصوص ما حصل لي مع « محمد السرويتي »، فسألني الوكيل ضد من أقدم الشكاية، فقلت له ضد « عائلة أمحزون » فدقق معي في السؤال، حول من في عائلة أمحزون؟ فقلت له ضد « أمنية أمحزون » خالة الملك (خالة سيدنا الله ينصرو)، فوضع الوكيل رأسه بين يديه متأففا، ثم طلب مني التوجه إلى الدرك الملكي وتحديدا عند (لاجودان البقالي)، بعد أن تسلم مني الشكاية، فلما قصدت هذا الأخير طلب مني فتح محضر جديد بخصوص النازلة إياها، وكذلك كان، حيث فتحنا ملفا جديدا، ومع ذلك لا حياة لمن تنادي وكأننا نصارع جبلا من الحديد والإسمنت المسلم.

    للأسف لم نتوصل مند 11 غشت 2008 تاريخ وضع شكاية لدى الوكيل إلى يومنا هذا بأي خبر عن الموضوع، مما أجبرنا على اللجوء إلى جهات أخرى، كمراسلة وزير العدل، عامل صاحب الجلالة على خنيفرة، القائد الممتاز بدائرة أحواز خنيفرة، الوزير الأول عباس الفاسي، الوكيل العام للملك باستئنافية مكناس، ديوان المظالم، ثم رسالة مفصلة إلى الديوان الملكي لجلالة الملك محمد السادس. إلا أني لم أتوصل بأي جواب ماعدا « ديوان المظالم » الذي مكنني من رسالة موجهة لوكيل الملك، والتي تم بموجبها تحريك الشكاية الموضوعة بالمحكمة، كما تم على إثرها تحرير أمر باعتقال « محمد السرويتي »، لكن عملية تنفيذ الأمر من طرف السلطة التنفيذية بالمدينة والتي يمثلها عامل صاحب الجلالة،ظل معلقا ولم تنفذ أمر النيابة العامة باعتقال زوج خالة الملك، ومساءلته من أجل المنسوب إليه.
    جمال بنحلو ابن صاحب القطيع المسروق يصرح لـ »المشعل »
    عصابة زوج « خالة الملك » قتلت 23 نعجة بعد سرقتها ودست جثثها وسط أكوام التبن.

    يسرد « جمال بنحلو » ابن الضحية الذي تم السطو على « قطيع شياهه » وقتلها بوحشية، أدق التفاصيل لخيوط الجريمة البشعة التي كان بطلها الرئيسي زوج « خالة الملك »، حيث تسللت عصابة هذا الأخير إلى جوف مسكن الضحية، في مشهد أقرب إلى سيناريوهات الأفلام الهوليودية، التي تؤرشف لأشرطة عن الحياة البرية لـ »رعاة البقر »، وهم يتسللون تحت جناح الليل لسرقة « الماشية » من ضيعات أصحابها. لكن « جمال » يروي قصة مثيرة عاشها في واقعه اليومي، يؤرخ من خلالها لنماذج من الحياة المغربية التي تخللتها وتتخللها الكثير من النقط والفواصل، وخليط من علامات الاستفهام والتعجب، وسيل من علامات قف وإشارات المنع، مؤكدا بذلك مضمون الشائعة الرائجة عن المغرب » مادمت في المغرب فلا تستغرب ».

    تلمستُ ومجموعة من إخوتي أثر وقع أقدام قطيع « النعاج »، إلى أن انقطع وقعه أمام إسطبل بضيعة « أمنية أمحزون »، وهو الأمر الذي قوى شكنا في تواجد قطيع الغنم داخل الضيعة إياها، ورغم ذلك ركزنا على تعميق التأكد أكثر من وقع الأثر، حتى لا يختلط علينا الأمر بأثر أقدام قطيع آخر، مما دفعنا إلى التوجه بالسؤال للجيران للوقوف معهم على الحقيقة، لكنهم أكدوا لنا بأن ليس هناك أي قطيع للغنم مرّ من ذات الطريق، فقط هي بقرة وعجل يعبرانها يوميا، وهي الشهادة التي بددت الشكوك التي حلقت فوق رؤوسنا، وأكدت لنا من زاوية أخرى تواجد قطيعنا داخل الضيعة، لكن الذي ظل ينقصنا هو تأكيد ذلك بالدليل والحجة. ولا يفوتني التذكير في هذه اللحظة بالذات أني لما وقفت بمحاذاة الضيعة، فاجأني أحد « الرباعة » ويدعى « أوسعيد »، دون أن أسأله عن القطيع المسروق، إذ بادر إلى تحذيري من اتهامه بـ »سرقة » أي نوع من الماشية، وهو الأمر الذي حرك الوساوس في رأسي من جديد، خاصة حول مصدر علمه ببحثي عن القطيع، علما أني لم أنبس بأية كلمة في الموضوع.. ومع ذلك لم أُبد له أي نوع من أنواع الشك والارتياب في أمره، وتأكيدا لذلك طلبت منه مد يد العون لنا في البحث عن قطيعنا المسروق، ولتضليلنا عمد « الرباع » إلى توجيهنا نحو وجهة معاكسة، على اعتبار أنه لاحظ بها وقع أثر لقطيع غنم ربما قد نهتدي من خلاله إلى الوجهة الحقيقية التي آلت إليها « النعاج »، ورغم يقيني من كذبه جاريته فيما يقول وأرسلت إخوتي في الاتجاه الذي أشار إليه، بينما وقفت في مكاني أرقبهم، فجأة رمقت ستة شبان انسلوا من قلب ضيعة  » أمحزون » إلى الجهة الأخرى، وهم يركضون بسرعة جنونية كما لو كانوا يسابقون الريح، لاحظت أيضا من موقعي « أوسعيد » وهو يتحدث عبر الهاتف في حالة تؤكد عن بُعد أنه في موقف لا يُحسد عليه، بعدها ركب سيارته وانطلق بسرعة البرق، حيث ظهر من خلال حركاته وكأنه ينفذ أمرا عاجلا توصل به عبر الهاتف، ومنذ تلك اللحظة لم يظهر له أثر إلى الآن.

    واصلنا حراسة المكان خلال ثلاثة أيام بلياليها، ترصدنا فيها جميع الحركات والسكنات وأحصينا كل الأنفاس التي تحوم حول الضيعة، والأمل يحذونا في التوصل إلى دليل مادي يؤكد صحة وجود قطيعنا « المسروق »داخل الإسطبل، لعلمنا أنه طالما لم يظهر أي دليل مادي على تواجد الغنم داخل الضيعة، لن نتمكن من القيام بأية مبادرة لولوج المكان.

    الذي جرى داخل الضيعة أن اللصوص لما شعروا بالخطر، وعلموا بوجودنا وتطويقنا للضيعة، عمدوا إلى قتل « النعاج » وليس « ذبحها »، درءا منهم لأية حركة قد تثير الضجيج وتفضح المستور، وبعد ذلك دسوا الجثث وسط أكوام التبن، اعتقادا منهم بأن خطة القتل ستجعلهم ينسلون من عملية السرقة كـ « الشعرة من العجين »، لكن بعد مرور ثلاثة أيام تعفنت جثث « النعاج »، وفاحت روائحها الكريهة على طول مئات الأمتار بالمناطق المجاورة، هكذا تسللت إلى أنوفنا فاضحة « المستور » مباشرة بعد تسربها خارج أسوار الضيعة.

    ونحن نتشاور حول الطريقة التي تمكننا من التأكد أكثر، كون الرائحة إياها، منبعثة من جثث « نعاجنا »، لفت انتباهنا كلب وهو يجر خروفا بين أكوام التبن داخل الضيعة، وبحكم معرفتنا للخروف تأكدنا أن الروائح المنبعثة من جوف الضيعة هي للقطيع الذي نبحث عنه، فقمنا على وجه السرعة بإخبار رجال الدرك الملكي، وقائد المنطقة بالأمر فحضروا إلى عين المكان، ومع ذلك لم يتجرؤوا على اقتحامه، لكن قوة الروائح الكريهة أجبرتهم على ذلك، والبقية سردها لكم والدي.

  • « الدعارة في المغرب »…

    لعل الهجوم المسعور الذي طال مؤخرا فيلم »الزين اللي فيك » الذي يتناول بكل مصداقية و تجرد آفة الدعارة في المغرب, كفيل بأن يوضح لنا مدى نفاق و شيزوفرينية هذا الشعب « التائه », بين الاسلام و قيمه و أخلاقه المزعومة من جهة, و بين مرتبة ثاني دولة في ممارسة الدعارة على المستوى العالمي من جهة أخرى…

    فبمجرد خروج بضع مقاطع من الفيلم المثير للجدل,تعالت أصوات المنافقين الذين مازالوا يقتاتون على ثقافة »الحشومة »و دس الرؤوس في الرمال,والاختباء وراء الخندق الأخير الذي بقي لهم ألا و هو الاسلام الذي تعرض على يد أمثالهم لبهدلة لم يسبقهم اليها أحد من العالمين,الاسلام الذي يشرعنون به الاستبداد و الفساد و اغتصاب حق المواطن و نهب قوته و تسليع المرأة و »التاقواديت »بكل أشكالها.

    في نظري فذلك الفيلم لا يجسد فقط واقعا اجتماعيا معاشا في هذا البلد السعيد, بل سياسة عليا عند حكام هذا البلد و على رأسهم القواد محمد السادس, و أحد أعمدة و ركائز الاقتصاد في المملكة الشريفة, اضافة طبعا الى انتاج المخدرات و تصديرها,و لغة الاحصائيات واضحة في هذا المجال,حيث صار المغرب ثاني دولة في الدعارة على الصعيد العالمي..فأين يختبئ النابحون أمام هذه الحقيقة؟أين اسلامكم و قيمكم بل أين كرامتكم و انسانيتكم قبل كل شيء يا شعب المنافقين و القوادين؟

    و لماذا يخرس الجميع عندما يتعلق الأمر بالمجرمين و المسؤولين الحقيقيين عن هذا الواقع, و أولهم معبودهم القواد الهمام,محمد السادس,راعي الدعارة و البيدوفيليا في المغرب هو و حاشيته من أجراء الاستعمار؟و الذي يستقدم أمراء الخليج و أثريائهم لاغتصاب بناتكم القاصرات في قصوره و اقاماته و فنادقه تحت حماية السلطات,و يتلقى أتعابه على شكل هبات و مساعدات يضع قسما منها في حساباته السرية,و الباقي يصرف عليكم؟به تأكلون خبزكم و به تبنى مساجدكم التي تسجدون فيها خمس مرات في اليوم و يتلقى أئمتكم و فقهاؤكم رواتبهم السمينة كل شهر؟

    من المعلوم أن الدعارة بوصفها « أقدم مهنة في التاريخ », موجودة في كل مكان و زمان, لكن الاشكال في المغرب يتعدى كونها مجرد ظاهرة فئوية تقتصر على أقلية اجتماعية محددة, بل يصل الى حد جعلها نمط حياة و مصدرا للدخل القار عند الكثير من فئات هذا الشعب المغبون بأغنيائه و فقرائه,و أيضا سياسة اقتصادية عليا في هذا البلد الذي جعل منه المخزن الحقير و على رأسه »أمير المؤمنين »القواد محمد السادس ماخورا كبيرا تشد له الرحال من كل أصقاع الأرض و من كل فج عميق,مما جعل المغاربة يخجلون من الكشف عن جنسيتهم في بلدان أخرى لأن شبهة الدعارة صارت لصيقة بالمغربي و محصورة به..

    و لا يفوتنا الحديث هنا عن نوع آخر من الدعارة غير الذي يعرفه الجميع, ألا و هو الدعارة الراقية التي تمارسها علية القوم في المغرب, ليس طلبا للمال, بل حفاظا على المصالح الاقتصادية و السياسية الكبرى التي تجمع العصابة المخزنية بكل مكوناتها مع شركائها في الخارج من أمراء الخليج, و أثرياء اليهود في فرنسا و أمريكا, الذين يصنعون القرار العالمي عن طريق لوبيات الضغط, و هذه الدعارة تمارسها كل مكونات العصابة الحاكمة في المغرب, من كبار الضباط و الجنرالات و الأمنيين و الاداريين,مرورا بالعائلات المخزنية المعروفة التي تسيطر على اقتصاد البلد, و وصولا الى قمة الهرم أي العائلة الحاكمة…كل هؤلاء يدفعون ببناتهم و نسائهم لممارسة الدعارة مع الأطراف السالفة الذكر تعزيزا للنفوذ, و طلبا للحماية و التغطية الدوليتين.

    ختاما يبقى أن نشير الى أن الشعب المغربي أيضا يتحمل جانبا مهما من المسؤولية في هذه المأساة التي وصل اليها حال البلاد,فبكل صراحة و دون تحامل,فالشعب المغربي يعتبر من أرخص الشعوب و أحقرها,شعب يسهل تسليعه و استعباده و المتاجرة في أرضه و عرضه من طرف حكامه دون أي مقاومة تذكر,لا بل زيادة على كل هذا يصفقون و يركعون لهم و يقدسونهم و يبيعونهم شرفهم و شرف نسائهم و أولادهم, و لعل العفو الملكي عن مغتصب الأطفال و ردود الفعل الهزيلة التي تلته خير دليل على هذا الكلام, فالكل شاهد كيف ذهب آباء الضحايا للركوع و تقبيل الأيادي, و قبضوا ثمن كرامة و شرف أطفالهم بالدرهم…

    و لنا في الشعب الجزائري الذي لا يبعد كثيرا عنا لا جغرافيا و لا ثقافيا خير مثال..

    لماذا لا يقصد خنازير الخليج الجارة الجزائر لاشباع نزواتهم و تفريغ كبتهم؟و لماذا لا يركع الجزائريون لحكامهم؟أجيبوا عن هذا السؤال المزدوج يا معشر القوادين,يا شعب العبيد و العاهرات..

  • الحسن الثاني والشعوذة

    هناك جانب من شخصية الراحل الحسن الثاني استعصى فهمه على الغربيين، وهو المرتبط بتشبثه ببعض المعتقدات المطبوعة بالشعوذة.
    كانت حياة الملك الراحل الحسن الثاني اليومية رفقة المقربين منه والمحيطين به وحاشيته وحريمه لا تخلو من ممارسات وتصرفات تطبعها الشعوذة بحدة. وبعيدا عن صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد والملك العصري المتشبع بالثقافة الغربية عموما، والفرنكفونية على وجه الخصوص، تتراءى بعض معالم الحسن الثاني الإنسان المهتم أحيانا بما يرتبط بالسحر والشعوذة وبعض الاعتقادات الخرافية.

    لقد أفادنا التاريخ أن السلطة كانت دوما تستعين بالخرافة والشعوذة والسحر بموازاة مع استعمال القوة والمكر السياسي والتخطيط لدوام التمسك بزمام الحكم.
    ورغم أن الراحل الحسن الثاني كان عقلانيا و »كارتيزيا » في تعامله مع الغرب وتعاطيه مع قضايا العصر والاقتصاد، فإنه في أكثر من تصرف، وعلى فترات متباعدة، أبدى أنه لا يقتصر على الاعتراف بسلطة العقل فقط، بل ثبت أكثر من مرة، أنه لجأ إلى سلطان الشعوذة والسحر، سيما بخصوص الأمور التي يعجز العقل والدهاء والتخطيط عن رسم معالم مستقبلها.

    وهناك روايات كثيرة حفظتها الذاكرة الجماعية، وردت على أكثر من لسان ممن عاشوا داخل القصر أو كانوا مقربين من الملك ومطلعين على ما يجري ويدور خلف أسوار البلاط.
    وقد احتار الكثير من الغربيين، خصوصا الفرنسيون منهم في تصنيف شخصية الملك الراحل الحسن الثاني بالشخصية المزدوجة إلى حد الانفصام، إذ بدا لهم أنه يفوق أي مغربي في تجسيد العصرنة والحداثة، إذ لم يكن يظهر أحد بالمغرب عصريا أكثر منه، كان يتكلم فرنسية راقية لا يتكلمها الكثير من الفرنسيين أنفسهم، كما كان مستوعبا لثقافة عصره ومعارفه، لكنه في نفس الوقت كان يبدو أحيانا محافظا أكثر من أعتى المحافظين، ومتشبثا بالتقاليد والأعراف الغارقة في القدم، التي لا يستسيغها العقل، من قبيل الإيمان بجملة من الخرافات والاعتداد بالشعوذة أو اللجوء إلى السحر.

    أكثر من جهة أكدت اهتمام الملك الراحل الحسن الثاني بعوالم السحر والشعوذة الغامضة وبحثه وتنقيبه عن الفقهاء والعرافين والمنجمين والمشعوذين، الذين كان بعضهم يجتهدون في عرض خدماتهم ومهاراتهم على البلاط ورجال السلطة وأكبر المسؤولين.

    إن رجال السياسة والاقتصاد والمسؤولين الكبار، يلجأون إلى خدمات السحرة في اللحظات التي يشتد فيها التنافس والصراع أو يبرز خلالها غضب الحاكم. علما أن السحر والشعوذة، ليست ظاهرة مقتصرة على المغرب والقيمين عليه، وإنما هي ظاهرة عالمية، فحتى أقوى الحكام والزعماء، عبر التاريخ، لجأوا إليه، فنابليون وهتلر على سبيل المثال لا الحصر، ذاع صيتهما في مجال الاستنجاد بالسحر والشعوذة، كما أن العين المرسومة على الدولار الأمريكي كان الغرض الأصلي منها هو درء حسد الحساد في بلد يعتبر برغماتيا وعقلانيا أكثر من غيره.

    الملوك العلويون لا يعبرون واد ماسة

    من المعتقدات الغريبة التي حرص الملك الراحل الحسن الثاني على احترامها عدم عبور واد ماسة، إذ ساد أن عبوره قد يكون سببا في إلحاق ضرر ما بالملك أو أحد أفراد العائلة الملكية.

    حسب هذا الاعتقاد لو قام ملك علوي بعبور هذا النهر، في أي وقت من السنة، من شأن هذا الفعل أن يؤدي إلى تحريك آلية الشرور التي يمكن أن تلحق بالملك أو أسرته أو محيطه المقرب بأضرار، خلال ما تبقى من السنة التي خالف فيها الملك هذا العرف.
    ومن المعلوم أن الملك الراحل الحسن الثاني لم يسبق أن عرف عنه أنه عبر واد ماسة، وفي زياراته لجنوب المغرب، حينما كان يصل الموكب الملكي إلى قنطرة واد ماسة الكائنة بالطريق الرابطة بين آيت ملول وتزنيت، يغادر الملك موكبه ليمتطي طائرة مروحية تتجه صوب البحر ومبتعدة مسافة كبيرة عن مصب النهر ثم تعود إلى اليابسة لتحط بالضفة الأخرى لواد ماسة وذلك تلافيا لعبوره، سواء كان الملك آتيا من الشمال في اتجاه الجنوب أو العكس.

    « التبارود »

    في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني ساد اعتقاد يفيد أن جسده محمي بقوة خارقة تمنع عنه الضرر ولو باستعمال السلاح، أبيض كان أو ناريا، وذلك بفعل ما ينعت بـ « التبارود ».
    و »التبارود » سحر مكون من أحجبة وخليط خاص، وصفته سرية، ملك سرها القليل جدا من الفقهاء وتوارثوها فيما بينهم حرصا على عدم تداولها.
    ويخضع تهييئها لمجموعة من الطقوس لا يعلم مكوناتها ومقاديرها وطريقة إعدادها إلا بعض الخاصة من الفقهاء، وينعتها الكثيرون من العلماء بنوع من أنواع السحر الأسود، علمه بحوزة أدهى السحرة.
    وقد شاع في بعض الأوساط الخاصة أن « خلطة التبارود » تهيأ في إحدى ليالي شهر رمضان وفي لحظة معينة لا يعلمها إلا الراسخون في « علم الدمياطي » و »فنون » السحر الأسود. وقد قيل، من يستفيد من هذه الوصفة لا يصيبه أذى أي سلاح أبيض أو ناري (سيف، خنجر، ساطور، رصاص، قاذفة…).

    وحسب العالمين بأمور السحر الأسود، إن جدوى « التبارود » ليست مرتبطة فقط بالخلطة المذكورة ووصفتها وظروف وطقوس وتوقيت إعدادها، وإنما تستوجب كذلك أحجبة وتمائم يتم إعدادها من طرف جهابدة السحر الأسود، يحملها معه المستفيد من الخلطة والمدهون بها. في حين رأى البعض الآخر، أن « التبارود » مجرد إشاعة تم بثها بين الرعية لتكريس قدسية السلطان وتقديمه كخليفة الله في أرضه، يحظى برعايته وحمايته وحفظه، وبالتالي لا داعي للتفكير في محاولة إلحاق أي أذى به أو المساس بشخصه، لأنه محصن إلاهيا روحا وبـ « التبارود » جسدا.
    إلى حدود انقلابي 1971 (الصخيرات) و1972 (الهجوم على الطائرة الملكية) كان المواطن البسيط يرى في الملك شخصية فوق البشر، إلا أن هذه الصورة تغيرت بفعل ما تسرب من أحداث ونوازل كان قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971 مسرحها، إذ أقر بعض الحاضرين أنهم عاينوا الملك الراحل الحسن الثاني رافعا يديه تحت التهديد وفواهة رشاش مصوبة نحوه من طرف جندي بسيط قبل أن يتعرف عليه ليمكنه من الإفلات من الذين كانوا يبحثون عنه لتصفيته.

    آنذاك فهم العديد من المغاربة البسطاء ما كان لا يخطر على بالهم من قبل، وعلم أنه يمكن اقتحام القصور الملكية وتهديد الملك، وأن هذا الأخير ليس عن منأى الأخطار المحدقة بكل بشر، سواء كان ملكا أم مجرد مواطن بسيط.
    علما أن البلاط اعتمد على ثقافة شرعية تقليدية، روج لها آنذاك، تمزج بين الدين والتاريخ وتجعل الملك كائنا مقدسا، وعلى هذه النظرة تأسست كل حركات المغاربة وسكناتهم.

    « البركة » والجن في خدمة الحسن الثاني

    من المعتقدات التي راجت بين مغاربة الخمسينات والستينات والسبعينات، أن الملك الراحل الحسن الثاني يتوفر على نوع خاص من « البركة » تحفظه من كل سوء، وتأكد هذا الاعتقاد بعد نجاته من محاولة انقلاب الصخيرات والهجوم على الطائرة الملكية.
    ارتبط هذا الاعتقاد باعتقاد آخر راج ببعض الأوساط الشعبية، مفاده أن بعض الجن كانوا في خدمة الملك الراحل الحسن الثاني، وشاع حينئذ أنه (الملك) تمكن من التحكم فيهم بفضل فطاحلة الفقهاء السوسيين المتبحرين في « الدمياطي » وتسخير الجن وبعض السحرة اليهود. وفي فترة معينة من عهد الملك الراحل ارتبط هذا الاعتقاد بالخاتم الذي يملكه والذي وصف بخاتم الحكمة.
    وقد أكد أكثر من مصدر مطلع أن بعض الفقهاء كانوا يزورون القصر في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وهم نفس الفقهاء الذين كان يقصدهم علية القوم من مسؤولين ووزراء وموظفين سامين، وكان قلة من هؤلاء الفقهاء من المقربين للبلاط، وكانت لهم حظوة خاصة سيما وأن الملك يستأنس برأيهم ونصائحهم.

    المسيرة الخضراء والشعوذة

    قبل إعطاء انطلاقة المسيرة الخضراء في نونبر 1975، طلب الملك الراحل الحسن الثاني إحضار الفقيه الحاج محمد الحبيب إلى القصر الملكي من مقر إقامته بزاوية سيدي الزوين بضواحي مراكش، غير أن الفقيه لم يرضخ للرغبة الملكية ورفض الامتثال للأمر الملكي بدعوى أنه يفقد بركته إن هو غادر سيدي الزوين، لذلك طلب أن يأتي الملك إليه إن رغب في الاستفادة من بركته، مع التأكيد أن عليه أن يزوره دون بهرجة ولا بروتوكول.
    وعلى غير عادته، قبل الملك الأمر بروح رياضية وشد الرحيل إليه دون بهرجة. وحسب أكثر من مصدر، اختلى الراحل الحسن الثاني بالفقيه الحبيب، رأسا لرأس، ولم يحضر لقائهما أحد، وخرج الملك يمسك سبحة قيل إنها تحمل بركة الفقيه، وهي ذات السبحة التي لم يفارقها الحسن الثاني إلى أن لقي ربه.

    وحسب ما تسرب عن لقاء الملك الراحل بالفقيه الحاج محمد الحبيب، أن هذا الأخير قال له: « ستربح قضية الصحراء لكنها ستتسبب لك في عدة متاعب »، وحسب أهل الدين، فقد كذب الحبيب حتى ولو صادف بعضا من الصواب فيما تنبأ به.
    ليست هذه المرة الوحيدة التي زار فيها الملك الراحل الحسن الثاني الفقيه الحبيب بسيدي الزوين، إذ قصده مرة أخرى قبل لقاء الرئيس الجزائري الشادلي بن جديد بحضور ملك السعودية، فهد ابن عبد العزيز، سنة 1983 بالحدود المغربية الجزائرية في أوج حرب الصحراء قبل أن يتمكن الجيش من بناء الجدار العازل.

    لقد فوجئ الجميع لسفر الملك الراحل إلى مراكش قبيل توجهه إلى وجدة لمقابلة الرئيس الجزائري، وذلك للاختلاء بالفقيه الحاج محمد الحبيب بإحدى قاعات زاوية سيدي الزوين، ولم يتسرب أي خبر عن هذا اللقاء.

    يقول مصطفى الغضبان، الباحث في الروحانيات، إن الحاج محمد الحبيب، المتوفى منذ سنوات، يعتبر من الشيوخ الأجلاء في المغرب، وقد ذاع صيته شرقا وغربا، لما زاره الملك الراحل الحسن الثاني لأول مرة حيث طلب منه الدعاء له لأنه رجل صالح، ومما جاء في بعض الروايات أنه قال للملك إن عليه بتلاوة الفاتحة بأعداد معينة بعد كل صلاة، حتى يستكمل العدد المحدد، إلا أن البعض ظنوا أن الرجل قد منح الملك الراحل شيئا يتحرز به أو يمكنه من القيام بخوارق، وادعوا أن السبحة التي كانت دائما بيده قد أعطاه إياها الفقيه.
    والحاج محمد الحبيب – حسب مصطفى الغضبان – عالم وتقي، يدعو للناس بالخير وقد تخرج على يديه شيوخ كبار، وقبل وفاته قصده الكثير من الشخصيات المرموقة طمعا في أشياء أخرى، من قبيل أن يكون معهم خادم من الجن يلبي طلباتهم.

    يعتبر الكثيرون أن مدرسة سيدي الزوين، التابعة للضريح الذي يحمل نفس الاسم (يقع الضريح ضواحي مدينة مراكش)، من بين المدارس التي يزخر بها الموروث الديني والحضاري بالمغرب، اعتبارا للدور الريادي الذي لعبته في نشر العلم والمعرفة مند تأسيسها من طرف الشيخ محمد الزيداني بن علي الزيراري النخلي العمري الملقب ب »الزوين »، في عهد السلطان الحسن الأول .
    حظي الضريح بعناية فائقة من طرف جميع ملوك الدولة العلوية، ابتداء من السلطان مولاي الحسن الأول، الذي تأسست في عهده المدرسة، كما نالت عناية خاصة من طرف الحسن الثاني، التي زارها يوم 22 ماي 1991.
    يقول بعض المطلعين على أسرار الضريح أن الملك الراحل أمر خلال هذه الزيارة بأن يتلى القرآن الكريم في المدرسة طيلة الأربع والعشرين ساعة بدون انقطاع، لكن الحسن الثاني وحده من يملك الجواب عن سر هذا القرار.

    أما أغلب المترددين على مدرسة سيدي الزوين من الطلبة فينحدرون من سوس، وأكثر من ذلك يضيف مصدر مطلع، فقد تخرج منها عدد كبير من حفظة القرآن الكريم، إلى جانب فقهاء سوسيين، بينهم من احترف مهنة كتابة التمائم والدجل.

    مصادفة العيد الديني ليوم الجمعة

    ظل القصر الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني يتشاءم من تزامن أي عيد ديني (سيما عيد الفطر) مع يوم الجمعة، إذ ساد اعتقاد مفاده، كلما صادف عيد الفطر وعيد الأضحى يوم الجمعة (عيد المؤمنين) يعتبر ذلك علامة على أن البلاط أو العائلة الملكية سيصاب بمكروه ما، من قبيل وفاة أحد أفراده مثلا أو أن يلحقه ضرر ما.
    وفي هذا الصدد تناسلت بعض الإشاعات والحكايات، منها أن المراقبين للهلال كانوا أحيانا يأخذون بعين الاعتبار هذا الاعتقاد ويحرصون على عدم السقوط في شركه، وبذلك يجتهدون اجتهادا لتجنب تكليفهم برؤية الهلال حين يكون من المتوقع مصادفته ليوم الجمعة مع حلول عيد ديني.

    وقد حدث أن شاعت بعض الانتقادات في إحدى السنوات بخصوص تلاعب بعض المتلاعبين في الإقرار برؤية هلال عيد الفطر.

    أماكن مسحورة

    تناسلت، في عهد الحسن الثاني، حكايات وأساطير بخصوص بعض الأماكن والبنايات، سيما القصور والمساجد والأضرحة، فقيل إن بعض القصور مسكونة من طرف الجن وأخرى مغضوب عليها، وبعض الأركان والقاعات داخل بعض القصور الملكية يتطلب تنظيفها يوميا بماء الورد وتعطيرها بالمسك الحر وإلا تبعثر أثاثها بفعل قوة خفية، كما قيل إن هناك أماكن لا يلجها أحد غير الملك، وإذا دخلها غيره مسه مكروه لأن حراسها ليسوا من الإنس.

    وقد تكون نقطة الانطلاق في نسج مثل هذه الحكايات، حسب أحد علماء النفس، الهالة التي تعطى لتلك البنايات أو أحداث وقعت بها يتم فصلها عن سياقها وإطارها العام.
    وفي هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، هناك بعض الحكايات المنسوجة بخصوص مسجد وصومعة الكتبية التي تطلبت خلط أكثر من 900 كيلو غرام من المسك الحر مع مواد البناء لتظل رائحتها الزكية فواحة، وكان هذا منطلقا للكثير من الأساطير، وكذلك الأمر بالنسبة لجامع المنصور بمراكش الذي نعت بمسجد « التفاحات الذهبية » نظرا لأن مصابيحه الأصلية صنعت من الحلي الذهبية لزوجة يعقوب المنصور.

    أما بخصوص قصر أكادير، كانت الانطلاقة لنسج إشاعات بخصوصه قد تزامنت مع بعض الأحداث عندما كان ورشا في طور التشييد، ومنها نازلة غرق بعض العمال في مسبحه وحوادث شغل أخرى غريبة أودت بحياة بعض العاملين في النقش.

    الاستنجاد بالفقهاء لإبعاد خطر محدق

    في غضون سنة 1988 اتجه فريق من الفقهاء والمقرئين و »المداحين » إلى شاطئ مدينة الجديدة واعتكفوا هناك صباح مساء يتلون القرآن الكريم ويقرأون الأذكار ويتضرعون إلى الله بالدعوات، طالبين اللطف والنجاة من كرب عظيم محدق بالبلاد والعباد لحظتئذ.

    آنذاك كانت الرياح وأمواج المحيط الأطلسي تتلاعب بآلاف الأطنان من النفط العائمة والتي كانت قد تدفقت من حاملة البترول الإيرانية « خراج » التي غرقت في عرض المحيط الأطلسي وهي في طريقها إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية، مسببة إحدى أكبر الكوارث البيئية البحرية في التاريخ.

    في البداية كان النفط العائم يسير في اتجاه الشواطئ المغربية، وبدأت وقتئذ المساعدات الأجنبية تتقاطر على الرباط، وخصصت المملكة السعودية 50 مليون دولار (500 مليون درهم) لدعم المغرب في مواجهته لهذه الكارثة المحدقة التي ولدت الهلع العظيمم في نفوس القيمين على الأمور، سيما وأن بلادنا لم يسبق لها أن واجهت مثل هذه الكارثة ولا تتوفر على أي خبرة أو استعداد لمثل هذه الأمور.

    لكن بعد أيام قليلة غير النفط العائم اتجاهه وبدأ يبتعد عن مياهنا الإقليمية، آنذاك تناسلت عدة إشاعات مفادها أن بلادنا نجت من الكارثة المحققة بفعل السحر أو الجن الذي يتحكم فيه بعض الفقهاء السوسيين، في حين قال أحد المثقفين المرموقين المحسوبين على اليسار، وقتئذ، « إن ما وقع بشاطئ مدينة الجديدة من تجميع الفقهاء وجمهرتهم والضجة المرافقة والصخب الذي أحيط بهذا الحادث، كان من صنع دهاء الملك الحسن الثاني حينما علم، عن طريق الأرصاد الجوية، أن رياحا قوية ستهب بالمنطقة في اتجاه يبعد النفط العائم عن المياه الإقليمية المغربية، فاستبق الأحداث وأمر على وجه السرعة بجمع الفقهاء بشواطئ مدينة الجديدة لترسيخ « بركته » في عقول المغاربة، علما أن الكثير منهم يقرون أن قوى خارقة تحفظ الحسن الثاني وتقف بجانبه.

    وقد تكرر نفس السيناريو، حسب أحد المصادر، في سنة ابتلي خلالها المغرب بجفاف حاد، وأمر الملك الراحل بإقامة صلاة الاستسقاء في مختلف أنحاء المملكة وعلى نطاق واسع لطلب الغيث، آنذاك كانت مصالح الأرصاد الجوية قد رصدت قدوم سحب كثيفة في اتجاه المغرب.

    الشعوذة والأسطورة والسلطة

    كاد المؤرخون أن يجمعوا على أن الشعوذة والأسطورة والإشاعة تعتبر إحدى أسلحة الصراع من أجل السلطة بمعناها العام، وبالأحرى السلطة السياسية.
    وفي هذا الصدد يعتبر المؤرخ مصطفى بوعزيز أن الإشاعة أو الأسطورة أو الحكايات المتناسلة بفعل الشعوذة، تعتبر سلاحا لكونها جزء من العلاقات الاجتماعية،، وكل علاقة اجتماعية هي شكل من أشكال علاقات السلطة، ومن هذا الجانب، تعد نوعا من أنواع أسلحة الصراع من أجل الحصول على السلطة أو استمرار التمسك بها. وذلك فضلا عن كونها أداة من أدوات التواصل الذي يشكل عنصرا من عناصر خلق وتكريس الجانب الكاريزمي للماسك بزمام السلطة، وبالتالي سبيل من سبل تدعيم النفوذ أو سلطة أو وسيلة لتحطيمها وتشويهها.

    فالملك يعيش واقعا سوسيولوجيا وثقافيا وظرفيات معينة وقد يصادف عهد ملك تناسل حكايات منطلقها شعوذة ومجرد اختلاق، وقد تكون لصالحه أو ضده، إذ ليس من الضروري أن يكون المنطلق من السلطان لخدمة السلطان، فقد يكون من خارج دائرة البلاط بنية الإساءة، وقد يكون المنطلق من الدوائر المقربة من الملك لتحقيق هدف ما.

    وانطلاقا من علاقة الملك الراحل الحسن الثاني ببعض الفقهاء وتعاطيه لبعض الممارسات المرتبطة بالفكر الغيبي والشعوذة تناسلت حكايات وإشاعات، تفاوت التعاطي معها حسب المتلقي، والكثير من تلك الحكايات ساهمت في تقوية هيبة الملك، غير أنه منذ أواخر سبعينات القرن الماضي تغيرت صورة المؤسسة الملكية، سيما بعد الانقلابين واحتداد الحركات الاجتماعية.

    وقد عرف عن الملك الراحل الحسن الثاني ولعه بكتاب « الأمير » لماكيافيل الذي يعطي نصائح تتمحور حول تمكين الحاكم من أساليب تمنحه النفوذ على رعيته، ومن ضمن النصائح الواردة في هذا المؤلف العزيز على الملك الراحل، حسب أكثر من مصدر مطلع، نصائح التوهيم ونصائح الاستدراج، وفي هذا المضمار يقر المؤرخ مصطفى بوعزيز أنه ثبت في مراحل ما قبل الحداثة، أن كانت الإشاعة والحكايات المنسوجة استنادا إلى الشعوذة أداة من أدوات إدارة وتدبير الشأن العام

  • الملك الحسن الثاني عاش مخدوعا

    لم يسلم مشوار الملك الراحل الحسن الثاني، من خدع وعمليات نصب واحتيال.. قد يبدو الأمر غريبا اعتبارا لسيطرة وسيادة صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد على امتداد 38 سنة من الحكم المطلق.
    القليلون من المغاربة يعرفون أنه خلف مظهر الملك الداهية، المتحكم في الشادة والفادة، شخصية تعرضت هي الأخرى للنصب والاحتيال والخدعة، كما قد يقع لأي إنسان.

    لقد أجمع المحللون من كل أطراف العالم، أن الملك الراحل الحسن الثاني ذو شخصية مركبة حد التعقيد ومزدوجة حد التناقض، حيث لم يكن قول أو أمر فوق قوله وأمره، وأن صفة العناد صاحبته دوما، وتصاعد اقتناعه عبر مر السنين، بموهبته ودهائه السياسيين الخارقين وإعجابه بعبقريته النادرة في ترويض السلطة، هذا في جو لم يعوّده المحيطون به على الإدلاء بالحقيقة واعتماد الصراحة إلا نادرا جدا، علما أن عهده ظل مطبوعا، في غالبيته، بهاجس حماية نفسه وملكه من الدسائس التي لم تتوقف أكثر من جهة عن نسج خيوطها في الخفاء.

    رآه الصحفي الفرنسي « إنياس دال » ملكا قويا، ذكيا جدا وفطنا، لدرجة لا يمكن أن يتصور المرء إمكانية خداعه أو النصب عليه، ولم يكن يخدعه تملق ووضاعة المحيطين به رغم استحسانه مختلف تلاوين الخضوع ومظاهره البارزة. كيف لشخصية ظلت مثار جدل كبير، ولرجل ذكي وداهية وذو سلطة مطلقة، مثل الملك الراحل الحسن الثاني، أن يكون ضحية خدعة أو نصب أو احتيال أكثر من مرة؟

    خدعة الكنيسة « العلمولوجية »

    بدأت الحكاية منذ سنة 1967، عندما قررت الكنيسة العلمولوجية، إحداث بحرية تابعة لها، والتي أطلقت عليها اسم « سي أورك » والقيام برحلة بحرية على متن بواخر كانت أهمها تدعى « أبولو » على طول الشواطئ الأطلسية والمتوسطية المغربية، تحت رئاسة « رون هوبارد » مؤسس هذه الكنيسة، ودامت هذه الرحلة بين مختلف الموانئ المغربية، من أكادير إلى طنجة شهورا، حدث ذلك بين 1969 و1971.

    تعتبر « العلمولوجية » (أو « السيونتولوجيا »)، طائفة غريبة من الفرنسيسكان، اهتمت بالمغرب منذ فجر سبعينات القرن الماضي، وكادت أن تخدع الملك الراحل الحسن الثاني بمحاولة ضلوعها في قلب نظامه.
    وهذا ما كشفت عنه مجموعة من الوثائق السرية الصادرة عن أجهزة المخابرات بأوروبا وأمريكا، منذ سعى « هوبارد » إلى إيواء كنيسة « العلمولوجية » بإحدى البلدان المتوسطية، وتمنى أن يكون ذلك البلد هو المغرب. آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني يعيش فترة قلقة جدا اعتبارا للأوضاع التي كانت تعيشها البلاد بُعيد انقلاب الصخيرات (1971) وقبله، الشيء الذي قاد رئيس الكنيسة « هوبارد » إلى التفكير في « تخريجة شيطانية »، مفادها أن تعمل كنيسته على كشف خونة النظام وأعدائه لنيل رضا الراحل الحسن الثاني، سيما أولئك الذين كانوا يكنون له العداء من المحسوبين ضمن أقرب المقربين إليه.

    سعيا وراء تحقيق هذه الغاية، استقر « هوبارد » وبعض معاونيه بإحدى العمارات على مقربة من مدينة طنجة، في الطريق المؤدية إلى المطار، تحت مظلة إحداث شركة للنقل الدولي. علق « هوبارد » على واجهة المبنى لافتة تحمل العبارات التالية : « OPERTION AND TRANSPORT CORPORATION, LTD »، (OTC) بوصفها شركة بانامية تنشط في مجال النقل البحري، حدث ذلك في نهاية خريف 1972.
    حاولت الكنيسة « العلمولوجية » اختراق الإدارة المغربية، تحت مظلة هذه الشركة، عبر استغلال علاقة صداقة ربطت بين أحد معاوني « هوبارد » وباشا مدينة آسفي آنذاك، واستخدامها وسيلة لنيل شرف مقابلة الملك الراحل الحسن الثاني.
    كلف رئيس الكنيسة كل من « ريكلي » و »ليز كابلهاوس » بهذه المهمة، ولبلوغ هذا الهدف وضع رهن إشارتهما غلافا ماليا ضخما.

    تمكن هذا الثنائي من اختراق الإدارة المغربية بعد أن فازت شركة (OTC) بصفقة تكوين موظفي البريد، غير أن المشروع فشل بعد شهر، بفعل الرعب الذي تملك الموظفين المتمرنين اعتبارا لنظام التكوين وصرامة قواعده، إذ فضل أغلبهم التخلي خوفا من أن يصنفوا ضمن الذين يكنون العداء للنظام أو الملك، خاصة وأن الكنيسة « السيونتولوجيا » استخدمت آليات لتقدير نسبة الولاء أو العداء للنظام السياسي.
    آنذاك كانت « ليز كابلهاوس » قد تعرفت على المدعوة « بديعة » التي قدمتها لرئيس الكنيسة، « هوبارد »، كإحدى المقربات من العائلة الملكية.
    بواسطة « بديعة » تعرف « هوبارد » على الكولونيل عبد القادر العلام، الذي أُبهر بنتائج آلة « الاليكتروميتر » المستخدمة من طرف أعضاء الكنيسة لتحليل شخصية مريديها.
    بعد التقاء الكولونيل، اقترح عليه « هوبارد » إخضاع أطر القوات المسلحة لـ « الاليكتروميتر » لتحديد درجة ولائهم وصدقيتهم في الخدمة. اقتنع الكولونيل العلام بالفكرة، ووعد رئيس الكنيسة بعرضها على الجنرال أوفقير. هذا ما كان، حيث أعدت جلسة ساهرة استدعي إليها « أموس جيسوب » و »ليز كابلهاوس » (معاونا هوبارد)، وحضر محمد أوفقير رفقة إحدى موظفات القنصلية المغربية بنيويورك. خلال هذه السهرة تمكن بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية »، بواسطة أحد مرافقي الجنرال محمد أوفقير، من الاطلاع على أن هذا الأخير عاد مؤخرا من زيارة سرية لمركز تدريب تابع للمخابرات المركزية الأمريكية بـ « بورت هولبير » لمقابلة بعض قادة « سي. إي . يا » دون علم الملك الراحل الحسن الثاني.

    بعد هذه السهرة تلقت « ليز كابلهاوس » وبعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » دعوات لحضور استعراض بهلواني جوي بالقاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وذلك قصد تمكينهما من التقاء بعض الجنرالات والحديث معهم، علما أن بعض هؤلاء سبق أن اتهموا بالمشاركة في انقلاب الصخيرات خلال يوليوز 1971.
    بعد فشل الانقلاب تجدد اللقاء بين القيمين على الكنيسة والجنرال محمد أوفقير واقترحوا عليه استخدام آلة « الاليكتروميتر » لكشف الخونة في صفوف ضباط الجيش.
    حينئذ، كانت شركة (OTC)، قد تمكنت من الفوز بصفقة تدريب عناصر « الكاب 1 » على كشف العناصر المشاغبة، غير أن هذا المشروع فشل بفعل الصراع بين عناصر هذا الجهاز الذين تخوفوا كثيرا من الخضوع لآلة « الاليكتروميتر »، سيما وأن شبح انقلاب الصخيرات كان ما يزال مخيما على الظرف والشكوك مازالت في أوجها. رغم ذلك استمر القيمون على الكنيسة، محاولين التقرب من الملك، لكن غياب الجنرال محمد أوفقير بعد مهاجمة الطائرة الملكية خصوصا، حال دون ذلك، إذ تلقى « هوبارد » أمرا من البلاط بإقفال مقر شركته ومغادرة المغرب فورا.

    بدأ أمر الكنيسة « العلمولوجية » يفتضح بانتحار أحد أعضائها، عندما أطلقت إحداهما على نفسها رصاصة من مسدس بعد أن أوصدت باب غرفتها بالباخرة التي رست بميناء آسفي، وقد تم طي ملف النازلة بسرعة دون بحث ولا تقصٍّ، بحجة أن المتوفية كانت من المدمنات على المخدرات وفي جعبتها أكثر من محاولة انتحار، وقد شكلت هذه الحادثة بداية نهاية الكنيسة.

    وفي غضون سنة 1996 كشف أحد تقارير المخابرات المركزية الأمريكية أن « سي . إي .يا » أبرمت عقودا مع بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » لتكليفهم، فيما بين 1971 و 1972، بربط علاقات سرية مع الانقلابيين المغاربة، كما كشفت تلك التقارير أيضا أن عملاء المخابرات الأمريكية، العاملين تحت غطاء الكنيسة قد نجحوا في نسج علاقات وطيدة ببعض الانقلابيين، كما أشرفوا على تحويل مليوني دولار من بنك سويسري إلى المغرب لتمويلهم.
    إن « السيونتولوجيا » أو « العلمولوجية » حركة دينية تستند إلى تعاليم الكاتب الأمريكي « رون هوبارد » (1911 -1986) الذي أسس كنيسة في سنة 1951، ضمت ما يناهز 8 ملايين عضو في أكثر من 70 بلدا.
    تسعى فلسفلة ـ أو بالأحرى إيديولوجية ـ هذه الحركة الدينية إلى تخليص المرء من تجارب الماضي المؤلمة، وتنقيته من شوائبها ليكون عضوا مخلصا للجماعة التي يعيش ضمنها.
    تستعمل هذه الكنيسة جهاز « الاليكتروميتر » لتوجيه الأفراد نحو خير الجماعة والمجتمع. عموما تشكل « السينوتولوجيا » مجموعة من التعاليم الدينية والمعتقدات مستندة إلى فلسفة علمانية أعاد صياغتها « رون هوبارد » لإبداع فلسفة « دينية تطبيقية »، حيث يتلخص فكر الكنيسة « العلمولوجية » في مكننة الإنسان والعلاقات الإنسانية على جميع المستويات بدءا من الفرد وانتهاءا بالدول، ذلك لأنها تعتبر أن الخاصيات الإنسانية متغيرة وغير قابلة للحسابات أو التنبؤ، مما يؤدي إلى أخطاء فادحة عند اتخاذ القرارات.

    من أجل ذلك سعت هذه الكنيسة ـ عبر إيديولوجيتها ـ إلى تفريغ الإنسان من خصائصه الإنسانية، والتي ترى فيها مواطن ضعفه، التي تعرقل مساره نحو الرقي إلى درجة من الإتقان على غرار عمل « الماكينات »، مستخدمة مجموعة من القواعد والتمارين تستهدف محو الإرادة الشخصية وتطويع الفرد لخدمة المؤسسة كضرب من ضروب الهندسة الاجتماعية، منها واجب الطاعة العمياء لمن يحتل المرتبة الأعلى دون الحق في انتقاده!
    اعتبر الكثير من المحللين أن الفكر « العلمولوجي »، هو امتداد للتيار الذي أراد إخضاع علم الاجتماع وعلم النفس لمقاييس العلوم الهندسية، وقد رأت جملة من الدول الغربية أن الكنيسة « العلمولوجية » تشكل خطرا لأن من شانها الدفاع على قيام نظام ديكتاتوري، وهذا ما أدى إلى محاربتها، حتى أضحت مجرد طائفة دينية سرية غير قانونية في الدول الغربية بعد أن افتضح أمرها.

    خدعة طائرة « بوينغ 727 »

    لم يسلم مشوار الملك الراحل الحسن الثاني، من خدع وعمليات نصب واحتيال.. قد يبدو الأمر غريبا اعتبارا لسيطرة وسيادة صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد على امتداد 38 سنة من الحكم المطلق.
    القليلون من المغاربة يعرفون أنه خلف مظهر الملك الداهية، المتحكم في الشادة والفادة، شخصية تعرضت هي الأخرى للنصب والاحتيال والخدعة، كما قد يقع لأي إنسان.
    لقد أجمع المحللون من كل أطراف العالم، أن الملك الراحل الحسن الثاني ذو شخصية مركبة حد التعقيد ومزدوجة حد التناقض، حيث لم يكن قول أو أمر فوق قوله وأمره، وأن صفة العناد صاحبته دوما، وتصاعد اقتناعه عبر مر السنين، بموهبته ودهائه السياسيين الخارقين وإعجابه بعبقريته النادرة في ترويض السلطة، هذا في جو لم يعوّده المحيطون به على الإدلاء بالحقيقة واعتماد الصراحة إلا نادرا جدا، علما أن عهده ظل مطبوعا، في غالبيته، بهاجس حماية نفسه وملكه من الدسائس التي لم تتوقف أكثر من جهة عن نسج خيوطها في الخفاء.

    رآه الصحفي الفرنسي « إنياس دال » ملكا قويا، ذكيا جدا وفطنا، لدرجة لا يمكن أن يتصور المرء إمكانية خداعه أو النصب عليه، ولم يكن يخدعه تملق ووضاعة المحيطين به رغم استحسانه مختلف تلاوين الخضوع ومظاهره البارزة. كيف لشخصية ظلت مثار جدل كبير، ولرجل ذكي وداهية وذو سلطة مطلقة، مثل الملك الراحل الحسن الثاني، أن يكون ضحية خدعة أو نصب أو احتيال أكثر من مرة؟

    خدعة الكنيسة « العلمولوجية »

    بدأت الحكاية منذ سنة 1967، عندما قررت الكنيسة العلمولوجية، إحداث بحرية تابعة لها، والتي أطلقت عليها اسم « سي أورك » والقيام برحلة بحرية على متن بواخر كانت أهمها تدعى « أبولو » على طول الشواطئ الأطلسية والمتوسطية المغربية، تحت رئاسة « رون هوبارد » مؤسس هذه الكنيسة، ودامت هذه الرحلة بين مختلف الموانئ المغربية، من أكادير إلى طنجة شهورا، حدث ذلك بين 1969 و1971.
    تعتبر « العلمولوجية » (أو « السيونتولوجيا »)، طائفة غريبة من الفرنسيسكان، اهتمت بالمغرب منذ فجر سبعينات القرن الماضي، وكادت أن تخدع الملك الراحل الحسن الثاني بمحاولة ضلوعها في قلب نظامه.
    وهذا ما كشفت عنه مجموعة من الوثائق السرية الصادرة عن أجهزة المخابرات بأوروبا وأمريكا، منذ سعى « هوبارد » إلى إيواء كنيسة « العلمولوجية » بإحدى البلدان المتوسطية، وتمنى أن يكون ذلك البلد هو المغرب. آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني يعيش فترة قلقة جدا اعتبارا للأوضاع التي كانت تعيشها البلاد بُعيد انقلاب الصخيرات (1971) وقبله، الشيء الذي قاد رئيس الكنيسة « هوبارد » إلى التفكير في « تخريجة شيطانية »، مفادها أن تعمل كنيسته على كشف خونة النظام وأعدائه لنيل رضا الراحل الحسن الثاني، سيما أولئك الذين كانوا يكنون له العداء من المحسوبين ضمن أقرب المقربين إليه.

    سعيا وراء تحقيق هذه الغاية، استقر « هوبارد » وبعض معاونيه بإحدى العمارات على مقربة من مدينة طنجة، في الطريق المؤدية إلى المطار، تحت مظلة إحداث شركة للنقل الدولي. علق « هوبارد » على واجهة المبنى لافتة تحمل العبارات التالية : « OPERTION AND TRANSPORT CORPORATION, LTD »، (OTC) بوصفها شركة بانامية تنشط في مجال النقل البحري، حدث ذلك في نهاية خريف 1972.
    حاولت الكنيسة « العلمولوجية » اختراق الإدارة المغربية، تحت مظلة هذه الشركة، عبر استغلال علاقة صداقة ربطت بين أحد معاوني « هوبارد » وباشا مدينة آسفي آنذاك، واستخدامها وسيلة لنيل شرف مقابلة الملك الراحل الحسن الثاني.
    كلف رئيس الكنيسة كل من « ريكلي » و »ليز كابلهاوس » بهذه المهمة، ولبلوغ هذا الهدف وضع رهن إشارتهما غلافا ماليا ضخما.

    تمكن هذا الثنائي من اختراق الإدارة المغربية بعد أن فازت شركة (OTC) بصفقة تكوين موظفي البريد، غير أن المشروع فشل بعد شهر، بفعل الرعب الذي تملك الموظفين المتمرنين اعتبارا لنظام التكوين وصرامة قواعده، إذ فضل أغلبهم التخلي خوفا من أن يصنفوا ضمن الذين يكنون العداء للنظام أو الملك، خاصة وأن الكنيسة « السيونتولوجيا » استخدمت آليات لتقدير نسبة الولاء أو العداء للنظام السياسي.
    آنذاك كانت « ليز كابلهاوس » قد تعرفت على المدعوة « بديعة » التي قدمتها لرئيس الكنيسة، « هوبارد »، كإحدى المقربات من العائلة الملكية.
    بواسطة « بديعة » تعرف « هوبارد » على الكولونيل عبد القادر العلام، الذي أُبهر بنتائج آلة « الاليكتروميتر » المستخدمة من طرف أعضاء الكنيسة لتحليل شخصية مريديها.

    بعد التقاء الكولونيل، اقترح عليه « هوبارد » إخضاع أطر القوات المسلحة لـ « الاليكتروميتر » لتحديد درجة ولائهم وصدقيتهم في الخدمة. اقتنع الكولونيل العلام بالفكرة، ووعد رئيس الكنيسة بعرضها على الجنرال أوفقير. هذا ما كان، حيث أعدت جلسة ساهرة استدعي إليها « أموس جيسوب » و »ليز كابلهاوس » (معاونا هوبارد)، وحضر محمد أوفقير رفقة إحدى موظفات القنصلية المغربية بنيويورك. خلال هذه السهرة تمكن بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية »، بواسطة أحد مرافقي الجنرال محمد أوفقير، من الاطلاع على أن هذا الأخير عاد مؤخرا من زيارة سرية لمركز تدريب تابع للمخابرات المركزية الأمريكية بـ « بورت هولبير » لمقابلة بعض قادة « سي. إي . يا » دون علم الملك الراحل الحسن الثاني.

    بعد هذه السهرة تلقت « ليز كابلهاوس » وبعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » دعوات لحضور استعراض بهلواني جوي بالقاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وذلك قصد تمكينهما من التقاء بعض الجنرالات والحديث معهم، علما أن بعض هؤلاء سبق أن اتهموا بالمشاركة في انقلاب الصخيرات خلال يوليوز 1971.
    بعد فشل الانقلاب تجدد اللقاء بين القيمين على الكنيسة والجنرال محمد أوفقير واقترحوا عليه استخدام آلة « الاليكتروميتر » لكشف الخونة في صفوف ضباط الجيش.
    حينئذ، كانت شركة (OTC)، قد تمكنت من الفوز بصفقة تدريب عناصر « الكاب 1 » على كشف العناصر المشاغبة، غير أن هذا المشروع فشل بفعل الصراع بين عناصر هذا الجهاز الذين تخوفوا كثيرا من الخضوع لآلة « الاليكتروميتر »، سيما وأن شبح انقلاب الصخيرات كان ما يزال مخيما على الظرف والشكوك مازالت في أوجها. رغم ذلك استمر القيمون على الكنيسة، محاولين التقرب من الملك، لكن غياب الجنرال محمد أوفقير بعد مهاجمة الطائرة الملكية خصوصا، حال دون ذلك، إذ تلقى « هوبارد » أمرا من البلاط بإقفال مقر شركته ومغادرة المغرب فورا.

    بدأ أمر الكنيسة « العلمولوجية » يفتضح بانتحار أحد أعضائها، عندما أطلقت إحداهما على نفسها رصاصة من مسدس بعد أن أوصدت باب غرفتها بالباخرة التي رست بميناء آسفي، وقد تم طي ملف النازلة بسرعة دون بحث ولا تقصٍّ، بحجة أن المتوفية كانت من المدمنات على المخدرات وفي جعبتها أكثر من محاولة انتحار، وقد شكلت هذه الحادثة بداية نهاية الكنيسة.
    وفي غضون سنة 1996 كشف أحد تقارير المخابرات المركزية الأمريكية أن « سي . إي .يا » أبرمت عقودا مع بعض أعضاء الكنيسة « العلمولوجية » لتكليفهم، فيما بين 1971 و 1972، بربط علاقات سرية مع الانقلابيين المغاربة، كما كشفت تلك التقارير أيضا أن عملاء المخابرات الأمريكية، العاملين تحت غطاء الكنيسة قد نجحوا في نسج علاقات وطيدة ببعض الانقلابيين، كما أشرفوا على تحويل مليوني دولار من بنك سويسري إلى المغرب لتمويلهم.
    إن « السيونتولوجيا » أو « العلمولوجية » حركة دينية تستند إلى تعاليم الكاتب الأمريكي « رون هوبارد » (1911 -1986) الذي أسس كنيسة في سنة 1951، ضمت ما يناهز 8 ملايين عضو في أكثر من 70 بلدا.
    تسعى فلسفلة ـ أو بالأحرى إيديولوجية ـ هذه الحركة الدينية إلى تخليص المرء من تجارب الماضي المؤلمة، وتنقيته من شوائبها ليكون عضوا مخلصا للجماعة التي يعيش ضمنها.
    تستعمل هذه الكنيسة جهاز « الاليكتروميتر » لتوجيه الأفراد نحو خير الجماعة والمجتمع. عموما تشكل « السينوتولوجيا » مجموعة من التعاليم الدينية والمعتقدات مستندة إلى فلسفة علمانية أعاد صياغتها « رون هوبارد » لإبداع فلسفة « دينية تطبيقية »، حيث يتلخص فكر الكنيسة « العلمولوجية » في مكننة الإنسان والعلاقات الإنسانية على جميع المستويات بدءا من الفرد وانتهاءا بالدول، ذلك لأنها تعتبر أن الخاصيات الإنسانية متغيرة وغير قابلة للحسابات أو التنبؤ، مما يؤدي إلى أخطاء فادحة عند اتخاذ القرارات.

    من أجل ذلك سعت هذه الكنيسة ـ عبر إيديولوجيتها ـ إلى تفريغ الإنسان من خصائصه الإنسانية، والتي ترى فيها مواطن ضعفه، التي تعرقل مساره نحو الرقي إلى درجة من الإتقان على غرار عمل « الماكينات »، مستخدمة مجموعة من القواعد والتمارين تستهدف محو الإرادة الشخصية وتطويع الفرد لخدمة المؤسسة كضرب من ضروب الهندسة الاجتماعية، منها واجب الطاعة العمياء لمن يحتل المرتبة الأعلى دون الحق في انتقاده!
    اعتبر الكثير من المحللين أن الفكر « العلمولوجي »، هو امتداد للتيار الذي أراد إخضاع علم الاجتماع وعلم النفس لمقاييس العلوم الهندسية، وقد رأت جملة من الدول الغربية أن الكنيسة « العلمولوجية » تشكل خطرا لأن من شانها الدفاع على قيام نظام ديكتاتوري، وهذا ما أدى إلى محاربتها، حتى أضحت مجرد طائفة دينية سرية غير قانونية في الدول الغربية بعد أن افتضح أمرها.

    خدعة طائرة « بوينغ 727 »

    في منتصف سبعينات القرن الماضي، بعد نجاح المسيرة الخضراء، كلف الملك الراحل الحسن الثاني، وزيره الأول وصهره أحمد عصمان، بمعية أحمد العسكي، باقتناء طائرة من نوع « بوينغ 727 » آخر موديل، لجعلها طائرته الخاصة تعويضا عن الطائرة « بوينغ 727 » التي تعرضت للقصف سنة 1972، في الانقلاب العسكري الثاني، الفاشل.

    ففي غشت 1972، كان الراحل الحسن الثاني، قد توجه إلى فرنسا لقضاء بضعة أسابيع في قصر « بيتز » على بعد ستين كيلومتر من باريس، الذي كان في ملكيته. وفي طريق عودته على متن طائرة « بوينغ 727″، فوجئ ربانها، العقيد القباج وهو على مشارف أجواء جبل طارق بسرب من طائرات « إف5 » تطارد الطائرة الملكية، وبينما الربان يحاول، دون جدوى الاتصال ببرج المراقبة، كانت إحدى طائرات « إف5″، قد شرعت في قصف مكثف للطائرة الملكية بين تطوان ومولاي بوسلهام، مما أسفر عن مقتل شخصين، ولم يكن أمام العقيد القباج سوى الحفاظ على توازن الطائرة كي تهبط في الأخير بأعجوبة بمطار الرباط سلا. نزل الملك متسترا من الطائرة المعطوبة التي قبع بداخلها في انتظار سيارة نقلته إلى جهة معينة بالرباط، حيث التحق به شقيقه الأمير الراحل مولاي عبد الله، رفقة الجنرال عبد الحفيظ العلوي والعقيد أحمد الدليمي آنذاك. وبعد تهدئة الأجواء واعتقال المتهمين، تم عرض طائرة « بوينغ 727″، بعد أسابيع، في متحف لمعدات طائرة « بوينغ »، إذ ذهل الخبراء والتقنيون الذين لم يصدقوا أن تكون الطائرة نجحت في مواصلة التحليق ثم الهبوط، سالمة تحت وابل من الرصاص والقصف المكثف.
    بعد الامتنان بالربان العقيد القباج، أعجب الملك الراحل الحسن الثاني بهذه الطائرة، فأمر باقتناء طائرة أخرى « بوينغ 727″، مجهزة بطريقة أفضل وبأحدث المعدات الالكترونية والوقائية، مع إعادة تصميمها من الداخل لتكون جاهزة للاستعمال خصيصا لرحلاته، تضمن كافة أجواء الراحة الكاملة (مقاعد من الجلد الفاخر، مقابض أحزمة الأمان مصممة بشكل فريد، لوحات لكبار الرسامين تغطي بعض أركانها..).
    في هذه الفترة (منتصف السبعينات) كان الملوك ورؤساء الدول وكبار أثرياء العالم، يفضلون طائرات « بوينغ » عن غيرها لاستخدامها كطائرات خاصة.

    أبرمت الصفقة، لكن تبين أن الطائرة لم تكن جديدة وإنما سبق استعمالها، حيث أعيد طلاؤها وتغيير أثاثها وديكورها، وتقديمها في الأخير للملك على أنها جديدة ومبتكرة!
    وحسب مصدرنا، اتصلت جهات أجنبية مقربة من مصانع « بوينغ » الأمريكية، إضافة إلى جهة أخرى تابعة للوكالة الوطنية للأبحاث (NASA)، بشخصية مقربة من الملك الراحل الحسن الثاني وبشخصيات تعمل في سفارة المغرب بواشنطن وأخرى بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، لكشف حقيقة الطائرة الملكية الجديدة، التي أبرم صفقتها أحمد العسكي باعتباره وزير الأشغال العمومية وقتئذ.
    كشفت كل هذه الجهات أن الطائرة المقتناة بدت كأنها جديدة وبالسعر المحدد من طرف الشركة، غير أنها طائرة مستعملة أعيد ترميمها. وأكد مصدرنا رغم أن صفقة الطائرة الملكية المغشوشة سارت على كل الألسنة وشغلت الرأي العام، ومع ذلك تم طمس ملفها بل وإقباره. مقابل ذلك سطع نجم الشخصين الذين ارتبط اسمهما بالصفقة، أحمد عصمان وأحمد العسكي: ترأس الأول حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد خلقه على طريقة « الكوكوت مينوت » للفوز بغالبية المقاعد في انتخابات بداية الثمانيات، في حين انتخب أحمد العسكي، تحت لواء نفس الحزب، بالعاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، وقد سبق لهذا الأخير، أن ترأس ودادية مهندسي القناطر والطرق، بين 1962 و 1963، كما عين وزيرا للفلاحة فيما بين 11 غشت 1970 و 23 أبريل 1971، وكان في منتصف السبعينات أحد التقنوقراطيين البارزين، بعد تخرجه من إحدى أكبر المدارس التقنية الفرنسية، مدرسة القناطر والطرق، وفور تخرجه ورجوعه إلى أرض الوطن، تحمل مسؤولية تسيير ميناء الدار البيضاء، (بين 1963 و 1965)، وقد توفي وهو يبلغ 74 سنة، في 28 نونبر 2004.

    ومن المعلوم أنه توجد شركات ووسائط أوروبية وأمريكية تنشط في بيع الطائرات المستعملة من مختلف الأنواع والموديلات، وأن أسعارها تختلف حسب الموديل والحجم والنوع وعدد المحركات، وسعر طائرة « بوينغ 727 » موديل 1977 يناهز 12 مليون دولار (ما يقارب 120 مليون درهم).

    نازلة كديرة صديق الملك

    من النوازل التي تفوح منها رائحة الخدعة توهيم أحمد رضا كديرة قبل مرضه، الملك الراحل الحسن الثاني، بضمان استقراره في المغرب، دون نية مغادرته، في حين أن هذا الأخير كان بصدد تهريب كل ثرواته إلى الديار الفرنسية!
    انكشف الأمر عندما علم الملك أن صديقه ومستشاره السابق، طريح الفراش، فعزم على زيارته. وفي طريقه إلى إقامة أحمد رضا كديرة، لاحظ الراحل الحسن الثاني أن سائقه الخاص يقوده خارج العاصمة الرباط، معتقدا أن صديقه يقطن بالقصر الذي شيده على أرض منحها إياه، تقع بالقرب من إقامات الأمراء والأميرات بالرباط وليس خارجها.
    استفسر سائقه، فأكد له أن تلك الأرض لم تعد في ملكية أحمد رضا كديرة، لأن هذا الأخير باعها قديما للمعطي بوعبيد!

    زاد امتعاض الملك الراحل الحسن الثاني عندما عاين إقامة صديقه ببيت متواضع بتمارة لا يتوفر سوى على أثاث قليل جدا، وجده مستلقيا على سرير إلى جانبه كرسيان في غرفة متواضعة خاوية على عروشها، وقيل له، بعد سيل من الأسئلة، إن استقرار أحمد رضا كديرة بذلك البيت المتواضع مؤقت، في انتظار رحيله إلى الديار الفرنسية للإقامة هناك، بعد أن باع كل أملاكه وصفى كل مصالحه بالمغرب، وهرَّب أمواله إلى الخارج. لم يستسغ الملك الراحل الحسن الثاني أن يقدم أقرب أصدقائه على تهريب كل ممتلكاته إلى فرنسا للاستقرار بها دون إخباره بالأمر، هو الذي كان يثق به ويشاركه جميع أسراره، علما أن الظرف تزامن مع فكرة الملك عن خطر السكتة القلبية للمغرب آنذاك.

    الصحفي « الحر » لا يكشف عن مصدره؟!

    فصول هذه القصة تعود إلى مطلع السبعينات، وتحديدا عام 1972، حيث استقبل الراحل الحسن الثاني وقتها زعماء الكتلة الوطنية (عبد الله ابراهيم، المحجوب بن الصديق، عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي)، حيث دخل معهم في مفاوضات سرية انتهت بأدائهم القسم على المصحف الكريم، بعدم إفشاء ما راج بينهم أثناء المقابلة إياها.

    في اليوم الموالي استدعى عبد القادر الصحراوي (وزير الإعلام ساعتها) الصحفي مصطفى العلوي فأخبره بأن الملك الحسن الثاني سيرسل له مبعوثا ملكيا خاصا، وكذلك كان، حيث فاجأه عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة رفقة أربعة (مخازنية)، ليعلمه بأن الملك الحسن الثاني كان سيستقبله شخصيا لولا إصابته بنزلة زكام حالت دون ذلك، وأنه جاء مبعوثا بالنيابة عنه. طلب منه بن منصور، باسم الملك أن يشرح له سر الخبر الذي نشره في صحيفته حول المقابلة التي أقسم فيها هؤلاء الزعماء على المصحف بألا يُسربوا الخبر خارج أسوار القصر، وأن يقدم له بيانات حول المصدر الذي أسر له بالخبر، أو بالأحرى الشخص الذي أفشى سر الملك. وكان الملك الراحل قد أرسل مع عبد الوهاب بن منصور ظرفا مفتوحا، سلمه إياه أحد « المخازنية » ليكتب فيه اسم هذا المصدر، ثم ناوله لـ « مخزني » آخر حفاظا على السرية التامة، للعملية التي دارت أطوارها في منزل وزير الإعلام. فعلا كتب مصطفى العلوي على ورقة أخرجها من الظرف (يا سيدي إنك قابلتني في مراكش بتاريخ كذا، وقلت لي إن الصحافي الحر لا يكشف عن مصدره) ثم سلمها بعد ذلك لـ »المخزني » بعد أن وضعها في الظرف.
    بعد ذلك تدخل البوليس وطرد صحافيا من أصول جزائرية كان يشتغل لحساب وكالة « يونايتد بريس »، على اعتبار أنه الشخص الذي كان وراء توصل مصطفى العلوي بالخبر إياه.
    اغتيال مشروع ملك « كاريان سانطرال »

    مشروع بلوره الراحل محمد الخامس، وحرص الراحل الحسن الثاني على أن ينجزه على أرض الواقع، إلا أن شلة عبد العزيز العفورة، المسنودة من طرف إدريس البصري وصهره، نصبت على الملك وحولت المشروع عن مرماه الأصلي. تعثر هذا الأخير أكثر من مرة وتبددت أمواله في منتصف الطريق. إنه مشروع الحسن الثاني العقاري الرامي إلى إيواء سكان « كاريان سنطرال » بالدار البيضاء، الذي اغتالته الطغمة « البصروية »، في مهده. ولا زال ضحايا نصبها واحتيالها محرومين من السكن اللائق الذي وعدهم به الملك الراحل محمد الخامس، الملقب من طرف الاستعمار بـ « سلطان الكاريان »، وحرص بعده، ابنه الراحل الحسن الثاني على تحقيقه، وفاء لرغبة والده.

    بدأت حكاية هذا المشروع في السنوات الأولى من الاستقلال، حيث أصدر الراحل محمد الخامس بنفسه تعليمات واضحة ترمي إلى بناء مساكن لائقة لكل قاطني « الكاريان » الكائن بالحي المحمدي ـ عين السبع. ومنذ اعتلائه عرش البلاد سنة 1961، تابع الملك الراحل الحسن الثاني هذا « الحلم الملكي »، حيث جدد تعليمات والده وكلف إدريس البصري، وزيره في الداخلية، في بداية الثمانيات بإنجازه.
    ضم هذا المشروع تشييد 10 آلاف مسكن على مساحة 44 هكتارا، وبدأت الأشغال، لكن سرعان ما توقفت بفعل تبديد وتحويل واختلاس أجزاء هامة من الأموال العمومية المرصودة له.
    ففي التسعينات أعطيت انطلاقة ثانية لمشروع تشييد 10 آلاف مسكن اقتصادي لفائدة سكان « الكاريان »، وتم الاتفاق مع شركة « كوجيبا »، من أجل انجازه، وبعد انطلاق الأشغال انكشف أمر النصب والاحتيال، حيث تم اعتماد خدعة، مفادها إنجاز 6 آلاف مسكن اقتصادي (عوض 10 آلاف) و 4 آلاف شقة غير مرصودة لقاطني « الكاريان » خلاف ما أقرت به رغبة الملكين؟! تم تحديد ثمن 6 آلاف مسكن اقتصادي في 100 ألف درهم، في حين تحدد ثمن 4 آلاف شقة المتبقية في 200 ألف درهم، بعد حرمان قاطني « الكاريان » منها. هكذا تم التخطيط للخدعة، ورغم ذلك لم يتم انجاز ـ حتى ـ ما تم تسطيره نصبا واحتيالا!
    وفي نهاية المطاف، لم يتمكن النصابون سوى من تشييد 2121 مسكن من أصل 10 آلاف، ولم تتحقق رغبة الملكين، محمد الخامس والحسن الثاني، بفعل احتيال وفساد « طغمة البصري »، ولا زال عدد كبير من قاطني « الكاريان » يعانون لحد الآن، مات الأجداد والآباء وبقي الأولاد، والأحفاد محرومين من حق أقر به الملكان منذ منتصف الخمسينات!

    يهود نصبوا على المغرب والمغاربة؟!

    أشار أكثر من مصدر أن شكوكا كثيرة ظلت تحوم حول « دافيد عمار » بخصوص النصب على البلاط ومجموعة من الموظفين السامين، بشأن مبالغ مالية « طيطانيكية »، تكلف بتوظيفها أو تهريبها للخارج، وبذلك تسبب هروبه من المغرب، في نهاية 1971، في ضياع مبالغ مالية هائلة من أموال الملك الراحل الحسن الثاني ومجموعة من الوزراء والضباط السامين وكبار رجال الأعمال المغاربة الذين كانوا يثقون به، لتهريب أجزاء مهمة من ثرواتهم إلى الخارج أو توظيفها هناك.
    لم يكن دافيد عمار شخصا غريبا عن البلاط ومجال الأعمال، فحول مائدته كانت تعقد الصفقات المريبة!

    آنذاك، في فجر سبعينات القرن الماضي، كان دافيد أول محتكر للحبوب ببلادنا وأول مستورد لها. وسّع نشاطه السياسي بعد الاستقلال، حيث أسس جمعية الوفاق التي ضمت حينئذ جميع رجال الأعمال، اليهود المغاربة.
    وبعد أن بدأت عملية تهريب اليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني، وحدوث كارثة الباخرة « بسيس » التي غرقت في عرض البحر، إذ لقي عشرات اليهود العجزة والأطفال حتفهم، توقف نشاط هذه الجمعية فحول دافيد اهتمامه، حيث لجأ إلى النخبة السياسية الموالية للبلاط فقوَّى صدقاته بالأعضاء المؤسسين لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) وبالمقربين من الملك، ضمنهم صهره أحمد عصمان. وبفضل هذه العلاقات تمكن دافيد من الفوز بمقعد بمجلس المستشارين، ففتح مكتبا للمعاملات التجارية بباريس كغطاء للقيام بتهريب الأموال وتوظيفها بالخارج لفائدة البلاط وكبار الأثرياء مقابل عملات ضخمة. ورغم ذلك اعتمد حيلا للسطو على كميات كبيرة منها، مما ساعده على توسيع نشاطه وبناء شبكة مهمة من العلاقات اخترقت دواليب الدولة حتى أضحى عدد كبير من الموظفين السامين والشخصيات الوازنة بالمغرب في خدمته!.
    حينما ورد اسمه بلائحة المتهمين في محاكمة الوزراء سنة 1971 (التي أحدثت من أجلها محكمة العدل الخاصة)، لم يصادف أدنى صعوبة في مغادرة المغرب بكل اطمئنان. ففي غضون شهر نونبر من سنة 1971 أشاع المشيعون في العاصمة، الرباط، أن دافيد عمار تمكن من مغادرة البلاد، رغم صدور أمر اعتقاله، وذلك برغبة من جميع أصدقائه وشركائه، وحتى ضحاياه، كي لا يفضح أمرهم. آنذاك كانت النيابة العامة لدى محكمة العدل الخاصة قد وجهت إليه تهمة منح رشوة لأحد الوزراء السابقين المعتقلين، قدرها سبعون مليون فرنك دفعة واحة!

    فور طلوع اسمه في لائحة المتابعين فر دافيد، تم ذلك يوم صدور الأمر باعتقاله، حيث أخبرته جهة وازنة بالأمر، فتوجه إلى مطار « طيط مليل » المدني وامتطى طائرة مدنية صغيرة في ملكية أحد أصدقائه، بعد أن طلب رخصة التوجه إلى مطار فاس. لكن عندما حلقت طائرته فوق العاصمة العلمية حولت مسارها إلى الناظور ثم المضيق لتحط بمطار « مالقا » الإسبانية بدعوى حدوث عطب طارئ.
    كان كل من « باروك دهان » و »سوسان » و »مانتو » وهم يهود مغاربة، قد اختفى أثرهم بعد هروب (دافيد). في البداية توجهوا إلى كندا، ثم استقروا بالكيان الصهيوني (إسرائيل) بعد أن خلفوا وراءهم عددا لا يستهان به من الأغبياء، الذين أصبحوا أثرياء بفضل مواقعهم ونفوذهم، وضعوا فيهم ثقتهم وكلفوهم بأموالهم التي طارت بمغادرتهم البلاد.

    ومن اليهود المغاربة الذين نصبوا على المغرب والمغاربة، الإخوان « أوحنا »، « بول » و »هنري »، خريجا المعاهد العليا بفرنسا.
    اضطلع الأول بمسؤولية إبرام شراكة مع المجموعة الإيطالية « إي. ني » (ENI) لإحداث أول مجموعة مغربية لتكرير النفط « لاسامير »، إذ كان قائما على صفقات اقتناء البترول الخام من الخارج، وموازاة مع ذلك ائتمنه البلاط والقيمون على أمورنا أموال عمومية طائلة ففر بجزء كبير منها، لكن الدوائر العليا تسترت عليه إلى حين تمكينه من حط الرحال بالكيان الصهيوني، حيث أنشأ هناك مختبرا للأبحاث في مجال البترول والبيئة بتل أبيب.
    أما الثاني، « هنري أوحنا »، فقد تمكن من ولوج سلك الإدارة العمومية، إذ قام بتسيير مجموعة من الدواوين الوزارية، منها الفلاحة والتجارة والمالية، إذ تألق في مشواره حتى تمكن من الاستحواذ على منصب ممثل المكتب الشريف للتصدير بالديار الأوروبية، وتزامنت مرحلته مع اختفاء مبالغ مالية هائلة من عوائد المكتب دون أن يظهر لها أثر، إضافة إلى أموال أخرى كان يقوم بتهريبها لفائدة شخصيات وازنة في البلاد، مستغلا منصبه. كما كان « هنري » هذا أول من روج، منذ 1968، لبيع المصانع الجاهزة (CLEF EN MAINS) بالمغرب الذي غادره مباشرة بعد انقلاب يوليوز 1971 متوجها إلى إسرائيل.

    وقد عمل الإخوان أوحنا (« هنري » و »بول »)، « روبير أسراف »، « مانتو » وشريكه « باروخ دهان » و »سويسا »، وهؤلاء جميعهم يهود مغاربة، على استثمار الأموال المهربة من المغرب (أموالهم والأموال المحصل عليها بالنصب والاحتيال) بالكيان الصهيوني.
    وقد كشفت محاكمة الوزارة سنة 1971 أن « باروخ دهان » وشركاءه تلاعبوا بأموال صندوق الإيداع والتدبير بتواطؤ مع القيمين عليه، وأغلب هذه الأموال عرفت طريقها إلى إسرائيل.

    ترشيح مشبوهين لنيل أوسمة ملكية

    لقد تعرض الملك الراحل الحسن الثاني أكثر من مرّة لخدع بخصوص التقارير المرتبطة بالمرشحين لنيل أوسمة ملكية.
    كما دأب بعض المقربين من الملك على ترشيح أشخاص للأوسمة رغم تورطهم البيّن في ترويج المخدرات والاغتناء السريع عن طريقها. ضمن هؤلاء رشيد التمسماني الذي تمكّن من رئاسة الفريق التطواني لكرة القدم والوصول إلى الجامعة الملكية سنة 1995، ومنها فُتحت له أبواب البلاط ليوشحه الملك الراحل الحسن الثاني بوسام ملكي.
    لم يخبر إدريس البصري الملك بحقيقة التمسماني، رغم علمه بأنه أحد كبار « بارونات » المخدرات بالشمال، ورغم إدراج اسمه في لائحة الحملة التطهيرية التي أعدها للتخفيف من الحرج الذي أحدثه تقرير المرصد الجيو استراتيجي للمخدرات بالنسبة للمغرب وملكه أيضا.

    « نصابة » حاولوا تسميم علاقة الحسن الثاني بأخيه

    لم يكن الأمير الراحل مولاي عبد الله، أخ الملك الراحل الحسن الثاني، ضحية مؤامرات من ذيول الخيانة، مستهدفا من طرف تدبير مخابراتي فقط، وإنما كان كذلك ضحية لأكثر من حالة نصب واحتيال، الكثير منها استهدفت تأليب أخيه الملك عليه، وتسميم علاقتهما. ولم يكن الراحل الحسن الثاني على علم بالعديد من جوانب هذه المؤامرات، كما أن أخاه الأمير الراحل مولاي عبد الله اختار، عن طيب خاطر، التعالي عليها نظرا لطيبوبته وعدم اهتمامه بدواليب الحكم واللهث وراء السلطة، ولكونه سعى إلى العيش مهتما بأسرته ونفسه، غير مبال بما يخرج عن النمط الحياتي الذي اختاره.
    وتظل أكبر عملية احتيال تعرض لها الأمير الراحل، خطة وضعها مجموعة من الخونة وبعض أقطاب سلطة الاحتلال الفرنسي، الرامية إلى وقف موجة الغضب الشعبي بعد تنحية الملك محمد الخامس عن العرش، مفادها الإعلان عن تعيين الأمير مولاي عبد الله ملكا بدل والده وإبعاد الملك محمد الخامس آنذاك وولي عهده الحسن الثاني عن المغرب، وقد علق الملك في خطاب العرش على ذلك يوم 18 نونبر 1952 بالقول : « .. الحماية الفرنسية بالمغرب مثل قميص أعد لطفل صغير، كَبُر الطفل ونما وترعرع وبقي القميص على حاله ».

    ومن القضايا التي كانت سببا في خلافات الأمير مع أخيه الملك، أن جماعة من المقربين كانوا يستغلون هذا القرب للتفاوض باسمه ولتنمية مصالحهم والنصب على آخرين.
    وقد اكتشف الملك الراحل الحسن الثاني عدة حالات من هذا القبيل، لذلك ما فتئ يلوم أخاه، وبشدّة أحيانا ، بخصوص علاقته بأشخاص دأبوا على الإساءة له.
    لقد كان معروفا عن الأمير الراحل مولاي عبد الله تعلقه بأصدقاء طفولته وشبابه، سيما الذين درسوا معه في المعهد المولوي، بينهم عبد الحق القادري وجنان، وقد كان هذا الأخير قائما على مجموعة من مصالحه ومشاريعه.
    ظل الأمير الراحل متسامحا يغفر للمخطئين في حقه بكل سماحة وسهولة. الشيء الذي دفع بعض المقربين منه للنصب على الغير باسمه، قصد السطو على عقارات وأراضي زراعية أو الاستيلاء على شركات، غير أن أمرهم سيفضح فيما بعد.

    ومن النوازل التي أقلقت الملك آنذاك، محاولة بعض ا لمقربين من الأمير السطو على أراضي لإقامة تجزئات أو ضيعات باسمه وتوهيم أصحابها والقائمين عليها بأن ذلك يدخل في إطار تحقيق رغبات الأمير؛ ومن الحالات التي انكشف أمرها، أرض بالفوارات وأراضي أولاد خليفة بالغرب التي أثارت ضجة اجتماعية كبيرة في فجر السبعينات، وقد سقط على إثرها فلاحون بفعل القمع الدموي الذي أشرف عليه شخصيا الجنرال محمد أوفقير، وقد ارتبطت هذه القضية بوسيط يدعى « لوموان ».
    وانكشف أيضا أمر سطو آخر باسم الأمير ودون علمه، تورط فيه الكولونيل بوبكر. وكان جل المقربين منه والمحيطين به يتاجرون باسمه، ورغم علمه بتصرفاتهم المشينة وانكشاف بعضهم لم يسبق للأمير الراحل أن كان سببا في إيذاء أحد منهم.
    وبعد وفاته، سطا الكثير من هؤلاء على جملة من أمواله وأملاكه، ضمنهم شخصيات وازنة في الدولة. ورغم تدخل الملك الراحل بهذا الخصوص، تمكن جلهم من الاستحواذ على جزء من تركة المرحوم الذي كان يثق بهم كثيرا، وقد أضحى بعضهم، بين عشية وضحاها من أكبر الأثرياء.

    ما دفع الملك الراحل الحسن الثاني، بعد وفاة أخيه، إلى البحث عن الذين كانوا يتصرفون في أموال وعقارات وشركات أخيه، عندما اكتشف، بالحجة والدليل أنهم نصبوا عليه فعلا.

    القنبلة النووية المغربية مجرد نصب واحتيال

    في نهاية سبعينات القرن الماضي كانت بلادنا ضحية عملية نصب واحتيال، يمكن عنونتها بوهم القنبلة النووية المغربية.
    آنذاك حدث لقاء مع الباحث الفرنسي « آلان بيكر »، وبالضبط يوم 25 أكتوبر 1981، حيث أوهم ضباط سامين مغاربة أنه من ا لممكن التفكير في إنتاج قنبلة نووية باستعمال اليورانيوم المستخرج من فوسفاط بوكراع، وهو من النوع u 235 الصالح لهذا الغرض.
    بعد اللقاء الأول مع الباحث الفرنسي، رئيس المعهد الدولي للإبداع والاختراع، الذي تم في سرية تامة، تلافيا لإخبار الجارة الجزائر والبلدان الأوروبية بالأمر، تم منح كل الصلاحيات لعناصر المديرية العامة للدراسات والتوثيق (لادجيد) تحت إمرة الجنرال أحمد الدليمي قصد تمكينهم من تجاوز كل العراقيل البيروقراطية والتغلب عليها.
    كما أن كل الموارد البشرية والوسائل التقنية وكافة المستندات والكفاءات التي بحوزة وزارة الطاقة- كانت تحت إشراف موسى السعدي آنذاك – وُضعت رهن إشارة الباحث الفرنسي لإنجاح مشروع « القنبلة النووية المغربية » والذي أطلق عليه اسم « كازوجين ».

    وقد جرى اللقاء مع الباحث الفرنسي « ألان بيكر » بالعاصمة البلجيكية (بروكسيل) عبر وساطة أحد مستشاري السفارة المغربية هناك، يٌُدعى بنموسى، هذا الأخير رتب لقاء يوم 25 أكتوبر 1981 بينه وبين ضباط سامين مغاربة، طلب خلاله الباحث الفرنسي ما يناهز 300 مليون درهم وجملة من المعدات الواجب اقتناؤها من إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، تحت غطاء استيراد تجهيزات خاصة بقطاع النسيج. تمت الموافقة على دفع نصف المبلغ المالي المتفق عليه لحظة التوقيع على العقد وإرجاء النصف الثاني إلى حين إجراء أول تجربة مقنعة.
    غير أن هذا المشروع لم ير النور، إذ لم يتم حتى الشروع في إنجازه. وقد قيل إنه تم التنصت على مكالمة هاتفية بين الباحث الفرنسي « آلان بيكر » وأحد معاونيه عندما كان مقيما بأحد الفنادق الراقية بمدينة أكادير، حيث تلفظ بما معناه .. » سنضحك على هؤلاء الأغبياء .. فهل يعتقدون أننا سنمكنهم من قنبلة نووية بهذه السهولة؟! »
    علما أن الكثيرين لم يستسيغوا هذه الرواية، باعتبار أن الباحث الفرنسي زار المغرب أكثر من مرة بعد إقامته بالفندق بمدينة أكادير.

    حين نصب هشام المندري على الملك

    في المرحلة الأخيرة من حياته، تعرض الملك الراحل الحسن الثاني لأكثر من عملية نصب وسرقة همت أحيانا أشياء خاصة به، كما حدث بخصوص الخاتم الملكي الذي اختفى من مكانه إضافة إلى مجموعة من الوثائق المهمة التي تم السطو عليها من مكتب أحد مستشاريه، وساعات ثمينة ناهيك عن أشياء أخرى غالية الثمن، سرقت من غرف الملك الخاصة، كما تبخرت كميات هائلة من الأموال (دراهم، دولارات وأوروات…) ومستندات من خزائن غرف الملك الحديدية.

    غير أن أكبر عملية نصب وسرقة تعرض لها الملك الراحل الحسن الثاني، حدثت في صيف سنة 1998، عندما عاد من زيارة رسمية إلى مصر، حيث لوحظ اختفاء دفتر شيكات خاص بالملك، وحقيبة مملوءة عن آخرها بالدولارات الأمريكية، من عقر غرفته الخاصة، التي لا يلجها إلا قليلون معلومون، على رأسهم فريدة الشرقاوي، امرأة ثقة الملك الأولى، إذ كانت القيّمة على مختلف تفاصيل ودقائق الغرف الخاصة للملك، الماسكة بمفاتيح خزائنه وأرقامها السرية ومستودعات أمواله (بالدرهم والدولار والأورو).
    وقد تناسلت بهذا الخصوص أكثر من رواية منها احتمال تواطؤ فريدة الشرقاوي مع هشام المندري على تهريب أموال وشيكات ووثائق سرية خارج البلاد، منها كذلك احتمال رغبة فريدة الشرقاوي في تأمين أيامها القادمة بعد رحيل الملك الذي كان قد هدّه المرض وبدت عليه علامات اقتراب موعد التحاقه بالرفيق الأعلى، ومنها أيضا أن هشام المندري خدع الملك وامرأة ثقته الأولى، في ظرف غفلة واستغلاله لفلتان مراقبة شؤون القصر ودواليبه من يد الملك الذي أنهكه المرض وأغرقه في وجوم شديد.

    الإخوان بوريكات

    ظل الملك الراحل الحسن الثاني يعتبر أنه خدع من طرف الأجهزة الأمنية والقضاء بخصوص الإخوان بوريكات، إلى حد النصب عليه بتوهيمه أنهم متورطون في انقلاب كان يهيئه الجنرال أحمد الدليمي، وفي نوازل الاستيلاء على أموال طائلة بعد إنجاز صفقات مشبوهة بمال الملك واستغلال اسمه ونفوذه دون علمه.

    وبهذا الخصوص سبق للمؤلف الفرنسي « ايريك لوران »، صاحب كتاب « الحسن الثاني، ذاكرة ملك »، أن سأل الراحل الحسن الثاني عما إذا كان يظن أن فضيحة « نازلة الإخوان بوريكات » ناجمة عن خطأ فادح ارتكبته الأجهزة الأمنية والقضاء، فكان جوابه بالإيجاب، لكنه أضاف – حسب « لوران » ـ « إن تركهم يخرجون من السجن كان خطأ فادحا كذلك… »

    ومن المعلوم أن علي بوريكات تمكن من الحصول على اللجوء السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية مقابل كشفه عن جملة من الأسرار خاصة بالبلاط وبفرنسا، سيما تلك المتعلقة بشبكات الاتجار في المخدرات بمباركة مسؤولين مغاربة وفرنسيين وازنين مقربين جدا من دوائر صناعة القرارات الكبرى والحاسمة، وهم الذين ساهموا بشكل كبير في حماية كبار مهربي كورسيكا ومارسيليا وباريس، مما قوّى نفوذهم ونشاطهم تحت غطاء بعض الشركات المستقرة بالمغرب، أهمها شركة « بيرنو وريكار » التي كانت تتوفر على مختبرات لصنع الكوكايين على تراب بلادنا حسب ما أدلت به زوجة مالك الشركة المذكورة بالديار الأمريكية، حيث تقضى بقية عمرها بعد تمتيعها باللجوء السياسي.

    للإشارة أطلق سراح علي بوريكات رفقة شقيقه سنة 1991 من سجن تازمامارت، حيث تم اعتقالهم جميعا في صيف 1973 ولم تعرض قضيتهم على أنظار العدالة.

    هل أوفقير خدع الأسرة الملكية أكثر من مرّة؟

    إن المتتبع لمسار الجنرال محمد أوفقير، يتوصل بسهولة إلى صحة الفكرة القائلة بأن الجنرال فرضه الاستعمار الفرنسي فرضا على البلاط، قبل مغادرته بلادنا، ليحتل الموقع الذي ظل يحتله في دواليب صناعة القرار ودوائره، واستمر في احتلاله بفضل دعم الأمريكيين والموساد.

    حاليا، بعد تسليط الأضواء الكاشفة على عدّة زوايا من تاريخ المغرب كانت مغيبة أو مسكوت عنها، يطرح السؤال هل محمد أوفقير خدع الملكين محمد الخامس والحسن الثاني ونصب عليهما على امتداد مشواره؟
    لقد ظل محمد أوفقير يسعى إلى السلطة منذ أضحى محسوبا على الضباط. فمع بداية الإستقلال أخذ يبحث عن تثبيت قدميه في دواليب الحكم، وشرع بتأسيس مؤسسات عسكرية لتكوين رجال موالين له، عيّن على رأسها رجال ثقته. فقد عمل على أن يكون الكولونيل الفرنسي « كوردان » على رأس مدرسة الاتصالات بالقنيطرة ثم تلاه إدريس الزرهوني، والثانوية العسكرية بالقاعدة الجوية بالقنيطرة التي ترأسها الكولونيل الفرنسي « لا نجري » قبل أن يخلفه « لوباريز ».

    كما حرص محمد أوفقير على تعيين من يكّن له الولاء، من الذين عملوا بجانبه في الهند الصينية والفيتنام، في مناصب عسكرية ومدنية عليا.
    ومن المعلوم أن السلطات الفرنسية كانت قد اعتمدت على محمد أوفقير، بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس وتنصيب محمد بن عرفة، لعزل كل القواد ورجال السلطة الوطنيين وتعويضهم بمن شاركوه في الحرب العالمية الثانية تحت لواء الراية الفرنسية، وأغلب هؤلاء نعتوا بالخونة، غير أنه لم تصادر أملاكهم كما حدث للبعض، ضمن هؤلاء القائد اعبابو بالغرب والقائد بنسليمان… كل المحيطين بمحمد أوفقير، إما تربطهم به علاقة قرابة أو سبق لهم أن عملوا إلى جانبه في الجيش الفرنسي أو تخرجوا من مدارس الأعيان الموالين للاستعمار أو من أبناء الخونة.
    ونظرا لأن القنيطرة احتضنت أهم قاعدة جوية ذات أهمية استراتيجية « حلف أطلسية »، وأيضا لأن محمد أوفقير بدأ تقعيد نفوذه اعتمادا على المؤسسات التي أنشأنها بها، فإن هذه المدينة ظلت منطلقا لمجموعة من المؤامرات هندس لها الجنرال الدموي، بما في ذلك محاولة تسميم الملك الراحل الحسن الثاني بواسطة طباخ يدعى « صلاح » وانقلاب الصخيرات (أحد الأخوين اعبابو كان يقطن بالقنيطرة) والهجوم على الطائرة الملكية.. ولا يخفى على أحد أن الجنرال محمد أوفقير كان يقضي جل أوقات فراغه بالقنيطرة أو بضواحيها (الفوارات).

    كما أن محمد أوفقير وقف بقوّة ضد رغبة الملك الراحل محمد الخامس لما تبين بروز تيار « فرنسا الحرّة » تحت الاحتلال النازي. آنذاك كان الراحل محمد الخامس قد نادى على قائد منطقة الغرب وطلب منه أن ينشر رسالة دعم ومساندة تيار « فرنسا الحرة » وسط الضباط، غير أن محمد أوفقير والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي » النازية دبّروا جميعا مكيدة لقائد المنطقة وتخلصوا منه بعد علمهم بأمر الرسالة، حيث وضعوا مكانه القائد بوشعيب الحريزي الموالي لهم ولأوفقير حتى لا تصل رسالة الملك إلى أصحابها، وهذا ما أدى إلى وقوع معارك ضارية بين الأمريكيين والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي »، عند الإنزال بشواطئ المهدية.
    وكان محمد أوفقير أيضا ضمن المجموعة التي وقّعت على إبعاد الملك الراحل محمد الخامس عن العرش، إذ زكّى اختيار الإقامة العامة الفرنسية لمحمد بن عرفة كسلطان مفبرك. وفعلا اضطلع الضابط محمد أوفقير بمهمة الحراسة الخاصة لمحمد بن عرفة بعد تنصيبه، وكان القيم على أمنه الشخصي. ولم يقف محمد أوفقير عند هذا الحد، بل ظل يعمل في الخفاء، بجدية ونشاط، ضد عودة الملك الراحل محمد الخامس إلى عرشه حتى آخر لحظة.

    ومن المعلوم أن محمد أوفقير هو الذي تكلّف بمرافقة محمد بن عرفة إلى مدينة « نيس » الفرنسية للاستقرار بها بعد عودة الملك الشرعي إلى عرشه.
    فكيف خدع الملكين الراحلين، محمد الخامس والحسن الثاني في محمد أوفقير، رغم أن تاريخه كله ينضح خيانة؟

    خدعة القضاء على « الثورة » الريفية في « رمشة عين »

    على إثر خدعة إخماد ثورة الريف دون إراقة دماء، بعد كشف أمر المتاجرة والمؤامرة في اتفاقية « ايكس ليبان » المعلنة عن الاستقلال المبتور للبلاد، اندلعت أحداث دموية بالريف بلغت ذروتها خلال سنتي 1958 و 1959، تدخلت خلالها القوات المسلحة، حديثة التأسيس حينئذ بقيادة الراحل الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك، الذي كان قد وعد أباه محمد الخامس أنه سيعمل على حل المشكل بالتي هي أحسن دون إراقة دماء، غير أن الأمر كان خلاف ذلك.

    لقد اعتبرت جماعة من مقاومي وأعضاء جيش التحرير أن الاستقلال المعلن عنه، استقلال مبتور وبمواصفات خاصة لا تخدم آمال الشعب وانتظارات قواه الحية، لذلك قرروا عدم التخلي عن السلاح والاستمرار في حرب التحرير، فاتجه الجيش تحت قيادة محمد أوفقير لإبادة انتفاضة القبائل الريفية، احتجاجا على التلاعب بمفاوضات « ايكس ليبان » في حق المغرب والمغاربة.
    لقد أصرت جماعة من جيش التحرير على الاستمرار في المقاومة، حيث رفضوا طرح السلاح إلى حين تحرير سبتة ومليلية والصحراء والجزائر وكافة بلدان شمال افريقيا لتحقيق الاستقلال الكامل غير المنقوص. لذلك حظي هؤلاء بدعم الريفيين الذين سبق وأن عاينوا كفاح محمد بن عبد الكريم الخطابي. ومما أجج انتفاضة الريفيين، تعيين عامل بمنطقتهم أساء معاملتهم، فرفضوا بقاءه بين ظهرانيهم.
    لقد اعتبر أهل الريف اتفاقية « ايكس ليبان » اتفاقية الخزي والعار، وبين عشية وضحاها أصبح مقاومو الريف متمردين وفوضويين في نظر الرباط.
    في البداية، أرسل الملك الراحل محمد الخامس، المحجوبي أحرضان، الضابط السابق في الجيش الفرنسي، إلى أهل الريف قصد الوساطة بين البلاط وأعضاء جيش التحرير الرافضين للاستقلال الأعرج، غير أنه لم يُوفّق في مهمته، نظرا لسمعته السيئة بين صفوف أغلب أعضاء جيش التحرير بالشمال.

    كما أن التاريخ سجل أن المهدي بنبركة، وصف انتفاضة الريف بالانتفاضة « الإقطاعية »، وهي نغمة نشاز تنضاف إلى نغمة أخرى سبقتها، وهي مشاركته في مفاوضات « ايكس ليبان » وتزكيتها رغم علمه، هو القائد السياسي الواعي والمحنك، بعدم خدمتها لقضية المغاربة.
    لقد اندلعت المواجهات بين أبناء الريف في مقبرة الشهداء بأجدير، حيث سقط خلالها الكثير من القتلى. انتشر الغضب المستطير وسط السكان وتمترسوا في جبل « كوين »، وبذلك كانت انطلاقة العصيان الذي سرعان ما شمل المناطق المجاورة. وبدأ الحديث عن تشكيل حركة التحرير والإصلاح الريفية، وصدر ميثاق في 7 أكتوبر 1958، ركز على المطالبة بتسيير الريف من طرف الريفيين، وتم الإعلان عن تأسيس « جبهة النهضة الريفية » دفاعا عن « الكرامة الريفية ».
    وفي بداية يناير 1959 بدأ قمع الانتفاضة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم، حيث انتقل الراحل الحسن الثاني (ولي العهد آنذاك) رفقة محمد أوفقير إلى الريف، على رأس ما يناهز 20 ألف جندي، فتعرضت قرى الريف للقصف الجوي المكثف لمدة أسبوع ليل نهار.
    وأكد أكثر من مصدر أن طائرة الحسن الثاني أصيبت بعيارات نارية بسماء الحسيمة. وللتذكير بهذه النازلة سبق للراحل الحسن الثاني أن قال في إحدى خطبه سنة 1974: « [..] أما سكان الريف فهم يعرفونني جيدا ».
    كانت مواجهة الريفيين عنيفة ووحشية باستعمال الدبابات والطائرات والمدافع الرشاشة التي أُطلق عنانها عشوائيا.. هدمت البيوت ودهمت المنازل وحرقت المزروعات وبُقرت بطون بعض الحوامل واغتصبت نساء وفتيات… وحسب مصادر متعددة خلف الهجوم ما يناهز 8000 قتيل دفنوا في مقابر جماعية ناهيك عن آلاف الجرحى.
    تلك كانت خدعة « إخماد انتفاضة الريف بالتي هي أحسن دون إراقة دماء ».

    إن نظرة الملك الراحل الحسن الثاني للريف كانت خاصة ومطبوعة بحكم قيمة، له دوافعه تاريخيا، والذي شكل أرضية الانطلاق في التعامل مع هذه المنطقة على امتداد العهد االحسني. وقد تكرست اللبنات الأولى لهذا المنطلق منذ أحداث 1958 والفظاعات التي رافقتها.
    تلك كانت نقطة البداية، حيث تكرس هذا المنحى الذي، دفع سكان المنطقة – بشهادة أغلب المحللين – إلى التوجه نحو الخارج مبكرا، والذي كان بالنسبة لأغلب الريفيين المنفذ الوحيد للتمكن من تحسين واقع حالهم والتوق إلى غد أفضل من يومهم.

    ثلاث مخابرات خدعت الملك الحسن الثاني

    ظلت جهات خارجية، غير بعيدة عن الملك الراحل الحسن الثاني، أحيانا، عبر علاقات مباشرة وفي غالب الأحيان عبر عملاء أو علاقات وطيدة مع أقرب المحيطين بالملك والمقربين من البلاط ودوائر صناعة القرار، تحاول خداعه.
    إنها الموساد الإسرائيلية والمخابرات المركزية الأمريكية (سي- إي- يا) ومديرية التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس التابعة للمخابرات الفرنسية.
    وظلت هذه الجهات قريبة من القصر الملكي لدواعي مرتبطة بأمن الأسرة الملكية والقصور، كما أنها لم تكن غائبة كليا عن ركح الصراع حول السلطة، إما بدعم المعارضة أو دعم النظام، للتخلص من هذه الأخيرة أو بالإشراف على تكوين عناصر الأجهزة الأمنية والمخابراتية المغربية وإعادة هيكلتها من فترة لأخرى، وبفضل عناصر هذه الجهات تمكنت المخابرات والأجهزة الأمنية المغربية من اختراق الأحزاب السياسية واستدراج بعض قاداتها للتعامل معها.
    وفي فترات معينة عملت بعض عناصر هذه الجهات الأجنبية، إما بتنسيق فيما بينها أو كل واحدة على حدة، على التخطيط بهدف التخلص من الملك الراحل الحسن الثاني

    في منتصف سبعينات القرن الماضي، بعد نجاح المسيرة الخضراء، كلف الملك الراحل الحسن الثاني، وزيره الأول وصهره أحمد عصمان، بمعية أحمد العسكي، باقتناء طائرة من نوع « بوينغ 727 » آخر موديل، لجعلها طائرته الخاصة تعويضا عن الطائرة « بوينغ 727 » التي تعرضت للقصف سنة 1972، في الانقلاب العسكري الثاني، الفاشل.

    ففي غشت 1972، كان الراحل الحسن الثاني، قد توجه إلى فرنسا لقضاء بضعة أسابيع في قصر « بيتز » على بعد ستين كيلومتر من باريس، الذي كان في ملكيته. وفي طريق عودته على متن طائرة « بوينغ 727″، فوجئ ربانها، العقيد القباج وهو على مشارف أجواء جبل طارق بسرب من طائرات « إف5 » تطارد الطائرة الملكية، وبينما الربان يحاول، دون جدوى الاتصال ببرج المراقبة، كانت إحدى طائرات « إف5″، قد شرعت في قصف مكثف للطائرة الملكية بين تطوان ومولاي بوسلهام، مما أسفر عن مقتل شخصين، ولم يكن أمام العقيد القباج سوى الحفاظ على توازن الطائرة كي تهبط في الأخير بأعجوبة بمطار الرباط سلا. نزل الملك متسترا من الطائرة المعطوبة التي قبع بداخلها في انتظار سيارة نقلته إلى جهة معينة بالرباط، حيث التحق به شقيقه الأمير الراحل مولاي عبد الله، رفقة الجنرال عبد الحفيظ العلوي والعقيد أحمد الدليمي آنذاك. وبعد تهدئة الأجواء واعتقال المتهمين، تم عرض طائرة « بوينغ 727″، بعد أسابيع، في متحف لمعدات طائرة « بوينغ »، إذ ذهل الخبراء والتقنيون الذين لم يصدقوا أن تكون الطائرة نجحت في مواصلة التحليق ثم الهبوط، سالمة تحت وابل من الرصاص والقصف المكثف.
    بعد الامتنان بالربان العقيد القباج، أعجب الملك الراحل الحسن الثاني بهذه الطائرة، فأمر باقتناء طائرة أخرى « بوينغ 727″، مجهزة بطريقة أفضل وبأحدث المعدات الالكترونية والوقائية، مع إعادة تصميمها من الداخل لتكون جاهزة للاستعمال خصيصا لرحلاته، تضمن كافة أجواء الراحة الكاملة (مقاعد من الجلد الفاخر، مقابض أحزمة الأمان مصممة بشكل فريد، لوحات لكبار الرسامين تغطي بعض أركانها..).
    في هذه الفترة (منتصف السبعينات) كان الملوك ورؤساء الدول وكبار أثرياء العالم، يفضلون طائرات « بوينغ » عن غيرها لاستخدامها كطائرات خاصة.

    أبرمت الصفقة، لكن تبين أن الطائرة لم تكن جديدة وإنما سبق استعمالها، حيث أعيد طلاؤها وتغيير أثاثها وديكورها، وتقديمها في الأخير للملك على أنها جديدة ومبتكرة!
    وحسب مصدرنا، اتصلت جهات أجنبية مقربة من مصانع « بوينغ » الأمريكية، إضافة إلى جهة أخرى تابعة للوكالة الوطنية للأبحاث (NASA)، بشخصية مقربة من الملك الراحل الحسن الثاني وبشخصيات تعمل في سفارة المغرب بواشنطن وأخرى بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، لكشف حقيقة الطائرة الملكية الجديدة، التي أبرم صفقتها أحمد العسكي باعتباره وزير الأشغال العمومية وقتئذ.

    كشفت كل هذه الجهات أن الطائرة المقتناة بدت كأنها جديدة وبالسعر المحدد من طرف الشركة، غير أنها طائرة مستعملة أعيد ترميمها. وأكد مصدرنا رغم أن صفقة الطائرة الملكية المغشوشة سارت على كل الألسنة وشغلت الرأي العام، ومع ذلك تم طمس ملفها بل وإقباره. مقابل ذلك سطع نجم الشخصين الذين ارتبط اسمهما بالصفقة، أحمد عصمان وأحمد العسكي: ترأس الأول حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد خلقه على طريقة « الكوكوت مينوت » للفوز بغالبية المقاعد في انتخابات بداية الثمانيات، في حين انتخب أحمد العسكي، تحت لواء نفس الحزب، بالعاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، وقد سبق لهذا الأخير، أن ترأس ودادية مهندسي القناطر والطرق، بين 1962 و 1963، كما عين وزيرا للفلاحة فيما بين 11 غشت 1970 و 23 أبريل 1971، وكان في منتصف السبعينات أحد التقنوقراطيين البارزين، بعد تخرجه من إحدى أكبر المدارس التقنية الفرنسية، مدرسة القناطر والطرق، وفور تخرجه ورجوعه إلى أرض الوطن، تحمل مسؤولية تسيير ميناء الدار البيضاء، (بين 1963 و 1965)، وقد توفي وهو يبلغ 74 سنة، في 28 نونبر 2004.

    ومن المعلوم أنه توجد شركات ووسائط أوروبية وأمريكية تنشط في بيع الطائرات المستعملة من مختلف الأنواع والموديلات، وأن أسعارها تختلف حسب الموديل والحجم والنوع وعدد المحركات، وسعر طائرة « بوينغ 727 » موديل 1977 يناهز 12 مليون دولار (ما يقارب 120 مليون درهم).

    نازلة كديرة صديق الملك

    من النوازل التي تفوح منها رائحة الخدعة توهيم أحمد رضا كديرة قبل مرضه، الملك الراحل الحسن الثاني، بضمان استقراره في المغرب، دون نية مغادرته، في حين أن هذا الأخير كان بصدد تهريب كل ثرواته إلى الديار الفرنسية!
    انكشف الأمر عندما علم الملك أن صديقه ومستشاره السابق، طريح الفراش، فعزم على زيارته. وفي طريقه إلى إقامة أحمد رضا كديرة، لاحظ الراحل الحسن الثاني أن سائقه الخاص يقوده خارج العاصمة الرباط، معتقدا أن صديقه يقطن بالقصر الذي شيده على أرض منحها إياه، تقع بالقرب من إقامات الأمراء والأميرات بالرباط وليس خارجها.
    استفسر سائقه، فأكد له أن تلك الأرض لم تعد في ملكية أحمد رضا كديرة، لأن هذا الأخير باعها قديما للمعطي بوعبيد!

    زاد امتعاض الملك الراحل الحسن الثاني عندما عاين إقامة صديقه ببيت متواضع بتمارة لا يتوفر سوى على أثاث قليل جدا، وجده مستلقيا على سرير إلى جانبه كرسيان في غرفة متواضعة خاوية على عروشها، وقيل له، بعد سيل من الأسئلة، إن استقرار أحمد رضا كديرة بذلك البيت المتواضع مؤقت، في انتظار رحيله إلى الديار الفرنسية للإقامة هناك، بعد أن باع كل أملاكه وصفى كل مصالحه بالمغرب، وهرَّب أمواله إلى الخارج. لم يستسغ الملك الراحل الحسن الثاني أن يقدم أقرب أصدقائه على تهريب كل ممتلكاته إلى فرنسا للاستقرار بها دون إخباره بالأمر، هو الذي كان يثق به ويشاركه جميع أسراره، علما أن الظرف تزامن مع فكرة الملك عن خطر السكتة القلبية للمغرب آنذاك.

    الصحفي « الحر » لا يكشف عن مصدره؟!

    فصول هذه القصة تعود إلى مطلع السبعينات، وتحديدا عام 1972، حيث استقبل الراحل الحسن الثاني وقتها زعماء الكتلة الوطنية (عبد الله ابراهيم، المحجوب بن الصديق، عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي)، حيث دخل معهم في مفاوضات سرية انتهت بأدائهم القسم على المصحف الكريم، بعدم إفشاء ما راج بينهم أثناء المقابلة إياها.

    في اليوم الموالي استدعى عبد القادر الصحراوي (وزير الإعلام ساعتها) الصحفي مصطفى العلوي فأخبره بأن الملك الحسن الثاني سيرسل له مبعوثا ملكيا خاصا، وكذلك كان، حيث فاجأه عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة رفقة أربعة (مخازنية)، ليعلمه بأن الملك الحسن الثاني كان سيستقبله شخصيا لولا إصابته بنزلة زكام حالت دون ذلك، وأنه جاء مبعوثا بالنيابة عنه. طلب منه بن منصور، باسم الملك أن يشرح له سر الخبر الذي نشره في صحيفته حول المقابلة التي أقسم فيها هؤلاء الزعماء على المصحف بألا يُسربوا الخبر خارج أسوار القصر، وأن يقدم له بيانات حول المصدر الذي أسر له بالخبر، أو بالأحرى الشخص الذي أفشى سر الملك. وكان الملك الراحل قد أرسل مع عبد الوهاب بن منصور ظرفا مفتوحا، سلمه إياه أحد « المخازنية » ليكتب فيه اسم هذا المصدر، ثم ناوله لـ « مخزني » آخر حفاظا على السرية التامة، للعملية التي دارت أطوارها في منزل وزير الإعلام. فعلا كتب مصطفى العلوي على ورقة أخرجها من الظرف (يا سيدي إنك قابلتني في مراكش بتاريخ كذا، وقلت لي إن الصحافي الحر لا يكشف عن مصدره) ثم سلمها بعد ذلك لـ »المخزني » بعد أن وضعها في الظرف.
    بعد ذلك تدخل البوليس وطرد صحافيا من أصول جزائرية كان يشتغل لحساب وكالة « يونايتد بريس »، على اعتبار أنه الشخص الذي كان وراء توصل مصطفى العلوي بالخبر إياه.

    اغتيال مشروع ملك « كاريان سانطرال »

    مشروع بلوره الراحل محمد الخامس، وحرص الراحل الحسن الثاني على أن ينجزه على أرض الواقع، إلا أن شلة عبد العزيز العفورة، المسنودة من طرف إدريس البصري وصهره، نصبت على الملك وحولت المشروع عن مرماه الأصلي. تعثر هذا الأخير أكثر من مرة وتبددت أمواله في منتصف الطريق. إنه مشروع الحسن الثاني العقاري الرامي إلى إيواء سكان « كاريان سنطرال » بالدار البيضاء، الذي اغتالته الطغمة « البصروية »، في مهده. ولا زال ضحايا نصبها واحتيالها محرومين من السكن اللائق الذي وعدهم به الملك الراحل محمد الخامس، الملقب من طرف الاستعمار بـ « سلطان الكاريان »، وحرص بعده، ابنه الراحل الحسن الثاني على تحقيقه، وفاء لرغبة والده.

    بدأت حكاية هذا المشروع في السنوات الأولى من الاستقلال، حيث أصدر الراحل محمد الخامس بنفسه تعليمات واضحة ترمي إلى بناء مساكن لائقة لكل قاطني « الكاريان » الكائن بالحي المحمدي ـ عين السبع. ومنذ اعتلائه عرش البلاد سنة 1961، تابع الملك الراحل الحسن الثاني هذا « الحلم الملكي »، حيث جدد تعليمات والده وكلف إدريس البصري، وزيره في الداخلية، في بداية الثمانيات بإنجازه.
    ضم هذا المشروع تشييد 10 آلاف مسكن على مساحة 44 هكتارا، وبدأت الأشغال، لكن سرعان ما توقفت بفعل تبديد وتحويل واختلاس أجزاء هامة من الأموال العمومية المرصودة له.
    ففي التسعينات أعطيت انطلاقة ثانية لمشروع تشييد 10 آلاف مسكن اقتصادي لفائدة سكان « الكاريان »، وتم الاتفاق مع شركة « كوجيبا »، من أجل انجازه، وبعد انطلاق الأشغال انكشف أمر النصب والاحتيال، حيث تم اعتماد خدعة، مفادها إنجاز 6 آلاف مسكن اقتصادي (عوض 10 آلاف) و 4 آلاف شقة غير مرصودة لقاطني « الكاريان » خلاف ما أقرت به رغبة الملكين؟! تم تحديد ثمن 6 آلاف مسكن اقتصادي في 100 ألف درهم، في حين تحدد ثمن 4 آلاف شقة المتبقية في 200 ألف درهم، بعد حرمان قاطني « الكاريان » منها. هكذا تم التخطيط للخدعة، ورغم ذلك لم يتم انجاز ـ حتى ـ ما تم تسطيره نصبا واحتيالا!
    وفي نهاية المطاف، لم يتمكن النصابون سوى من تشييد 2121 مسكن من أصل 10 آلاف، ولم تتحقق رغبة الملكين، محمد الخامس والحسن الثاني، بفعل احتيال وفساد « طغمة البصري »، ولا زال عدد كبير من قاطني « الكاريان » يعانون لحد الآن، مات الأجداد والآباء وبقي الأولاد، والأحفاد محرومين من حق أقر به الملكان منذ منتصف الخمسينات!

    يهود نصبوا على المغرب والمغاربة؟!

    أشار أكثر من مصدر أن شكوكا كثيرة ظلت تحوم حول « دافيد عمار » بخصوص النصب على البلاط ومجموعة من الموظفين السامين، بشأن مبالغ مالية « طيطانيكية »، تكلف بتوظيفها أو تهريبها للخارج، وبذلك تسبب هروبه من المغرب، في نهاية 1971، في ضياع مبالغ مالية هائلة من أموال الملك الراحل الحسن الثاني ومجموعة من الوزراء والضباط السامين وكبار رجال الأعمال المغاربة الذين كانوا يثقون به، لتهريب أجزاء مهمة من ثرواتهم إلى الخارج أو توظيفها هناك.

    لم يكن دافيد عمار شخصا غريبا عن البلاط ومجال الأعمال، فحول مائدته كانت تعقد الصفقات المريبة!
    آنذاك، في فجر سبعينات القرن الماضي، كان دافيد أول محتكر للحبوب ببلادنا وأول مستورد لها. وسّع نشاطه السياسي بعد الاستقلال، حيث أسس جمعية الوفاق التي ضمت حينئذ جميع رجال الأعمال، اليهود المغاربة.
    وبعد أن بدأت عملية تهريب اليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني، وحدوث كارثة الباخرة « بسيس » التي غرقت في عرض البحر، إذ لقي عشرات اليهود العجزة والأطفال حتفهم، توقف نشاط هذه الجمعية فحول دافيد اهتمامه، حيث لجأ إلى النخبة السياسية الموالية للبلاط فقوَّى صدقاته بالأعضاء المؤسسين لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) وبالمقربين من الملك، ضمنهم صهره أحمد عصمان. وبفضل هذه العلاقات تمكن دافيد من الفوز بمقعد بمجلس المستشارين، ففتح مكتبا للمعاملات التجارية بباريس كغطاء للقيام بتهريب الأموال وتوظيفها بالخارج لفائدة البلاط وكبار الأثرياء مقابل عملات ضخمة. ورغم ذلك اعتمد حيلا للسطو على كميات كبيرة منها، مما ساعده على توسيع نشاطه وبناء شبكة مهمة من العلاقات اخترقت دواليب الدولة حتى أضحى عدد كبير من الموظفين السامين والشخصيات الوازنة بالمغرب في خدمته!.

    حينما ورد اسمه بلائحة المتهمين في محاكمة الوزراء سنة 1971 (التي أحدثت من أجلها محكمة العدل الخاصة)، لم يصادف أدنى صعوبة في مغادرة المغرب بكل اطمئنان. ففي غضون شهر نونبر من سنة 1971 أشاع المشيعون في العاصمة، الرباط، أن دافيد عمار تمكن من مغادرة البلاد، رغم صدور أمر اعتقاله، وذلك برغبة من جميع أصدقائه وشركائه، وحتى ضحاياه، كي لا يفضح أمرهم. آنذاك كانت النيابة العامة لدى محكمة العدل الخاصة قد وجهت إليه تهمة منح رشوة لأحد الوزراء السابقين المعتقلين، قدرها سبعون مليون فرنك دفعة واحة!
    فور طلوع اسمه في لائحة المتابعين فر دافيد، تم ذلك يوم صدور الأمر باعتقاله، حيث أخبرته جهة وازنة بالأمر، فتوجه إلى مطار « طيط مليل » المدني وامتطى طائرة مدنية صغيرة في ملكية أحد أصدقائه، بعد أن طلب رخصة التوجه إلى مطار فاس. لكن عندما حلقت طائرته فوق العاصمة العلمية حولت مسارها إلى الناظور ثم المضيق لتحط بمطار « مالقا » الإسبانية بدعوى حدوث عطب طارئ.
    كان كل من « باروك دهان » و »سوسان » و »مانتو » وهم يهود مغاربة، قد اختفى أثرهم بعد هروب (دافيد). في البداية توجهوا إلى كندا، ثم استقروا بالكيان الصهيوني (إسرائيل) بعد أن خلفوا وراءهم عددا لا يستهان به من الأغبياء، الذين أصبحوا أثرياء بفضل مواقعهم ونفوذهم، وضعوا فيهم ثقتهم وكلفوهم بأموالهم التي طارت بمغادرتهم البلاد.

    ومن اليهود المغاربة الذين نصبوا على المغرب والمغاربة، الإخوان « أوحنا »، « بول » و »هنري »، خريجا المعاهد العليا بفرنسا.

    اضطلع الأول بمسؤولية إبرام شراكة مع المجموعة الإيطالية « إي. ني » (ENI) لإحداث أول مجموعة مغربية لتكرير النفط « لاسامير »، إذ كان قائما على صفقات اقتناء البترول الخام من الخارج، وموازاة مع ذلك ائتمنه البلاط والقيمون على أمورنا أموال عمومية طائلة ففر بجزء كبير منها، لكن الدوائر العليا تسترت عليه إلى حين تمكينه من حط الرحال بالكيان الصهيوني، حيث أنشأ هناك مختبرا للأبحاث في مجال البترول والبيئة بتل أبيب.
    أما الثاني، « هنري أوحنا »، فقد تمكن من ولوج سلك الإدارة العمومية، إذ قام بتسيير مجموعة من الدواوين الوزارية، منها الفلاحة والتجارة والمالية، إذ تألق في مشواره حتى تمكن من الاستحواذ على منصب ممثل المكتب الشريف للتصدير بالديار الأوروبية، وتزامنت مرحلته مع اختفاء مبالغ مالية هائلة من عوائد المكتب دون أن يظهر لها أثر، إضافة إلى أموال أخرى كان يقوم بتهريبها لفائدة شخصيات وازنة في البلاد، مستغلا منصبه. كما كان « هنري » هذا أول من روج، منذ 1968، لبيع المصانع الجاهزة (CLEF EN MAINS) بالمغرب الذي غادره مباشرة بعد انقلاب يوليوز 1971 متوجها إلى إسرائيل.

    وقد عمل الإخوان أوحنا (« هنري » و »بول »)، « روبير أسراف »، « مانتو » وشريكه « باروخ دهان » و »سويسا »، وهؤلاء جميعهم يهود مغاربة، على استثمار الأموال المهربة من المغرب (أموالهم والأموال المحصل عليها بالنصب والاحتيال) بالكيان الصهيوني.
    وقد كشفت محاكمة الوزارة سنة 1971 أن « باروخ دهان » وشركاءه تلاعبوا بأموال صندوق الإيداع والتدبير بتواطؤ مع القيمين عليه، وأغلب هذه الأموال عرفت طريقها إلى إسرائيل.

    ترشيح مشبوهين لنيل أوسمة ملكية

    لقد تعرض الملك الراحل الحسن الثاني أكثر من مرّة لخدع بخصوص التقارير المرتبطة بالمرشحين لنيل أوسمة ملكية.
    كما دأب بعض المقربين من الملك على ترشيح أشخاص للأوسمة رغم تورطهم البيّن في ترويج المخدرات والاغتناء السريع عن طريقها. ضمن هؤلاء رشيد التمسماني الذي تمكّن من رئاسة الفريق التطواني لكرة القدم والوصول إلى الجامعة الملكية سنة 1995، ومنها فُتحت له أبواب البلاط ليوشحه الملك الراحل الحسن الثاني بوسام ملكي.
    لم يخبر إدريس البصري الملك بحقيقة التمسماني، رغم علمه بأنه أحد كبار « بارونات » المخدرات بالشمال، ورغم إدراج اسمه في لائحة الحملة التطهيرية التي أعدها للتخفيف من الحرج الذي أحدثه تقرير المرصد الجيو استراتيجي للمخدرات بالنسبة للمغرب وملكه أيضا.
    « نصابة » حاولوا تسميم علاقة الحسن الثاني بأخيه

    لم يكن الأمير الراحل مولاي عبد الله، أخ الملك الراحل الحسن الثاني، ضحية مؤامرات من ذيول الخيانة، مستهدفا من طرف تدبير مخابراتي فقط، وإنما كان كذلك ضحية لأكثر من حالة نصب واحتيال، الكثير منها استهدفت تأليب أخيه الملك عليه، وتسميم علاقتهما. ولم يكن الراحل الحسن الثاني على علم بالعديد من جوانب هذه المؤامرات، كما أن أخاه الأمير الراحل مولاي عبد الله اختار، عن طيب خاطر، التعالي عليها نظرا لطيبوبته وعدم اهتمامه بدواليب الحكم واللهث وراء السلطة، ولكونه سعى إلى العيش مهتما بأسرته ونفسه، غير مبال بما يخرج عن النمط الحياتي الذي اختاره.

    وتظل أكبر عملية احتيال تعرض لها الأمير الراحل، خطة وضعها مجموعة من الخونة وبعض أقطاب سلطة الاحتلال الفرنسي، الرامية إلى وقف موجة الغضب الشعبي بعد تنحية الملك محمد الخامس عن العرش، مفادها الإعلان عن تعيين الأمير مولاي عبد الله ملكا بدل والده وإبعاد الملك محمد الخامس آنذاك وولي عهده الحسن الثاني عن المغرب، وقد علق الملك في خطاب العرش على ذلك يوم 18 نونبر 1952 بالقول : « .. الحماية الفرنسية بالمغرب مثل قميص أعد لطفل صغير، كَبُر الطفل ونما وترعرع وبقي القميص على حاله ».
    ومن القضايا التي كانت سببا في خلافات الأمير مع أخيه الملك، أن جماعة من المقربين كانوا يستغلون هذا القرب للتفاوض باسمه ولتنمية مصالحهم والنصب على آخرين.
    وقد اكتشف الملك الراحل الحسن الثاني عدة حالات من هذا القبيل، لذلك ما فتئ يلوم أخاه، وبشدّة أحيانا ، بخصوص علاقته بأشخاص دأبوا على الإساءة له.
    لقد كان معروفا عن الأمير الراحل مولاي عبد الله تعلقه بأصدقاء طفولته وشبابه، سيما الذين درسوا معه في المعهد المولوي، بينهم عبد الحق القادري وجنان، وقد كان هذا الأخير قائما على مجموعة من مصالحه ومشاريعه.
    ظل الأمير الراحل متسامحا يغفر للمخطئين في حقه بكل سماحة وسهولة. الشيء الذي دفع بعض المقربين منه للنصب على الغير باسمه، قصد السطو على عقارات وأراضي زراعية أو الاستيلاء على شركات، غير أن أمرهم سيفضح فيما بعد.
    ومن النوازل التي أقلقت الملك آنذاك، محاولة بعض ا لمقربين من الأمير السطو على أراضي لإقامة تجزئات أو ضيعات باسمه وتوهيم أصحابها والقائمين عليها بأن ذلك يدخل في إطار تحقيق رغبات الأمير؛ ومن الحالات التي انكشف أمرها، أرض بالفوارات وأراضي أولاد خليفة بالغرب التي أثارت ضجة اجتماعية كبيرة في فجر السبعينات، وقد سقط على إثرها فلاحون بفعل القمع الدموي الذي أشرف عليه شخصيا الجنرال محمد أوفقير، وقد ارتبطت هذه القضية بوسيط يدعى « لوموان ».
    وانكشف أيضا أمر سطو آخر باسم الأمير ودون علمه، تورط فيه الكولونيل بوبكر. وكان جل المقربين منه والمحيطين به يتاجرون باسمه، ورغم علمه بتصرفاتهم المشينة وانكشاف بعضهم لم يسبق للأمير الراحل أن كان سببا في إيذاء أحد منهم.
    وبعد وفاته، سطا الكثير من هؤلاء على جملة من أمواله وأملاكه، ضمنهم شخصيات وازنة في الدولة. ورغم تدخل الملك الراحل بهذا الخصوص، تمكن جلهم من الاستحواذ على جزء من تركة المرحوم الذي كان يثق بهم كثيرا، وقد أضحى بعضهم، بين عشية وضحاها من أكبر الأثرياء.
    ما دفع الملك الراحل الحسن الثاني، بعد وفاة أخيه، إلى البحث عن الذين كانوا يتصرفون في أموال وعقارات وشركات أخيه، عندما اكتشف، بالحجة والدليل أنهم نصبوا عليه فعلا.

    القنبلة النووية المغربية مجرد نصب واحتيال

    في نهاية سبعينات القرن الماضي كانت بلادنا ضحية عملية نصب واحتيال، يمكن عنونتها بوهم القنبلة النووية المغربية.
    آنذاك حدث لقاء مع الباحث الفرنسي « آلان بيكر »، وبالضبط يوم 25 أكتوبر 1981، حيث أوهم ضباط سامين مغاربة أنه من ا لممكن التفكير في إنتاج قنبلة نووية باستعمال اليورانيوم المستخرج من فوسفاط بوكراع، وهو من النوع u 235 الصالح لهذا الغرض.

    بعد اللقاء الأول مع الباحث الفرنسي، رئيس المعهد الدولي للإبداع والاختراع، الذي تم في سرية تامة، تلافيا لإخبار الجارة الجزائر والبلدان الأوروبية بالأمر، تم منح كل الصلاحيات لعناصر المديرية العامة للدراسات والتوثيق (لادجيد) تحت إمرة الجنرال أحمد الدليمي قصد تمكينهم من تجاوز كل العراقيل البيروقراطية والتغلب عليها.
    كما أن كل الموارد البشرية والوسائل التقنية وكافة المستندات والكفاءات التي بحوزة وزارة الطاقة- كانت تحت إشراف موسى السعدي آنذاك – وُضعت رهن إشارة الباحث الفرنسي لإنجاح مشروع « القنبلة النووية المغربية » والذي أطلق عليه اسم « كازوجين ».
    وقد جرى اللقاء مع الباحث الفرنسي « ألان بيكر » بالعاصمة البلجيكية (بروكسيل) عبر وساطة أحد مستشاري السفارة المغربية هناك، يٌُدعى بنموسى، هذا الأخير رتب لقاء يوم 25 أكتوبر 1981 بينه وبين ضباط سامين مغاربة، طلب خلاله الباحث الفرنسي ما يناهز 300 مليون درهم وجملة من المعدات الواجب اقتناؤها من إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، تحت غطاء استيراد تجهيزات خاصة بقطاع النسيج. تمت الموافقة على دفع نصف المبلغ المالي المتفق عليه لحظة التوقيع على العقد وإرجاء النصف الثاني إلى حين إجراء أول تجربة مقنعة.

    غير أن هذا المشروع لم ير النور، إذ لم يتم حتى الشروع في إنجازه. وقد قيل إنه تم التنصت على مكالمة هاتفية بين الباحث الفرنسي « آلان بيكر » وأحد معاونيه عندما كان مقيما بأحد الفنادق الراقية بمدينة أكادير، حيث تلفظ بما معناه .. » سنضحك على هؤلاء الأغبياء .. فهل يعتقدون أننا سنمكنهم من قنبلة نووية بهذه السهولة؟! »
    علما أن الكثيرين لم يستسيغوا هذه الرواية، باعتبار أن الباحث الفرنسي زار المغرب أكثر من مرة بعد إقامته بالفندق بمدينة أكادير.

    حين نصب هشام المندري على الملك

    في المرحلة الأخيرة من حياته، تعرض الملك الراحل الحسن الثاني لأكثر من عملية نصب وسرقة همت أحيانا أشياء خاصة به، كما حدث بخصوص الخاتم الملكي الذي اختفى من مكانه إضافة إلى مجموعة من الوثائق المهمة التي تم السطو عليها من مكتب أحد مستشاريه، وساعات ثمينة ناهيك عن أشياء أخرى غالية الثمن، سرقت من غرف الملك الخاصة، كما تبخرت كميات هائلة من الأموال (دراهم، دولارات وأوروات…) ومستندات من خزائن غرف الملك الحديدية.
    غير أن أكبر عملية نصب وسرقة تعرض لها الملك الراحل الحسن الثاني، حدثت في صيف سنة 1998، عندما عاد من زيارة رسمية إلى مصر، حيث لوحظ اختفاء دفتر شيكات خاص بالملك، وحقيبة مملوءة عن آخرها بالدولارات الأمريكية، من عقر غرفته الخاصة، التي لا يلجها إلا قليلون معلومون، على رأسهم فريدة الشرقاوي، امرأة ثقة الملك الأولى، إذ كانت القيّمة على مختلف تفاصيل ودقائق الغرف الخاصة للملك، الماسكة بمفاتيح خزائنه وأرقامها السرية ومستودعات أمواله (بالدرهم والدولار والأورو).
    وقد تناسلت بهذا الخصوص أكثر من رواية منها احتمال تواطؤ فريدة الشرقاوي مع هشام المندري على تهريب أموال وشيكات ووثائق سرية خارج البلاد، منها كذلك احتمال رغبة فريدة الشرقاوي في تأمين أيامها القادمة بعد رحيل الملك الذي كان قد هدّه المرض وبدت عليه علامات اقتراب موعد التحاقه بالرفيق الأعلى، ومنها أيضا أن هشام المندري خدع الملك وامرأة ثقته الأولى، في ظرف غفلة واستغلاله لفلتان مراقبة شؤون القصر ودواليبه من يد الملك الذي أنهكه المرض وأغرقه في وجوم شديد.

    الإخوان بوريكات

    ظل الملك الراحل الحسن الثاني يعتبر أنه خدع من طرف الأجهزة الأمنية والقضاء بخصوص الإخوان بوريكات، إلى حد النصب عليه بتوهيمه أنهم متورطون في انقلاب كان يهيئه الجنرال أحمد الدليمي، وفي نوازل الاستيلاء على أموال طائلة بعد إنجاز صفقات مشبوهة بمال الملك واستغلال اسمه ونفوذه دون علمه.

    وبهذا الخصوص سبق للمؤلف الفرنسي « ايريك لوران »، صاحب كتاب « الحسن الثاني، ذاكرة ملك »، أن سأل الراحل الحسن الثاني عما إذا كان يظن أن فضيحة « نازلة الإخوان بوريكات » ناجمة عن خطأ فادح ارتكبته الأجهزة الأمنية والقضاء، فكان جوابه بالإيجاب، لكنه أضاف – حسب « لوران » ـ « إن تركهم يخرجون من السجن كان خطأ فادحا كذلك… »
    ومن المعلوم أن علي بوريكات تمكن من الحصول على اللجوء السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية مقابل كشفه عن جملة من الأسرار خاصة بالبلاط وبفرنسا، سيما تلك المتعلقة بشبكات الاتجار في المخدرات بمباركة مسؤولين مغاربة وفرنسيين وازنين مقربين جدا من دوائر صناعة القرارات الكبرى والحاسمة، وهم الذين ساهموا بشكل كبير في حماية كبار مهربي كورسيكا ومارسيليا وباريس، مما قوّى نفوذهم ونشاطهم تحت غطاء بعض الشركات المستقرة بالمغرب، أهمها شركة « بيرنو وريكار » التي كانت تتوفر على مختبرات لصنع الكوكايين على تراب بلادنا حسب ما أدلت به زوجة مالك الشركة المذكورة بالديار الأمريكية، حيث تقضى بقية عمرها بعد تمتيعها باللجوء السياسي.

    للإشارة أطلق سراح علي بوريكات رفقة شقيقه سنة 1991 من سجن تازمامارت، حيث تم اعتقالهم جميعا في صيف 1973 ولم تعرض قضيتهم على أنظار العدالة.

    هل أوفقير خدع الأسرة الملكية أكثر من مرّة؟

    إن المتتبع لمسار الجنرال محمد أوفقير، يتوصل بسهولة إلى صحة الفكرة القائلة بأن الجنرال فرضه الاستعمار الفرنسي فرضا على البلاط، قبل مغادرته بلادنا، ليحتل الموقع الذي ظل يحتله في دواليب صناعة القرار ودوائره، واستمر في احتلاله بفضل دعم الأمريكيين والموساد.
    حاليا، بعد تسليط الأضواء الكاشفة على عدّة زوايا من تاريخ المغرب كانت مغيبة أو مسكوت عنها، يطرح السؤال هل محمد أوفقير خدع الملكين محمد الخامس والحسن الثاني ونصب عليهما على امتداد مشواره؟
    لقد ظل محمد أوفقير يسعى إلى السلطة منذ أضحى محسوبا على الضباط. فمع بداية الإستقلال أخذ يبحث عن تثبيت قدميه في دواليب الحكم، وشرع بتأسيس مؤسسات عسكرية لتكوين رجال موالين له، عيّن على رأسها رجال ثقته. فقد عمل على أن يكون الكولونيل الفرنسي « كوردان » على رأس مدرسة الاتصالات بالقنيطرة ثم تلاه إدريس الزرهوني، والثانوية العسكرية بالقاعدة الجوية بالقنيطرة التي ترأسها الكولونيل الفرنسي « لا نجري » قبل أن يخلفه « لوباريز »..

    كما حرص محمد أوفقير على تعيين من يكّن له الولاء، من الذين عملوا بجانبه في الهند الصينية والفيتنام، في مناصب عسكرية ومدنية عليا.
    ومن المعلوم أن السلطات الفرنسية كانت قد اعتمدت على محمد أوفقير، بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس وتنصيب محمد بن عرفة، لعزل كل القواد ورجال السلطة الوطنيين وتعويضهم بمن شاركوه في الحرب العالمية الثانية تحت لواء الراية الفرنسية، وأغلب هؤلاء نعتوا بالخونة، غير أنه لم تصادر أملاكهم كما حدث للبعض، ضمن هؤلاء القائد اعبابو بالغرب والقائد بنسليمان… كل المحيطين بمحمد أوفقير، إما تربطهم به علاقة قرابة أو سبق لهم أن عملوا إلى جانبه في الجيش الفرنسي أو تخرجوا من مدارس الأعيان الموالين للاستعمار أو من أبناء الخونة.

    ونظرا لأن القنيطرة احتضنت أهم قاعدة جوية ذات أهمية استراتيجية « حلف أطلسية »، وأيضا لأن محمد أوفقير بدأ تقعيد نفوذه اعتمادا على المؤسسات التي أنشأنها بها، فإن هذه المدينة ظلت منطلقا لمجموعة من المؤامرات هندس لها الجنرال الدموي، بما في ذلك محاولة تسميم الملك الراحل الحسن الثاني بواسطة طباخ يدعى « صلاح » وانقلاب الصخيرات (أحد الأخوين اعبابو كان يقطن بالقنيطرة) والهجوم على الطائرة الملكية.. ولا يخفى على أحد أن الجنرال محمد أوفقير كان يقضي جل أوقات فراغه بالقنيطرة أو بضواحيها (الفوارات).
    كما أن محمد أوفقير وقف بقوّة ضد رغبة الملك الراحل محمد الخامس لما تبين بروز تيار « فرنسا الحرّة » تحت الاحتلال النازي. آنذاك كان الراحل محمد الخامس قد نادى على قائد منطقة الغرب وطلب منه أن ينشر رسالة دعم ومساندة تيار « فرنسا الحرة » وسط الضباط، غير أن محمد أوفقير والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي » النازية دبّروا جميعا مكيدة لقائد المنطقة وتخلصوا منه بعد علمهم بأمر الرسالة، حيث وضعوا مكانه القائد بوشعيب الحريزي الموالي لهم ولأوفقير حتى لا تصل رسالة الملك إلى أصحابها، وهذا ما أدى إلى وقوع معارك ضارية بين الأمريكيين والفرنسيين الموالين لحكومة « فيشي »، عند الإنزال بشواطئ المهدية.
    وكان محمد أوفقير أيضا ضمن المجموعة التي وقّعت على إبعاد الملك الراحل محمد الخامس عن العرش، إذ زكّى اختيار الإقامة العامة الفرنسية لمحمد بن عرفة كسلطان مفبرك. وفعلا اضطلع الضابط محمد أوفقير بمهمة الحراسة الخاصة لمحمد بن عرفة بعد تنصيبه، وكان القيم على أمنه الشخصي. ولم يقف محمد أوفقير عند هذا الحد، بل ظل يعمل في الخفاء، بجدية ونشاط، ضد عودة الملك الراحل محمد الخامس إلى عرشه حتى آخر لحظة.

    ومن المعلوم أن محمد أوفقير هو الذي تكلّف بمرافقة محمد بن عرفة إلى مدينة « نيس » الفرنسية للاستقرار بها بعد عودة الملك الشرعي إلى عرشه.
    فكيف خدع الملكين الراحلين، محمد الخامس والحسن الثاني في محمد أوفقير، رغم أن تاريخه كله ينضح خيانة؟

    خدعة القضاء على « الثورة » الريفية في « رمشة عين »

    على إثر خدعة إخماد ثورة الريف دون إراقة دماء، بعد كشف أمر المتاجرة والمؤامرة في اتفاقية « ايكس ليبان » المعلنة عن الاستقلال المبتور للبلاد، اندلعت أحداث دموية بالريف بلغت ذروتها خلال سنتي 1958 و 1959، تدخلت خلالها القوات المسلحة، حديثة التأسيس حينئذ بقيادة الراحل الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك، الذي كان قد وعد أباه محمد الخامس أنه سيعمل على حل المشكل بالتي هي أحسن دون إراقة دماء، غير أن الأمر كان خلاف ذلك.

    لقد اعتبرت جماعة من مقاومي وأعضاء جيش التحرير أن الاستقلال المعلن عنه، استقلال مبتور وبمواصفات خاصة لا تخدم آمال الشعب وانتظارات قواه الحية، لذلك قرروا عدم التخلي عن السلاح والاستمرار في حرب التحرير، فاتجه الجيش تحت قيادة محمد أوفقير لإبادة انتفاضة القبائل الريفية، احتجاجا على التلاعب بمفاوضات « ايكس ليبان » في حق المغرب والمغاربة.
    لقد أصرت جماعة من جيش التحرير على الاستمرار في المقاومة، حيث رفضوا طرح السلاح إلى حين تحرير سبتة ومليلية والصحراء والجزائر وكافة بلدان شمال افريقيا لتحقيق الاستقلال الكامل غير المنقوص. لذلك حظي هؤلاء بدعم الريفيين الذين سبق وأن عاينوا كفاح محمد بن عبد الكريم الخطابي. ومما أجج انتفاضة الريفيين، تعيين عامل بمنطقتهم أساء معاملتهم، فرفضوا بقاءه بين ظهرانيهم.
    لقد اعتبر أهل الريف اتفاقية « ايكس ليبان » اتفاقية الخزي والعار، وبين عشية وضحاها أصبح مقاومو الريف متمردين وفوضويين في نظر الرباط.
    في البداية، أرسل الملك الراحل محمد الخامس، المحجوبي أحرضان، الضابط السابق في الجيش الفرنسي، إلى أهل الريف قصد الوساطة بين البلاط وأعضاء جيش التحرير الرافضين للاستقلال الأعرج، غير أنه لم يُوفّق في مهمته، نظرا لسمعته السيئة بين صفوف أغلب أعضاء جيش التحرير بالشمال.

    كما أن التاريخ سجل أن المهدي بنبركة، وصف انتفاضة الريف بالانتفاضة « الإقطاعية »، وهي نغمة نشاز تنضاف إلى نغمة أخرى سبقتها، وهي مشاركته في مفاوضات « ايكس ليبان » وتزكيتها رغم علمه، هو القائد السياسي الواعي والمحنك، بعدم خدمتها لقضية المغاربة.
    لقد اندلعت المواجهات بين أبناء الريف في مقبرة الشهداء بأجدير، حيث سقط خلالها الكثير من القتلى. انتشر الغضب المستطير وسط السكان وتمترسوا في جبل « كوين »، وبذلك كانت انطلاقة العصيان الذي سرعان ما شمل المناطق المجاورة. وبدأ الحديث عن تشكيل حركة التحرير والإصلاح الريفية، وصدر ميثاق في 7 أكتوبر 1958، ركز على المطالبة بتسيير الريف من طرف الريفيين، وتم الإعلان عن تأسيس « جبهة النهضة الريفية » دفاعا عن « الكرامة الريفية ».
    وفي بداية يناير 1959 بدأ قمع الانتفاضة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم، حيث انتقل الراحل الحسن الثاني (ولي العهد آنذاك) رفقة محمد أوفقير إلى الريف، على رأس ما يناهز 20 ألف جندي، فتعرضت قرى الريف للقصف الجوي المكثف لمدة أسبوع ليل نهار.

    وأكد أكثر من مصدر أن طائرة الحسن الثاني أصيبت بعيارات نارية بسماء الحسيمة. وللتذكير بهذه النازلة سبق للراحل الحسن الثاني أن قال في إحدى خطبه سنة 1974: « [..] أما سكان الريف فهم يعرفونني جيدا ».
    كانت مواجهة الريفيين عنيفة ووحشية باستعمال الدبابات والطائرات والمدافع الرشاشة التي أُطلق عنانها عشوائيا.. هدمت البيوت ودهمت المنازل وحرقت المزروعات وبُقرت بطون بعض الحوامل واغتصبت نساء وفتيات… وحسب مصادر متعددة خلف الهجوم ما يناهز 8000 قتيل دفنوا في مقابر جماعية ناهيك عن آلاف الجرحى.
    تلك كانت خدعة « إخماد انتفاضة الريف بالتي هي أحسن دون إراقة دماء ».

    إن نظرة الملك الراحل الحسن الثاني للريف كانت خاصة ومطبوعة بحكم قيمة، له دوافعه تاريخيا، والذي شكل أرضية الانطلاق في التعامل مع هذه المنطقة على امتداد العهد االحسني. وقد تكرست اللبنات الأولى لهذا المنطلق منذ أحداث 1958 والفظاعات التي رافقتها.
    تلك كانت نقطة البداية، حيث تكرس هذا المنحى الذي، دفع سكان المنطقة – بشهادة أغلب المحللين – إلى التوجه نحو الخارج مبكرا، والذي كان بالنسبة لأغلب الريفيين المنفذ الوحيد للتمكن من تحسين واقع حالهم والتوق إلى غد أفضل من يومهم.

    ثلاث مخابرات خدعت الملك الحسن الثاني

    ظلت جهات خارجية، غير بعيدة عن الملك الراحل الحسن الثاني، أحيانا، عبر علاقات مباشرة وفي غالب الأحيان عبر عملاء أو علاقات وطيدة مع أقرب المحيطين بالملك والمقربين من البلاط ودوائر صناعة القرار، تحاول خداعه.
    إنها الموساد الإسرائيلية والمخابرات المركزية الأمريكية (سي- إي- يا) ومديرية التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس التابعة للمخابرات الفرنسية.
    وظلت هذه الجهات قريبة من القصر الملكي لدواعي مرتبطة بأمن الأسرة الملكية والقصور، كما أنها لم تكن غائبة كليا عن ركح الصراع حول السلطة، إما بدعم المعارضة أو دعم النظام، للتخلص من هذه الأخيرة أو بالإشراف على تكوين عناصر الأجهزة الأمنية والمخابراتية المغربية وإعادة هيكلتها من فترة لأخرى، وبفضل عناصر هذه الجهات تمكنت المخابرات والأجهزة الأمنية المغربية من اختراق الأحزاب السياسية واستدراج بعض قاداتها للتعامل معها.
    وفي فترات معينة عملت بعض عناصر هذه الجهات الأجنبية، إما بتنسيق فيما بينها أو كل واحدة على حدة، على التخطيط بهدف التخلص من الملك الراحل الحسن الثاني

  • بنسعيد يروي تفاصيل غضب الحسن الثاني عندما لم يُقبّل يده وما قام به البصري

    كشف الزعيم اليساري أيت ايدر في كتابه “هكذا تكلم.. محمد بن سعيد”، تفاصيل أول لقاء له بالملك الحسن الثاني بداية الثمانينات، حيث كان ذلك بمناسبة سفر وفد مغربي الى أديس أبابا للمشاركة في لقاء لمنظمة الوحدة الافريقية، وكان ذلك بالإقامة الملكية بفاس،

    يقول بنسعيد: “جاء دوري لأسلم على الملك فاكتفيت فقط بوضع يدي على كتفه.. لكن ما إن هممت بالانصراف حتى استوقفني وسألني بنبرة ذات مغزى. “شكون أنت”.. فكان أن أجبت بنفس النبرة.. “بنسعيد”، وغادرت.

    عند عودة الوفد من أديس أبابا، يقول أيت إيدر بعث إلي ادريس البصري وزير الداخلية، من يطلب مني أن أقبل يد الملك عند لقائه.. لكنني يقول أيت إيدر اكتفيت ثانية بوضع يدي على كتف الحسن الثاني، وهممت بالانصراف، إلا أنه استوقفني وقال لي، “المخزن عندو تقاليد خصك تحترمها”، ولم أجبه، وانصرفت الى حال سبيلي، يقول بنسعيد.

  • المغرب: غرائب ملك عاش خائفا من القتل

    عن المشعل

    « الحسن الثاني كان شخصا مرعوبا ومضطربا على الدوام ».. إنها الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها المرء وهو يطَّلع، بغير قليل من الدهشة، على بعض تفاصيل الحياة اليومية للملك الذي ظل مصرا طوال قرابة أربعة عقود، على أن يكون رئيس الدولة السياسي والعسكري والديني.. ناهيك عن ألقاب « الزينة » و »البطولة » من قبيل: « الرياضي الأول » و »الفنان الأول ».. وغيرها من التسميات، في كل المجالات التي ارتبطت بالتفوق والعبقرية البشريين.. بيد أن القلة القليلة جدا، كانت تعرف أن الحسن الثاني « تفوق » أيضا في جوانب أخرى مثل الخوف والقلق.. كيف لا والتفاصيل التي بين أيدينا، والتي راكمناها أثناء إعداد هذا الملف، تفيد أن الحسن الثاني، كان يخاف من أشياء كثيرة، منها حشود الناس حينما كان يصادف، أو يكون مُعدا له (كما حدث مرة في ليبيا، خلال زيارة رسمية بدعوة من العقيد « معمر القذافي ») أن يجد نفسه في مواجهة الجموع الغفيرة، حيث كان من أخوف ما يخافه، أن تُصوب اتجاهه طلقة قاتلة، تُسقِطه مضرجا في دمائه، كما حدث للرئيس المصري السابق « أنور السادات » على أيدي ضباط جيشه، كما أن الحسن الثاني، ظل قٌرابة ثلاثة عقود لا يسبح في مسبح القصر، مخافة أن يُفاجئه الانقلابيون وهو في وضع « مشين » لا يرتدي سوى « مايوه » السباحة..

    أما تفاصيل الحياة اليومية بالقصر، فكانت قطعة سميكة من توتر وقلق، أغلب الأيام، لأن مزاج الحسن الثاني كان شديد التعكير، بسبب هواجسه التي تُبقيه أغلب الليل مستيقظا، لينام حين يستيقظ أفراد « شعبه الوفي ».. ويقوم من فراشه عندما تكون الشمس قد مالت نحو النصف الأخير من اليوم.

    الحسن الثاني كان مُقيما على بساط من قلق.. إنها واحدة من الاستنتاجات، التي تمنحها المعطيات القليلة بهذا الشأن، لذا لم يكن مستغربا، أن يتحول شخصه إلى كتلة من غضب وقلق، وسخرية تقض مضاجع كل الذين اقتربوا منه، بهذا المستوى أو ذاك، كان على سبيل المثال، يقلب الأجواء بالقصر رأسا على عقب، حينما يستيقظ من نومه، كما كان يجد متعة كبيرة، في جعل ضيوفه ينتظرونه الساعات الطوال قبل أن « يشرفهم » بلقائه، كما لم يكن يتورع عن استدعاء وزراء حكوماته المُتعاقبة، في ساعات متأخرة من الليل، حيث تكون سِنّةُ النوم تُداعب أجفانهم.. إلى غيرها من التفاصيل، التي تثير لدى قارئها، أو المستمع إليها ابتسامة ساخرة، في أقل الأحوال، وفي أقصاها تحشد لديه تأملا كثيفا، في الطبيعة النفسية والشخصية الغريبة للحسن الثاني، الذي أصر على أن يحكم، ملايين المغاربة، الذين تضاعف عددهم ثلاث مرات، خلال فترة حكمه، على إيقاع مزاجه الخاص جدا.

    الملف التالي تجميع لبعض المعطيات التي تخللت الحياة اليومية للحسن الثاني، وأقرب المحيطين به، من أفراد أسرته، وباقي سكان القصر الذين قادهم قدرهم لـ « معايشة » كائن استثنائي.

    مخاوف لازمت الحسن الثاني طوال فترة حكمه

    ظلت المسألة الأمنية، في صلب الانشغالات خلال السنوات الثمانية والثلاثين، التي دامها حكم الحسن الثاني، وإذا كان الحديث قد انصب بهذا الصدد، ولو « باحتشام » على الآليات المؤسساتية والسياسية، التي اعتمدها الملك الراحل، لتحقيق رؤيته لشؤون الحكم، بما يجعل المؤسسة الملكية حجر الزاوية في النظام المغربي، على جميع المستويات.. فإن هناك جوانب وتفاصيل تمت لما هو شخصي ونفسي، حتمت وجود تلك السياسة الأمنية التي صُرِّفت في البلاد وبين العباد. منها مثلا أن الحسن الثاني كان رجلا مهووسا بأمنه الشخصي لاعتبارات عديدة، منها أيضا أنه اختار أن يستفرد لوحده بشؤون الحكم، وبالتالي كان ضروريا، حسب المنطق الذي اشتغل عليه، أن يتوفر على أذرع أمنية تجعله قادرا على الإمساك بزمام الأمور مهما كانت الظروف، وبطبيعة الحال لم يكن ذلك ليمر دون أن تبرز تناقضات عديدة، كان من أهمها أنه تعرض لمحاولتين انقلابيتين عسكريتين، على مدى سنتين متواليتين، كاد يفقد فيهما، ليس حياته فحسب، بل انمحاء النظام الملكي، ذلك أن الضباط الانقلابيين، لم يكونوا ليتركوا للملكية « ترف » الاستمرار في زمن كانت فيه الأنظمة العسكرية « موضة » في العالم العربي، والعديد من دول العالم الثالث، عبر أرجاء المعمور.

    وبطبيعة الحال، فقد كان من الصعب جدا على نظام ملكي، مطلق، بالشكل والمضمون اللذين أرادهما الحسن الثاني، أن يظل « ثابتا » في محيط محلي وإقليمي ودولي، متحول على المستويات الإيديولوجية (النموذجان الاشتراكي والاسلامي) لذا كانت تلك التناقضات النفسية تطفو على السطح، لكن لا تراها الأعين « المجردة » في بلاد كالمغرب، لم يكن فيه لوسائل الإعلام من دور آخر، غير « الإشادة » أو النقد المبطن، الذي لم يكن يسلم أصحابه (سيما في الصحافة الحزبية المعارِضة آنذاك) من الملاحقة والمتابعة، وبالتالي ظلت العديد من تلك التناقضات النفسية في أعلى مستوى هرم السلطة، حبيسة القلوب التي في الصدور، لدى الذين عايشوها من قلب مربع الحكم، والمُحيطين به. كما تناقل بعض العارفين بأسرار القصر، فما لأذن، الكثير من الغرائب والعجائب، عن التدبير النفسي لأمور الحكم، من نواته، أي القصر.. فعلوا ذلك بكثير من الحيطة والحذر. فالحيطان لها آذان كما يُقال، وثمة العديد من المآسي التي حلت ببعض الذين انفكت ألسنتهم قبل الأوان، غير أنه مع توالي السنوات، بدأت بعض التفاصيل العجيبة في الظهور إلى العلن، ولو في نطاق محدود، كان أغلبها مصدره كتابات أجنبية، نشرت على أعمدة الصحف الكبرى في أكثر من بلد غربي، ومؤلفات، عن الشأن المغربي، أغلبها فرنسي.

    وقبل أن نبرح هذه النقطة، بصدد حدة الموقف الأمني، المرتبط ببعض تفاصيل تناقضات التدبير الأمني، في أبعاده النفسية، يجدر بنا الإشارة إلى مُعطاة أوردها الضابط السابق، أحمد المرزوقي الذي قضى ثمانية عشر عاما في سجن « تازمامارت » السري، على خلفية اتهامه ومُحاكمته، بتهمة المشاركة في الانقلاب العسكري الأول سنة 1971، وتُفيد – أي المعطاة – ضمن كتاب المرزوقي « الزنزانة رقم عشرة » أن ضابط صف مغربي، نُقل سرا، وبلا مُحاكمة، إلى سجن « تازمامارت » لأنه نطق يوما بعبارات تذمر أمام زميل له، من المهمة الموكلة إليهما، وكانت تتمثل في حراسة مدخل قصر إحدى شخصيات القصر الملكي، ووصف « المرزوقي » الظروف المأساوية التي توفي فيها ذلك العسكري الشاب، بعدما كان قد دخل السجن الرهيب في هيئة بدنية صلبة، ليخرج جثة متهاوية، إلى قبر مجهول، ذلك لمجرد كلمة قالها في لحظة تأفف، لزميل له غير أمين!

    الواقعة إياها تشرح إلى أي مدى، كانت الاعتبارات النفسية هشة، بالنسبة لنواة الحكم في البلاد، وهي تكشف أيضا، عن الحساسية الفائقة، التي كانت لدى الحسن الثاني، كلما تعلق الأمر بسلامته الشخصية، و »هيبة » نظام حكمه المطلق.

    غير أنه في ثنايا كل تلك الصلابة الظاهرة، التي لم يتورع الحسن الثاني عن إفشائها بكل السبل والوسائل، مهما أمعنت في المُغالاة، كانت ثمة نفس قلقة مضطربة، تخشى من أهون « الإشارات » ولو كانت على شكل وشاية غير دقيقة، ففي التفاصيل التي انفكت عنها الألسنة، تأكد أن الحسن الثاني، كان شخصا مسكونا بالخوف، لا ينام من الليل إلا أقله، ولا يقرب الطعام إلا فيما ندر، كما أن حالته المزاجية لم تكن في غالب الأحيان على ما يُرام، وأنه كان يعيش أيامه وكابوس انقلاب عسكري وشيك، يتربص به حتى في غرفة نومه، كما أنه لم يكن يثق بأي شخص، بما في ذلك أقرب مُقربيه، مما حوله إلى شخص لا يُطاق، حتى في لحظات نومه، حيث كان مطلوبا أن يظل القصر « نائما » في عز النهار، حتى لا يتم التشويش على الملك النائم.

    التفاصيل كثيرة، غير أن أكثرها، ما زال طي الكتمان، ولا غرابة في ذلك، ما دام أن « تاريخ » المغرب السياسي، الذي رهن مصير أجيال المغاربة، لعقود طويلة، ما زال لم يُكتب بعد، ناهيك عن التفاصيل الشخصية والنفسية، التي أطَّرت السلوكات اليومية، للحسن الثاني، ذلك لأن أغلب هذه الأخيرة، تظل سجينة اعتبارات عديدة، منها مثلا أن المجتمع المغربي، ليس « بوحيا » (من البوح) بل « إخفائيا » (من الإخفاء) هذا إذا ما تجاوزنا « عقبة » اعتبارات الاحتراز والحذر، الأقرب إلى العصاب المرضي، كلما تعلق الأمر بأسرار رجالات السلطة النافذين، وعلى رأسهم الملك، حيث يفضل الناس عندنا « السلامة » على « الندامة ».. أما الذي يركب رأسه ويُفشي بما رآه من عورة الأسد، فيُشيع بتلك العبارة الدارجة، التي خلدت على لسان الممثلة والوزيرة « ثريا جبران » أو « قريتيف »: « ها ناري جابها فراسو ».

    مهما يكن من أمر، فإنه من المستحيل دائما، أن تظل كل الأشياء طي الكتمان، حيث يُقيض لها دائما، مَن يخرجها، ولو ببطء شديد، إلى النور، وهذا ما حدث، ويحدث حاليا مع الكثير من أسرار التناقضات الشخصية والنفسية، الزاخرة التي حبلت بها فترة الحكم الطويلة للحسن الثاني.

    ويمكن القول إن بعضا من التفاصيل المتوفرة بهذا الصدد، لا تخلو من غرابة، إذ كيف لامرئ مغربي « ألف » حتى « تكلس » وعيه، أن يفهم أن الحسن الثاني كان رجلا خائفا على الدوام، تطارده الكوابيس، ويشك في كل ما يحيط به، لأنه عاش لحظات عصيبة كاد أن يتحول فيها من مُطارد للناس إلى طريد، يجري وراءه العساكر وأيديهم على الزناد، لإردائه قتيلا متى أصبحت المسافة بينهم وبينه مُناسبة؟ كيف يمكن أن يفهم « يا أيها الناس » أن الملك الذي جعلهم يعتقدون، بقوة السلطة وجبروتها، أنه « أبدي » لا يموت.. (كيف لهم أن يفهموا).. أن الرجل كان إنسانا خائفا ومرعوبا، يتطير من خبر وقوع انقلاب في أحد أصقاع المعمور البعيدة، ويعتبره فألا سيئا، فيفسد نهاره بأكمله؟ وكيف لهم أن يفهموا، أن سكان القصر، سيما النساء، كُن دائما على أهبة الاستعداد للهرب في كل الاتجاهات، عند حدوث الأمر « الجلل » لدرجة أن الأحذية الرياضية كانت على الدوام تحث الأسرة، عسى يكون الإفلات؟ و.. و… وأسئلة كثيرة متناسلة، تحتاج إلى أجيال من المغاربة « المُبصرين » خلف هالة المُلك، الذي منحه الحسن الثاني « الصولة والصولجان » ليتسنى لهم أخيرا، فقط، الفهم،  أن الإنسان يظل إنسانا، ولو كان في قالب مُلك مرمري؟

    تحصينات الحسن الثاني المعمارية والبشرية

    لُقب الحسن الثاني بأنه كان ملكا رحالة، ليس بالمفهوم الذي كان عليه الرحالة المغربي الشهير « ابن بطوطة » بل في اتجاه معكوس، أي أن الحسن الثاني كان رحالة داخل المغرب من خلال التسعة وعشرين قصرا التي توفر عليها في شتى أنحاء البلاد، في مدن مثل أكَادير وطنجة ومراكش وإفران.. والدار البيضاء إلخ، قصور فخمة فسيحة، هي في ملكية الدولة « رسميا » لكنها ليست كذلك « فعليا » ناهيك عن عشرات « الفيلات » المُصممة على الطراز المعماري للقصور، المسورة بشكل كثيف، بما يجعلها بمنأى عن الأعين المتلصصة، وذلك من خلال الحراسة المشددة التي تحيط بها.. غير أن قصر العاصمة في حي « تواركَة » يظل هو مقر الإقامة الرسمي، وبالتالي الأكثر تشددا في الحراسة.. وبالنظر إلى كل ذلك الهوس الأمني للحسن الثاني، فقد كان « طبيعيا » أن تكون الحراسة مستمرة أربعة وعشرين ساعة على أربعة وعشرين، حوالي كل جنبات قصر الرباط،  الذي ظل رمزا معماريا لحكم العلويين منذ القرن الثامن عشر، فهو عبارة عن مدينة قائمة بذاتها، بأزقة ومصحة ومقبرة، ومجزرة لحوم، وثكنة عسكرية، ومسبحين، ومسالك الغولف، بثمانين حفرة، وملاعب كرة المضرب، وعشرات الفيلات، وغابة، ومركب سجني. إنها حسب وصف بعض الذين دخلوها، من بين خاصة الخاصة، مدينة متكاملة شبه مهجورة، لكن مئات الأعين مبثوثة في أرجائها، لا تترك مجالا للصدفة في أشد أركانها انعزالا.. فعند مستوى الحراسة الأول، هناك دائما عند كل مدخل من بين عشرات مداخل القصر الملكي بالرباط، حضور أمني مُكثف، قوامه أفراد من مختلف أجهزة الأمن السرية والعلنية، وفكرة الحسن الثاني من وراء ذلك، هي أن يراقب كل « عنصر » أمن الآخرين، في دوامة متشابكة ومعقدة لا تنتهي إلا لتبدأ، حيث يوجد جنبا إلى جنب، عساكر فرقة المظليين العسكرية، والحرس الملكي، وفرقة التدخل السريع، وحراس القصر الخاصين، والقوات المساعدة الملقبين بـ « الفرارج » ومئات من أفراد مديرية مراقبة التراب الوطني « دي .إيس.تي » ومكافحة التجسس « لادجيد » والدرك الملكي.. إلخ.

    علق أحد الصحافيين الغربيين، ممن كتبوا عن الأجواء الأمنية بالقصر الملكي بالرباط قائلا: « إنها أجواء تذكر بفضاءات قصص الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس، حيث يتعلق الأمر بعالم شديد الإبهام، عبر متاهات شديدة التركيب والتعقيد ».. لا غرابة في ذلك، بالنظر إلى الخوف المقيم، الذي كان لدى الحسن الثاني من انقلاب ثالث يأتي على الملك والملكية، ليحقق ما فشل فيه الانقلابان السابقان، لسنتين متواليتين (1971 و1972). لذا فإن كل ذلك الحذر الأمني، دفع الحسن الثاني، إلى اعتماد تصميم هندسي جديد للقصر،  جعلت ما هو « مهم » مختفيا بشكل يجعله لا يسترعي « الانتباه »، في حين أن الأقل أهمية، معروض بشكل سافر. فثمة مثلا أبواب خشب الأرز الثقيلة الضخمة، المنقوشة، لكنها لا تُفضي عند فتحها، سوى إلى مساحات فارغة، أما الأبهاء (جمع بهو) فكلها عبارة عن متاهات لا تنتهي، إلا إلى مزيد من التيه، أما الممرات، فتفضي إلى مزيد من أمثالها، بلا مخارج أو مداخل، بالنسبة لمن لا يمتلك أسرار جغرافيتها، هذا بينما تظل « الممرات » الحقيقية، سرا لأنها عبارة عن أسوار بلا منافذ، بالنسبة لمن لا يعرف المكان.. وحدها سراديب أدراج ضيقة جدا، إنارتها خافتة، لدرجة تبدو معها وكأنها ستؤدي إلى « لاكاب » تتجه إلى الإقامات الخاصة للحسن الثاني.

    لا أحد باستثناء الحسن الثاني، كان يعرف مداخل ومخارج تلك الأبهاء المتاهية، وللإشارة فإنه حتى بالنسبة لأفراد أسرته – أي الحسن الثاني – وأقرب المُقربين منه، كان حتما عليهم المرور عبر مرآب « كَراج » يوجد في مكان جانبي، وليس المدخل السري الخاص بالحسن الثاني، فهناك، أي عند المرآب المذكور، ثمة مربد السيارات إلى جانب بناية مجهولة حيث يقضي السائقون والحراس الشخصيين سحابة يومهم.

    إنها بعض متاهات قصر الحسن الثاني، التي صممها على هدي هواجس الخوف المُقيمة، كما سكنته طوال فترة حكمه.

    لا طائرة تطير في بلاد الحسن الثاني إلا بإذنه

    يتذكر أحد الصيادين المحترفين من مدينة القنيطرة، أن أحد مراكب الصيد غرق في عرض البحر قٌبالة شاطئ المهدية، خلال يوم عاصف من إحدى سنوات منتصف تسعينيات، القرن الماضي، لنستمع إلى الرجل وهو يحكي ما حدث: « كان على متن مركب الصيد سبعة صيادين، وبعدما توصلت إدارة الميناء بنداء الاستغاثة، تم الاتصال بقائد سرية الدرك الجهوية، من أجل تخصيص طائرة مروحية في عملية الإنقاذ » مُضيفا: « طال الانتظار الليل بأكمله، دون أن تظهر الطائرة المذكورة في الأفق » ليهلك الصيادون السبعة عن آخرهم في عرض البحر »!

    إن الواقعة المأساوية المذكورة، تُعتبر واحدة من بين عشرات غيرها، عبر المدن الساحلية المغربية، وقد كان كافيا أن يٌُصدر قائد سرية الدرك المحلية حينها، أمرا بإقلاع واحدة من عشرات الطائرات المروحية، مزودة بعتاد الإنقاذ اللازمة، من أطواق نجاة وسلالم حبال، ليتم إنقاذ الصيادين، غير أن هذه البساطة كانت تصطدم دائما بتعقيدات إدارية، لا تنتهي، فكما قال لنا الصياد القنيطري: « لقد علمنا فيما بعد، أن أي تحرك لطائرات الدرك، كان يحتاج إلى أمر خاص استثنائي من الجنرال حسني بنسليمان نفسه، كما أن هذا الأخير كان ضروريا أن يخطر الحسن الثاني شخصيا، بأمر إقلاع الطائرة والغرض منه، وهو ما لم يكن ممكنا حتى تصوره ».

    بالفعل، فمن يستطيع أن يتصور أن يقوم الجنرال « حسني بنسليمان » بإيقاظ الحسن الثاني من نومه، أو أن « يزعجه » حتى لو كان صاحيا (الحسن الثاني كان كائنا ليليا لا يؤوب إلى فراشه حتى الساعة الرابعة أو الخامسة صباحا)؟ لذا فقد كان حراس الموانئ يكتفون بـ » معايشة » آخر لحظات حياة طواقم الصيد المنكوبة، عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية، حتى يطوي عباب البحر أجساد الصيادين التعساء، الذين كان من سوء حظهم أنهم وُلدوا في بلاد يحكمها ملك « يتطير » من أي طيران في الجو بدون إذنه.

    ثمة ضمن أهم أسباب ذلك « التشدد » في منع الملاحة الجوية، بدون سبب « وجيه » أن الحسن الثاني، عاش لحظات عصيبة، يوم 16 غشت سنة 1972، حينما قنبلت طائرات القاعدة الجوية بمدينة القنيطرة طائرة « البوينغ » الملكية، حينما كان الحسن الثاني عائدا من سفر إلى فرنسا، ولولا سرعة بديهة الربان « القباج » لكان الحسن الثاني قد فارق الحياة منذ ذلك الحين، غير أن من بين النتائج « الوخيمة » لذلك، أن الملاحة الجوية، ظلت ممنوعة منذئذ، لأي غرض مهما كان مستعجلا، كأن يتعلق بإنقاذ أرواح بضعة صيادين كادحين، لقد كان ذلك أمرا مستحيلا، باعتبار حساسية موضوع إقلاع الطائرات بدون إذن من الحسن الثاني.

    يوم قال الحسن الثاني لـ « محمد المديوري »: « الفلاح الذي باغتني قتلني »!

    كانت المناسبة تدشين سد « الحسن الأول » أو « تاشواريت » بالتعبير الأمازيغي لأهل المنطقة حيث يقع السد، في منطقة جبلية قريبة من مدينة « أزيلال ».. والزمن كان إحدى سنوات منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي، الاستعدادات الأمنية والبروتوكولية كانت على أشدها، كيف لا والحسن الثاني إلى جانب الرئيس الفرنسي الاشتراكي « فرانسوا ميتيران » كانا سيقومان معا بعملية التدشين البروتوكولية.. كان الموكب المشهود يسير الهوينى، فوق الزرابي التي حشدها مقدمو وقياد دواوير المنطقة، وفجأة « انفلت » أحد الفلاحين من بين الحشد، مُخترقا كل « الأسوار » الأمنية والبشرية، قوامها رجال الأمن والدرك والقوات المساعدة، فضلا عن رجال الحرس الخاص، الذين كانوا متيقظين تحت أنظار « القط » محمد المديوري.. وبطبيعة الحال تسنى لهؤلاء الأخيرين أن يحولوا بين الرجل والحسن الثاني، لكن بعدما كان هذا الأخير قد اعتقد في لحظة مرت كالبرق، أنه إزاء عملية اغتيال انتحارية، ذلك أنه لم يعد يفصله عن « قاتله » المفترض سوى بضعة أمتار قليلة، كانت « كافية » ليتم القدر المحتوم.. وتبين بعد التحقيق مع مشروع « القاتل » أنه ليس سوى فلاحا بسيطا من الجوار يحمل رسالة مطلبية كان يريد تسليمها « يدا بيد » إلى الملك، غير أنه لم يُفلح في ذلك بطبيعة الحال، وبينما كان الحسن الثاني غارقا في « ذهوله » من فُجائية اللحظة، رمق « ميتران » المشهد بعينين مشدوهتين، سيما بعدما لاحظ الجلبة الكبيرة التي أحدثها الحُراس الشخصيون للحسن الثاني، وأفراد الأمن.

    أحد المصادر الذي عاين المشهد نقل إلينا أن الحسن الثاني توجه حينها غاضبا لرئيس حرسه الحاج « المديوري » قائلا: « من تلك المسافة إنني ميت ».. مما جعل « المديوري » يصب جام غضبه على مرؤوسيه، حيث أرسل بعضهم لإعادة « التكوين » في معهد الشرطة بالقنيطرة.

    يوم أمر الحسن الثاني بإقفال بئر في إفران لأسباب أمنية

    الواقعة التي سننقلها هنا بتفاصيلها الدالة، رواها لنا أحد الموظفين السابقين في القصر الملكي بمدينة إفران، وفي تفاصيلها أن الحسن الثاني كان كثيرا ما يتردد على المدينة الأطلسية المذكورة، حيث كان يحلو له مُمارسة هواية صيد سمك « الترويت ».. إذ أُحدثت من أجل ذلك،  مصايد خاصة، عبارة عن بحيرات صغيرة، تسهل على الملك عملية الاصطياد، أي أن لا يُخرج الصنارة خاوية أبدا.. وحدث أن الحسن الثاني خرج يوما من قصر « إفران » وحيدا، لمعرفته أن المساحة الشاسعة المحيطة بالقصر محروسة جيدا، ليس فقط بعشرات رجال الأمن، في الأوقات العادية، والذين يتضاعف عددهم حينما تُعتمد حالة الطوارئ عند إقامته بقصر « إفران ».. (ليس لذلك السبب فحسب) بل لوجود سياج عال من الأسلاك الشائكة، تحول بين القصر، وما جاوره على مدى قُطر دائري شاسع، وفي لحظة ما، يقول مصدرنا المذكور، وجد الحسن الثاني نفسه فجأة وجها لوجه مع امرأة من يا أيها الناس، تحمل عبوات (بيدوات) من ذلك النوع الذي يستخدمه بسطاء الناس في القرى لجلب الماء من مصادر طبيعية، جفل الحسن الثاني، عند رؤية المرأة، غير أنه لم ينبس ببنت شفة، وقفل راجعا إلى القصر الذي كان قد ابتعد عنه ببضعة مئات من الأمتار.. وهناك استشاط غضبا على المكلفين بالحراسة، وطلب بإنجاز تقرير على الفور، لمعرفة سبب « مُصادفته » المرأة القروية صاحبة « البيدوات » وعما قد يكون جاء بها إلى هناك.. وفي ساعات قليلة كان التفسير بين يديه، وكان كالتالي: إن مصادر المياه المعتادة، بالنسبة لبعض القرويين القاطنين في الجوار، كانت قد جفت بفعل شح السماء في تلك السنة، مما جعل بعض النساء والأطفال المكلفين بجلب المياه لبيوتهم « يُغامرون » بالتوغل أكثر صوب المنطقة « المحرمة » القريبة من القصر الملكي، وبالتحديد حيث كانت عين ماء ما زالت تمنح من فيض مياهها.

    وحسب المصدر نفسه فإن الحسن الثاني أمر على الفور أن يتم إغلاق تلك العين « القريبة » من قصره، حتى لا يستمر القرويون في « الاقتراب » من محيط مُمارسة هوايته المفضلة في إفران، أي صيد سمك « الترويت » في مصايدها المُعدة بعناية.

    ممنوع حمل المسدسات في حضرة الملك

    ليس من شك، أن الحسن الثاني، ندم كثيرا حينما كان يتذكر، طيلة السنوات التي أعقبت المحاولتين الانقلابيتين العسكريتين، لأنه كان يترك بعض كبار ضباطه العسكريين يتمنطقون في حضرته، بمسدساتهم المتنوعة، غير أنه لم يكن لينسى واحدة من تلك اللحظات « العصيبة » التي كان خلالها مُجتمعا، مع بعض وزراء حكومته في أحد أيام أواخر سنوات عقد الستينيات من القرن الماضي، وبالتحديد حين نشبت خلافات بين الجنرال محمد أوفقير، وبعض الوزراء بشأن إخلاء أراضي فلاحية خصبة، بمنطقة بني ملال، من سكانها القرويين البسطاء، ليسطو عليها بعض الوزراء وكبار شخصيات الدولة، حيث كان المتضررون قد اتصلوا بالجنرال « أوفقير » مستنجدين به، فما كان من هذا الأخير الذي كان شديد الاعتداد بنفسه، وعلى عداوة مع وزراء كثيرين، حيث كان ينظر إليهم باحتقار مشوب بالاستعلاء.. (فما كان من أوفقير) إلا أن ذهب بنفسه إلى عين المكان وهو يسوق سيارته بسرعة جنونية، وعمل على إيقاف إجراءات إخلاء الأراضي الفلاحية من قروييها، وهي العملية التي كان يشرف عليها آنذاك عامل مدينة بني ملال نزولا عند رغبة الوزراء، والنتيجة أن خبر ذلك النزاع بلغ إلى الحسن الثاني، وبالتالي ذلك الاجتماع الذي كان بين هذا الأخير وبعض وزراء حكومته، إلى جانب الجنرال « أوفقير » وحسب التفاصيل التي نقلها الصحافي الفرنسي « ستيفان سميت » في كتابه: « أوفقير قدر مغربي » فإن الاجتماع المذكور كان عاصفا، بين الطرفين، فمن جهة كان الحسن الثاني لا يُريد « حرمان » بعض وزرائه من الضيعات التي أرادوها، ما دام ذلك يضمن له ولاءهم، كما لم يكن يريد أن يخسر مخدومية جنرال قوي في نظامه من طراز محمد أوفقير، وفي لحظة عاصفة، استل « أوفقير » مسدسه الشخصي ووضعه على طاولة الاجتماع قائلا بهدوء وهو ينظر إلى الحسن الثاني: أنا مستعد لإطلاق رصاصة على رأسي إذا ما كان هناك أدنى شك في إخلاصي.. وبالنظر إلى ما قام به « أوفقير » فيما بعد ببضع سنوات، من دور محوري في الإعداد للانقلابين العسكريين، فقد كان من السهل عليه « عمليا » أن يصوب مسدسه اتجاه الحسن الثاني ثم يطلق عليه الرصاص فيُرديه قتيلا.. ما حدث حينها حسب التفاصيل التي تضمنها الكتاب المذكور، هو أن الحسن الثاني طيب خاطر جنراله القوي، من خلال إرجاء عملية استيلاء الوزراء على ضيعات الفلاحين.. غير أن الحسن الثاني لم ينس أبدا تلك اللحظة، عقب الانقلابين العسكريين، لذا فقد صدرت الأوامر الصارمة، إلى أفراد الحرس الخاص برئاسة الحاج المديوري، بألا يحمل أي شخص مهما كانت رتبته العسكرية أو الأمنية، سلاحا بذخيرة حية أو ميتة، في حضرة الحسن الثاني. وهو الأمر الذي استمر تطبيقه بـ « حذافيره » طوال عقود وسنين حكم الحسن الثاني.

    الملك في السينما وإلى جانبه مسدسه

     ولا يسبح خوفا من الموت وهو بـ  » المايوه »

    من بين التفاصيل التي « تسربت » عن الحياة الخاصة للحسن الثاني، أنه كان في بعض الليالي، ينتقل رفقة نساء حريمه، لمشاهدة أحد أفلام رعاة البقر أو الرعب أو البوليسية، وذلك بعدما كان يحرص على وضع مسدسه إلى جانبه، فليس من شك، بالنسبة للذين نقلوا هذه التفاصيل أن الحسن الثاني كان يخشى أن يُباغته انقلاب على نظامه، فيغشى الانقلابيون عليه غرفه الخاصة، بعدما يكونوا قد تخطوا أسوار القصر العالية السميكة، ثم يصلون إليه حيث هو في صالة العرض السينمائي بالقصر، بغرض تصفيته، لذا كان حريصا على أن يكون مسدسه بجانبه في كل مرة يستغرق خلالها في مشاهدة أحد أفلام المغامرات من الدرجة الثانية، التي كان يُقبل عليها بنهم كبير.

    ثمة أيضا من التفاصيل بهذا الصدد، ما يتعلق بواحدة من هواياته المُفضلة، وما أكثرها، هي السباحة، فبالرغم من أنه كان يتوفر على مسبح كبير بالقصر مفتوح على السماء، عامر بمياه عذبة مُعالجة طبيا، إلا أنه توقف عن السباحة فيه منذ بداية سنوات عقد الثمانينيات، وذلك مُباشرة بعد « موت » الجنرال « أحمد الدليمي » الرجل الثاني في النظام بعد « مقتل » الجنرال « محمد أوفقير ». ظل الحسن الثاني منذ ذلك الحين مسكونا بهاجس انقلاب عسكري ضده، وبالتالي تجنبه السباحة في المسبح الرائع بقصر الرباط، مخافة أن يفاجئه الإنقلابيون وهو في وضعية غير « لائقة » مرتديا فحسب « المايوه » دون أية وسيلة دفاع عن النفس.

    كيف أصبح الحسن الثاني كائنا « ليليا »؟

    لم يكن الحسن الثاني شخصا عاديا، فقد كان ملكا حكم بلادا تضاعف سكانها خلال فترة حكمه، ثلاث مرات، حتى أصبحوا زهاء ثلاثين مليون نسمة، ومثل هذا العدد يزيد من التناقضات العصية على « الضبط ».. لذا فقد كان « طبيعيا » ألا يتوفر على إيقاع حياة يومية عادية، بل كانت على قدر كبير من الاضطراب والإثارة. ومن ذلك مثلا أنه « أصر » على أن يتوفر على مظاهر حياة خاصة منتمية لعصر آخر قديم، وحسب بعض الذين اقتربوا منه كثيرا أو قليلا، فإن الحسن الثاني تغير بشكل مذهل، عقب وقوع الانقلابين العسكريين المتتابعين، كيف ذلك؟

    من التفاصيل المتوفرة بهذا الصدد أن الحسن الثاني كان ينام حينما يشرع أول أفراد شعبه في الاستيقاظ والدَبِّ على الأرض، ويتناول غذاءه – فيما ندر – في بداية المساء، ويقضي سحابة يومه تقريبا في ملعب الغولف، أو « مرفرفا » حسب تعبير أحد الكتاب الفرنسيين، بين نساء حريمه، ومستشاريه، ليتناول طعام العشاء في منتصف الليل، ثم لا ينام حتى الساعة الرابعة أو الخامسة صباحا.

    السبب في هذا الاستعمال الغريب للزمن، يعزوه مُقربوه المذكورون إلى أن الرجل – أي الحسن الثاني – كان مسكونا بهواجس أمنه الشخصي وأمن أفراد أسرته، لذا كان يعتقد أن الأنباء السيئة تُدبر « مؤامراتها » بليل، وبالتالي إن بقاءه مستيقظا، سيجعله ملما بها قبل فوات الأوان، غير أنه في خضم هذه « الفوبيا » الأمنية، كان استعمال الزمن المضطرب للحسن الثاني، يخلق إحراجا كبيرا للمحيطين به، كما لضيوفه، من كبار رجالات الدولة في العالم، ولا بأس أن نروي في هذا الصدد بعض التفاصيل المُوثقة، التي لا تخلو من طرافة.

    لقد كان الحسن الثاني كثيرا ما يمنح الضوء الأخضر لمدير بروتوكولاته الجنرال « أحمد العلوي » لاستقبال شخصيات عديدة، كان بينها رؤساء وملوك وكبار الدبلوماسيين ورجالات ونساء الإعلام، وأشهر الأكاديميين، عبر العالم، غير أنه لم يكن يلتزم بالمواعيد المضروبة، بل يلتقي بالشخصية المعنية بالموعد، في الوقت الذي كان يحلو له. وهو ما استحق عليه لقب « الملك الأقل لباقة في العالم » من طرف الصحافة الأنكَلوساكسونية، وذلك بعدما جعل الحسن الثاني ملكة بريطانيا « إليزابيت » تنتظره ساعة كاملة، خلال أحد أيام زيارتها الرسمية للمغرب، إلى درجة أن هناك مَن اعتبر أن الحسن الثاني كان يتعمد ذلك، لأنه كان يجد فيه متعة كبيرة. ومهما يكن من أمر، وحسب التفاصيل المتوفرة، فإن مواعيد الحسن الثاني كانت تتأخر لأسباب عديدة، منها اعتبار أمنه الشخصي، حيث يطول الإعداد له من طرف خدامه « المتحمسين » وكذلك حسب مزاجه، وهو ما كان يثير ضجر ضيوفه الأجانب، وكان من بينهم الرئيس الفرنسي السابق « فرانسوا ميتيران » وملك إسبانيا « خوان كارلوس ».

    كيف تغير الحسن الثاني؟

    كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن التغيير الكبير الذي طرأ على وتيرة الحياة اليومية للحسن الثاني، ارتبط بواقعتي المحاولتين الانقلابيتين العسكريتين المُتتابعتين (1971- 1972). فقبل ذلك كان الحسن الثاني يعيش نمط حياة شبه عادية، على المستوى الزمني، حيث كان يصل إلى مكتبه في التاسعة صباحا، بعدما يكون قد استيقظ مبكرا، ليتناول غذاءه في منتصف النهار، قبل أن يعود إلى مهامه، كما كان يمارس رياضة السباحة بانتظام، ويلعب كرة المضرب، والغولف، فضلا عن القنص، حيث كان بإمكانه التصويب بالبندقية، ليسقط زهاء مائة طائر في ظرف ساعة واحدة.

    كل ذلك تغير عقب الظرفية العصيبة المذكورة، صحيح لقد احتفظ الحسن الثاني بمظهر الواثق من نفسه، إزاء العالم الخارجي، سيما في جلسات ندواته الصحافية، التي كان يحب مُجادلاتها مع رجال ونساء الصحافة الغربية، وبالأخص منهم الفرنسيون، حيث قال في إحداها: « حينما أقوم بجرد لحصيلة حياتي، أجد أن الدَّين أكبر من المديونية، إنني لم أقم سوى بأمور إيجابية، من حواليَّ، فأنا لم أضر أي أحد، وأشعر أني بين ظهراني شعبي مثل سمكة في الماء، حسب تعبير ماو تسي تونغ ».

    لم تكن هذه في الواقع سوى كلمات مطلوقة في الهواء، ذلك أن الذين احتكوا بالرجل – أي الحسن الثاني – بشكل يومي، كانوا يعرفون أن تلك الثقة بالنفس كانت ظاهرية فحسب، وأنه على العكس من ذلك، كان ممروضا ممعودا، جراء الخوف من وقوع محاولة انقلابية ثالثة، كما أنه لم ينس أبدا أن أفراد « شعبه الوفي » التزموا الهدوء والسكينة حين وقوع الانقلابين العسكريين، بل وكان بينهم مَن خرجوا، للتعبير عن الابتهاج، كما حدث في مدينة الدار البيضاء، على سبيل المثال، في ظرفية كان فيها مصير العرش الملكي، مُعلقا بخيط رفيع.. لكل ذلك وغيره، من الاعتبارات المُماثلة، ظل الحسن الثاني إنسانا مُؤرقا لا ينام ليله كأغلب الناس، وحذرا على نحو شبه مرضي. صحيح لقد ظلت قواعد البروتوكول مرعية ظاهريا، كما أن جداول المواعيد الملكية بقيت كما كانت، لكن كل الترتيبات بهذا الصدد، كانت تزعزعها، الساعة البيولوجية المضطربة لنوم واستيقاظ الملك، فحتى في أماكن الإقامة التي كان يفضلها عن غيرها، مثل قصري الصخيرات (للمفارقة ففي هذا القصر حدثت المحاولة الانقلابية العسكرية الأولى ضده) أو « بوزنيقة » الذي كان محصورا على نساء حريمه، لم يكن الحسن الثاني يعثر على الراحة الضرورية، لذا فإن النوم لم يكن يُداعب جفنيه، حتى يكون النهار بصدد الطلوع، حيث يكون الإجهاد قد هََدَّهُ، وفي تلك الأثناء تُعلق الحياة داخل القصر، بكاملها في انتظار نيل الحسن الثاني قسطا من النوم، وحينما كان يستيقظ، تكون الشمس قد مالت نحو كبد السماء، وعندها يجعل حياة القصر منقلبة رأسا على عقب، من الناحية المزاجية، وهو ما كان يخلق متاعب لا حصر لها للعاملين على خدمته، من مختلف المراتب والمشارب، ومن الطريف أن نذكر بصدد أجندة الحياة اليومية الغريبة للحسن الثاني، أنه كثيرا ما كان يطلب من وزراء حكومته الحضور، في وقت يستعد فيه هؤلاء للذهاب إلى فراش النوم.

    سفريات وجولات الحسن الثاني: احتياطات أمنية لا تنتهي

    لا يختلف إثنان على أن تنقلات الحسن الثاني، كانت عبارة عن سلسلة إجراءات أمنية مشددة، قبل أي شيء آخر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما كان ينتقل إلى إحدى المناطق المغربية، البعيدة أو القريبة، من العاصمة، على متن سيارة مصفحة كبيرة، من نوع « ليموزين » أو « ميرسيديس » مُعدة بوسائل الراحة الأكثر فخامة، منها طاولة لعب الورق مع مرافقيه.. (حينما كان يفعل ذلك) فإن صفوف رجال الأمن تحيط بجنبات الشوارع والطرق التي يمر منها، وهم يديرون ظهورهم للموكب الملكي، ووجوههم إلى الحشود، ويا ويل رجل الأمن الذي يُخالف هذه القاعدة الأمنية الصارمة.

    وفي الحالات التي كان الحسن الثاني « يضطر » إلى تلقي « حمامات ازدحام » حسب العبارة الفرنسية، فإنه كان يفعل ذلك، بعد اتخاذ كافة الاحتياطات الأمنية، من بينها، ارتداء سترة واقية من الرصاص، ناهيك عن أفراد أجهزة الأمن السرية والعلنية، الذين يندسون بشكل سافر وسط الناس، لالتقاط كل « ذبذبات » الحشود.

    وعلى مستوى آخر، فإن حي « تواركَة » الذي يوجد به القصر الملكي، أي الإقامة الرسمية للحسن الثاني وأسرته، يتم فصله وعزله تماما، عن باقي أطراف العاصمة الرباط، ما بين الساعة الثامنة والنصف مساء والسادسة من صباح اليوم الموالي، أما أبواب القصر الأرزية الضخمة، فيتم إقفالها عند الساعة الثامنة مساء، ويكون العمل حينها بإجراءات أمن مُشددة، لم يكن يُستثنى منها أحد، بما في ذلك أبناء الحسن الثاني الأمراء والأميرات، الذين كانوا كثيرا ما يعمدون إلى استخدام الكثير من الحيل للتسلل خارج أسوار القصر ليلا.

    أحذية رياضية تحت أسرة غرف النوم بالقصر

    لم يكن يتسنى للذين عاشوا جوار الحسن الثاني أن « يهنأوا » بأجواء حياة طيبة.. صحيح، لقد كانت وسائل العيش المادية، متوفرة إلى مستوى أقرب إلى الخيال منه للواقع، لكن « الثمن » كان باهظا، يُدفع من أعصاب متوترة وقلق مُقيم، جراء الأجواء المكهربة في القصر، والاحتياطات الكبيرة، الدقيقة، لاعتبارات أمنية، بشكل يفوق الاحتمال، فعلى سبيل المثال، فإن أجواء الخوف والحذر، كانت شديدة الوطأة على عشرات النساء من حريم الحسن الثاني، فحينما كان هذا الأخير، يقرر اصطحابهن معه في إحدى سفرياته إلى الخارج، فإنه كان يتم ختم حقائبهن الكبيرة واليدوية في المطار، ويكون ممنوعا عليهن فتحها، مهما كان الظرف.

    نفس أجواء الخوف والقلق والتوتر، كانت تنسحب على أفراد أسرة الحسن الثاني، وثمة بهذا الصدد واقعة طريفة، حدثت حينما فكر ابن أخ الحسن الثاني الأمير هشام، في منح هدية لعمه الملك، حيث عمد إلى اقتناء ثلاث بندقيات صيد حديثة الصنع، لم يكن قد تم تسويقها بعد، حرص على أن يتم نقش اسم الحسن الثاني عليها، لمعرفته أن عمه الملك، يحب هذا النوع من العتاد، وبينما كان الأمير هشام ينتظر تشكرات مؤثرة من الحسن الثاني، تلقى منه تقريعا شديدا لا ينتهي، وذلك بعدما عمدت مصلحة « مخابرات » القصر برئاسة الحاج محمد المديوري إلى إخطار الحسن الثاني، بأن ابن أخيه قد استطاع إدخال أسلحة من الخارج، ليس فقط إلى البلاد، بل أتى بها حتى قعر القصر.

    ومن نفس الأجواء المتوترة، التي كان يرزح تحتها أفراد أسرة الحسن الثاني، بصدد الاعتبارات الأمنية المتشددة، كان الاعتقاد جازما لدى الجميع داخل القصر، سيما النساء، أن انقلابا سيحدث في أية لحظة، ومن ثم الخوف الشديد من مصير مأساوي، على غرار ما حدث يوم عاشر يوليوز من سنة 1971، الفكرة المحورية عن هذه « الفوبيا » المُقيمة لدى سكان القصر كانت هي: « هناك حيث فشل الجنرال أوفقير يمكن أن ينجح عسكريون آخرون ». ومن الطريف أن نذكر أيضا في هذا الصدد، أنه بالرغم من عادة المشي على أرضية ساحات ومرافق القصر بأقدام حافية، إلا أن الكثير من نساء حريم الحسن الثاني، سيما الفتيات الصغيرات منهن، كُنَّ يُخفين أحذية رياضية، تحت أسرتهن قبل أن يخلدن إلى النوم، ليظللن دائما على استعداد لحالات الطوارئ، وعلى أهبة الهرب حينما يقع ما يخشونه، لقد كن يعتقدن جازمات أن انقلابيي العسكر لن يرحمنهن، خلال الانقلاب، كما كانت هناك بينهن مَن يستشرن بانتظام عرافين وعرافات مشهورين، لقراءة طالعهن بصدد نهاية مأساوية مُحتملة بقدر كبير.

    يوم عَضَّتْ امرأة ليبية يد حارس الحسن الثاني

    حينما تسلم الحاج « محمد المديوري » رسميا منصب رئاسة الحرس الخاص للملك الحسن الثاني، عمد إلى الاستحواذ على مهمة « مسير » رياضي، وغرق في مسؤوليات « تحديث » جهاز الحراس الخاصين للملك، وللأميرات والأمراء، وفي سبيل ذلك لجأ إلى تقنية الاستقطاب للكوادر المؤهلة، من بين شباب مدارس الشرطة، والأندية الرياضية، سيما المشتغلة منها بفنون القتال، وإلى هذه الأخيرة يُعزى مصدر اكتشاف « مواهب » من قبيل « مهراد » و »فكري » و »جعايدي » الثلاثي الذي يشكل حاليا حجر الزاوية في الحراسة الخاصة للملك محمد السادس.

    ومن الوقائع التي حدثت خلال رئاسة « الحاج المديوري » للحرس الخاص للحسن الثاني،

    أنه خلال زيارة رسمية قام بها الحسن الثاني إلى الجماهيرية الليبية، بدعوة من رئيسها العقيد « معمر القذافي »، اضطرب أفراد فرقة الحراسة الشخصية للحسن الثاني ورئيسهم « المديوري » وذلك جراء الازدحام الشديد، الذي أحاط بالرئيس الليبي وضيفه الملك الحسن الثاني، وبينما بدا الأول سعيدا بذلك الاحتشاد الفوضوي من حوله، علت علامات الدهشة والخوف محيا الحسن الثاني، وهو ما جعل أفراد حرسه الخاص يقلقون ويضطربون، وحينها عمد رجال الحاج المديوري إلى استخدام تقنية « السمطة » وذلك بشد كل فرد منهم بيد زميله، لتشكيل سلسلة بشرية منيعة، حوالي الحسن الثاني ومُضيفه العقيد « القذافي » وبعدما لم تكتمل السلسلة المذكورة، تناول أحد أفراد الحرس الملكي يد واحدة من النساء اللواتي يقمن بمهام حراسة الرئيس الليبي، فما كان من المرأة الشديدة البأس، سوى أن عضت بأسنانها بكل ما تملك من قوة يد حارس الحسن الثاني.

    عندما انقطع التيار الكهربائي عن القصر واستبد الهلع

    حدث ذلك ذات ليلة من أحد أيام منتصف عقد ثمانينيات القرن الماضي، وبالتحديد سنة 1986، حين انقطع التيار الكهربائي جراء عطب تقني، مما جعل العاصمة الرباط، بما في ذلك القصر الملكي، تغوص في ظلام دامس، واستبد الهلع أكثر بين القاطنين وراء أسوار قصر « تواركَة » وهرعوا مهرولين إلى الخارج، مُعتقدين في جزم أن انقلابا عسكريا قد حدث، في حين أنه لا شيء من ذلك كان قد حصل. سيما أن ذكرى « موت » الجنرال القوي « الدليمي » كانت ما تزال طازجة في الأذهان حينها، غير أن تطورات الظرفية الدولية، في تلك الآونة، كانت على نحو من الاضطراب، مما بعت القلق بين سكان القصر، منها مثلا، أن الطائرات الليبية كانت قد قصفت ليبيا، وبالتحديد الثكنة التي كان يُعتقد أن العقيد « معمر القذافي » كان متمترسا فيها، وبالتالي الاحتمال القوي، الذي كانت تعتقد به السلطات الليبية وكان مفاده أن الطائرات الأمريكية التي قصفت بلادهم، عبرت الأجواء المغربية، مما جعل محيط الحسن الثاني، وسكان القصر، يعتقدون أن السلطات الليبية، وعلى رأسها الرئيس « القذافي » كان لديهم هدف ملح يتمثل في الانتقام من القصر « المتواطئ » مع الامبرياليين الأمريكيين، وقد بلغ من شدة هذا الاعتقاد، أن الحسن الثاني عمد حينها إلى زيادة تشديد الحراسة الأمنية حوله.

    كما كان هناك أيضا ذلك الخوف من مسألة تضاعف الانقلابات العسكرية، في العديد من البلدان الإفريقية والعربية، التي طوحت بأنظمة ملكية، كان يُعتقد أنها « أبدية ». ففي ظرف زمني لا يتعدى جيلا واحدا، تم القضاء على أربعة أنظمة ملكية، من طرف ضباط جيش شباب،  وذلك قبل حدوث انقلاب الجيش الأول ضد الحسن الثاني يوم عاشر يوليوز سنة 1971، كما أن نظامين إمبراطوريين « حليفين » للحسن الثاني، في « إيران » و »إثيوبيا » تمت الإطاحة بهما، من خلال إزاحة « هيلاسلاسي  » و »الشاه أحمد رضا بهلوي » وكلاهما كانا صديقين « حميمين » للحسن الثاني، ومن ثم يُمكن بسهولة، فهم الجو النفسي الذي كان مهيمنا على سكان القصر الملكي، حيث كانت الظرفية غير « مواتية » للأنظمة الملكية، سيما أن عددا من الملوك المُطاح بهم، عبر العالم، مثل ملك بلغاريا السابق « سيمون » وأبنائه، وأرملة شاه إيران « فرح ديبة » وابنها « رضا » ووريث عرش مصر الملك « فؤاد »  وزوجته، وملك اليونان « قسطنطين » المُطاح به من طرف العسكر، وآخرون كانوا يثقون في أريحية وحسن وفادة الحسن الثاني، الذي استضافهم في المغرب، ومنحهم فيلات أنيقة، أو غرفا في أفخم الفنادق بالعاصمتين الإدارية والاقتصادية، على مدار السنة، ووضع رهن إشارتهم سيارات فخمة مصفحة، بل ومنح بعضهم رواتب شهرية مجزية من ميزانية القصر. وبالتالي كان لدى الحسن الثاني، أكثر من سبب للخوف من مصير بائس، كالذي حل بضيوفه من أباطرة وملوك أكثر من بلد في العالم، حتى لو اقتصر الأمر على انقطاع كهربائي بسبب عُطْلِ في التيار.

    كيف نسي الحسن الثاني بسرعة « درس » الانقلابين العسكريين؟

    صرح الحسن الثاني،  يوم 25 غشت 1972، أي أياما قليلة بعد انقلاب عاشر غشت 1972 لجريدة « لوفيغارو » الفرنسية قائلا: « يجب ألا أمنح من الآن فصاعدا ثقتي لأي كان، إنها صدمة أُلقنها لنفسي  أولا من خلال اتخاذي لهذا القرار، غير أن الأمر لا يتعلق بشخصي، بل بملايين الناس الذين أقود مصائرهم، بعد الله، لذا فإن اعتباراتي الشخصية، لا يجب أن تكون أثقل من هذه الالتزامات ».

    لم يف الحسن الثاني بهذا التعهد، ونسي الدرس.. كيف ذلك؟  إن الخطأ ذاته الذي كان قد ارتكبه بالاعتماد على الجنرال « أوفقير » كرره مرة أخرى، بنفس السيناريو مع جنرال آخر هو « أحمد الدليمي ».. غير أنه حسب طبيعة النظام الفردي، الذي كرسه الحسن الثاني، هل كان بإمكانه تجنب مسألة وجود رجل سلطة قوي من بعده؟ سيما في بنية سلطة شديدة التركيز، يلعب فيها رجال الأمن والجيش الدور الأساس في استمرارية النظام.. مما يفرض حضورا ومتابعة لصيقين، لشؤون ممارسة السلطة، وهو ما لا يمكن أن يفعله رجل واحد، وفي ذلك كان حتميا أن يصعد نجم الجنرال الدليمي، بعد مقتل أستاذه الجنرال « محمد أوفقير ».. لقد كان الحسن الثاني مُجبرا على منح « الخطوط العريضة » لسياسته، لكنه كان دائما في حاجة ماسة، إلى رجل قوي، يسهر على التنفيذ وفق منظور أمني دقيق، وهو الدور الذي أسنده للجنرال الدليمي، غير أن المأزق الأمني الذي كانت تنطوي عليه هذه الوصفة، تمثل في أن الرجل الثاني في النظام، يصل إلى مرحلة (تماما كما حدثت مع الجنرال « أوفقير » من قبل) يجد فيها الفرصة سانحة، للاستحواذ على مقاليد الأمور، وهو ما حدث فعلا.

    وفي لحظات مُعينة، يحدث بين الشخص الذي أراد الاستحواذ على السلطة، والأمر يتعلق بالدليمي، ضمن هذا السياق، وبين الذي أراد الاحتفاظ  بالعرش، أي الحسن الثاني، أن يصل المدى إلى الصراع « الصامت/الصاخب ».. وهو ما حدث بالتحديد، بين الملك وجنراله مما انتهى بـ « وفاة » هذا الأخير في حادث سيارة يوم 25 يناير 1983.

    « رشاوى » الحسن الثاني إلى كبار رجال الدولة

    فهم الحسن الثاني جيدا، بعد سلسلة محاولات انقلابية استهدفته وحكمه، أن عليه شراء « رضا » كبار رجالات الدولة الأمنيين والمدنيين والعسكريين، لذا عمد بدافع هاجس أمنه الشخصي واستمرار نظامه، إلى إغراقهم بالهدايا، ومنحهم مساكن باذخة عبارة عن « فيلات » في أرقى الأحياء السكنية، وضيعات في ملكية الدولة، انتقلت إليها عبر سياسة « المغربة » عقب رحيل الاستعمار الفرنسي، ورخص الصيد في أعالي البحار، واستغلال مقالع الرمال.. إلى غيرها من الامتيازات، في دولة الريع الاقتصادي، أما بالنسبة لكبار بارونات الدولة، ممن لم يتسنَّ لهم، لسبب أو آخر، الاستفادة من « أُعطيات » الحسن الثاني لضمان « ولائهم » وبالتالي أمنه و « سلامة » نظامه، فقد كانت هناك دائما الصناديق المالية العمومية، لتمنح لكبار القوم في الدولة، قروضا مُجزية بلا ضمانات استرداد تقريبا، ناهيك عن باقي وسائل الاغتناء من كل الأنواع، منها أعمال التهريب.. لقد كان كل شيء « صالحا » لهدف واحد: شراء الأمن الشخصي للحسن الثاني، وسد أطماع الطامعين، من المقربين في الاستيلاء على الحكم.

    تقارير النساء هي « صمام » الأمن  

    كان الحسن الثاني يحرص كلما عاد من إحدى سفرياته إلى الخارج، على مُجالسة كل واحدة من حريم القصر رأسا لرأس، والسؤال الوحيد الذي كان يُريد جوابا عنه هو: ماذا حدث في غيابي؟ طبعا لقد كانت لديه أعين رجال الحاج « محمد المديوري » غير أنه كان يحتاج إلى تقارير أكثر « حميمية »، من مثل: بمن اتصلت هاتفيا هذه المحظية أو تلك، خلال فترة غيابه؟ وماذا قالت أخرى عنه؟ وهل كانت تنظر إلى ألبوم صوره الخاصة، الموضوعة رهن إشارة أعين نساء الحريم؟ إلى غيرها من التفاصيل الحميمية، وكانت كثيرا ما تنزل العقوبات على بعض النساء، لا لشيء إلا لوشاية، تم « تركيبها » بناء على روايات بعض قاطنات الحريم، ممن تكون لديهن « صراعات » و خصومات حول مَن تستطيع الظفر ب « حظوة » أفضل لدى الملك، غير أن الحسن الثاني، كان يستخدم تلك التقنية النسائية لـ « ضبط » الأمور الأمنية، في قعر مقرات إقامته، فمن يدري؟ قد تتوفر جزئية معلوماتية « بسيطة » تخرج عفوا من فم محظية « متحمسة » لكنها  – أي المعلومة – قد تشي بأمر خطير، مثل إعداد قد يكون قائما على قدم وساق، بين بعض نساء الحريم، وأطراف سياسية أو أمنية خارجية، للإجهاز عليه بطريقة ما، في قلب القصر.

    لهذه المخاوف تُعزى تلك الدقة، التي كان يعتمدها الحسن الثاني، في « استنطاق » نساء حريمه واحدة واحدة، حتى « يغربل » رواياتهن لما حدث في غيابه، بأدق التفاصيل. وذلك بطبيعة الحال، بعدما يكون قد « تخلص » من كثير مما « لا نفع » فيه، وبتلك الطريقة كان يستطيع التوفر دائما على مُعطيات « حميمية » لا تكون في متناول « أعين » قط القصر، أي رجال الحاج محمد المديوري.

    شرطي الحسن الثاني برتبة وزير

    كانت العبارة الوحيدة، التي يُرددها البصري مثل لازمة، هي « هاذ شي ما غاديش يعجب سيدنا ».. وهو ما كان يعبر عن هوس « كبير وزراء » الحسن الثاني بأمر الأمن: المبرر الوحيد الذي جعله « يتسلق » المراتب، من مجرد مفتش شرطة بسيط، أواخر سنوات عقد الستينيات من القرن الماضي، ليصبح وزيرا للداخلية، وهو المنصب الذي استمر فيه لمدة تُقارب الثلاثة عقود، فما السر في ذلك يا تُرى؟

    لقد فهم « إدريس البصري » أكثر من أي شخص آخر، من بين الذين عملوا إلى جانب الحسن الثاني، أن هذا الأخير، كان مشغولا بأمر واحد: الأمن والاستقرار، أي أمنه الشخصي، واستقرار النظام الملكي، وقد كرَّس إدريس البصري نفسه لأداء هذا الدور طيلة حياته، لدرجة أنه كان يبيت فيه مكتبه بوزارة الداخلية الليالي الطوال، في حالة تأهب دائم، للجواب على الأسئلة، التي كانت تعن للحسن الثاني في أكثر من ملف، أكثرها وأهمها بطبيعة الحال، كانت تلك التي تتصل بقضايا أمنية. روى أحد الصحافيين، ممن كانوا قد اختاروا « العمل » مع إدريس البصري، إلى جانب فترة « الدوام » في إحدى الجرائد الحزبية، أن إدريس البصري تلقى اتصالا، في وقت ما بعد منتصف الليل، من الحسن الثاني، في شأن إحدى الجرائد التي كانت قد أصدرتها للتو، جماعة إسلامية في إحدى سنوات منتصف عقد الثمانينيات، وما هي إلا دقائق حتى كان البصري قد جمع كل المعطيات، عن الجريدة المذكورة، بدءا بمن يكتب فيها ويرقنها والمطبعة التي تطبعها، والكثير من التفاصيل المملة، التي قد تكون بلا جدوى. وربما لهذا السبب كان الحسن الثاني « يندهش » من كل تلك القدرة على العمل « الأمني » لدى « كبير » وزرائه، لذا لم يتورع الحسن الثاني عن القول له يوما: « شوف آ سي دريس نتا غادي تبقى ديما بوليسي ».

    اعتمد الحسن الثاني على « خدمات » إدريس البصري، في مرحلة حاسمة وحرجة من مساره على رأس نظام الحكم، وذلك بالتحديد في الحقبة الموالية، لما بعد المُحاولتين الانقلابيتين، حيث كان الحسن الثاني، قد احتاج إلى الشخص القادر على « تفجير » كل المصالح الاستخباراتية من الداخل، وجعلها في خدمة تصور واحد، هو الأمن الشخصي للملك، وهي المهمة التي أفلح فيها إدريس البصري، وتحول إلى رجل المعلومة الأمنية الوحيد، بعدما استطاع أن يمحور عمل كل مصالح الأمن السرية والعلنية، حول أدائه، وبالتالي كانت الصورة الشهيرة عنه وشبه الدائمة، تظهره متأبطا ملفاته، ومتجها إلى ملعب الغولف بالقصر أو في أي مكان آخر، حيث يكون الملك، ليسلمه آخر التقارير الأمنية.

    لقد استطاع « إدريس البصري » أن يجعل كل شيء خاضعا للمنطق الأمني، في البلاد، ذلك لأنه كان يعرف أن « جدوى » بقائه في منصب « كبير وزراء » الحسن الثاني رهين بمدى أداء دور الشرطي الأول، في هرم دولة قائمة على هاجس الأمن الشخصي للملك، واستقرار النظام الملكي.

    م. حيران

    المصدر

  • المغاربة يحتاجون للحقيقة أكثر من الخبز والوظيفة

    بقلم حميد المهدوي

    بشكل غريب ومثير للدهشة طلب عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية من أعضاء حزبه أن لا يدخلوا في سجالات مع خصومهم السياسيين بدعوى أن تلك السجالات تجر الحزب ووزرائه إلى معارك هامشية تلهيهم عن معاركهم الحقيقية.

    وتفيد مصادر صحفية أن قياديين من حزب « المصباح » طلبوا « الهدنة » من إلياس العمري عبر وضع حد للحرب الإعلامية التي خاضها الأخير، مؤخرا، ضد بعض قياديي حزب « البيجيدي » بينهم عضو الأمانة العامة للحزب عبد العالي حامي الدين وعضو المجلس الوطني عبد العزيز أفتاتي.

    وكان رئيس الحكومة قد جذع أذني الحبيب الشوباني، الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان، عندما حاول الأخير انتقاد مهرجان موازين.

    ولو عاد « السيد » بنكيران إلى التاريخ الإسلامي وتصفح مجرياته وأحداثه بعناية تماثل تلك العناية التي يتصفح بها حسابه البنكي كل شهر، لوجد تاريخا مليئا بالمناظرات والسجالات التي كان يخوضها « الصحابة » ضد « الكفار » مثلما سيجد عشرات الأحاديث النبوية التي تحث على الرد على « المشركين » بينها قول الرسول لحسان بن ثابت: « اهجوهم وروح القدس معك ». وحتى عندما كان أعداء الإسلام يمجدون « هُبل » كان الرسول يقول للصحابة « ردوا عليهم بقولكم الله أعلى وأجَلْ ». أما إذا كان السيد بنكيران يأخذ بقول الله تعالى « واعرض عن الجاهلين » فإن ذلك لا ينطبق اليوم على المغاربة الذين لا يوجد بينهم جاهل اليوم حسب علمنا.

    ففي كل تاريخ البشرية الطويل وفي جل تجارب التغيير والإنتقال الديمقراطي لم يحدث أن طلب زعيم، يسعى للتغيير الحقيقي، من أتباعه وأنصاره أن يبلعوا ألسنتهم ويتوقفوا عن مقارعة خصومهم فكريا وسياسيا.

    والظاهر أن السيد بنكيران قد فاته قراءة التاريخ الروسي والسجالات الساخنة التي كان يخوضها لينين ضد المناشفة وتحديدا ضد زينونيف وكامنيف وبليخانوف حول طبيعة الثورة التي كانت تنتظر روسيا عشية ثورة 1917 والدور الكبير الذي لعبته تلك السجالات في صقل وعي المواطن الروسي حتى انتفض على القيصر في السنة المذكورة، مثلما فاتته السجالات الكبيرة التي خاضها المذكور ضد روزا لوكسمبورغ زعيمة الحركة العمالية بألمانيا، حول عدد من المسائل التنظيمية العالقة بالنسبة للحركة العمالية العالمية.

    في كتاب طبائع « طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد » يوضح صاحبه عبد الرحمان الكواكبي أن أهم شرط ينبني عليه الإستبداد في أي نظام سياسي مستبد هو إعتبار الرأي المخالف خارج عن القانون مما يستدعي معاقبته بعد أن يتم مصادرة كل السجالات الفكرية والسياسية، وهكذا تبنى الأنظمة الإستبدادية.

    وربما قرأ الجميع « تاريخ الثورة الفرنسية » لصاحبه « ألبير سبول » الذي وثق في كتابه السجالات القوية التي كان يخوضها « اليعاقبة » ضد « الجيرونديين » حول برنامج الثورة الفرنسية ومآلها وآفاقها والدور الذي لعبته تلك السجالات والمواجهات في إذكاء الوعي الفرنسي، حتى إن ديغول عندما حرضه البعض على إعتقال فيكتور هيكو ذات يوم قال « لا يمكن أن اعتقل فرنسا ».

    لقد ظل المغاربة لسنين طوال يستهلكون رواية واحدة كانت تصدرها جهة واحدة مما حرمهم من الكثير من الحقائق التي بدأ الغطاء ينجلي عليها مؤخرا مع عدد من السجالات التي يريد السيد بنكيران اليوم مصادرتها.

    ولعل ما يجب أن يعلمه السيد بنكيران وكل من يرى في تلك السجالات أنها مجرد لغو ومواجهات كلامية لا طائل منها أن المغاربة اليوم أحوج إلى تلك السجالات من حاجتهم للخبز والوظيفة لمعرفة الحقيقة؛ لأن تلك السجالات والمواجهات السياسية والفكرية توقظ المغاربة من سباتهم الطويل وتنمي وعيهم الجماعي؛ مصداقا لقول أحد المفكرين العظام الذي يقول : « إن وجود أناس منشقين ومستائين ونقديين ورجعيين يبعث الحياة والحيوية في التغيير الديمقراطي، إن المواجهات الفكرية والسجالات السياسية تنمي عضلات الشعب الإيديولوجية إنهما رياضة وترياق ضد تصلب المفاصل وضد السلبية ».

    المصدر

  • الماسونية والماسونيون في المغرب

    مَن هم الماسونيون المغاربة؟ وما هي شريحتهم الإجتماعية؟ وما هي المناصب التي يشغلونها، في هرم الدولة أم في سفحه؟ وما هي ارتباطاتهم الخارجية، على مستوى الإمتداد الدولي للماسونية؟… هي أسئلة كثيرة مُتناسلة عن واحد من أكثر المواضيع حساسية، في المغرب منذ ما يقرب من قرن من الزمن.

    يرد البعض على السؤال الأساسي، ومفاده: هل يوجد بالمغرب ماسونيون؟ بالقول: لا أبدا، إن الأمر يتعلق بادعاءات لا صحة لها، كل ما هناك أنه وًُجدت انتماءات للماسونية في بلادنا منذ نحو نصف قرن، ثم انتهى الأمر باختفاء الظاهرة، وبالتحديد عندما لم يُفلح التنظيم الماسوني الفرنسي في اختراق بعض وجوه البورجوازية المغربية، النافذة في مجالات المال والأعمال والسياسة، أما آخرون، وبالتحديد المهووسين بالمؤامرة الغربية والصهيونية.. إلخ ففضلوا الشك في مثل هذا الإجابات « التطمينية » مُؤكدين وجود ذراع قوية للماسونية بالمغرب، باعتبارها أكبر واقوى سند للمصالح الخارجية، سيما تلك المرتبطة بالاستعمار (بعد رحيله المُباشر) والصهيونية التي تعمل على تقوية شوكة إسرائيل عبر انحاء العالم.

    وتذهب بعض الطروحات إلى حد القول أن « التغلغل » الماسوني في المغرب، وصل درجة كبيرة من العمق، والأهمية، في المرحلة التي تلت رحيل الإستعمار، ونظرا للغموض الذي يكتنف الموضوع، نظرا لطبيعته الطائفية السرية، فإنه من الصعب التحقق من بعض المُعطيات المُهمة، ومن بينها مثلا القائلة أن كلا من الملك محمد الخامس وولي عهده مولاي الحسن، ومحمد بن الحسن الوزاني، وعبد الخالق الطريس، واحمد بلافريج، وإدريس البصري.. وغيرهم من كبار شخصيات الدولة، كانوا ضمن أعضاء الماسونية، وبطبيعة الحال فإنه من شبه المستحيل التحقق من ادعاءات مثل هذه، ما دام أن المعنيين بها، لم يعترفوا بهكذا اتهامات في حقهم، كما أن الأخوية الماسونية، تتضمن ثالوث قسم للانتماء إليها يشترط عدم الإفصاح عن هويات « الأخوية » ولو تحت التهديد بقطع الرأس. وبذلك سيظل الغموض سيد الموقف فيما يتعلق بالوصول إلى مُعطيات دقيقية بهذا الصدد.
    شرفات ماسونية وطقوس

    مهما يكن من أمر فإن المُؤكد هو وجود « شرفات » (جمع شرفة: الوحدة التنظيمية الفرعية للتنظيم الماسوني) في المغرب، وذلك وِفق مُعطيات مسنودة بدلائلها القوية، وأن تلك الشرفات تضم عددا ما الشخصيات المغربية من مجالات السياسة والمال والأعمال.. وأن اشتغالها (أي الشرفات) يتم بغاية السرية والتحفظ، تحت إشراف ومسؤولية « شُرفة المغرب الكبرى ».. وإذا ما اخذنا بعض التقديرات « المحتشمة » فإن عدد الماسونيين المغاربة، لا يتجاوزون مائتي عضو ممن يتحملون مسؤوليات في الشرفات المغربية، وعلى سبيل المقارنة فإن فرنسا تتوفر على 140000 مُنتسب، وهو ما يجد تفسيره في قِصر المدة التي شهدت خلق « شرفات الماسونية المغربية » العملية، والتي لا تتعدى خمس سنوات، أما « الشرفة المغربية الكُبرى » كتنظيم رمزي، فيعود إلى سنة 1965، تحث اسم « شرفة الأطلس الكبرى » لتتخذ اسمها الذي تُعرف به الآن أي « شرفة المغرب الكبرى » سنة 1972، بإيعاز من مُعلمها الأكبر وهو شخص فرنسي مجهول الهوية، كان مُستقرا بمدينة الدار البيضاء، وللتو عرفت الشرفة تحت اسمها الجديد نجاحا ملحوظا، حيث استطاعت استقطاب 120 « أخ » جديد في ظرف لا يتعدى عامين، أخذا بعين الإعتبار الشروط الدقيقة والصعبة للحصول على عُضوية إحدى الشرفات الماسونية (أنظر الشروحات في مكان آخر ضمن هذا الملف).

    وحسب ذات المعطيات فقد انضمت للشرفة المغربية الكبرى، شخصيات مغربية نافذة من بينها جنرال جيش ذو كفاءة عالية مشهود بها، والذي لم يجد حرجا في ان يكون ضمن نفس التنظيم الماسوني المحلي، جنبا إلى جنب مع رب مخبزة وصانع حلويات، أو صاحب متجر لبيع لعب الأطفال، غير أن الاستغراب سيزول إذا علمنا ان جوهر « عمل » التنظيم الماسوني يقوم في جانب أساسي منه، على خلط جميع الرتب الاجتماعية، سعيا إلى ضرب من التنويع والإغناء في الإنتماء لإخويتها، غير أن هذه الخاصية نحت مع مرور الوقت، إلى نوع من الإصطفاء، يجعل الإنتساب محصورا في علية القوم، من كبار رجال المال والأعمال والسياسة.. مما يجعل الشرفة المغربية الكبرى أشبه بالنادي الخاص جدا، لتصبح حسب أحد المُنتمين: « مجالا ضيقا لنخبة النخبة، تعكس وضع التراتبية السلطوية والاجتماعية كما هو موجود في البلاد ».

    وفي تفسيره لسبب انتمائه الماسوني يقول نفس المصدر السابق وهو طبيب معروف بالعاصمة الإقتصادية في نحو العقد الرابع من العمر: « لقد انتسبتُ للتنظيم الماسوني المغربي، لأقول حبي للمغرب » مُضيف: « فعلتُ ذلك بحثا عن إجابة وجودية، أو بالأحرى فلسفية، وسأظل منتسبا من اجل متعة الأخوية » ومستطردا: « أذهب لإجتماع الشرفة غالبا بعد يوم عمل شاق، لكني أعود في آخر الليل سعيدا ومُفعما بالحيوية ».
    هل يتلخص عمل الشرفة الماسونية في تحقيق السعادة لأعضائها؟

    حسب ما يُستفاد فإن عناصر الإستماع الأشبه بطقس الاعتراف المسيحي، والتضامن، وتبادل المصالح المشتركة، تجد لها مكانا أثيرا في الأخوية الماسونية، وإذا كان الأمر على هذا النحو، فلماذا كل تلك الحُجُب من السرية في الكشف عن الهُويات الحقيقية للمنتسبين للشرفات الماسونية؟ ولماذا كل ذلك الحرص على عدم الإفصاح عن الطقوس السرية التي تتخلل « شعائر » الإنتماء والنقاشات وطبيعة المسؤوليات..؟ إن الأسرار كثيرة تمتد على مدى زمن يُقارب القرن من الزمن، على أول إعلان لوجود تنظيم ماسوني بالمغرب.

    وحينما نقول بطابع السرية، نذهب رأسا إلى الأعمال المشبوهة والتجاوزات، وبالفعل فإنه مع مرور الوقت، ومرونة معايير اختيار « الإخوة » وصراعات بينية داخلية، لتضارب في المصالح، أدى إلى الخفوت التنظيمي، ولم تستطع المُثل العليا للماسونية، وهي « التضامن والحرية والعدالة » الصمود في وجه الإنحرافات الانتفاعية، لدى بعض « الإخوة » الماسونيون المغاربة، والنزاعات الداخيلة التي تلتها، ففي شهر دجنبر من سنة 1985، قرر المعلم الكبير للشرفة الماسونية المغربية الكبرى، وهو رجل صناعة في مجال العطور، تجميد عمل الشرفة، تبعا لنصيحة أحد أصدقائه كان حينها يشغل منصب عامل مدينة كبيرة، سيما ان هذا الأخير كان على وعي، تسنده مُعطيات الواقع، بتنامي التطرف في البلاد، والخطورة التي يمثلها على التنظيم الماسوني المحلي، لذا كانت نصيحته للمنتسبين بالاختفاء وتجميد أنشطتهم « الأخوية » وهي « نصيحة » لها وجاهتها بالنظر إلى نظرية المؤامرة الخارجية « العزيزة » لدى الأصوليين المتطرفين والمعتدلين على السواء، وهو ما تُغذيه اعتبارات العمل السري التي تحكم « عمل » و « أنشطة » الخلايا الماسونية، وبالتالي يسهل توجيه الاتهامات للماسونيين المغاربة، ومنها ارتباطاتها الوثيقة بالتنظيم الماسوني الفرنسي (شرفة الماسونية الكبرى الفرنسية) والصهيونية.

    من المؤكد على مُستوى أشمل، أن التنظيم الماسوني، موجود بشكل راسخ في بلدان ديكتاتورية، أو على الأقل لا تستجيب لمعايير الدمقرطة السياسية الإجتماعية، مثل إيران وسوريا، وعلى اعتبار أقل في تركيا ومصر ولبنان. ومؤكد كذلك أن مسؤولين كبار في سلطات هذه البلدان، وعلى رأسها تركيا، مروا عبر اختبارات الإنتماء الماسوني، حسب الباحث « انطوان صفير » المختص في دراسات العالم الإسلامي.

    مهما كان الأمر فإن السلطات المغربية قررت منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كما سبقت الإشارة، تجميد نشاط التنظيمات الماسونية المحلية، للاعتبارات المذكورة آنفا، ليظل الوضع على هذا النحو على مدى خمسة عشرة عاما، دون أن يفقد « الإخوة الماسونيون المغاربة » الروابط بين بعضهم البعض، ومعها الأمل في إحياء نشاط خلاياهم التنظيمية (الشرفات) كما يؤكد ذلك أحد المعنيين بهذا الضرب التنظيمي منذ أمد طويل، لنستمع إليه: « حيثما هبت ريح التسامح والعدالة تجد الماسونية مكانا لها ». وكان « الإحياء « التنظيمي تحت إشراف « إيميل واكنين » وهو رجل أعمال مُستقر بالرباط، وذلك بالتحديد يوم 15 يونيو من سنة 2000، وتم ذلك وِفق كل الطقوس التقليدية الماسونية، في مدينة مراكش، بوصاية من « شرفة الماسونية الفرنسية الكبرى » حيث سمحت هذه الخيرة للمغرب، وللمرة الأولى، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بإيواء « أخوية » ماسونية « مُنتظمة » لها مُقومات أقرب لجماعة « تانك تانك » الأمريكية الشهيرة، وتضم في صفوفها نخبة من الأطر المغربية منهم إسلاميون مُعتدلون.

    إن من امتيازات لقب « الأخوية » الحصول على الاعتراف الرسمي من طرف « الشرفة البريطانية الكبرى المُوحدة » وهي الشرفة الأم لكل الأخويات الماسونية عبر العالم، غير أن هذا « الترقي » التنظيمي للماسونيين المغاربة، لم يمنع الخلافات البينية العميقة بين هؤلاء الأخيرين، وهي الخلافات التي أدت بعد ذلك، إلى إعلان « بوشعيب الكوهي » وهو مهندس من البيضاء، كمعلم كبير جديد للأخوية الماسونية المغربية.

    تمكنت الأخوية الماسونية المغربية، من تسجيل نشاط ملحوظ في علاقاتها مع نظيراتها الأمريكية، وذلك على اعتبار أن اللوبيينغ هو المجال الأثير بالنسبة للتنظيم الماسوني حيثما كان، وهو ما استطاعت الأخوية الماسونية المغربية استعماله على النحو الأفضل، سيما أن الأخوية المغربية المعنية منحت لرجل أعمال من جنسية مزدوجة (فرنسية لبنانية) يُدعى « بيير موسلي » منصب ممثلها في الولايات المتحدة، نظرا لعلاقاته المتشعبة في أروقة منظمة الأمم المتحدة، غير أن التنافس على هذا المستوى الدولي، دفع « شرفة الماسونية الفرنسية الكبرى » إلى نزع الاعتراف بنظيرتها المغربية، سنة 2004 وخلق شرفة أخرى تحت وصايتها المُباشرة، منحت رئاستها ل « سعد لحريشي » وهو رجل قانون في الأربعين من العمر، وليتم بذلك دفع « واكين » إلى باب الخروج من المسؤولية التنظيمية، وبرأي السيد « لحريشي » فإن « أساليب الاستقطاب لم تعد مفتوحة كما كان الأمر في السابق » مُفسرا: « إن العكس سيقودنا إلى اعتباطية عملية الاستقطاب وبالتالي ابتذالها، بعيدا عن عنصر الغِنى المعنوي، والقيم الأخلاقية التي ندعو لها ».

    غير أن هذا لا يمنع الإخوة الماسونيون المغاربة، من دعوة الآخرين إلى الانضمام لأخويتهم، لكن مع الحرص على الدقة أكثر مما كان عليه الأمر في السابق، والأمر الآخر الجديد الذي يُثير الإستغراب، هو أنهم يشعرون بحرية اكبر في القيام بنشاطاتهم « الأخوية » بحرص أقل فأقل على اتباع شروط السرية، وهو ما يُحيل على تساهل السلطات مع عملهم، لكن هذا لا يُعفيهم من اتقاء عداء الإسلاميين اللذين يستهدفونهم بخطابات مُعادية.

    نجد نفس الحذر من جانب « الأخوية » الماسونية الرائدة في المغرب، التي تم وضعها في ثلاجة التجميد، كما سبقت الاشارة، والتي أعادت إشعال فتيل وجودها يوم 21 يونيو سنة 2001، برئاسة رجل أعمال يشتغل في مجال التأمينات، بالبيضاء، وهو ما يُحيل على أن مِهن التأمينات بالمغرب تُغذي « الأخوية الماسونية المغربية » بأفضل أطرها وكبار مسيريها، وتتوفر هذا الأخوية اليوم على خمس شرفات ثلاثة منها توجد في الدار البيضاء، والإثنتان الأخريتان بمدينتي الرباط ومراكش، كما توجد شرفة أخرى خاصة بالنساء، وهو مُعطى فريد بالنسبة للمغرب، في كل بلدان العالم الإسلامي حيث يوجد نشاط ماسوني مُنظم.

    وقد عقدت الأخوية الماسونية المغربية، اجتماعها العام السنوي، منتصف شهر أبريل من هذه السنة (2010) بمدينة الدار البيضاء، بحضور شخصيات ماسونية دولية ويُعتبر الإجتماع السنوي « شاملا » و « دقيقا » في نفس الوقت، وله اهمية قصوى في قضايا مصيرية بالنسبة للأخوية والمُنتسبين إليها، حيث يتم تقييم (والإشادة بعمل الأخوية الماسونية المغربية للأخوية العالمية الأم) أما الإجتماعات الشهرية، فتخصص للنقاشات حول تيمة الحقيقة ورموز الشعار الثلاثي للماسونية، في معبد تملأه أصداء نداء طقوسي خاص، وإذا كان هناك من هدف أكبر للأخوية الماسونية المغربية، فإنه يتمثل في الإشعاع على المستوى الدولي، بالنسبة للبلد الذي تنشط فيه، وما حضور شخصيات ماسونية أجنبية مهمة، إلا دليل على محورية هذا الهدف.

    شروط الإنتماء للأخوية الماسونية

    هل يُمكن اعتبار الأخوية الماسونية المغربية شبكة تأثير؟

    نعم ، يُجيب أحد قيادييها المغاربة، مُضيفا: « إن هذا أمر أكيد، لكنها شبكة تأثير مُهمتها بناءة بالنسبة للبلاد المُستضيفة للأخوية، ففي العمق فإن الأهم بالنسبة للتربية الماسونية، هو تلك الخطوة الإختيارية للشخص الذي يريد بلوغ حقيقيته الذاتية، وبالتالي عبور الممر الرمزي من الظلمات إلى النور ». وهو ما يتم، حسب نفس الشروط، من خلال مُشاركة طقوسية في تأملات فلسفية، واقتصادية أو رمزية، حيث يبحث كل واحد عن سبيله، كما يحدث في مجال الصوفية، وكما تشرح ذلك « فرانسواز بلانشي » وهي المعلمة الكبيرة للشرفة الماسونية الفرنسية النسائية الكبرى، بطريقتها: « يجب ألا يكون هناك تغليط ذاتي، إن الماسونية قبل كل شىء اشتغال على الذات، ومع الآخرين، وهذا لا يمت بصلة لأي ملمح فلكلوري، بالرغم من مكونات الديمور التي نحيط بها طقوسنا ».

    « فرانسواز بلانشي » استُقبلت من طرف « أخواتها » المغربيات ومن بينهن استشارية في العقد الرابع من العمر، وبالنسبة لها فإن « الماسونية منهجية رائعة لتعرف أفضل على الذات، وبالتالي الذهاب إلى الأهم، وحينما نصبح أصفى نشع، ونرانا مواطنا عالميا ».. للوصول إلى ذلك، يجب حشر الشخص المُنتمي للمحفل الماسوني، نفسه في قاعة على شكل محكمة بلا ادنى شروط الراحة، والانغمار في تأمل تحت ضوء خافت، ثلاثي الأبعاد ترمز إلى: القوة والجمال والحكمة. وأيضا قِيم اكثر تجريدا مثل التسامح والنزاهة والطيبوبة، والمجد لمسؤولي هيكل الحب، هل لكل هذه الأمور من معنى؟ الجواب الذي يتلقاه الوافد الجديد على مثل هذا السؤال هو: ادخل وستفهم.

    محاذير الإنفتاح و « فوائد » الإنغلاق الماسونِيَيَنِ

    ثمة العديد من الاختيارات المُتعارضة التي تهز عالم الماسونية على المستوى الدولي، وذلك بين المُنادين بانفتاح القبيلة الماسونية وبالتالي المُساهمة في إغنائها، وحراس طقوسها السرية اللذين يريدون الاحتفاظ بالحدود مع العالم غير الماسوني.

    ففي فرنسا مثلا، حيث تبرز مثل هذه النقاشات، اكثر من أي مكان آخر في العالم، فإن القائلين بالانفتاح قلقون من الحدود المفروضة على عنصر إشعاع الثقافة الماسونية، وذلك من خلال غيابها شبه الكامل عن النقاشات التي تهز بانتظام المجتمع الفرنسي، لا سيما حين تكون متعلقة بمواضيع أثيرة لدى الماسونية، من قبيل: حقوق الكائن البشري، وتكافؤ الفرص، والروحانيات.. إلخ.

    أما في المغرب فما زال النقاش محصورا بين مدى أهمية أو عدم أهمية الإفصاح عن وجود مؤسسة ماسونية وطنية، وهو ما يكشف عن الشرخ الذي يفصل المغرب عن باقي العالم « الحر ».

    وفي هذا الإطار يُمكن النقاش الدائر بين الأوساط الماسونية المغربية، حول قرار خلق موقع الكتروني خاص بالأخوية الماسونية المغربية، حيث يرى البعض من المعنيين مُباشرة بالموضوع، أن من شأن الإقدام على هكذا خُطوة تجريدا مُؤسفا، للأخوية من طابعها « الصوفي المثالي »، وآخرين يرون في ذلك القرار خطوة شجاعة، سيما اسم وصورة « المعلم الأكبر » الذي يتصدر موقع الأخوية، غير أن هذا لا يعني أنه تم الكشف عن كل شىء ما دام أن عنوان الأخوية لا يُحيل على ما يمكن اعتباره مقرا لمؤسسة من القبيل الذي نتحدث عنه، كما أن رقم الهاتف المُعلن عنه يعود لوكالة بنكية. مما يعني أن طابع السرية عن الأخوية في المغرب ما زال ساريا.

    المصدر

    [youtube https://www.youtube.com/watch?v=i6efLmh0sac]

  • أسرار عسكرية وسياسية ودبلوماسية عن المغرب

    نشر موقع ويكيليكس الذي أضحى على كل لسان بالعالم وثائق سرية أمريكية تكشف ما تقوم به سفارة واشنطن بالرباط من أعمال تجسسية لم تفلت منها لا صغيرة ولا كبيرة، إذ تم تضمين مئات الوثائق ما ورد عن سفارة أمريكا بالرباط من معطيات مرتبطة بالأسرة الملكية الحاكمة وضيوفها وأداء الحكومة زيادة على معطيات أخرى تهم كافة المجالات الحياتية بالمملكة، خاصة الفوسفاط والتعاملات المغربية الفرنسية، وأفصح عن مواقف مسؤولين مغاربة تجاه دول وأحداث عالمية.
    وقد قال سفير أمريكا بالرباط بأن الرئيس ساركوزي قد نال غضب الملك المغربي أثناء إحدى الزيارات بعدما جلس بطريقة غير سوية واضعا رجلا فوق رجل في تناف مع البروتوكول الملكي الصارم، في حين أثير الحديث عن تأييد الرئيس الفرنسي لمقترح الحكم الذاتي المغربي بالصحراء، كما أثار ويكيليكس موضوع علاقة الملك محمد السادس بالحكم بعدما نشر نص برقية تقول بأن المغرب متعاون في القضاء على الإرهاب رغم زهد العاهل في الحكم.
    وكانت المفاجأة حاضرة ضمن التقارير السرية الأمريكية حين تم نشر نص لائحة تتوفر عليها المخابرات المركزية الأمريكية بأسماء شخصيات ينبغي اغتيالها، إذ تواجد بين الأسماء المطلوبة ميتة اسم الجنرال المغربي المتوفي احمد الدليمي، ذلك أن الوثائق المنشورة تهم الفترة الممتدة من منتصف الستينيات إلى اليوم، وتطرقت أيضا لممارسات الصيد السرية التي يدأب على القيام بها عدد من قادة العالم فوق التراب المغربي الجنوبي.

    وقال ويكيليكس بأن المغرب قد قطع علاقته مع إيران بإيعاز من السعودية التي استغلت غضب الملك محمد السادس من نشاطات السفارة الإيرانية المعتدية على مكانته الدينية والعامدة لنشر المذهب الشيعي، وأن المغرب قد طالب من أمريكا العمل على إزاحة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، كما فضح بأن المغرب قد طالب عددا من الدول بمنع إيران من الحصول على قنبلة ذرية خوفا من أن تليها الجزائر في التوفر على هذا السلاح الفتاك.

    ونسب لوزير الخارجية المغربي تأكيده، على هامش قمة جامعة الدول العربية عام 2009، عن عزم المغرب التعامل علنا مع الكيان الإسرائيل تحت غطاء الاتحاد من أجل المتوسطي الذي كانت حريصة على إخراجه للنور الدولة الفرنسية لنيكولا ساركوزي.

    كما فضح ويكيليكس تصريحات لياسين المنصوري، مدير المخابرات العسكرية، كان قد وجهها لمسؤول لسيناتور أمريكي بتفضيل المغرب للاستقرار بموريتانيا عوض إشاعة جو ديمقراطي، إضافة لما تم تعميمه على الملأ من دور مغربي في تسليح العسكر بالنيجر ومساعدتها على التصدي لمتطرفين، وكذا استقبال الرباط للحاكم العسكري لغينيا بتعليمات أمريكية تمهيدا لانتقال السلطات للمدنيين.. حيث أكد المنصوري أيضا ضمن حديث مع نفس عضو مجلس الشيوخ بأن النزاع حول الصحراء مع الجزائر والبوليساريو قد ثنى المغرب عن محاصرة توسع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.

    كما نشر ويكيليكس نص تقرير عن زيارة القائد الأول لأفريكوم صوب المغرب العام الماضي وما شهدته من توقيع لاتفاقات مع المفتش العام للقوات المسلحة المغربية الجنرال عبد العزيز بناني، ودلت ذات الوثيقة على وجود ترخيص مغربي للطائرات العسكرية لسلاح الجو الأمريكي باختراق الأجواء المغربية ضمن عمليات حماية الساحل الإفريقي من تنظيم القاعدة واستهداف معسكراته.. واهتمت أمريكا أيضا بقضية بليرج، حيث سجل جواسيسها بأنها تمت وسط محاكمة مطبوخة نسبة لتصريحات الدبلوماسي اليهودي البلجيكي بالرباط يوهان جاكوب، حيث سطرت بأن الأحكام كانت جاهزة ومسبقة لعدم إمكانية القاضي التوصل للأحكام في 12 ساعة وفي حق 35 متهما، زيادة على خروقات شكلية مست ترجمات وثائق عرضت بالفرنسية والهولندية وأشير لمحتوياتها شفويا أثناء انعقاد الجلسات لا غير.

    وينتظر أن يعمد مدير الموقع ذاته على نشر عدد من الوثائق السرية الأمريكية حول المغرب، إذ يبلغ عددها 2000 وثيقة منها 245 تقرير بخصوص مجريات الأمور بالأقليم الجنوبية الصحراوية والجدل القائم بها بين موالين للبوليساريو ووحدويين والسلطات، وهي الوثائق التي كانت موجهة لوزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين.

    وقد أفلح ويكيليكس في نيل تتبع العالم بعد إثارته لأزمات دولية جراء ما يصفه ب (حماية الحقيقة)، إذ كشف تصريحات عنصرية لزعماء دول وفضائح مالية لآخرين، زيادة على دوافع مزاجية آخرين، وذلك بناء على الأداء الخفي للدبلوماسيين الأمريكان المنتشرين حول العالم.

  • بعد فضيحة الفيديو المسرب.. البشير السكيرج يغادر المغرب نحو أمريكا

    علمت جريدة الحياة اليومية، قبل قليل، أن الفنان والمخرج المسرحي البشير السكيرج، غادر المغرب نحو أمريكا، أيام قليلة بعد فضيحة الفيديو المعلوم(..).

    وحسب مصادر الجريدة، فإن زوجة السكيرج الأمريكية زارت المغرب مؤخرا، ثم غاردته مساء يوم الأربعاء 05 دجنبر، رفقة زوجها البشير نحو إسبانيا ومن تم إلى أمريكا حيث يستقران.

    ومازال لم يعرف بعد ما إذا كان السكيرج سيستقر بأمريكا نهائيا أم أنه سيعود أدراجه نحو المغرب.

    وكان البشير السكيرج قد أثار ضجة بمواقع التواصل الاجتماعي، بسبب شريط فيديو مصور مسرب، ظهر فيه يوجه الكثير من الاتهامات يمينا وشمالا ويتحدث عن العائلة الملكية، وقد أتى على ذكر أسماء نافذة في الدولة بينها جنرال نافذ(..).

    المصدر